نظرية فرويد الجنسية

10
كنا قد تحدثتنا في موضوع سابق عن تقسيم فرويد لمكونات النفس البشرية.
اقرأ عن الأنا والأنا الأعلى والهو
الآن سنتحدث عن الجزء الذي يفسر حسب فرويد كل شيء.
إنها نظرية مراحل النمو الجنسي النفسي للإنسان, والتي من خلالها يعتقد فرويد أنها أصل المشاكل النفسية قاطبة.
ولابد من التأكيد هنا كالعادة أن هذه النظرية هي نظرة فرويد الشخصية للأمور وليست نظرية علمية جاري بها العمل, لأنها صارت متجاوزة حاليا.
وأيا كان الأمر فإن الإطلاع على نظرية فرويد جد ضروري لأنها جزء مهم من تاريخ علم النفس المعاصر.

ربما لعب المجتمع الذي كان يعاصره فرويد دورا كبيرا في تطويره للنظرية, إذ لا ننسى أن فرويد عاصر القرن التاسع عشر حيث كان الجنس يمثل "طابو" لا يمكن الحديث عنه بتلك السهولة, خصوصا في المجتمع اليهودي المحافظ الذي كان ينتمي له فرويد مما يفسر ظهور مرضى كثر بعقد ذات أصل جنسي عاينهم فرويد.

إن مفهوم الجنس عند فرويد جد موسع ولا يقتصر على العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة, إذ يعتبر أن النشوة التي يقدمها لنا الجلد كالدغدغة مثلا يدخل في إطار "الجنس".

قام فرويد بملاحظة نمو الأطفال وتطور نشأتهم وسلوكهم, وقد اعتمد على مراسلاته مع والد الطفل "هانز" الذي كان يرتعب من الأحصنة نتيجة شهوده حادث انقلاب عربة يجرها حصان, إلا أن فرويد فسر رعب الطفل في كتابه أنه ناتج عن رؤيته لقضيب الحصان الضخم.

قسم فرويد مراحل نمو الأطفال لخمسة مراحل:
1- المرحلة الفموية: وهي تبدأ من الولادة إلى غاية سنتين من عمر الرضيع وفيها يكون تركيز الرضيع على فمه لاكتشاف العالم, فهو سيرضع أولا من أمه, وسيجد متعة في عض ومص أي شيء تقع عليه يداه, من ألعاب وغيره.

2- المرحلة الشرجية: وهي تبدأ من سنتين إلى غاية أربع سنوات تقريبا, وفيها يتعلم الطفل التحكم في عملية الإخراج والذهاب للحمام, وحينها سيجد الطفل متعة في عملية الإخراج.

3- المرحلة القضيبية: من ثلاث سنوات أو أربع إلى غاية سبع سنوات تقريبا وحينها يكتشف الطفل عضوه التناسلي وقد يجد متعة في العبث به.

4- مرحلة الكمون: من ست سنوات أو سبع إلى غاية سن البلوغ, وحينها يدخل الطفل مرحلة الكمون الجنسي.

5- المرحلة التناسلية: عند البلوغ يدخل الطفل مرحلة عمرية جديدة وتصير لديه مشاعر جنسية, ويصير جسمه قادرا على إقامة علاقة جنسية متكاملة.

