إغماءات جماعية أو الهستيريا الجماعية

7
ظاهرة أخرى مرتبطة بقوة في الأذهان بالسحر والمس والجن ألا وهي الهستيريا الجماعية...الحالة الجنونية التي يدخلها عدد كبير من الأشخاص في وقت واحد والذين يعيشون ظروفا موحدة في وسط بيئي مشترك, لتشمل الحالة الصراخ والعويل والبكاء والإغماءات وأحيانا تشنجات وحركات بهلوانية وإصدار أصوات غريبة مثيرة للرعب في نفوس المحيطين بالمصابين.
أشرت في العنوان للإغماءات الجماعية تحديدا لكونها الأكثر شيوعا خصوصا في المدارس. حيث تسجل كل سنة تقريبا حوادث إغماءات وبكاء جماعي متفرقة لطالبات المدارس بعدة دول نامية.
الظاهرة عموما نادرة الحدوث ولكنها عندما تحدث تشكل لغطا وتفسيرات ميتافيزيقية بعيدة عن الواقع.
ما هي الهستيريا؟
مصطلح هستيريا ذو أصل يوناني استخدمه أبو الطب أبقراط وتعني "الرحم" فلكونها مجموعة من الأعراض التي ارتبطت بالإناث فإن أبقراط اعتقد مصدرها الرحم وتشنجاته, توالت لاحقا التفسيرات إلى أن ألف فرويد كتابا حول الاضطراب.
يمكن وصف الهستيريا كحالة عاطفية شديدة وقلق وتوتر غير متحكم به, فتفقد المصابة السيطرة على جسدها لتتمثل هذه الحالة العاطفية على شكل أعراض جسدية (آلام, إغماء, صرع, شلل...)
الصور شهيرة جدا تعود لعام 1878 لفتيات صغيرات في حالة هستيرية, كان يتم معالجتهن في ذلك الوقت بما كان يعرف بالتنويم المغناطيسي...حيث انتشر بين نساء بريطانيا بالعصر الفكتوري حالة من الهستيريا, ويرجح السبب لوعي النساء بكونهن يعشن ظلما وأوضاع مزرية, فترجمن الحالة النفسية لأعراض جسدية...وقد كان يتم علاجهن أيضا بتدليك الرحم ظنا أنه السبب.

لم يعد مصطلح هستيريا مستخدما في عصرنا الحالي في الطب الحديث, وتم تفصيل مختلف الحالات بشكل أكثر دقة فيما صار يعرف الآن باضطرابات الجسدنة...حيث كان يتم فيما مضى التتشخيص الخاطئ لأي اضطراب نفسي يصيب المرأة على أنه "هستيريا" بما في ذلك الفصام وحتى الصرع.
حاليا مصطلح هستيريا يتم استخدامه بشكل عامي للإشارة للحالة العاطفية الشديدة التي يدخلها الإنسان في مختلف المواقف العصيبة, كالصراخ والعويل, والارتماء أرضا, والإغماء إلخ...
فمثلا نقول:  أصيب الأطفال بحالة هستيرية بعد سماع ذوي انفجار...

الهستيريا الجماعية:
هي حالة عاطفية شديدة, تتمثل برعب أو قلق يعم مجموعة من الأشخاص في آن واحد لتنتقل من شخص لآخر على شكل عدوى, فيصدر منهم تصرفات وأعراض من قبيل:
- صراخ وبكاء.
- إغماء.
- حركات غريبة.
- تشنجات وما يشبه الصرع.
- شلل, أو عمى.
وكل هذه الأعراض تكون مؤقتة وبلا أي عارض صحي لتختفي بعد دقائق أو أيام.

كما أشرت في المقدمة فإنها ظاهرة تكثر في المدارس حول العالم, لأنها تضم فئة أكثر هشاشة نفسيا وهي فئة الأطفال والمراهقين, كما أنها لا تصيب عادة إلا الإناث ومن النادر أن تشمل الذكور أيضا, في أمريكا في القرن السابع عشر أصيبت الفتيات المراهقات والطفلات في احدى القرى بأعراض غريبة كالقيام بحركات بهلوانية وسلوكات غريبة وقد انتشرت الظاهرة شيئا فشيئا لتصيب عددا كبيرا من صغيرات القرية, ولم يكن لأهل القرية أي تفسير إلا الأرواح الشريرة, فاتهموا مجموعة من النساء بممارسة السحر على الفتيات ليكون مصيرهن الإعدام...تم إنتاج عدة أفلام هوليودية حول الحادثة التاريخية.
 في المكسيك عام 2006 أصيبت حوالي 600 فتاة تتراوح أعمارهن بين 12 و16 سنة باحدى المدارس الداخلية بأعراض اضطرابات الجسدنة ففقدن القدرة على السير دون أي سبب, وفي ماليزيا أصيب مجموعة من الطلاب بحالة هستيرية فبدؤوا يقلدون النمور ويتشاجرون فيما بينهم كالنمور, ويقومون بحركات بهلوانية أصيبوا على إثرها بجروح بالغة.

