الغيرة المرضية والشك بالخيانة

2
لوحة بعنوان غيرة للرسام النرويجي إدفارت مونك 1907

من الطبيعي أن يغار الرجل على زوجته والمرأة على زوجها, فالغيرة عاطفة موجودة لدينا جميعا كبشر, إلا أنها تتحول لدى البعض من مجرد غيرة لشكوك ووساوس وضلالات تسببها اختلالات نفسية تفسد الحياة الأسرية وتحولها لجحيم لا يطاق, بل قد تهدد أمن وسلامة ضحايا الغيرة المرضية.

ما هي الغيرة المرضية؟
الغيرة المرضية هو ارتياب في إخلاص شريك الحياة و شكوك في كونه يقيم علاقة عاطفية أو جنسية مع شخص أو أشخاص آخرين, وتكون هذه الشكوك لا أساس لها من الصحة وبلا أي مبرر منطقي.
تدفع الغيرة المرضية أصحابها للاثيان بسلوكات متكررة للتأكد من إخلاص شريك الحياة, أو للمراقبة والمطاردة في محاولة لضبطه متلبسا بالخيانة الزوجية, مما يشكل جحيما للطرف الآخر.
وهي تنتشر بين صفوف الرجال أكثر من النساء لأسباب اجتماعية وطبيعية.
الغيرة المرضية حالة يتم رصدها لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية, ويمكن تقسيم حاملي الغيرة المرضية لأصناف عدة.

1- غيرة لأسباب ذاتية:
أحيانا لا يكون للاضطراب النفسي علاقة مباشرة بالغيرة المرضية, حيث قد تجتاح المرأة العاقر مثلا شكوك بأن زوجها يخونها بسبب النقص الذي تشعر به اتجاه نفسها كامرأة غير قادرة على الانجاب.
الرجل الذي يعاني اضطرابات جنسية قد يعاني بنقص اتجاه نفسه كرجل غير قادر على تلبية حاجيات زوجته الجنسية, فينقلب شعوره بالنقص لغضب أو قلق, فيتحول للشك في إخلاص زوجته له.
إذن لحل هذه المشكلة يجب على الزوجين الحوار ومصارحة بعضهما البعض واللجوء لمستشار نفسي لتبديد حالة القلق والخوف من فقد الطرف الآخر وعلاج المشكل الأصل أو التعايش معه والتصالح مع الذات.
2- اضطرابات نفسية يعي أصحابها بحالتهم:
قد تجتاح صاحب الشخصية الوسواسية أو مصاب الوسواس القهري أفكار استحواذية كون شريك الحياة خائن.
أصحاب الوساوس القهرية يعلمون جيدا أن أفكارهم لا أساس منطقي لها ولكنهم غير قادرين على التخلص منها, هي أفكار تحضر رغما عنهم فتشعرهم بالقلق والتوتر طول الوقت.
قد يرافق الزوج زوجته لمنزل أهلها ثم يذهب للعمل, فتأتيه أفكار بأن زوجته غادرت منزل أهلها لمقابلة عشيقها, سيحاول مقاومة هذه الفكرة دون فائدة فيشعر بالقلق ويتصل بها كل حين للتأكد من أنها ما تزال بمنزل أسرتها.
وقد يصارح المصاب شريك حياته بما ينتابه من أفكار, فيخبر الزوج زوجته أنه يتصرف على هذا النحو رغما عنه, فهو مدرك لحالته.
من السهل علاج مثل هذه الحالات لأن صاحب الاضطراب يتألم ويعاني في حياته ويرغب في إيجاد حل لمشكلته, لدى يسهل إقناعه بالعلاج وقد يلجأ إليه من تلقاء نفسه, كما أن علاج الوساوس القهرية يبلي بلاء حسنا.

3- اضطرابات نفسية لا يعي أصحابها بحالتهم:
مثل صاحب اضطراب الشخصية الارتيابية الشكاكة, فهو يرى أن شكوكه منطقية, فإذا سافر الزوج للعمل فإن زوجته المصابة بالاضطراب ستعتقد أنه سافر لخيانتها, وستحاول التأكد من أنه سافر للعمل, وقد تختلق معه مشاكل بعد عودته, فيصعب على الزوج إقناعها أنها واهمة لأنها ترى في العدم أدلة وحججا تعزز أفكارها.
للأسف لا علاج ناجع لحامل مثل هذا الاضطراب خصوصا إن كان صاحبه بأعراض شديدة.
اضطراب آخر يتأرجح صاحبه بين الوعي وعدم الوعي بغيرته المرضية وهي الشخصية الحدية, حيث يصعب معاشرة هذه الشخصية بشكل عام لما تسببه من مشاكل, تمر الشخصية الحدية بعدم انسجام حاد مع "الأنا", فقد تلجأ هذه الشخصية للخيانة هي ذاتها وقد تضيق الخناق على شريك حياتها بشكل درامي بسبب المخاوف غير المبررة من الفقد.
الشخصية الحدية عموما تعلم أنها تعاني من اضطراب ما, وقد تلجأ للعلاج من تلقاء نفسها فعلا, إلا أنها قد لا تدرك تفاصيل أعراضها ولا تقدر ما تسببه من مشاكل للآخرين.