عقدة أوديب:
 لابد وأن هذا المصطلح قد سبق ومر عليك, ولكن ما المقصود بعقدة أوديب؟
حسب فرويد فإن في كل مرحلة من المراحل الخمس يواجه الطفل تحديا للانتقال للمرحلة الموالية, فهو في المرحلة الفموية سيواجه تحدي الفطام, وفي المرحلة الشرجية سيواجه تحدي تعلم الحمام وفي المرحلة القضيبية سيواجه عقدة أوديب.
أوديب هو شخصية من شخصيات الأسطورة اليونانية والذي قتل أباه وتزوج أمه دون أن يدري.
حسب فرويد فإن الطفل يكون في بداية حياته متعلقا بأمه بشكل كامل وتمثل هذه الأم حبه الأول, لذا فالطفل يريد أمه حتى بالمفهوم الجنسي...وكما سبق وأشرت فإن مفهوم الجنس عند فرويد جد واسع ولا يقتصر على الجماع.
إذن هذا الطفل لن يرغب في أن يشاركه أمه أحد, لذا سيُكوّن عقدة أوديب وسيشعر بمشاعر الكراهية اتجاه أبيه, أي بمعنى آخر فإن الطفل سيغار على أمه من أبيه.
في هذه المرحلة القضيبية أيضا سيشعر الطفل بأهمية عضوه التناسلي وسيدرك أنه يختلف عن الإناث وعن أمه التي ليس لها عضو ذكري وهكذا سيخاف الطفل الذكر على قضيبه كثيرا وسيُطور ما أسماه فرويد بقلق الإخصاء, إذ أن الطفل الذكر سيخاف من كل ما هو حاد من سكاكين ومقص وغيره...
في حين أن الطفلة الأنثى ولأنها بدون قضيب ستدرك أيضا أنها ليست كالذكر وستشعر بالامتعاض من هذه الحقيقة لأن العضو الذكري رمز القوة والهيمنة, وبالتالي ستُطور ما أطلق عليه فرويد بالحسد القضيبي أي أنها ستغار من الذكور وسترغب في أن يكون لديها قضيب أيضا وهكذا تُظهر ولعاً اتجاه أي شيء يشبه القضيب كالأشياء البارزة.
إلا أن الطفلة التي تحب أيضا أمها في بداية علاقتها بها أيام كانت رضيعة لن تُطور قلق الإخصاء كما الذكر لأنه ليس لديها قضيب وبالتالي فحسب فرويد فإن الجنس عند المرأة ليس جد صارم التوجه من حيث الميل للرجل, كما هو عند الذكر الذي يميل بشكل صارم لأمه, فالأنثى تميل لأمها ثم بعد ذلك لأبيها لاحقا...كما أن الأنا الأعلى عند المرأة أضعف منه عند الرجل أي أنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
وأعود وأكرر أن هذا حسب ما يعتقده فرويد.
المشاكل النفسية المرتبطة بكل مرحلة:
 مشاكل في المرحلة الفموية نوعان سلبي وعنيف, السلبي متمثل في أن تقوم الأم بفطم رضيعها مبكرا قبل أن يشبع مرحلته الفموية, قد يُؤدي بالطفل لاضطرابات في الشخصية عندما يكبر فيصير مرتبطا أكثر بالآخرين ويبدأ بالقيام بنشاطات متعلقة بهذه المرحلة كإدمان تناول الطعام أو التدخين, في حين أن العنيف يتعلق بفطم الرضيع المبكر بعد أن تنمو له أسنان فيبدأ بعض حلمات أمه, فيكبر ليُطور سلوكات عصبية كعض القلم أو مضغ العلكة وعض الأشياء.

مشاكل المرحلة الشرجية أيضا نوعان سلبي وعنيف, فالطفل الذي كان يتعرض للعقاب من طرف والديه في مرحلة تعلم الحمام فإنه قد يتحول عندما يكبر لشخص جد محافظ ومرتب وعنيد وربما بوسواس نظافة..في حين أن الطفل الذي كان يستعطفه والداه كي يقضي حاجته بالحمام ويكافئانه كلما فعل ذلك بشكل صحيح فإنه سيكبر ليصير غير مرتب ومستهتر.

مشاكل المرحلة القضيبية: إذا تعرض الطفل الذكر للإهمال بهذه المرحلة من طرف أمه في حين كان يتعامل فقط مع والده فإنه سيكبر ليصير ضعيف الشخصية وبمشاكل جنسية وقد ينغلق على نفسه وينصرف للتركيز على التحصيل العلمي أو أن يتحول لمخنث.
أما الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف والدها والاهتمام من طرف أمها فإنها أيضا ستكبر بشخصية ضعيفة وستصير فتاة جد مؤنثة.
والعكس إن تعرض الطفل بهذه المرحلة للإهمال من طرف والده و الاهتمام من طرف والدته فقط, فإنه سيكبر ليصير باعتقاد راسخ أن لا أحد يحبه بهذا الكون مثل أمه وسيصير "ابن ماما" في حين أن الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف أمها والاهتمام من طرف أبيها فإنها قد تصير مسترجلة.

