الاضطراب الانفجاري المتقطع

2
وجه الحرب, لوحة للفنان الاسباني سالفادور دالي

جميعنا نشعر بالغضب كعاطفة أساسية مهمة لتسيير حياتنا, ويكون غضبنا أحيانا طفيفا وفي أحيان أخرى جامحا يتناسب والمواقف التي نمر بها, وقد نتصرف في بعض المرات القليلة جدا تصرفا طائشا, عدوانيا أو مؤذيا قد نندم عليه لاحقا, ومن الطبيعي أن يمر الإنسان العادي بهذه الحالة بضع مرات في حياته, إلا أن هذا ليس حال مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع.

ما هو الاضطراب الانفجاري المتقطع؟
يعرف الاضطراب الانفجاري المتقطع أو المتناوب بنوبات قصيرة الأمد من الغضب الجامح والسلوك الاندفاعي المؤذي للغير تمتد حوالي نصف ساعة أو حتى ساعة, حيث تنتاب المريض نوبات غضب شديدة مفاجئة لا تتناسب مع المحرك الأساس لهذا الغضب, أو رغبة جامحة في الاتيان بسلوك ما مؤذي, فيتصرف بسلوك اندفاعي يصعب عليه التحكم فيه كالسب والشتم أو حتى الاعتداء الجسدي أو تكسير الأغراض أو أي تصرف اندفاعي يندم عليه بالغالب لما يعود لحالته الطبيعية, وتذهب عنه النوبة...
 تنتاب المصاب هذه النوبات بضع مرات بالعام أو الشهر أو الأسبوع وتأتيه بشكل مفاجئ دون سبب واضح, مما يؤثر على علاقاته مع أفراد أسرته وأصدقائه وزملائه بالعمل, وقد يقع فريسة اضطرابات أخرى كالاكتئاب مثلا, بسبب الآثار السلبية التي تعود عليه نتيجة تصرفاته الاندفاعية المؤذية.

يكون الاضطراب الانفجاري المتقطع أحيانا عرضا مرافقا لاضطرابات أخرى كاضطرابات الشخصية النرجسية أو المضادة للمجتمع أو الحدية, واضطراب ثنائي القطب...
ينتشر الاضطراب بين صفوف الرجال أكثر من النساء بفارق ضخم جدا إذ أن ثلثي المصابين من الرجال, ولا تفسير واضح للموضوع, إذ تقترح بعض التفاسير تدخل هرمون الذكورة التيستوستيرون في نوبات الغضب والعدوانية, في حين تقترح تفاسير أخرى أن الاضطراب ينتشر بصفوف النساء والرجال على حد السواء إلا أنه ملاحظ بالرجال أكثر بسبب طبيعة الرجل التي تجعل سلوكه الاندفاعي وعدوانيته أكثر وضوحا من اندفاعية وعدوانية المرأة.

يظهر الاضطراب بسن الطفولة بالغالب حيث تنتاب الطفل نوبات غضب جامح يُساء تفسيرها من طرف الأهل والمعلمين ومن يقدمون الرعاية له...يزدهر الاضطراب بسنوات المراهقة والشباب وتبدأ النوبات بالتراجع تدريجيا مع التقدم بالسن وبلوغ 40 عاما.
الأعراض:
تتنوع أعراض الاضطراب الانفجاري المتقطع وقد تختلف حالة كل شخص على الآخر, فقد ينتاب المصاب ثوران وهياج بشكل مفاجئ ومزعج وغير متحكم فيه على شكل:
- شعور بالغضب الشديد.
- هيجان ونزق.
- شعور بالطاقة والقوة.
- ارتعاش.
- خفقان.
- تشوش بالذهن.
- ضيق بالتنفس.
- ارتفاع بدرجة الحرارة.
وأحيانا تأتي النوبة على شكل رغبة جامحة وإثارة للاتيان بسلوك اندفاعي ما.

يقود هذا الهيجان والنزق والإثارة لسلوكات اندفاعية وعدوانية اتجاه الأشخاص أو الأغراض أو حتى الحيوانات منها:
- سب وشتم.
- صراخ في وجه الأشخاص.
- تكسير للأغراض.
- مشاجرات مع الآخرين.
- اعتداءات جسدية على الآخرين أو الحيوانات.
- تحرشات.

