لماذا الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الذهني؟

0
تتحكم العواطف في تفاصيل عديدة بحياتنا اليومية وتتدخل في قراراتنا وتفكيرنا ومحفزاتنا حتى وإن اعتقدنا عكس ذلك, بل إننا في واقع الأمر لا ندرك حقيقة أن عواطفنا تقودنا كما تقود بقية الحيوانات.
نحن نشعر بالتحفيز والاحباط والحزن والسرور والقلق والغضب... فنفهم مختلف هذه المشاعر التي تنتابنا وتنتاب غيرنا كما أننا نحاول السيطرة عليها وإدارتها بما ويتناسب مع مختلف المواقف الحياتية بدل أن تتولى هي التحكم بنا, وهذا ما يمكن اعتباره ذكاء عاطفيا.
يعتبر الذكاء العاطفي مفهوما جد حديث إن نحن قارناه بمفهوم الذكاء الذهني إذ ظهر بشكله المفصل بتسعينات القرن الماضي, فقبلها كانت تتم الإشارة له فقط دون تحديد مفهوم محدد له, إلا أنه صار بعد ذلك العامل الأهم في تحديد نجاح الأفراد بمساراتهم الدراسية والمهنية والأسرية... إذ أجريت دراسات عدة حول مدى أهمية الذكاء الذهني في نجاح الفرد, وفي احدى هذه الدراسات تم قياس مدى قدرة 450 طفلا على التحكم بالغضب ومختلف العواطف, كذا تم قياس عامل الذكاء IQ لديهم, وبعد مرور أربعين سنة تم تتبع مساراتهم ونجاحاتهم بالحياة فتبين أن النجاح كان مرتبطا بالقدرة على التحكم بالعواطف أكثر من عامل الذكاء الذي لعب دورا جد متواضع, وهذا ما جعل بعض علماء النفس يركزون أكثر على القدرة على التحكم بالعواطف.

ما هو الذكاء العاطفي؟
على غرار الذكاء الذهني فإن للذكاء العاطفي تعاريف ونماذج عدة, إذ حاول كل عالم نفس إيجاد الصيغة الأكثر شمولا للذكاء العاطفي, إلا أنه يمكننا اختصار التعريف بالقدرة على إدراك وإدارة مختلف العواطف لصالح الفكر.
هناك ثلاث نماذج كبرى للذكاء العاطفي تعتبر الأكثر شهرة: نموذج غولمان, ونموذج بارون, ونموذج ماير وسالوفاي.

يقول غولمان: "إن معايير النجاح في العمل آخذة في التغير مع مرور الزمن, يتم الحكم علينا من خلال مقياس جديد: ليس فقط من خلال مدى ذكائنا، أو من خلال التداريب التي تلقيناها والخبرات التي لدينا، ولكن أيضا عن كيفية التعامل مع أنفسنا والتعامل مع بعضنا البعض, يتم تطبيق هذا المقياس بشكل أكبر في اختيار من سيتم تعيينهم والذين لن يتم تعيينهم، والذين سيتم التخلي عنهم والذين سيحتفظ بهم، والذين سيتم تجاوزهم والذين سيتم الترويج لهم"

إن أنت أردت كتابة سيرتك الذاتية أو طلب عمل أو طلب الانتساب لاحدى الجامعات المرموقة فإنك ستركز في صياغة طلبك وسيرتك الذاتية على جوانب تمثل خاصية من خاصيات الذكاء العاطفي, كالقدرة على العمل الجماعي والصبر والاصرار وغيرها من الخصائص...وعند إجرائك لمقابلة عمل أو غيره فإنه يتم التركيز بشكل أكبر على ذكائك العاطفي.
إذن لنتعرف على محددات الذكاء العاطفي.
حدد غولمان أربعة نطاقات للذكاء العاطفي تتضمن تسعة عشر كفاءة.
النطاق الأول: الوعي الذاتي ويتضمن الكفاءات التالية:
1- الوعي العاطفي الذاتي: القدرة على قراءة مشاعر الفرد الخاصة والتعرف على تأثيرها.
2- التقييم الذاتي: معرفة نقاط القوة وحدودها.
3- الثقة بالنفس: الشعور السليم نحو الذات.
اقرأ عن الثقة بالنفس

النطاق الثاني: إدارة الذات:
4- التحكم بالعواطف الذاتية: القدرة على الإبقاء على المشاعر المدمرة والاندفاعية تحت السيطرة.
5- الشفافية: الصدق مع الذات والنزاهة.
6- التكيف: القدرة على التكيف مع الأوضاع وتجاوز العقبات.
7- تحقيق الذات: القدرة على التعرف على معايير التميز الذاتية.
اقرأ عن تحقيق الهوية
8- المبادرة: استعدادية للعمل واقتناص الفرص.
9- التفاؤل: النظرة للجانب المفيد من الأحداث.

النطاق الثالث: الوعي الاجتماعي:
10- التعاطف: القدرة على التقمص الوجداني للآخرين.
اقرأ المزيد عن التعاطف.
11- الوعي التنظيمي: القدرة على قراءة الأحداث والقرارات المتخذة من طرف الآخرين.
12- الخدمة: القدرة على التعرف على احتياجات الآخرين.

النطاق الرابع: إدارة العلاقات الاجتماعية:
13- القيادة الملهمة: القدرة على قيادة الآخرين وتحفيزهم بشكل مقنع.
14- التأثير: القدرة على وضع استراتيجيات للتأثير على الآخرين بشكل إيجابي.
15- تطوير الآخرين: القدرة على اكتشاف وتطوير قدرات الآخرين عن طريق التوجيه.
16- تغيير الحافز: القدرة على تغيير محفز الآخرين وإدارته لاتجاه جديد.
17- إدارة النزاعات: القدرة على حل النزاعات.
18- بناء الروابط: القدرة على خلق شبكة من الروابط الاجتماعية.
19- العمل الجماعي والتعاون: القدرة على العمل بفريق بانسجام.