حسن الآن أدركت ملامح نظرية فرويد الجنسية.
يمكنك القراءة عن الانتقادات الموجهة ضد فرويد: انتقادات التحليل النفسي

كتاب نظرية الذكاءات المتعددة و MBTI - تأليفي

14
أهلا بك عزيزي القارئ
بعد مضي عام على كتيب إلكتروني ألفته حول نظرية يونغ للوظائف المعرفية, بدا لي أن علي تأليف كتيب آخر حول أنماط الشخصية مقترنة بنظرية الذكاءات المتعددة, وهذا بعد أن لمست إقبالا على تحميل الكتاب السابق بالمئات رغم أن طريقة التحميل معقدة وتتطلب الايمايل والمقدمة حوله كانت ساخرة ومستنقصة....-هو ليس استنقاصا بل وسيلة جذب حقيقة-.
أشكر كل من وثق وقام بتحميل الكتاب السابق.
كنت أرغب في إصدار هذا الكتيب قبل أسابيع ولكن وعكة صحية حالت دون ذلك وأخرتني كثيرا, لذا أعتذر من كل من راسلني ولم أرد عليه.
على كل فإن هذا الكتاب قد لا يكون كسابقه فبه بعض التعقيد وقد لا يروق الأشخاص غير المهتمين بالعلوم, لكنه بالنسبة لي أفضل من سابقه وغني بالأفكار وتنوع المصادر.
أما لماذا مجددا نظرية MBTI؟
فهي كما تعلم عزيزي القارئ وسيلة جذب ممتازة للقراء, إذ كنت بداية أود تأليف الكتاب حول نظرية الذكاءات منفردة ولكن قد لا يحظى الكتاب بعدد القراءات المرجوة لذا أضفت فيه فصلا للمقارنة بين النظريتين لعشاق MBTI.
أما إن لم تكن مهتما بMBTI أو لا تعرف ما هي وترغب فقط في القراءة عن نظرية الذكاءات المتعددة فلن يخيب ظنك لأنني اعتمدت الفصول ويمكنك تجاوز الفصل الذي أتحدث فيه عن MBTI
 لن أطلب الايمايل كما بالسابق كي يقرأ أكبر عدد ممكن.

تحميل الكتاب

نظرية الهوية الاجتماعية

9
كنت قد تحدثت سابقا عن الهوية الذاتية, وكيف أن الإنسان يمر بمراحل عديدة في حياته بحثا عن هويته الذاتية, الآن سنتحدث عن الهوية الاجتماعية والتي تمثل جزء مهما من الهوية الذاتية.

ما هي الهوية الاجتماعية؟
اقترح هنري تاجفيل (1919 - 1982) عالم النفس الاجتماعي البولندي أننا نقوم بتصنيف أنفسنا والآخرين في عدة مجموعات, حيث تشكل مجموعاتنا مصدر فخر لنا وجزء لا يتجزء من هويتنا (جنسية, عقيدة دينية, عرق, قبيلة, عائلة....), وقد يؤدي هذا التصنيف لما يسمى بالمحاباة أو التحيز لأفراد الجماعة, من خلال شعور (نحن vs هم).
يرى تاجفيل أن مفهوم الشخص لذاته ينبثق من إنتمائه للمجموعات, إذ ليس للإنسان هوية واحدة بل هويات متعددة بتعدد المجموعات التي ينتمي لها, وبالتالي فهو سيتصرف بشكل مختلف في كل مجموعة بناء على ما تتطلبه.

مثلا: أحمد رجل (مجموعة الرجال) شاب (مجموعة الشباب) عربي (مجموعة العرب) مسلم (مجموعة المسلمين) يلعب كرة القدم في احدى الأندية (مجموعة لاعبي كرة القدم + ناديه) أعسر (مجموعة مستخدمي اليد اليسرى) ....إلخ
بمعنى أنه يمكننا تصنيف أي شخص وتصنيف أنفسنا لما لا نهاية لها من المجموعة, نحن نعدد مجموعات لا متناهية, وكل شخص يتصرف داخل مجموعته على هذا الأساس.
وإن أردت أن تصنف نفسك للمجموعات الاجتماعية التي تنتمي لها واحترت في أمرك فما عليك إلا أن تطرح عليك أسئلة من قبيل: هل إذا أهان شخص مجموعتي سأتضايق وأشعر أنني معني بالأمر؟
مثلا لنثير ضيق أحمد الذي بالمثال واستفزازه لنضع مقولات لشخصيات متخيلة من مجموعات لا ينتمي لها:
- منى (مجموعة النساء) قالت أن الرجال تافهين.
- كريم (مجموعة لاعبي التنس) قال أن التنس أفضل من كرة القدم.
- جون (مجموعة اليهود) قال أن المسلمين متخلفين.
هذه المقولات المتخيلة ستستفز أحمد لأنها صادرة من مجموعات مختلفة لا ينتمي لها وتنال من مجموعاته, وقد يكون رده على هذه الشخصيات مشابها بالنيل من مجموعاتهم قصد الرفع من مجموعته.

