ثقافة لوم الضحية

4
ثقافة لوم الضحية, ثقافة منتشرة في كافة أرجاء العالم بحيث لا يختلف الأمر كثيرا بين شعوب دول العالم الثالث وشعوب العالم المتقدم.
يفضل البعض إلقاء اللائمة على الضحية إن كان ما حدث لها من جرم يمكن على حسب تقديرهم الاحتياط منه, هم في واقع الأمر يضعون أنفسهم مكان الضحية لأنها تشبههم, بمعنى أن رجلا ترك سيارته مفتوحة سيلقي عليه الجميع باللائمة على تعرضه للسرقة لأنهم يحرصون دائما على إقفال سياراتهم, في حين أن هذا الرجل أهمل ممارسة روتين يومي ممارس من طرفهم وارتكب ما يجعله "يستحق" السرقة.
هم لا يلومون السارق لأنه بنظرهم سارق ومجرم وبالتالي لومه لا معنى له, كما أنه لا يشبههم فهو شخص شاذ عن قواعد المجتمع وبالتالي لا يمكن توجيه خطاب اللوم إليه.

ولتفصيل الموضوع أكثر ومحاولة فهمه سأقسمه لأجزاء قد لا تتعلق بشكل مباشر بظاهرة لوم الضحايا, لكنها حسب تقديري من الضروري إقحامها هنا بدل تخصيص موضوع مستقل بشأنها, لذا سأنثرها بشكل عشوائي.

1- لوم الفرد عند وقوعه بمشكل بدل البحث عن حل:
لوم الطرف الذي وقع بمشكل أسلوب ينتهجه الأهل بشكل كبير جدا لدرجة تنفّر الأبناء من التواصل مع آبائهم وأهلهم بشكل عام, فعند وقوع الابن بمشكل فهو يفضل التكتم عليه أو طلب مساعدة أصدقائه كي لا ينال التوبيخ واللوم من الأهل على ما حصل له.

وكمثال فقد يطلب الأهل من ابنهم عدم الزواج من فتاة ما فيرفض طلبهم ويقع بعدها في مشاكل معها, هو لن يستشير والديه بشأن هذه المشاكل لأنهم سيرددون عبارات من قبيل: أرأيت؟ أنت لم تسمع الكلام!
المشكلة تكمن في أن الأهل قد يعملون فعلا على حل مشكلة ابنهم ولكنهم سيرددون كل حين أنهم كانوا على صواب وهو على خطأ, وهذا ليس له أي فائدة بالمطلق سوى تأزيم الوضع وإضعاف أواصر المودة والتقارب, فالابن يعلم أنهم كانوا على حق وقد نال درسا تعلم منه وبالتالي هو ليس بحاجة لسماع التوبيخ واللوم, لأن من طبيعة الإنسان أن يبحث عن مبررات للدفاع عن نفسه عندما يتعرض لهجوم من طرف الآخرين, هو سيحاول إقناع نفسه هو ذاته أنه لم يكن مخطئا, أي أن مفعول اللوم في هذه الحالة عكسي.

إذن كنصيحة, إن استشارك أحد المقربين أو الأصدقاء في حل مشكل أنت تعلم أنه كان من الممكن له تجنبه فلا تلمه مطلقا وبدل التركيز على المشكل وكيفية حصوله وطرح أسئلة من قبيل: ومتى حصل هذا؟ وأين كان عقلك حينها؟
ركز في حل المشكل وقل له: حسن دعنا نحاول إيجاد حل لهذه المشكلة.
لأن وقوعه بالمشكلة درس بحد ذاته وهو لا ينتظر منك أن تقدم له دروسا إضافية لأنها لن تفيده في شيء بل ستجعله ينفر منك واللجوء للغرباء لحل مشكلته.