يختلف نموذج بارون عن نموذج غولمان ببعض التفاصيل ولكن الفكرة العامة تبقى هي ذاتها والكفاءات تقريبا متشابهة في كلا النموذجين.
إن أنت اطلعت على هذه الكفاءات ستجدها متوفرة لدى عدد كبير من القادة الملهمين ومديري الشركات والمؤسسات الكبرى حول العالم, تم استخراج هذه الكفاءات انطلاقا من مراقبة ما يميز النماذج الناجحة في المجالات السياسية والعلمية والدينية, إذ أن علماء الغرب يعتبرون الأنبياء يتوفرون على أعلى درجات الذكاء العاطفي, (نحن كمسلمين نؤمن أنهم رسل من الله).
يتطلب توفر الذكاء العاطفي حتى لدى العلماء في عصرنا الحالي, فلكي تصير عالما بعصرنا أنت بحاجة لبعض الكفاءات التي تؤهلك للقدرة على إدارة القلق والعواطف وكذا قدرات للعمل ضمن فريق مكتمل من العلماء بمختبر يجري التجارب والدراسات, لأن عصر العالم الذي يعمل وحيدا بمختبره الخاص قد ولى.

يختلف نموذج ماير وسالوفاي عن سابقيه, فهما يعتمدان على القدرات وقد حددا أربعة أفرع لهذه القدرات:
1- إدراك العواطف: القدرة على التعرف وتفسير مختلف العواطف بملامح الوجه والصور والأصوات, بما في ذلك القدرة على فهم الشخص لعواطفه الذاتية.
يمكن قياس هذه القدرة عن طريق مدك بمجموعة من الصور لوجوه بها مختلف الحالات العاطفية ومن تم قياس مدى قدرتك على التعرف على مختلف العواطف بدقة.

2- استخدام العواطف: القدرة على استخدام العواطف لتسهيل مختلف الأنشطة المعرفية والذهنية, مثل التفكير وحل المشكلات, فيمكن للذكي عاطفيا أن يغير مزاجه بما يتناسب مع العمل.

3- فهم العواطف: القدرة على فهم اللغة العاطفية وتقدير العلاقات المعقدة بين مختلف العواطف, وتشمل أيضا القدرة على التمييز بين الاختلافات الطفيفة بين العواطف.

4- إدارة العواطف: القدرة على التحكم وإدارة العواطف الشخصية وإدارة عواطف الآخرين.

لماذا الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الذهني؟
أولا لنتفق منذ البداية أنه لا يمكننا الحديث عن شخص ناجح يعاني من تخلف عقلي, يحتاج المرء لمستوى من الذكاء  في حدود المتوسط على الأقل ليتمكن من حجز مقعد مع الناجحين.
اقرأ عن الذكاء الذهني
إلا أننا لو افترضنا مجموعة من الأشخاص كما بالتجربة السابقة, بعضهم بمستوى ذكاء ذهني جد مرتفع لكنهم بذكاء عاطفي منخفض وآخرين بذكاء ذهني أقل لكنهم بذكاء عاطفي مرتفع, فإن أعداد الناجحين بالمجموعة الثانية أكبر من أعداد الناجحين بالمجموعة الأولى...
هذا لأن نظام العيش يتطلب هذه الكفاءات, جميعنا نعرف في حياتنا أشخاصا أذكياء جدا ولكنهم يعانون من عدم قدرتهم على التحكم بالقلق أوالغضب أو غير قادرين على العمل الجماعي والتعاون مع الآخرين أو يدخلون في صدامات دائما, أو يصابون بالاحباط بسرعة, هم إذن يجدون صعوبة في إنجاح مشاريعهم وأهدافهم.
عندما يتم الجمع بين الذكاء الذهني المرتفع والذكاء العاطفي المرتفع فإن الطريق للنجاح تكون جد ممهدة لأصحابها.

يمكننا اختصار الموضوع بهذه المعادلات:
ذكاء ذهني منخفض + ذكاء عاطفي منخفض= نجاح جد منخفض
ذكاء ذهني مرتفع + ذكاء عاطفي منخفض = نجاح منخفض
ذكاء ذهني منخفض + ذكاء عاطفي مرتفع = نجاح مرتفع
ذكاء ذهني مرتفع + ذكاء عاطفي مرتفع = نجاح جد مرتفع

لا تأخذ المعادلات على أنها مسلمة فهذه ليست بقوانين فيزيائية أي أنك ستجد في الحياة أشخاصا بذكاء ذهني مرتفع وذكاء عاطفي منخفض وجد ناجحين في حياتهم, وكذا عباقرة بالذكاء الذهني والذكاء العاطفي وفاشلين في حياتهم, نحن هنا  نتحدث عن إحصاءات لأعداد الناجحين في كل معادلة.

هل يمكن إنماء الذكاء العاطفي؟
من بين الأسباب التي تدفع عددا كبيرا من المنظمات وعلماء النفس للتركيز أكثر على الذكاء العاطفي هو القدرة على تنميته, أنت سترى كيف يركز "مدربوا التنمية البشرية" على إنماء الكفاءات التسعة عشر للمتدربين, كإدارة النزاعات وإدارة القلق والعواطف, وكذا فهم الآخرين وشخصياتهم والقدرة على التعاطف معهم.
تعمل بعض الدول المتقدمة على إنماء هذه الكفاءات لدى الأطفال بالمدارس.
بعض العلماء يعتبرون أن هذا الإنماء وإن وجد إلا أنه يبقى محدودا أي أن الذكاء العاطفي خاصية يولد بها الفرد تماما كالذكاء الذهني...إلا أنهم لا ينكرون إمكانية إنمائها ولو جزئيا عكس الذكاء الذهني الذي لا يمكن إنماؤه مطلقا, يمكنك تطوير مستوى ثقافتك ووعيك وتوسيع معارفك كدراسة الرياضيات والفزياء ولكن الذكاء الذهني بحد ذاته لن يزيد, عكس الذكاء العاطفي.