كيف يصنف البشر أنفسهم في مجموعات؟
رأى تاجفيل وزميله عالم النفس الاجتماعي ترونر أن عملية تصنيف البشر تنطوي على ثلاث عمليات ذهنية:
 
1- التصنيف الاجتماعي: نحن في مسار حياتنا لا نتوقف عن تصنيف البشر لمجموعات وذلك قصد فهم المحيط الاجتماعي لكل مجموعة وفهم سلوك أفرادها وكيفية التعامل معهم, والأهم من ذلك أننا بتصنيف البشر نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن المجموعات التي ننتمي لها, كمثال (أحمد) فوق.
نحن نقوم بهذا التصنيف بشكل تلقائي, أي أننا ولدنا بخاصية تصنيف البشر للتمكن من التفاعل بشكل أفضل في المحيط الاجتماعي.

2- تحديد الهوية الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا فنحن سنتبنى هوية مجموعاتنا التي ننتمي لها وسنتصرف كما يتصرف منتموا كل مجموعة ونتبنى مجموع الأفكار والحمولة الاجتماعية التي تحملها كل مجموعة, بمعنى لو أخذنا مثال أحمد فكونه رجلا يدعوه لأن يتصرف كما يحدده له مجتمع الرجال, ابتداء من نوع الملابس والمهام الموكولة له ونظرته لنفسه, وكونه مسلما يجعله يسلك سلوك المسلمين, كما أنه لاعب كرة قدم بناد معين مما يجعله يتبنى مبادئ وقيم وأخلاق لاعبي كرة القدم وناديه.

إلا أن رأيا آخر عرف الهوية الاجتماعية كبنية معرفية إدراكية لا ترتبط بالضرورة بأي سلوك أو تبني لقيم وأهداف المجموعة, حيث أن السلوكات حسب هذا الرأي لا تعد إلا نتائج هذه المعرفة الإدراكية.
وكمثال: كريم رجل (مجموعة الرجال) ويصنف نفسه رجلا مثلي الجنس (شاذ جنسيا) يضع زينة نسائية وليست لديه اهتمامات الرجال.
أو أحمد يصنف نفسه رجلا مسلما (مجموعة المسلمين) لكنه لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ولديه العديد من الخليلات.
إذن من خلال المثالين فإن كريم وأحمد لا يسلكان سلوكات مجموعتهما ولا يتبنيان قيمهما وأهدافهما ولكنهما مع ذلك يصنفان نفسيهما ضمن هاتين المجموعتين لأنهما مرتبطان نفسيا بها معرفيا وإدراكيا.

3- المقارنة الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن مختلف المجموعات وبعد أن نحدد الهوية الاجتماعية لكل مجموعة ننتمي لها, فإننا سنبدأ بخلق مقارنات مع باقي المجموعات, وهذه المقارنات تكون غالبا في صالح مجموعتنا حيث نفضل مجموعتنا في أكثر الأحيان وذلك لما يمنحه التفضيل من رفع بالثقة بالنفس والفخر.
هذا التفضيل يتمظهر في شكلين مختلفين: مقارنة بالرفع من مجموعتنا على حساب المجموعة الثانية, ومقارنة بالحط من المجموعة الأخرى.
فلكي يشعر الشخص بالثقة بالنفس والفخر فإنه إما سيمدح مجموعته أو يحط من قدر المجموعة الأخرى.

