اضطرابات الشخصية: الشخصية المرتابة أوالشكاكة

1
لوحة للفنانة مارغريت كين

ما هي اضطرابات الشخصية؟
اضطرابات الشخصية تمسّ مختلف جوانب الشخصية للمضطرب حيث أن الشخص يفكر, يشعر ويتصرف بشكل غير متوقع من طرف إنسان طبيعي, فيؤثر الاضطراب على جوانب عدة من حياة المصاب بشكل سلبي كالتفاعل الغير سليم مع الآخرين, المشاعر السلبية اتجاه الذات, ردات الفعل العاطفية الشاذة في المواقف, وإظهار انفلات في التحكم بالسلوك.
كما وتختلف اضطرابات الشخصية عن بعض الاضطرابات النفسية كالفصام والحالات الذهانية الأخرى كون الوعي والإدراك لا يغيب فيها وبالتالي فإن الشخص يكون واعيا تماما بتصرفاته وسلوكاته وبالتالي متحمّلا للمسؤولية.

هناك عشرة أنواع لاضطرابات الشخصية تنقسم لثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: اضطرابات شخصية ذات سلوك غريب الأطوار وشاذ: الشخصية الفصامية
2- القسم الثاني: اضطرابات شخصية ذات سلوك درامي, عاطفي أو غير نظامي: الشخصية المضادة للمجتمع, الشخصية الحدية, الشخصية النرجسية, الشخصية الهستيرية
3- القسم الثالث: اضطرابات شخصية ذات سلوك قلق ومتخوف: الشخصية التجنبية


ويندرج اضطراب الشخصية المرتابة ضمن القسم الأول.
 ما هي الشخصية المرتابة؟
هو اضطراب بالشخصية يدفع صاحبه للشك في الآخرين بشكل غير عقلاني وبعيد عن الواقع, وعلى غرار اضطرابات الشخصية القسم الأول فإن الشخصية المرتابة تؤول أغلب الكلام والسلوك الصادر من الآخرين على أن المقصود به الإساءة لشخصها أو استغلالها أو أي هدف سلبي موجه ضدها, فقد يفسر المصاب إبتسامة ودودة في وجهه على أنها سخرية واستهزاء, وقد يفسر كلاما طيبا بحقه على أنه يحمل معاني خفية للنيل منه, فإن قلت له بأنه شخص طيب فقد يؤولها على أنك تقصد أنه شخص ساذج وغبي, وإن قدمت له معروفا فقد يفسر الأمر على أنك تحاول كسب وده لاستغلاله لاحقا...وهكذا.
يبقي الشخص المرتاب دفاعاته متحفزة ضد الآخرين ولا يرغب في مشاركتهم معلوماته الخاصة, فهو لا يرد عادة على الأسئلة الشخصية لشكه الدائم في نوايا الآخرين, كما أنه يصعب إقناعه بأن شكوكه في غير محلها لأن لديه إقتناعا راسخا بتحليلاته, لذا لا تثق الشخصية المرتابة بالآخرين مطلقا فهي شخصية متمحورة حول ذاتها وبدون أصدقاء غالبا.
تظهر معالم الشخصية المرتابة بسن مبكر من المراهقة الأولى على شكل عزلة وتجنب لإقامة صداقات بالمدرسة, وتزدهر الأعراض بسن الشباب.
أغلب حاملي اضطراب الشخصية المرتابة ذكور وكالعادة لا وجود لتفسير علمي حول السبب.