اختبارات الذكاء العاطفي:
 لربما اجتزت اختبارا هنا أو هناك على بعض المواقع, يؤسفني أن أخبرك أنها جميعا لا تقيس حقيقة الذكاء العاطفي بل مجرد اختبارات من إنشاء أصحاب المواقع أنفسهم للتسلية أو كسب الزيارات أو غيره.
فيما مضى كان يتم قياس الذكاء العاطفي بالتقييم الذاتي, بمعنى أنك تقرأ لائحة الكفاءات المسطورة فوق وتقيم نفسك بنفسك, أين ترى نفسك؟ لربما أنت جيد بكفاءة وسيء بأخرى, إلا أن هذا الأسلوب في التقييم غير دقيق كون الشخص لا يمكنه تقييم ذاته بنفسه, لذا اخترع ماير وسالوفاي وكذا بارون وغيرهم اختبارات لقياس الذكاء العاطفي وهو اختبار جد مطول يستغرق اجتيازه حوالي 40 دقيقة, لن تجده على الانترنت مجانا إلا إن أنت دفعت المال لاجتيازه, ويعتبر اختبار ماير وسالوفاي (MSCEIT) الأكثر دقة وعلمية.
لذا يمكنك الاكتفاء فقط بالتقييم الذاتي ومحاولة استكشاف نقاط الضعف والقوة والعمل على إنماء الجانب الأضعف.

نظرية التنافر المعرفي

2
تعد نظرية التنافر المعرفي واحدة من بين أهم نظريات علم النفس الاجتماعي والتي أتبثت حقيقة كيف أننا كبشر نميل لعقلنة اللامعقول للشعور بالرضى عند حدوث تنافر بين معتقداتنا وتصرفاتنا, بل أننا ننتهج هذا السلوك لاشعوريا في حياتنا اليومية.
صاغ النظرية عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر (1919 - 1989) بخمسينيات القرن الماضي, ولاتباث صحة نظريته ابتكر تجربة مثيرة أجراها على بعض الطلبة تفاصيلها كالتالي:

 قسم مجموعة من الطلبة لثلاث مجموعات طلب منهم إجراء مهمة جد مملة تمتد ساعة من الزمن, حيث على الطالب أن يدير بعض الأعمدة باتجاه عقارب الساعة, ولم يكن الطالب يعرف الهدف من هذه التجربة مما زاد من مللها.
بعد إتمام المهمة طلب من المجموعة الأولى أن يتجهوا لاحدى الغرف لملئ استمارة بها أسئلة حول المهمة التي أنجزوها, في حين طلب من المجموعة الثانية أن يكذبوا على بقية زملائهم الطلبة بقاعة الانتظار وإخبارهم أن التجربة جد ممتعة مقابل مدهم بدولار واحد (دولار بذلك الزمان يعادل حوالي 8 دولارات بزماننا هذا), أما آخر مجموعة فقد طُلب منهم الكذب على زملائهم وإخبارهم أن التجربة ممتعة مقابل 20 دولارا (حوالي 160 دولارا).
 بعد الإنتهاء من كل التجربة تم إجراء مقابلة مع الطلبة من كل مجموعة من طرف الأستاذ وطرح أسئلة حول مدى استمتاعهم بالمهمة ومدى اعتقادهم أنها تخدم العلم, وذلك بوضع علامة من 5 إلى -5 حيث أعلى درجة تمثل الاستمتاع الكامل بالتجربة, في حين أدنى درجة تمثل أقصى درجات الملل, فكانت نتائج المقابلة كالتالي:

مجموعة 20 دولار
مجموعة 1 دولار
المجموعة الأولى
الأسئلة بالمقابلة
مملة
ممتعة
مملة جدا
ما مدى استمتاعك بالمهمة؟
مهمة
مهمة جدا
مهمة
ما مدى أهمية التجربة علميا؟
أبدا
أجل
أبدا
هل تود المشاركة  في تجربة أخرى مشابهة؟

ماذا لاحظت في نتائج المقابلة؟ ألا يبدو لك أن نتائجها عزيزي القارئ نوعا ما غريبة؟ لماذا صرّحت مجموعة دولار واحد بأن التجربة ممتعة ومهمة للعلم في حين أن مجموعة عشرين دولارا صرّحت نفس تصريحات المجموعة التي لم تنل شيئا بأن التجربة مملة؟
بالنسبة لفستنغر وفريقه فإن النتائج كانت متوقعة, ذلك أن المجموعة الأولى والتي لم تنل شيئا هي مجموعة شاهدة يمكن قياس النتائج عن طريقها فهي الأصدق بين الثلاث لأنها لم تكسب شيئا وبالتالي فهي تجيب إجابة صريحة بأن التجربة مملة, في حين أن مجموعة الدولار الواحد اضطرت للكذب على الزملاء مقابل دولار واحد فقط وهذا بالنسبة لها غير مبرر للكذب على بقية الطلبة, لذا تولد ضغط نفسي وتنافر لدى هذه المجموعة لأن الكذب سلوك مذموم فاضطروا لتغيير معتقدهم بأن التجربة غير مملة بل ممتعة لكي يشعروا بالارتياح وأنهم لم يكذبوا على الطلبة بل قالوا لهم الحقيقة, أي أن مجموعة الدولار الواحد في واقع الأمر يكذبون على أنفسهم لاشعوريا ويقنعون أنفسهم أن التجربة ممتعة... بينما مجموعة العشرين دولارا لها مبرر قوي للكذب ألا وهو المال الوفير وبالتالي بالنسبة لهم الكذب على زملائهم مبرر مقابل عشرين دولارا, ولم تكن لديهم حاجة للكذب على أنفسهم بأن التجربة ممتعة بل هي بالنسبة لهم تبقى مملة.
بنى فستنغر نظرية التنافر المعرفي على ثلاث قواعد أساسية والمتبثة من خلال التجربة ألا وهي:
1- البشر جد حساسون اتجاه التناقض بين السلوك والمعتقد:
يمكننا إدراك التناقض الذي يحدث في حياتنا بين معتقداتنا وسلوكنا بسهولة, والتمييز بين ما نعتقده صوابا وبالتالي حدوث تناقض يؤدي لتنافر معرفي وانزعاج وعدم ارتياح, فنسعى لاشعوريا للموازنة بين السلوك والمعتقد لإزالة التنافر.