الهوية الاجتماعية والعنصرية:
المقارنات هي الدافع نحو التحيز الذي يقود للتمييز والعنصرية.
 فأصحاب الجنسيات المختلفة يتبادلون المقارنات فيما بينهم بتفضيل كل شخص لجنسيته وأرضه ووطنه, والرجال والنساء في صراع دائم وكل جنس يحاول أن يعري مساوئ الجنس الآخر, وأصحاب الأديان المختلفة في صراع عقائدي وأصحاب الطوائف من نفس الديانة وأصحاب المذاهب المختلفة من نفس الطائفة, وعشاق كل رياضة ومشجعي مختلف الأندية من نفس الرياضة...إلى آخره من الأمثلة التي لا تنتهي, بل أن البشر في خلق مستمر لمجموعات جديدة كل حين للشعور بالانتماء والفخر والتميز.

أنماط الفكاهة, أي نوع من الفكاهيين أنت؟ اختبار

2
الاختبار هنا

الفكاهة لغة مزاح ودعابة وطرائف, وما يتمتع به من الكلام المسلي.
على مر العصور حاول العلماء دراسة روح الدعابة والفكاهة لدى البشر, وقد تم تناولها على عدة مستويات ومقاربات: اجتماعية, نفسية, بيلوجية... حيث درس كل عالم الفكاهة من مقاربته الخاصة.
وقد انبثقت عدة نظريات واختبارات لقياس حس الدعابة, كل من زاوية نظرته.
اليوم سنتطرق للفكاهة من وجهة نظر نفسية وتحديدا نظرية أنماط الفكاهة الأربع واختبار عالم النفس رود مارتن الذي يحظى اختباره بقبول بالأوساط العلمية.

حسب مارتن تبنى الفكاهة على عدة مراحل وعناصر: السياق الاجتماعي, العملية المعرفية الادراكية, الاستجابة العاطفية, التعبير السلوكي والصوتي للضحك.
لنشرح هذه العناصر الأربع:
أحيانا قد تردد حدثا حصل بالمدرسة أو بالعمل فيضحك زملاؤك منه, في حين أن الآخرين لن يفهموا مطلقا لماذا أنتم تضحكون... قد ينزلق شخص ما ويقع أرضا فيضحك أصدقاؤه, وهذا ما يمكن اعتباره السياق الاجتماعي, إذ لابد من وجود سياق اجتماعي للنكت أو الطرفة أو الحدث المضحك.
إذن عندما تلمح لصديقك بحدث طريف حصل لكما فإنه سيستخدم عقله وذاكرته وسيدرك قصدك وقد لا يتذكر الحدث أو لا يفهم تلميحك فتضطر لتفسير قصدك كي يفهم ويضحك وهذا ما يسمى بالعملية المعرفية الادراكية
بعد أن يفهم صديقك كلامك وطرفتك سيستجيب لها عاطفيا وسيشعر بالابتهاج والسرور من الطرفة...استجابة عاطفية.
بعد الاستجابة العاطفية سيضحك وستظهر تعابير وجهه وحركات جسده وصوت ضحكه ابتهاجه ومشاعره اتجاه الطرفة...التعبير السلوكي والصوتي
جميعنا كبشر نمتلك حس الدعابة والفكاهة وهي آلية جد مهمة في حياتنا وسمة من سمات الشخصية, إلا أن توظيفنا لهذا الحس يختلف ويتباين من شخص لآخر, لذا فقد تم تقسيم توظيف الفكاهة في حياتنا لأربعة أنماط, وجميعنا نستخدم هذه الأنماط الأربعة لكن بتفاوت, حيث نغلب نمطا على آخر.
وهي كالتالي:

1- الفكاهة الاجتماعية: إضحاك الآخرين
فكاهة إيجابية تعمل على توطيد العلاقات وبنائها, فهي تسهل التفاعل مع الآخرين, فالناس تفضل التعامل مع شخص يظهر مرحا وحس دعابة مقارنة مع الشخص الجاد, لذا يلجأ بعض الباعة مثلا للدعابة من أجل جذب الزبائن مثلا...قد يلجأ الأستاذ للدعابة ليصير متقبلا أكثر من طرف طلابه.
تخلق الفكاهة الاجتماعية بيئة تفاعلية مع الآخرين, وقد تفيد في الخطابات العامة لتقليص التوتر, فيلجأ من سيلقي عرضا أمام العامة لإلقاء بعض النكات لإضحاك الحضور وليحظى قبولا من طرفهم وبالتالي يقلل توتره الاجتماعي.
تعمل الفكاهة الاجتماعية كذلك على تقبل الأفكار وتجنب الانتقادات, فقد يسوق الشخص فكرته في قالب فكاهي فتصير متقبلة لكونها مضحكة في حين لو تم عرضها بقالب جاد قد تتعرض للانتقاد, ولهذا ترى كوميديين ينتقدون السياسيين أو ينتقدون المجتمع أو المعتقدات حول العالم في قالب ساخر فكاهي ليتم تقبل الانتقاد أكثر.