2- لوم الضحية على حدوث جريمة:
يركز الأفراد عادة على الضحية أكثر من تركيزهم على الجريمة والمجرم, فهم سيلومون الضحية على ما حصل لها تماما كما بالأمثلة السابقة التي يلوم فيها الأهل والأصدقاء مقربيهم على وقوعهم في المشاكل.
فلو قرت خبرا من قبيل أن رجلا ترك باب منزله مفتوحا ليلا ثم نام فتعرض منزله للسرقة فإنك على الأرجح ستلوم الرجل على ترك باب منزله مفتوحا وسيردد عدد كبير من القراء عبارات من قبيل "يستحق".
رغم أن الجرم هنا ليس جرم الضحية بل جرم السارق ولا أحد يستحق أن يُرتكب جرم بحقه لأنه لم يحمي نفسه بالشكل الكافي من المجرمين.
الرجل أخطأ بترك باب منزله مفتوحا من ناحية تقصيره في حماية ممتلكاته ونفسه, ولكن تقصيره ليس جرما يستحق نيله للعقاب.
3- الخلط بين حدثين منفصلين:
كثيرا ما يلوم الأفراد الضحية على ما حصل لها نتيجة ارتكابها لخطئ لا علاقة له بالجرم, فبدل التركيز على الجريمة يتم التركيز على وقائع يربطها البعض بالجريمة.
كخبر فتاة كذبت على أهلها وأخبرتهم أنها ذاهبة لمقابلة صديقتها في حين أنها ذهبت لتقابل صديقها وفي طريقها إليه اعترض سبيلها مجرم واعتدى عليها.
هنا سيلوم قراء الخبر الضحية لأنها كذبت وذهبت لتقابل صديقها رغم أنه لا علاقة لهذه التفاصيل بالحادث الذي وقع لها, إذ أن المجرم سيعترض سبيلها حتى لو كانت ذاهبة للتسوق.
خطأ الفتاة منفصل تماما ويشكل موضوعا آخر لا يمكن إقرانه بالجريمة التي وقعت لها.

4- الخلط بين ما هو مشكل اجتماعي وفردي:
أحيانا يتم الخلط بين المشاكل الاجتماعية والمشاكل الفردية, إذ عند تحليل مشكل ما اجتماعيا يتم إلقاء اللائمة على الظروف والبيئة والمسؤولين الغير مباشرين في إنماء هذه الظاهرة والذين فعلا يلعبون دورا في تغذية المشكل.
كمثال: تفشي الإجرام بين الطبقات الغير متعلمة, أو إنجاب عدد كبير من الأطفال بوسط فقير.
على المستوى الاجتماعي فإننا عند إلقاء نظرة عامة على مجتمع ما فنرى أن هناك إجراما متفشيا, ونتحدث حينها عن أن السبب كامن في فشل منظومة التعليم بالبلد وتكريس الجهل من قبل مسؤوليه, قد يجادل أحدهم ويخبرك أنه يعرف أناسا كثرا غير متعلمين لكنهم واعين ومتحضرين, وبالتالي فإنه لا علاقة بين التعليم والإجرام.
هذا خلط بين دراسة مشكل اجتماعي وأسبابه وبين مشاكل الأفراد التي يستحقون عليها العقاب, فنحن عندما نقول أن فشل التعليم بهذا البلد هو سبب تفشي الإجرام فنحن لا نبرر لهؤلاء المجرمين جرمهم بل نشرح أسباب ظاهرة إجتماعية, أي أنه لو تم إلقاء القبض على مجرم ما فإنه سيعاقب على جرمه ولن يبرر صنيعه للقاضي على أنه ضحية فشل منظومة التعليم.

بالمقابل هناك من يلوم الأفراد على مشكل اجتماعي, كإنجاب عدد كبير من الأطفال بوسط فقير, والتي تعد ظاهرة مجتمعية معروفة بكل بقاع العالم, كلما كان البلد أكثر تحضرا كلما انخفض النمو الديموغرافي به, في حين كلما كان البلد فقيرا كلما عرف نموا ديمغرافيا متسارعا.
البعض قد تزعجه هذه الظاهرة فيلقي باللائمة على الفرد الفقير الذي أنجب عددا كبيرا من الأفراد, في حين أن لومه لا يجدي نفعا لأن الموضوع مرتبط بالوعي والتعليم الجيد والمستوى المعيشي المرتفع الذي تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها فيه وليس الأفراد.

لماذا لوم الضحية؟
 الآن دعونا نحاول فهم لماذا يلجأ أناس كثر للوم الضحية بدل المجرم, ولنأخذ مثال الرجل الذي ترك باب سيارته مفتوحا والفتاة التي تعرضت للاعتداء.
- الضحية تشبهنا: كما سبق وأشرت في المقدمة فإننا نلوم من يشبهوننا ومن يتصرفون تصرفا نحن نحرص على ألا نتصرفه, لذا سيلوم سائقوا السيارات الرجال الرجل الذي ترك باب سيارته مفتوحا أكثر من النساء في حين ستلوم النساء الفتاة التي خرجت لمقابلة صديقها أكثر من الرجال...وهذا بشكل عام.
فنحن نضع أنفسنا مكان الضحية لاشعوريا ثم نلومه على إهماله واستهتاره.