2- إدراك التناقض يؤدي للتنافر ومحاولة إيجاد حل لهذا التنافر:
نعيش في حياتنا تناقضات عدة بين معتقادتنا وسلوكاتنا, قد يدخن الإنسان وهو مدرك أن التدخين مضر للصحة مثلا, أو يسهر الليل وهو يعلم مضار السهر, أو غيرها من الأمثلة...
نحاول طول الوقت إيجاد حلول لهذه التنافرات المعرفية لنشعر بالارتياح, لذا قد يكذب ساهر الليل على نفسه ويخبرها أن الساهرين ليلا أشد ذكاء, وأن سهره هو نتيجة عبقريته الفذة, أو غيرها من الأكاذيب لحل معضلة التنافر المعرفي...

3- نحن نلجأ لثلاث مستويات لحل هذا التنافر:
- تغيير المعتقد: وهي أسهل طريقة لحل التنافر, فإذا كان الشخص بوسط اجتماعي يحرم الموسيقى في حين ينصت هو لها فقد يطمئن للتفسيرات التي تقول أن الموسيقى ليست حراما, أي أنه سيغير معتقده بما يتناسب وسلوكه...(هذا مجرد مثال ولا ينطبق على كل حالة) نحن نغير معتقداتنا مع مرور الزمن في أمور شتى بما يتناسب وسلوكاتنا, الأمر يطال أتفه التفاصيل, كأن يغير الإنسان اعتقاده بأن السهر مضر مثلا أو إفراط تناول السكريات أو أي معتقد مهما كان...

- تغيير السلوك: وهو أصعب من تغيير المعتقد لارتباط السلوك بالمحفزات التي لا نستطيع مقاومتها, لايمكن للمدخن الاقلاع بسهولة عن التدخين, لايمكن للكسول أن يتحول لمجد, لذا قد يغير معتقده بأن الدراسة أصلا بلا أي فائدة فهذا أسهل من فتح كتاب.

- تغيير الرؤية: أو وجهة النظر أو باختصار المراوغة والكذب على الذات كما حدث بالتجربة, حيث كان أمام مجموعة الدولار الواحد ثلاث اختيارات, إما تغيير معتقدهم بأن الكذب مذموم ويصير الكذب سلوكا رائعا باعتقادهم وهذا مستحيل, أو تغيير السلوك ورفض الدولار مقابل الكذب على الزملاء وقد استحال عليهم الأمر أيضا لأن المال لا يقاوم, لذا بقي أمامهم تغيير رؤيتهم بشكل كلي واعتبار التجربة ممتعة وبالتالي فهم لم يكذبوا على الزملاء منذ البداية لأن التجربة ممتعة.
أليس هذا حلا رائعا؟
المشكلة هنا أننا نفعل هذا لاشعوريا وبلا تفكير!!
أي أن الطلبة مقتنعون أن التجربة ممتعة, وهنا مكمن الخطورة.
لذا تجد شخصا يحب فنانا أو سياسيا قد ينزهه من أي خطئ فإذا سرق السياسي المال, أو لكم الفنان معجبة, قد يبحث له عن مبرر لتصرفه لاشعوريا وعن اقتناع بصحة المبرر.

 نحن جميعنا معرضون للتنافر المعرفي طول الوقت, أنا وأنت عزيزي القارئ يقودنا عقلنا كثيرا لاشعوريا ولا نستطيع معرفة متى يحدث ذلك لأنه يحدث طول الوقت, هل حاولت اكتشاف مرات حدوث ذلك لك؟ صعب جدا.
في واقع الأمر فإن هذا السلوك الذي ننتهجه للحد من التنافر المعرفي وإن كان يبدو مضحكا إلا أنه مهم جدا لنا كي نبقى بصحة نفسية جيدة, فأساس النظرة التفاؤلية هو إيجاد حل للتنافر المعرفي, فيمكن اعتبار مجموعة الدولار الواحد مجموعة متفائلة إن نحن قارناها بالمجموعيتن الأخرتين.

تقابل نظرية التنافر المعرفي بعلم النفس الاجتماعي نظرية ميكانيزمات الدفاع النفسي بعلم النفس التحليلي لدى فرويد.
اقرأ عن آليات الدفاع النفسي.

التعاطف العاطفي والتعاطف المعرفي

10
كثيرا ما نردد عبارات من قبيل أنا مدرك لشعورك, أنا أفهم جيدا ما تمر به...وغيرها من العبارات, وفي أحيان أخرى قد نشعر بالحزن والأسى من مصاب شخص, أو نفرح لفرحه, وكلها حالات تدل على تعاطفنا وتقمصنا الوجداني.
التعاطف هو قدرة الإنسان على الشعور وإدراك مختلف الحالات العاطفية التي يمر بها الغير من حزن وأسى وغضب وفرح في مختلف المواقف, للتعاطف أهمية كبيرة جدا في حياتنا فنحن كبشر كائنات اجتماعية نحتاج بعضنا البعض, لذا يلعب التعاطف دورا جد محوري في التعايش فيما بيننا.

إن كُسرت ساق أحدهم ووقع أرضا أمامك يصرخ ويتلوى ألما فإنه لو سبق ومررت بتجربة كسر العظم ستشعر بألمه وكأن تجربة الكسر تمر بها مجددا وأنت تشاهده يتألم, لكن لو لم يسبق لك أن تعرضت للكسر فإنك رغم ذلك ستفهم أن هذا الشخص على الأرض يشعر بألم شديد, أنت حينها لن تشعر بألمه حقيقة ولاتعرف إحساسه لأنه لم يسبق لك أن اختبرته لكنك مع ذلك قادر على فهمه وتقديره.
وبالتالي التعاطف أو ما قد يسمى أيضا التقمص الوجداني نوعان: تعاطف عاطفي كما بالحالة االأولى وتعاطف معرفي كما بالحالة الثانية.