2- فكاهة تعزيز الذات: تسلية النفس
فكاهة إيجابية مهمتها القطع مع التوتر ومختلف المشاعر السلبية, يمكن لمسها على المستوى الفردي أو الجماعي, حيث يعمل الشخص على التفكير الإبداعي في الجوانب المضحكة والمسلية في مختلف المواقف الحرجة لإبقاء معنوياته مرتفعة, قد يسعى الشخص للبحث عما يسليه ويضحكه عند الشعور بالغضب أو الحزن, ويبدل جهده للقطع مع التوتر.
يعزز هذا النوع من الفكاهة الذات والتعامل الإيجابي مع مختلف المشاكل لحلها, هو نوع من الهروب الايجابي المتفائل.
فكاهة تعزيز الذات مفيدة أيضا في العلاقات الاجتماعية حيث يبحث الشخص عن الجوانب المسلية مثلا في شجاره مع الآخر, ومحاولة استسهال الصراعات للخروج من الحالة السلبية.

3- فكاهة تدمير الذات: السخرية من الذات
فكاهة سلبية مهمتها اجتماعية أيضا تعمل على توطيد العلاقات وذلك بالانتقاص من الذات والسخرية منها, فالشخص الذي يروي مواقف مضحكة حول نفسه يحظى بقبول من طرف الآخر لكونه يعطي انطباعا بالتواضع, وجميعنا نستخدم هذا النوع من الفكاهة من حين لآخر أمام العائلة والأصدقاء والغرباء أحيانا, إلا أنها قد تتخذ شكلا غير صحي مبالغ فيه.
تعمل هذه الفكاهة أيضا على تقليص التوتر في مختلف المواقف الحرجة بالسخرية من الذات, وقد تكون مؤشرا على الهروب من المشاكل أو إنكارها بشكل سلبي, فمثلا قد يشرح الأستاذ درسا لطالبه فيخبره طالبه أنه لم يفهم الدرس عن طريق وصف نفسه بالغبي في قالب فكاهي يضحك الأستاذ وذلك قصد الهروب من الانتقاد والتوبيخ كونه لم ينتبه للدرس.
وقد يسعى الشخص للاستنقاص من ذاته بشكل مبالغ فيه ليحظى بالقبول من طرف الآخرين بشكل يرتبط بضعف احترام الذات, فيتقبل أن يكون محط سخرية وتنكيت من طرف أصدقائه وأسرته ليبقى محبوبا من طرفهم, لأنها وسيلته الوحيدة للقبول الاجتماعي.

4- فكاهة عدوانية: السخرية من الآخرين
فكاهة سلبية مهمتها تعزيز الذات أيضا, وهي السخرية من الآخرين والضحك على مختلف المواقف التي يقعون فيها, وجميعنا أيضا نستخدم هذا النوع من الفكاهة بتفاوت سواء بوعي منا أو دون وعي, وسواء برضى الطرف الآخر (فكاهة تدمير الذات) أو بعدم رضاه, فقد يقع الشخص أرضا فيضحك أصدقاؤه من الموقف.
الهدف من هذا النوع من الفكاهة هو ذاتي وغير اجتماعي كونه يشعر الإنسان بالابتهاج هو ذاته عند السخرية من الآخر, وقد تتخذ شكلا مؤذيا مضرا عنصريا أحيانا أو تمييزيا (نكات حول عرقية ما, نكات حول جنس ما...).
هذا النوع من الفكاهة عكس بقية الأنماط يرتبط بقوة بالدين, حيث وجدت بعض الاحصاءات أنه يقل في أوساط المتدينين من مختلف المعتقدات التي تحرم السخرية من الآخر (الإسلام, المسيحية...إلخ) كما أنه عكس بقية الأنماط أيضا ينتشر بين صفوف الرجال أكثر من النساء لارتباطه بالهيمنة على المكان... إذ يلجأ الإنسان أيضا للفكاهة العدوانية في الخصومات أو لفرض هيمنته على الغير بالانتقاص من الآخر في قالب فكاهي ليتم تقبل الانتقاص أكثر من طرف المجتمع.
فلكي يتبث الشخص أنه أفضل منك أو أن وجهة نظره أفضل منك فإنه لن يلجأ للخطاب المباشر بل للسخرية منك والتنكيت حولك ووجهة نظرك.