الأعراض:
تتنوع الأعراض ولكنها جميعا تصب في اتجاه واحد وهو الارتياب والشك في المحيطين.
1- شك دون أي أساس واقعي في أهداف الآخرين من أصدقاء وأفراد العائلة في سلوكاتهم وكلامهم على أن المقصود به ضرره أو استغلاله أو تجريحه.
2- الشك في ولاء الأصدقاء والمحيطين به, وبأنهم ربما قد يكيدون له في الخفاء وبالتالي هم غير جديرين بمنحهم الثقة الكاملة.
3- تردد في الافصاح عن المعلومات الشخصية خوفا من استغلالها ضده حتى وإن كانت تافهة, فقد لا يرغب في البوح باسمه الكامل أو مكان ازدياده أو عنوان بيته, وقد يجد مشكلات في الأماكن التي تتطلب منه الافصاح عن معلوماته الشخصية.
4- يؤول ويقرأ المعاني خلف الأحداث والدعوات العادية على أنها تحمل تهديدا ضده فدعوته لحفلة من طرف أحد الأصدقاء قد تجعله يشك في أن وراءها غاية للنيل منه أو استغلاله لاحقا.
5-  حقود, فالشخصية المرتابة شخصية لا تنفع معها الاعتذارات مطلقا فهي لا تسامح أبدا وخطأ بسيط بحقها قد يجعلها تنهي العلاقة مع الشخص نهائيا وتؤكد شكوكها السابقة ضده والتي لا أساس لها, بل أن خطأ غير مقصود كإصابة أثناء اللعب من طرف صديق كفيل بخلق العداوة.
6- بسبب تأويل كلام الآخرين وسلوكاتهم وقراءة معاني خفية خلفها فإن الشخصية المرتابة قد تظهر غضبا وهجوما ضد من تشك في أنه يقصدها, فإن داس الشخص المرتاب على قدمك دون قصد واعتذر لك وقبلت اعتذاره بابتسامة ثم بدأت بالضحك من الموقف فإن الشخص المرتاب قد يفسر ضحكك على أنه سخرية واستهزاء فيتصرف نحوك بعدوانية.
7- الغيرة المرضية وشكوك في إخلاص شريك الحياة, فالشخص المرتاب قد يؤمن أن زوجته تخونه في الخفاء, مما يدفعه لاتخاذ بعض السلوكات الاحترازية كإقفال الباب على الزوجة أو الاتصال بها كل حين للتأكد من أنها لم تخرج من البيت, ومثلها بالنسبة للزوجة المرتابة التي قد تحاصر زوجها بالأسئلة الاستنطاقية حول مكانه وسبب تأخره أو أن تقوم بمفاجأته في مقر عمله للتأكد من أنه هناك.
8- العناد والجمود في الرأي,  فالشخصية المرتابة تتميز بالقسوة وقوة الجدال وعدم الاقتناع بآراء الآخرين لأنها ترى نفسها دائما على صواب, لا يستطيع الشخص المرتاب رؤية الخلل في تصرفه وسلوكه.
9- يجد الشخص المرتاب صعوبة في الاسترخاء فهو محموم طول الوقت مشغول البال بما يحاك ضده.

المآلات:
قد لا يتوفق الشخص المرتاب في الاستقرار بالعمل بسبب شخصيته الغير متعاونة مع الآخرين فقد يبلغ به الأمر مبلغ العجز التام عن التعامل مع الآخرين وإقامة أي علاقة, بل قد يدخل في صراعات مع الآخرين دون سبب مقنع ويرفع دعاوى قضائية وغيرها من المشاكل.
قد لا يتوفق أيضا في زواجه بسبب شكوكه الدائمة ومحاصرته لشريك حياته, وقد تنحى العلاقة الزوجية منحى العنف الجسدي والمعنوي, إذ قد يضرب الزوج المرتاب زوجته لأنه لم يصدق كون الرجل المتصل بها مثلا أخطأ الرقم, قد يقفل عليها الباب ويمنعها من زيارة أفراد أسرتها لأنه يشك في كونهم يؤلبونها عليه مثلا...
 بسبب هذه الأعراض المنفرة لأغلب الناس فإن الشخصية المرتابة تتحول للأسف للعيش في عزلة عن الآخرين وبسبب عدم قدرة الشخص المرتاب رؤية الخلل في شخصيته فهو يفسر وضعه على أن الكل كريه وماكر وخادع مما يوقعه ضحية الاكتئاب.

الأسباب:
تبقى الأسباب المباشرة لاضطراب الشخصية المرتابة عموما مجهولة إلا أنه تم إيجاد رابط جيني جد قوي بين الاضطراب والفصام, حيث أن في التاريخ الأسري للمصاب بالاضطراب هناك أفراد من عائلته يعانون من الفصام, أي أن العامل البيولوجي حاضر بقوة.
بالإضافة للعامل الجيني فإنه لوحظ أن الأطفال الذين أصيبوا بصدمة في الصغر أو سوء بالمعاملة طوروا شخصية مرتابة لاحقا.

العلاج:
للأسف لا يوجد علاج شاف لاضطراب الشخصية المرتابة, فكل محاولات العلاج النفسي هو تقويم السلوك بتثقيف المرتاب بحقيقة ما يعاني منه ومنحه نصائح لتحسين أدائه قصد جعله قادرا على العيش وإقامة علاقات صحية مع البشر, وقد يصرف الطبيب أدوية مضادة للقلق والاكتئاب في بعض الحالات.
المشكلة تكمن في أن الشخصية المرتابة لا ترى خللا بشخصيتها بل تراه  بالآخرين وبالتالي فإنه يصعب إقناع الشخص المرتاب باللجوء للعلاج, لأن محاولة الإقناع ذات نفسها سيتم تأويلها طبعا, كما يصعب على الشخص المرتاب الوثوق بالنفساني ومده بمعلوماته واتباع تعليماته لأنه لن يمنحه ثقته لذا يشكل تقويم شخصية المرتاب تحديا, فاستجابته للعلاج ضعيفة عموما خصوصا إن كانت الأعراض لديه قوية.