4- اضطرابات ذهانية:
قد يصاب الشخص باضطرابات ذهانية فيرتاب بشأن إخلاص شريك حياته, إلا أن شكوكه وعكس الحالات السابقة جميعا تتميز بالانفصال عن الواقع, فقد يشك الرجل الذي ينام مع زوجته على سرير واحد أنها تخونه مع رجل آخر نائم بجانبها بطرف السرير.
قد يتناول الطعام رفقة زوجته على طاولة واحدة فيتفقد أسفل الطاولة ليرى ما إذا كان هناك رجل مختبئ تحتها.
هو إذن يعاني من ضلالة لا منطقية كون زوجته تخونه.
يمكن رؤية هذه الحالة الذهانية لدى بعض مرضى الفصام وحالات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب ذو الشكل الذهاني, كما قد يصاب الشخص بهذا الاضطراب الذهاني المتعلق بالغيرة بشكل منفصل عن هذه الاضطرابات, بمعنى أن أعراض الذهان لديه كلها تتمحور حول الخيانة الزوجية فلا تظهر عليه للعيان أعراض أخرى كما لدى مرضى الفصام أو ثنائي القطب.
ويشكل هذا النوع من الاضطراب خطرا على السلامة الجسدية لشريك الحياة وعلى من يشك في كونهم شركاء بالخيانة, قد يشك في صديقه أو زميله بالعمل بأنه يقيم علاقة مع زوجته في حين أن هذا الأخير لم يسبق له أن التقى بزوجته مطلقا.
لا تكون هذه الضلالة مرتبطة فقط بالزوج أو الزوجة, فقد يشك الرجل الذهاني في سلوك أخته أو والدته بدل زوجته.
العلاج هو الأدوية المضادة للذهان, ولا يمكن علاج مثل هذه الحالات دون أدوية مطلقا.

الغيرة المرضية وجرائم القتل والانتحار:
كثيرا ما تسمع عزيزي القارئ عن رجل قتل زوجته أو جاره أو صديقه بسبب شكوك في الخيانة الزوجية, وقد يقتل الرجل أبناءه أيضا ثم ينتحر بسبب الحالة المأساوية التي كان يعيشها, والأمر ذاته بالنسبة للمرأة.
في العادة فإن أغلب من يرتكب مثل هذه الجرائم هم  أصحاب الاضطرابات الذهانية بسبب انفصالهم عن الواقع, وسهولة ارتكابهم لجرائم قتل بسبب غياب الادراك.
إن لاحظ أحد الزوجين أو أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران بعض المظاهر الذهانية والشكوك اللا منطقية لدى أحد الأفراد فإنه من باب أولى إقناع الأسرة لاصطحابه للمستشفى في أقرب وقت ممكن قبل تدهور حالته أكثر فأكثر, أو تعرض أحد المعنيين بضلالة المصاب للشروع بالقتل.

هل الطلاق حل؟
رغم أن الطلاق مدمر ومشتت للأسر, فإنه في بعض الحالات يكون حلا ناجعا خصوصا إن استحال إقناع أو إجبار المصاب على العلاج أو إن كان لا يستجيب للعلاج.
وكما أسلفت فإنه قد تكون للمصاب سلوكات مهددة لحياة الزوج أو الزوجة تحديدا, فكثيرا ما يلجأ المصاب للتعنيف أو سجن الزوجة بغرفة أو حتى القتل...سلوكات المصاب تؤثر على أفراد الأسرة ككل فللأبناء نصيب أيضا من الجو المشحون الذي يؤثر على نفسياتهم وقد ينالهم التعنيف فيسجن الرجل زوجته وأطفاله معا, أو أن يطلب من أبنائه التجسس على الأم أو الأب أثناء غيابه.
لدى الانفصال سيكون خيارا مطلوبا إن توفرت الظروف المواتية له.

التعليقات

  1. مقالة رائعة وفي المنظور تمامًا.
    أستغرب أن المقالات الهادفة لا تعليق عليها، بينما مقالات اﻷنماط مليئة بالتعليقات!!

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك معاذ كالعادة
      في الواقع فإن عدد مشاهدات هذه المواضيع يفوق مشاهدات مواضيع الأنماط.
      ربما ليس هناك ما يمكن التعليق به بمثل هذه المواضيع عكس مواضيع الكوميديا التي يعبر فيها الشخص عن رأيه

      حذف