وظائف الفكاهة:
مازالت الفكاهة ظاهرة غامضة وتحتاج المزيد والمزيد من الدراسات والأبحاث بمقاربات شتى.

وكما رأيت فإن الفكاهة متعددة الأبعاد ولها عدة وظائف منها: تقريب وجهات النظر, توطيد العلاقات الاجتماعية وخلق بيئة تفاعلية, القطع مع التوتر ورفع المعنويات, والهيمنة أيضا.
اعتمدت أغلب الدراسات على الفكاهة في بيئة العمل أكثر حيث يحدث التقاعل مع الأشخاص على أعلى مستوى, وقد تبين كيف أن الأداء يرتفع بين المستخدمين والموظفين الذين يخلقون جوا مرحا وفكاهيا فيما بينهم.
الاختبار الذي وضعت رابطه بالأعلى يعطيك فكرة عامة حول أنماط الفكاهة لديك, وهو ليس بدقة الاختبار الأصل, على كل بأخذك الفكرة العامة يمكنك العمل على تحسين أدائك الفكاهي وتقوية الأنماط الايجابية وتقليص الأنماط السلبية, وذلك قصد خلق شخصية وعلاقات اجتماعية صحية.

إغماءات جماعية أو الهستيريا الجماعية

7
ظاهرة أخرى مرتبطة بقوة في الأذهان بالسحر والمس والجن ألا وهي الهستيريا الجماعية...الحالة الجنونية التي يدخلها عدد كبير من الأشخاص في وقت واحد والذين يعيشون ظروفا موحدة في وسط بيئي مشترك, لتشمل الحالة الصراخ والعويل والبكاء والإغماءات وأحيانا تشنجات وحركات بهلوانية وإصدار أصوات غريبة مثيرة للرعب في نفوس المحيطين بالمصابين.
أشرت في العنوان للإغماءات الجماعية تحديدا لكونها الأكثر شيوعا خصوصا في المدارس. حيث تسجل كل سنة تقريبا حوادث إغماءات وبكاء جماعي متفرقة لطالبات المدارس بعدة دول نامية.
الظاهرة عموما نادرة الحدوث ولكنها عندما تحدث تشكل لغطا وتفسيرات ميتافيزيقية بعيدة عن الواقع.
ما هي الهستيريا؟
مصطلح هستيريا ذو أصل يوناني استخدمه أبو الطب أبقراط وتعني "الرحم" فلكونها مجموعة من الأعراض التي ارتبطت بالإناث فإن أبقراط اعتقد مصدرها الرحم وتشنجاته, توالت لاحقا التفسيرات إلى أن ألف فرويد كتابا حول الاضطراب.
يمكن وصف الهستيريا كحالة عاطفية شديدة وقلق وتوتر غير متحكم به, فتفقد المصابة السيطرة على جسدها لتتمثل هذه الحالة العاطفية على شكل أعراض جسدية (آلام, إغماء, صرع, شلل...)
الصور شهيرة جدا تعود لعام 1878 لفتيات صغيرات في حالة هستيرية, كان يتم معالجتهن في ذلك الوقت بما كان يعرف بالتنويم المغناطيسي...حيث انتشر بين نساء بريطانيا بالعصر الفكتوري حالة من الهستيريا, ويرجح السبب لوعي النساء بكونهن يعشن ظلما وأوضاع مزرية, فترجمن الحالة النفسية لأعراض جسدية...وقد كان يتم علاجهن أيضا بتدليك الرحم ظنا أنه السبب.

لم يعد مصطلح هستيريا مستخدما في عصرنا الحالي في الطب الحديث, وتم تفصيل مختلف الحالات بشكل أكثر دقة فيما صار يعرف الآن باضطرابات الجسدنة...حيث كان يتم فيما مضى التتشخيص الخاطئ لأي اضطراب نفسي يصيب المرأة على أنه "هستيريا" بما في ذلك الفصام وحتى الصرع.
حاليا مصطلح هستيريا يتم استخدامه بشكل عامي للإشارة للحالة العاطفية الشديدة التي يدخلها الإنسان في مختلف المواقف العصيبة, كالصراخ والعويل, والارتماء أرضا, والإغماء إلخ...
فمثلا نقول:  أصيب الأطفال بحالة هستيرية بعد سماع ذوي انفجار...