 التعاطف العاطفي:  أن تشعر بشعور الآخر, أنت ستحس بالألم أو الفرحة أو الغضب الذي يشعر به الطرف الآخر لأنك ستتقمصه عاطفيا وستتخيل نفسك مكانه وتشعر بشعوره.

التعاطف المعرفي: أن تدرك وتتفهم ما يمر به الشخص وبالتالي تتعاطف معه معرفيا, أنت لم يسبق وأن مررت بالتجربة كما أنك غير قادر على الشعور بشعوره.

غالبا ما نتعاطف عاطفيا مع من يشبهنا, ولنضع مثالا كلاسيكيا نصادفه كل مرة وهو صراع الزوج والزوجة, فلو أن زوجة قتلت زوجها بسبب المشاكل ستتعاطف النساء مع المجرمة وسيتوقعن أن الزوج كان سيئا معها مما دفعها لقتله, هن إذن تعاطفن معها لأنها امرأة مثلهن, في حين لو أن زوجا قتل زوجته بسبب المشاكل سيتعاطف الرجال مع المجرم وسيعتبرون صنيعه نتيجة تنكيد الزوجة عليه عيشه وإفقاده صوابه.

يتعاطف الإنسان بشكل أكبر مع من يشبهه سواء الجنس (تعاطف النساء مع النساء والرجال مع الرجال) أو مع عرقه وديانته ومجموعته بشكل عام, فأنت لو رأيت إنسانا غربيا أشقر يتعرض للتعذيب ستتعاطف معه بشكل أقل من تعاطفك مع إنسان عربي بملابس عربية يتعرض للتعذيب لأنه من نفس جماعتك ويذكرك بنفسك وأهلك.
وكملاحظة مهمة  فإنه وإن كان لا يد لنا في تحديد مقدار تعاطفنا العاطفي مع الآخرين, إلا أنه يمكننا التحكم في ردات فعلنا وأحكامنا المسبقة.
إفتقار التعاطف:
يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا بالذكاء العاطفي.
لا نتعاطف مع الآخرين جميعا بنفس المستوى, قد يحزنك بشدة مصاب أحدهم وقد يشعر شخص غيرك بحزن بسيط في حين قد لا يشعر آخر بالحزن مطلقا, لذا تم تطوير عدة اختبارات لتحديد مقدار التعاطف العاطفي, والجدول بالأسفل مجرد مثال يحتوي عينة من أسئلة أحد الاختبارات التي تضم 60 سؤالا:

الأسئلة
تعاطف
افتقار للتعاطف
1- أجد من السهولة وضع نفسي مكان الآخر
نعم
لا
2- أنا جيد في توقع كيف سيشعر الآخر
نعم
لا
3- أكتشف بسهولة ما إذا كان فرد من أفراد المجموعة يشعر بعدم الارتياح بيننا
نعم
لا
4- يخبرني الآخرون أنني جيد في فهم مشاعرهم وكيف يفكرون
نعم
لا
5- أجد صعوبة في معرفة التصرف الصحيح بالمواقف الاجتماعية
لا
نعم
6- من الصعب أن أدرك لماذا بعض الأمور تجعل الآخرين غاضبين
لا
نعم
7- أحيانا أجد صعوبة في اكتشاف ما إذا كان تصرف ما قليل الأدب أم حسن
لا
نعم
8-  أحيانا يخبرني الآخرون أنني بلا مشاعر, ولا أعرف لماذا
لا
نعم

  
يعد افتقار التعاطف سبب العنصرية والتنمر والعديد من الجرائم والتعذيب والاغتصاب...
في احدى الدراسات تم قياس التعاطف لدى الأمهات اللائي قمن بتعنيف أبنائهن فتبين أن 80 بالمائة منهن يفتقرن للتعاطف, ولقد كان فيما مضى يتم ربط تعنيف الأمهات لأبنائهن بالقلق والتوتر والضغط النفسي, لأن تصريحاتهن وتبريرهن للتعنيف دائما كان يدور حول أن الطفل مشاغب جدا ويسبب لهن ضغطا نفسيا, في حين أنه ليس بمبرر بالنسبة للأمهات ذوات مستوى التعاطف الطبيعي.
لذا عد افتقار التعاطف مؤشرا جد مهم لتوقع تعنيف الأطفال من قبل آبائهم مستقبلا.

بعض الاضطرابات النفسية تتميز بافتقار شديد في التعاطف مما يجعل أصحابها قادرين على أذية الآخرين كاضطراب الشخصية النرجسية والشخصية المضادة للمجتمع ومصابي اضطراب الشخصية الحدية...وغيرها من الاضطرابات النفسية.
الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات النفسية بالطفولة يكبرون ليصيروا أقل تعاطفا مع الآخرين لأن عقلهم يركز على الذات أكثر من تركيزه على الآخر من أجل حماية صاحبه من صدمات مجددة, فيقوم بإخماد التعاطف معهم.
أيضا يتم رصد افتقار التعاطف لدى بعض مرضى التوحد.
العاملون في مجالات الرعاية, كدور الحضانة والصحة ودور رعاية المسنين وغيرها من المجالات, يصابون بإرهاق عاطفي جراء عطائهم العاطفي المستمر لذا يقوم العقل بإخماد التعاطف, فكثيرا ما يصف الناس بعض الممرضين أوالأطباء بالقسوة, هم ليسوا قساة ولكن من المستحيل أن يتعاطف الإنسان مع عشرات الحالات التي يصادفها بشكل يومي, لذا قد يبدو للمريض أن الطبيب أو الممرض يتصرف معه كحالة وليس كإنسان يرغب بالتواصل والتعاطف.
نحن نطور التعاطف في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر التطوير إلى غاية النضج الكامل لذا يتميز المراهقون بافتقار التعاطف مقارنة بالشباب لأنهم بمرحلة تطوير شخصياتهم, فتركيزهم منصب حول ذواتهم, وهذا سبب يدفع عددا كبيرا من الأطفال والمراهقين لأذية زملائهم بالمدارس.
وإن كانت هذه الأسباب وغيرها تؤدي لافتقار التعاطف إلا أنها لا تبرر أذية الآخرين بالتأكيد.