- التركيز بالخبر على الضحية: يركز راوي الخبر على التفاصيل المرتبطة بالضحية أكثر من المجرم مما يجعل تركيز سامع أو قارئ الخبر يميل للوم الضحية بدل المجرم المجهول, ودعوني هنا أروي خبر الفتاة التي تعرضت لاعتداء بأسلوب مغاير.
(اعتاد شاب منحرف على تعنيف والديه لمده بالمال لشراء المخدرات القوية وقد أقدم في واضحة النهار على اعتراض سبيل فتاة والاعتداء عليها)
إذن الآن وقد ركزت التفاصيل على المجرم بدل الضحية فإنك ستتعاطف مع الضحية وستلوم المجرم على تصرفه, فأنت لا تعرف إلى أين كانت ذاهبة تلك الفتاة وقد لا يهمك مطلقا أن تعرف, فلو طلبت منك أن تتمهل قبل الحكم على المجرم ودعوتك للتعرف إلى أين كانت تلك الضحية ذاهبة فإنك لن تلقي لكلامي بالا لأنه بنظرك تفصيل غير مهم.

نحن نسمع دائما رواية الضحية الذي يروي لنا تفاصيل الاعتداء عليه أو تعرضه للسرقة وبالتالي يكون موجها لفوهة الانتقادات أكثر من المجرم الذي يكون مخفيا عن الأنظار, إذ أننا لا نسمع رواية المجرم أبدا إلا بعد إلقاء القبض عليه.
وهذا ما تفعله الصحف أيضا وهو التركيز على تفاصيل الضحايا, فوسائل الإعلام لا تقتصر على نقل الخبر فقط بل هي في واقع الأمر صانعة للخبر وموجّهة لنا حيث شاءت تسرد لنا الخبر من زاوية تجعلك تتعاطف أو لا تتعاطف مع الضحية حسب رغبة صانع الخبر.
كمثال الرجل الذي نسي باب منزله مفتوحا ليلا وتعرض للسرقة والذي قد يُروى بتفاصيل إضافية تجعلك تتعاطف مع الرجل (تعرض رجل طاعن بالسن ومصاب بالازهايمر للسرقة بعد أن نسي باب منزله مفتوحا ليلا) 

خلاصة:
إذن كخلاصة تذكر دائما أنه عليك استحضار فكرة (لوم الضحية) ومحاولة عدم الوقوع في فخها عند قراءة أو سماع أي خبر, لأن ما حصل قد حصل ولوم الضحية لا يختلف عن التشفي المنهي عنه.

التعليقات

  1. هذا يذكرني بالموضة المنتشرة حاليًا بنشر منشورات يلومون فيها الأشخاص الذين ينجبون كثيرًا وهم فقراء وبعضهم وصلو بأن يلومون من ينجب بشكل عام.. ويعتقدون بذلك أنهم يصلحون المجتمع بهذه المنشورات وهم مجرد ثرثارون لا يقدمون أي حلول

    الخلط بين حدثين منفصلين(أعرف أشخاص الله يستر عليهم اذا قرأوا خبر الفتاة كانو سيقولون هذا عقاب من الله وسيحلفون أنه هناك علاقة)
    أن نضع أنفسنا مكان الضحية هذا يذكرني بالأفلام أغلب الأشخاص الذين يشاهدون الأفلام إن لم يكن كلهم عندما يشاهدون تصرفات بطل/ة القصة سترى من يقول (أحمق لماذا لم يفعل كذا) (إذا كنت مكانها لم أكن سأختار ذلك القرار) بينما اذا كنا بنفس الموقف قد نفعل نفس قرار أو فعل بطل/ة القصة ..كنت أتساءل لماذا البشر يعتقدون أن قرارهم سيكون أفضل اذا تخيلو أنهم مكان الشخص

    مقال رائع أنتظر القادم :)

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو
      لا أحد يلقي بالا لمن يمارس الوصاية بالتويتر والفيسبوك على المجتمع.
      أغلبهم يقولون مالا يفعلون... يكتب توقفوا عن الإنجاب, في حين هو يخطط لإنجاب فريق كرة قدم متكامل, يريدون أن يطبق الآخرون نصائحهم ليعيشوا هم مرتاحين هذا كل ما في الأمر. هههههه

      حذف