الأمر ذاته يحصل بالدول العربية, ويمكنك القراءة عنها في الجرائد الالكترونية: المغرب, الجزائر, مصر, السعودية...

بالتأكيد فإنك بقراءتك لهذه الأخبار بهذه الجرائد العربية ستجد أن التفسيرات المساقة من الصحفيين أو الأهالي هي إما: جن, سحر أو تمثيل إغماء...وذلك بسبب غرابة الموقف.

إذن ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟
في علم الاجتماع تعد الهستيريا الجماعية نمطا من أنماط السلوكات الجماعية والتي تتميز بكونها عفوية ومؤقتة ومتزامنة مع حدث أو ظرف معين...
فلأننا كبشر كائنات اجتماعية فإننا خُلقنا بشكل يجعلنا نتأثر ببعضنا البعض وذلك لنتمكن من البقاء على قيد الحياة, فلو لم تكن لدينا خاصية الكائنات الاجتماعية وكنا كالنمور المرقطة يشق كل فرد طريقه بمفرده, لما قامت لنا حضارة, ولكنا نعيش حاليا حياة العصر الحجري, إذن خاصية "القطيع" هذه لدى البشر آلية مهمة.
إن رأيت شخصا لا تعرفه يضحك فإن هذا سيبعث في نفسك أيضا رغبة بالضحك وقد تبتسم من ضحكه, وإن تثاءب شخص بغرفة الاجتماع فإن الجالسين سيبدؤون بالتثاؤب أيضا الواحد تلو الآخر..."الإيحاء".
الأمر ذاته بالنسبة للقلق والمشاعر السلبية, ولنفترض طفلا وقع أرضا فلو ابتسم الجميع في وجهه فإن الأمر سيهون في نفسه, في حين لو فزع الجميع وصرخوا فإن الطفل سيفزع وسيهول مسألة سقوطه ويبدأ بالبكاء والصراخ أيضا.

الهستيريا الجماعية إذن ما هي إلا استجابة جماعية للقلق الذي يعم المكان, لذا فأغلب هذه الحالات تسجل في القرى بالدول النامية التي تعرف نمط عيش متدني عموما, إذ من النادر تسجيل حالات مشابهة بالدول المتقدمة, لقد كانت مثل هذه الحالات الهستيرية تنتشر بأوروبا في القرون الماضية بشكل كبير جدا.
لو قرأت خبر الهستيريا الجماعية بالمدرسة بالجزائر, فإن الفتيات انتابتهن حالات إغماء بعد تأثرهن بما أصاب زميلتهن التي توفي جدها, في حين أن الطالبات بخبر المغرب انتابتهن حالة هستيرية بعد تلاوة القرآن, وذلك لأن شائعات قديمة كانت تحوم حول أن هناك جنا وشياطين يقطنون بالمدرسة, فالطالبات لصغر سنهن كن يعشن قلقا ورعبا من الموضوع, فما إن بدأت احداهن بالصراخ بعد تلاوة القرآن حتى انتقلت العدوى لبقية الطالبات, الأمر ذاته لطالبات السعودية حيث لما أحضر أولياء الأمور شيخا لتلاوة القرآن على الطالبة المريضة ساءت حالتها أكثر, لأنه بأذهان هؤلاء الفتيات يرتبط القرآن بطرد الجن بشكل لاواع, فيرتعبن عند تلاوة القرآن, وهذا ما يحدث لعدد كبير ممن يرفض سماع القرآن بحجة أن به مسا والشيطان يرفض سماع القرآن.

قد تنتاب الطالبات حالات إغماء بالامتحانات أحيانا بسبب صعوبة الأسئلة, فالطالبة التي تخرج من القاعة لترى الكل يضحك ويسخر من صعوبة الأسئلة قد يبعث هذا بنفسها بعض الارتياح, في حين لو خرجت من القاعة لترى الكل يبكي ويولول ستبكي بدورها...ولهذا يغمى على الطالبة ليغمى بعد ذلك على عدد آخر من الطالبات.

لماذا الإناث وليس الذكور؟
كما رأينا فإن أغلب الحالات إن لم تكن كلها لإناث, فمدارس المغرب والجزائر مختلطة, الذكور والإناث يدرسون في حجرة درس واحدة, ومع ذلك انتابت نوبة هستيرية الفتيات دون الفتيان.
في واقع الأمر فإن التفسيرات متعددة وكلها مجرد تخمينات لا تحسم المسألة, إلا أن التفسير الأكثر قبولا بالنسبة لي يعود للتنشئة والبيئة وليس لطبيعة الإناث المختلفة عن الذكور, إذ أن مثل هذه الظاهرة الهستيرية انقرضت في أوربا تقريبا في حين مازالت حاضرة في الدول النامية خصوصا التي تعرف فصلا صارما في أدوار الإناث والذكور, فلو كان الأمر مرتبطا بطبيعة الأنثى لما انقرضت بالدول المتقدمة.
ولأقرب المسألة أكثر, فإن المرأة الدكتورة الجامعية لن تصرخ ويغمى عليها في حفل غنائي أمام فنانها المحبوب, أيضا هذه الدكتورة لما تتلقى خبر وفاة ابنها فإنها لن تخرج للشارع تمزق ملابسها وتلطم خدودها ولن تضع فوق رأسها التراب, بالعادة تتصرف هذا التصرف النسوة ذوات التعليم المتواضع واللائي يعشن في وسط بيئي يعرف وعيا منخفضا.