هل يمكن تغذية التعاطف؟
يعد التعاطف العاطفي أهم من التعاطف المعرفي, وهو ما يتم قياسه بالاختبارات إذ أن التعاطف العاطفي هو الدافع والحافز للفرد في مساعدة الآخر وعدم أذيته بالفعل والقول, قد لا يفتقر الشخص المضاد للمجتمع للتعاطف المعرفي ومع ذلك سيعمل على أذية الآخرين لأنه لا يشعر حقيقة بمشاعرهم بل يدركها فقط.
ومع ذلك لا يجب الاستهانة بالتعاطف المعرفي كونه يمكن اكتسابه بسهولة ويمكن للفرد السوي تفهم مختلف الحالات التي تتطلب تعاطفا, ولنضرب مثال مريض الاكتئاب فإن البعض قد لا يتعاطفون معه بسبب عدم قدرتهم على تفهم حالته, إلا أن الملم بمرض الاكتئاب قادر على إدراك حالته جيدا وتفهمها ومن تم التعاطف معه معرفيا...قد يقود التعاطف المعرفي للتعاطف العاطفي.

بسبب الأهمية العظمى للتعاطف بالمجتمع فإن بعض الدول المتقدمة تقوم بتغذية التعاطف لدى الأطفال بالمدارس, إذ يمكن أن يكتسب الإنسان التعاطف.
سنجد مثلا بالأديان وبالدين الاسلامي خصوصا تأكيد وحث على التعاطف مع الآخرين, يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا مع الأخلاق, نبذ العنصرية والتمييز وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه", هو حديث يصب ضمن خانة التعاطف.

الإلحاد أو اللادينية, أنواع الملحدين

6
مما لاشك فيه أن ظاهرة الإلحاد صارت جلية بمجتمعاتنا العربية مع التقدم التكنولوجي الحاصل وتوفر المعلومة حيث صار من الممكن رصد الظاهرة التي كانت متخفية قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات فصار من الممكن للملحدين التعبير عن أفكارهم بكل أريحية تحت أسمائهم الحقيقية أو المستعارة, وخلق تجمعات افتراضية لهم.

ليس هناك إحصاءات رسمية لمدى انتشار هذه الظاهرة بالعالم العربي لأنها محاطة بالكتمان من طرف أصحابها عكس بقية المجتمعات التي يسهل فيها الإحاطة بالظاهرة, وبالتالي فإن أغلب الأرقام التي تخرج بها بعض المنظمات هنا وهناك عن هذا البلد العربي أو ذاك تكون غير واقعية وغير دقيقة, كما أن إجراء الاحصاءات عن طريق الانترنت غير موثوق لأنك دائما ستخرج بعينة اختيارية غير حقيقية.

قد يحدث لك كمؤمن أن تراودك الشكوك وتؤرقك التساؤلات حول بعض الأمور المتعلقة بصحة الدين ووجود الله, وهذا أمر جدا طبيعي, وتعدّ جزء لا يتجزء من الطبيعة البشرية, فحتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعظمه ففي صحيح مسلم أن أبا هريرة قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه : إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, فقال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم, قال: ذاك صريح الإيمان... وفي الصحيحين عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته. 

اقرأ عن اضطرابات الوسواس القهري

أسباب الإلحاد من الناحية الاجتماعية جدا متعددة ومتشعبة كالواقع السياسي للدول العربية, والحروب والتطرف الديني إذ عرف العالم ظهور فلسفات إلحادية على مر العصور نتيجة الحروب وتردي الأوضاع كالوجودية إبان الحرب العالمية الثانية...
 يلعب الانترنت وسهولة الحصول على المعلومات دورا محوريا في انتشار الظاهرة, فأغلب الملحدين هم من الشباب الذكور إذ تشير الإحصاءات الغربية أن ثلثي الملحدين هم ذكور من الذين يتميزون بمستوى ذكائي وثقافي مرتفع فإلحادهم "غالبا وليس دائما" هو حصيلة الاطلاع المستمر على الكتب والبحث المستمر, وقد يستهجن البعض كلامي معتبرين الإلحاد "غباء".
 تزوير الحقائق والإحصاءات يريح أعصابهم ويطمئنهم بأن معتقدهم صحيح مادام الآخر يطلق عليه لقب غبي, حتى لو كان عبقريا...

لا علاقة للمنطق بما يدخل ضمن نطاق الإيمانيات والروحانيات, فالأمر مرتبط بنهج أسلوب تفكير مختلف والذي لا يكون بالضرورة صائبا, فلو افترضنا أن مجتمعا كل أفراده من الملحدين فإن المواليد الجدد سينشؤون على الإلحاد أيضا وسيكون الكل ملحدا سواء بذكاء مرتفع أو منخفض أو بتخلف عقلي, ولكن بضعة أفراد من هذا الوسط سيبذلون جهدا فكريا ويطلعون على الكتب ويعتنقون دينا ما, هم إذن أشخاص بذكاء جيد لأنهم بذلوا مجهودا فكريا ونبذوا إلحاد آبائهم, ولن نرى أبدا في هذا الوسط المتخيّل شخصا بذكاء منخفض يبذل مجهودا فكريا ويطرح تساؤلات فلسفية ليخرج بنتيجة ما صائبة كانت أو خاطئة...لايهمنا هنا النتائج لأن الذكاء غير مرتبط بفعل الصواب بهذا الخصوص...وكمثال فحتى القتلة المتسلسلين يتميزون بذكاء عال مقارنة مع الناس الأسوياء, وهذا لا يعني أن سلوكهم صائب.
طبعا هذا مجرد مثال ولا أساوي بين الملحد والمجرم.
لنتعرف الآن على ما يُطلق عليه الجميع إلحادا, والذي في واقع الأمر يتخذ أشكالا عدة, فلكل شخص تجاربه ومعتقداته ومنطقه الخاص الذي يختلف عن الآخرين, إلا أن القاسم المشترك بينهم جميعا أنهم "لادينيون".
أنواع اللادينيين عديدة بتعدد معتقدات البشر:

-الربوبية Deism: هي فلسفة يؤمن أصحابها بوجود إله خالق للكون ولكنه لا يتدخل أبدا في شؤون الكون الذي خلقه, هم لا دينيون يرفضون الأديان قاطبة هم يؤمنون فقط بوجود إله للكون ولا يؤمنون بأي شيء آخر, ولا بكون هذا الخالق يحتاج لأن يُعبد.
ينتشر الربوبيون في العالم العربي بشكل كبير ويتم إطلاق لقب ملحد عليهم, ويعتبر البعض أنهم يدّعون إيمانهم بالله فقط تقية ولكنهم في واقع الأمر يرفضون الأديان ولا ينكرون وجود خالق, إذن هم ليسوا بمسلمين ولا مسيحيين ولا يهود ولا أتباع أي دين آخر..

- الشكوكية Skepticism: هم أشخاص أقل منزلة من الربوبيين من ناحية الإيمان بخالق للكون فهم بين الإلحاد والإيمان, يسعون للتفكير والتشكيك في وجود الله من أجل الوصول للحقيقة حسب اعتقادهم, قد يكون الشكوكي مؤمنا فعلا وقد يكون غير مؤمن ولكنه يترك الباب مواربا لطرح مختلف التساؤلات التي يفسّرها الجميع على أنها إلحاد, وهي قد تكون إلحادا فعلا ولكنها بالنسبة لأصحابها قد تكون غير ذلك.

- اللاأدرية Agnostic: بمعنى "لا أدري" ويمكن القول أنه اتجاه فلسفي عكس الشكوكية قد حسم مسألة الإيمان بالله بعبارة "لا أدري" حسب اعتقادهم لا يمكن إثبات أو نفي وجود إله ولا سبيل لتأكيد وجوده أو نفي وجوده وبالتالي فالإنسان لا يدري, وحسب اعتقادهم أيضا أنه لربما قد يتوصل الإنسان لإجابة بالمستقبل ويثبت أو ينفي وجود إله.
حسب اعتقادي الشخصي فإنني أزعم أن وجود اللاأدريين بالعالم العربي ضعيف, لأن هذا النمط من التفكير عموما في شتى المجالات وليس فقط في الدين غائب بالمجتمعات العربية.

- الإلحاد Atheism: المستوى الأعلى من اللادينية وهي تضم الأشخاص الذين ينكرون وجود خالق للكون بالمطلق, هم لا يؤمنون بوجود إله.

هذه إذن أهم أنماط اللادينية والتي قد تصادفها والآن لنفصل سلوك هؤلاء الأنماط بالمجتمعات العربية.

في واقع الأمر فإن الملحد قد يكون أخا أو صديقا أو جارا ولكن لا أحد يعلم بحقيقة معتقده لأنه يحتفظ به لنفسه كي لا يقع في مواجهة مع أسرته وأصدقائه, قد يلجأ البعض لتجمعات مصغرة تضم مختلف الملحدين أو أن يلجؤوا للانترنت للتعبير عن أفكارهم.
سلوك الملحد العربي يختلف عن الملحد الغربي أو الآسيوي, لأن الثقافة التي ينشأ فيها الفرد تلعب دورا في بلورة الاعتقاد والسلوك, لذا بشكل عام لا يحترم الملحدون العرب معتقدات الآخرين عكس الملحدين بثقافات أخرى, نحن بلدان متخلفة سواء كان العربي مسلما أو ملحدا يغلب عليه طبع عدم احترام معتقد الآخر والسخرية منه, أحيانا نرى مفكرين عرب لادينيين يسخرون من المتدينين ويصمونهم بالتخلف والرجعية في كتاباتهم التي تكون شبه خالية من الأفكار, في حين أن المفكر الغربي الملحد يدرس مسألة التدين بموضوعية وبعلمية ويكون كتابه غنيا ومفيدا للجميع سواء وافقه أو لم يوافقه...
عموما فإن حوارات الملحدين العرب تكون عنيفة من كلا الطرفين: المؤمن والملحد, وتكون عبارة عن تبادل للشتائم بدل تبادل للفكر.

سأقوم بتصنيف هؤلاء الملحدين العرب حسب تجربتي الشخصية وحسب ما لمسته, سواء بحياتي الواقعية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

- لاديني إنساني: هو صنف تجده ينادي بالحب وفعل الخير ومحارب لكل أشكال التمييز فيدعوا للمساواة بين الجنسين وحفظ حقوق المثليين وتراه نشيطا في الأعمال الخيرية والإنسانية, إلحاد هذا النوع يكون بالعادة نتيجة اعتقاده أن الأديان "ظالمة" لذا تجده في الغالب "ربوبيا" يؤمن بإله محب لا يعذب أحدا, ويمكنك لمس هذا بشكل جلي في حواراته التي تركز على ما يراه "ظلما" بالدين حسب اعتقاده, ويكون أسلوبه في الحوار عادة مباشرا دون لف أو دوران.