 تدوم هذه النوبة أقل من نصف ساعة وأحيانا أكثر من نصف ساعة ولكنها تبقى عموما قصيرة الأمد, فيشعر المصاب بعدها بارتخاء وتعب جسدي ونفسي وندم شديد على صنيعه, لأنه في أغلب الأحيان يكون قد صب جام غضبه على أشخاص يحبهم أو لا ذنب لهم أو كسر أغراض تهمه أو آذى حيوانات بريئة...مما يجعله يعيش في دوامة الشعور بالذنب وقد يقع فريسة الاكتئاب خصوصا وأن تصرفاته تكون مدمرة لعلاقاته الأسرية وصداقاته وعلاقاته المهنية...
يحاول المصاب التكفير عن تصرفه أثناء النوبة ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه, إلا أنه وبشكل عام تعد معاشرة مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع خطرة خصوصا إن اتخذت نوباته منحى العدوانية والاعتداءات الجسدية التي قد تقوده في بعض الأحيان للمحاكم والسجون, لأن الاضطراب الانفجاري المتقطع لا يعد اضطرابا نفسيا يُفقد صاحبه الادراك والتمييز كالفصام مثلا وبالتالي فهو يحاكم كأي إنسان طبيعي بكامل قدراته العقلية على نتائج سلوكاته الاندفاعية.
وكثيرا ما يصف المصاب ما ينتابه على أنه وحش داخلي يخرج من حين لآخر ويؤكد للآخرين أنه لم يكن هو أثناء إقدامه للسلوك العدواني, بعضهم يعتقد أن بداخله شيطانا يحرضه على ذلك كل مرة...

ينتشر بين صفوف مصابي الاضطراب الانفجاري بعض الأمراض بنسب تفوق النسب الطبيعية, كأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرها... نتيجة نمط العيش المتوتر ونوبات الغضب.

الأسباب:
الأسباب وكأي اضطراب نفسي آخر مجهولة إلا أن عوامل عدة تتدخل لظهور الاضطراب كالعامل البيولوجي والبيئي, حيث يعتقد تدخل عوامل جينية فيمرر الآباء جينات الاضطراب لأبنائهم.
ينتشر الاضطراب أكثر في صفوف الشباب الذين نشؤوا ببيئة مضطربة بها عنف لفظي وجسدي وتلقوا تعليما متواضعا, كما أن الاعتداء الذي قد يتعرض له الطفل بسنواته الأولى قد يرفع من احتمالية إصابته بالاضطراب الانفجاري المتقطع.
أحيانا تسبب بعض أنواع المخدرات التي قد يتناولها المراهق أو الشاب أو التناول العشوائي لبعض أنواع الأدوية لظهور أعراض انفجارية.

العلاج:
لا يوجد علاج شاف للاضطراب طبعا, لذا تعمل العلاجات المقترحة على السيطرة قدر الإمكان على الأعراض حسب كل حالة, يقوم الطبيب المعالج أولا باستبعاد بعض الأمراض كأورام الدماغ مثلا التي قد تسبب أعراضا مشابهة, وعند تشخيص الحالة على أنها اضطراب انفجاري متقطع يتم تقدير خطورة الحالة, فإن كانت للمصاب اندفاعات عدوانية مؤذية قد يتم اللجوء للخيار الدوائي كمضادات الاكتئاب التي تعمل على المحافظة على مستوى السيروتونين بالدماغ والتخفيف من النوبات.
أيضا يتم اللجوء للعلاج السلوكي المعرفي لتوعية المصاب بما ينتابه من نوبات وكذا أفراد أسرته, ومحاولة اكتشاف ما التصرفات والأشياء التي تحرض نوبات المصاب لتجنبها, كذا تعلم ضبط النفس أثناء النوبة وتقنيات التنفس السليم والاسترخاء لتقليص احتمالية الاتيان بسلوك اندفاعي مؤذي.