التعليقات

  1. ظاهرة غريبة أول مرة اسمع عنها
    بصراحة خفت 💔🌚

    ردحذف
  2. شي جديد علي رغم اني أعيش بالسعودية
    بس ما ادري ليش المجتمعات العربية حتى السعودية للان عالق ببالهم انه الشيطان مسبب كل شي رغم انه ربنا هو النافع الضار وما حدث هذا الا بقدره
    هدا ما يمنع انهم يطلوا في الأسباب خلف الكواليس لدي الاشياء
    قبل ما يفكروا زي كتير من الناس بانه جن لازم يركزوا على الأسباب المادية او النفسية هل المكان يبعث الراحة للنفوس ولا لا وهل هناك تعامل سيّء مع احد الأشخاص خاصة كبار السلطة واللي هم المعلمين والاداريين، للاسف مجتمعاتنا تشوف انه الكبار صح ١٠٠٪؜ والصغار غلط ١٠٠٪؜ والبنات اضعف من الاولاد وأنهم ما يقدروا على شي، حتى الدين ما يجي الا لما تكون حالة غريبة ومرتبطة علطول بأذهان المجتمع بانه جن، الجن موجود لكن ما عندهم هادي القدرات المخترعة في اذهاننا، اللي بتخترعه اذهاننا هي اللي بتسبب المشكلة النفسية.

    ما اقول الا يا رب اهدي عقول مجتمعاتنا العربية للنور.

    ردحذف
  3. سيد جواد:
    انا لا اعلم اذا ما كنت متزوجاً او غير متزوج (اعتذر على اقتحام الخصوصية)، لكن، هل سبق لك ان قرات كتب عن الحياة الزوجية؟ لم اسمع احد من قبل ينتقدها او يعترض على عدة نقاط بها (عداي انا نفسي بداخلي، ويمكن أيضا كبار السن لأنهم كالعادة سيقولون نحن اصحاب خبرة)، لكني اقرأ كثيرا بان هذه الكتب مهمة جدا وان حياة الانسان الزوجية والجنسية ستكون سعيدة بقراءة هذه الكتب لان الانسان يكون مثقف وعالم بهذه الأمور خاصة الشباب والعرسان الجدد الذين ليست لديهم خبرة بالحياة الزوجية اصلا، ان سبق لك وان قرات مثل هذه الكتب (او لم تقرا قبل، حتى لو كانت مقالات على الانترنت لكن الكتب تقدم مواضيع اكثر واشمل) بانا أتمنى بان اسمع رايك حولها.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك.
      لست متزوجا, ولم يسبق لي أن قرأت هذه الكتب.
      لكن التوعية بالحياة الزوجية حسب رأيي لا تأتي عن طريق قراءة كتاب واحد أو دورة تدريبية, لأنها مسألة وعي وتراكمات.
      أحد معارفي صاحب مركز تنمية بشرية ويقدم دورات للمقبلين على الزواج في حين هو ذاته زواجه فاشل وطلق زوجته بعد سنتين فقط.

      حذف
  4. الرسالة التي كنت اريد ايصالها ليس بان هذه الكتب لا فائدة منها تماما، طبعا من المهم جدا ان يقرا الانسان من مختلف المواضيع، لكن بالنسبة للذين يطبقون كل شي بحذافيره، فهنا تكمن المشكلة، لانه بالنسبة لي مما قراته من وراء السطور بان كتاب هذه المواضيع يفرضون صور نمطية عامة على الجنسين، وانا شخصيا لا اجد تناغما بين نفسي وبين هذه الصور، خاصة باني انثى وامور كثيرة جدا تصل الى سماء لا تتوافق بيني وبين الإناث بشكل عام، انا احب هويتي الجنسية الاصلية لكن ليس كما يفرض علي المجتمع دائماً.

    اعتذر عن الازعاج الزائد.

    ردحذف
    الردود
    1. لا يوجد أي إزعاج بالعكس.
      طبعا مثل تلك الكتب مؤلفوها ليس لهم أي مؤهل علمي, أو أن شهادتهم حبر على ورق, ويقومون بإقحام آراءهم الشخصية التي لا سند علمي لها في كتاباتهم, أو تجاربهم الشخصية التي يقدمونها على أنها حقائق.
      كما أن مشكلة توزيع الأدوار بين الذكر والأنثى حاضرة دائما, الزوج عليه كذا والزوجة عليها كذا... حيث لا يفسحون المجال للشخص بتحديد خياراته.

      حذف
    2. ١٠٠٪؜ مع رايك👍🏻👍🏻👍🏻👍🏻👍🏻

      حذف