- لاديني علمي: صنف نبذ الأديان نتيجة إقتناعه الشديد بأن العلم يجيب على كل التساؤلات وأن الأديان حسب اعتقاده "لامنطقية" وتعارض العلم, هذا الصنف يكون مستوى ذكائه جيدا بالغالب, فهو قادر على الالمام بمختلف أنواع العلوم والاطلاع على مختلف النظريات, ويكون بالعادة "ملحدا" لا يؤمن بخالق مطلقا أو "شكوكيا" ويتميز في حواراته بتسفيه "الأديان" والسخرية من معتقدات المؤمنين.

- لاديني فلسفي: وأحيانا متحزب كأن يكون شيوعيا ملحدا, أو ليبراليا أو عدميا أو أيا كان الفلسفة أو الايديولوجيا التي يحملها, يكون في العادة إلحاده نابعا عن قناعاته الشخصية وفلسفاته الذاتية ويتميز إلحاده بالشكوكية وتراه يطرح أفكارا تدعوا للتساؤل والتشكيك في المعتقدات والتشريعات ووجود الله, يتميز أسلوب حواره باللف والدوران فهو غير مباشر في التعبير عن وجهات نظره بل يحاول أن يجعلك تشكّ في معتقدك, وهذا نابع من اعتقاده أن ما يثير شكوكه هو, سيثير شكوكك بالضرورة.

- لاديني غير مكثرت: هو لاديني ينبذ الأديان لأنه وببساطة لا توافق هواه, قد يقدّم نفسه أحيانا على أنه "مسلم" لكنه سيرفض أي شيء يصنّف على أنه من الدين, فهو سيطلب منك أن تتوقف عن تلاوة الخرافات إن كنت تقرأ القرآن الكريم مثلا, أو أن يطلب منك عدم إضاعة الوقت في الصلاة ... لا يبذل جهدا في التفكير حول صحة الأديان من عدمها, قد تراه يزين سيارته بآية الكرسي, أو قد لايصوم رمضان لكنه سيحتفل بالعيد لأن أجواءه تروقه, هو غير مهتم بالجانب الفلسفي أو العلمي, هو سيتصرف ويؤمن بما يتوافق مع هواه.

إذن هذه تصنيفات حسب تجربتي الشخصية وحسب الأفراد الذين صادفتهم بحياتي وقد لا ينطبق هذا التصنيف إلا على فئة قليلة صادفتها أنا, ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم هذا التصنيف على الجميع, فهناك لاديني علمي ويحترم معتقدات الآخرين ولاديني فلسفي وصريح في عرض أفكاره...إلخ

الجانب النفسي:
لربما لاحظت عزيزي القارئ أن الشخص الأكبر سنا يركز على الدين بشكل أكبر مقارنة مع الشاب الأصغر سنا, بل قد يميل عدد من الشباب الملحدين المتشددين للروحانيات بعد تقدمهم بالسن, فهل هذا صحيح؟
تشير احدى الدراسات التي أجرت استقصاء لما يفوق 700 ألف شخص على مدى ثلاثين عاما في 80 دولة مختلفة ولمختلف الشرائح المجتمعية, أن الإنسان يميل لأن يكون أقل روحانية وتمسكا بالدين بسنوات شبابه في حين يركزعلى الدين بعد تقدمه بالسن, وقد رصد هذا الاختلاف في المجتمعات الغربية بشكل أكبر حيث تعج الكنائس بالآحاد بالمتقدمين بالسن وقد كان يفسّر الأمر على أن هؤلاء العجزة ترعرعوا منذ البداية في فترة زمنية كان الدين فيها مايزال ذا شأن, فظلوا محافظين على التزاماتهم الدينية, إلا أن الدراسة بينت أن البعض فعلا يصير أكثر روحانية بتقدمه بالسن ويفسّر العلماء السبب على أنه تمهيد للنفس البشرية على العبور من الحياة إلى الموت بسلام, حيث يصير أمله أكبر في عيش حياة أخرى بعد الممات.

ولتفسير هذه الروحانية علميا, اعتبر العلماء على مر السنوات وجود منطقة بالدماغ البشري مسؤولة عن الجانب الروحاني وقد أطلق على هذه المنطقة "God Spot" حيث انكبت الأبحاث حول محاولة تحديد هذه المنطقة بدقة بالدماغ, إلا أن أبحاثا أخرى اقترحت عدم وجود نقطة محددة مسؤولة على الجانب الروحاني بل أن الأمر جد معقد ومتداخل تلعب فيه كل فصوص الدماغ دورا, قام جونستون بدراسة حالة 20 شخصا مصابا بالفص الجداري الأيمن من الدماغ تبين أن الجانب الروحاني لديهم قد تنمّى وصاروا أكثر روحانية, وقد فُسّر الأمر على أن الجانب الأيمن من الدماغ مرتبط بالتوجه نحو الذات في حين أن الجانب الأيسر مرتبط بالتوجه نحو الآخرين, وكلما انخفض نشاط الجانب الأيمن كلما صار الشخص أقل تركيزا نحو ذاته وبالتالي روحانيا, كما حدث بالمصابين الذين ازدادت روحانيتهم...وقد قال جونستون المشرف على الدراسة "وبما أن أبحاثنا تبين أن الأشخاص الذين يعانون من قصور بالفص الجداري الأيمن هم أكثر روحانية، فهذا يشير إذن إلى أن التجارب الروحية ترتبط بانخفاض التركيز على الذات, وهذا يتفق مع العديد من النصوص الدينية التي تنصح الناس على أن يركزوا أكثر على رفاه الآخرين وليس على أنفسهم".

إذن بشكل عام سواء وُجدت منطقة God spot أم لم توجد, فإننا كبشر نُعدّ كائنات روحانية بالفطرة, يرتبط الجانب الروحاني لدينا ارتباطا وثيقا بالصحة النفسية, لذا ينصح البعض الملحدين بممارسة اليوغا لخلق التوازن, بل إنك ترى انصراف عدد كبير منهم نحو فلسفات الشرق الأدنى, أو الارتباط بالأرض كما جاء بدراسة جونستون, أو نحو الصوفية بالعالم الاسلامي, للحاجة لملئ فراغ وهوة بالنفس.