الهستيريا الجماعية:
هي حالة عاطفية شديدة, تتمثل برعب أو قلق يعم مجموعة من الأشخاص في آن واحد لتنتقل من شخص لآخر على شكل عدوى, فيصدر منهم تصرفات وأعراض من قبيل:
- صراخ وبكاء.
- إغماء.
- حركات غريبة.
- تشنجات وما يشبه الصرع.
- شلل, أو عمى.
وكل هذه الأعراض تكون مؤقتة وبلا أي عارض صحي لتختفي بعد دقائق أو أيام.

كما أشرت في المقدمة فإنها ظاهرة تكثر في المدارس حول العالم, لأنها تضم فئة أكثر هشاشة نفسيا وهي فئة الأطفال والمراهقين, كما أنها لا تصيب عادة إلا الإناث ومن النادر أن تشمل الذكور أيضا, في أمريكا في القرن السابع عشر أصيبت الفتيات المراهقات والطفلات في احدى القرى بأعراض غريبة كالقيام بحركات بهلوانية وسلوكات غريبة وقد انتشرت الظاهرة شيئا فشيئا لتصيب عددا كبيرا من صغيرات القرية, ولم يكن لأهل القرية أي تفسير إلا الأرواح الشريرة, فاتهموا مجموعة من النساء بممارسة السحر على الفتيات ليكون مصيرهن الإعدام...تم إنتاج عدة أفلام هوليودية حول الحادثة التاريخية.
 في المكسيك عام 2006 أصيبت حوالي 600 فتاة تتراوح أعمارهن بين 12 و16 سنة باحدى المدارس الداخلية بأعراض اضطرابات الجسدنة ففقدن القدرة على السير دون أي سبب, وفي ماليزيا أصيب مجموعة من الطلاب بحالة هستيرية فبدؤوا يقلدون النمور ويتشاجرون فيما بينهم كالنمور, ويقومون بحركات بهلوانية أصيبوا على إثرها بجروح بالغة.

الأمر ذاته يحصل بالدول العربية, ويمكنك القراءة عنها في الجرائد الالكترونية: المغرب, الجزائر, مصر, السعودية...

بالتأكيد فإنك بقراءتك لهذه الأخبار بهذه الجرائد العربية ستجد أن التفسيرات المساقة من الصحفيين أو الأهالي هي إما: جن, سحر أو تمثيل إغماء...وذلك بسبب غرابة الموقف.

إذن ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟
في علم الاجتماع تعد الهستيريا الجماعية نمطا من أنماط السلوكات الجماعية والتي تتميز بكونها عفوية ومؤقتة ومتزامنة مع حدث أو ظرف معين...
فلأننا كبشر كائنات اجتماعية فإننا خُلقنا بشكل يجعلنا نتأثر ببعضنا البعض وذلك لنتمكن من البقاء على قيد الحياة, فلو لم تكن لدينا خاصية الكائنات الاجتماعية وكنا كالنمور المرقطة يشق كل فرد طريقه بمفرده, لما قامت لنا حضارة, ولكنا نعيش حاليا حياة العصر الحجري, إذن خاصية "القطيع" هذه لدى البشر آلية مهمة.
إن رأيت شخصا لا تعرفه يضحك فإن هذا سيبعث في نفسك أيضا رغبة بالضحك وقد تبتسم من ضحكه, وإن تثاءب شخص بغرفة الاجتماع فإن الجالسين سيبدؤون بالتثاؤب أيضا الواحد تلو الآخر..."الإيحاء".
الأمر ذاته بالنسبة للقلق والمشاعر السلبية, ولنفترض طفلا وقع أرضا فلو ابتسم الجميع في وجهه فإن الأمر سيهون في نفسه, في حين لو فزع الجميع وصرخوا فإن الطفل سيفزع وسيهول مسألة سقوطه ويبدأ بالبكاء والصراخ أيضا.

الهستيريا الجماعية إذن ما هي إلا استجابة جماعية للقلق الذي يعم المكان, لذا فأغلب هذه الحالات تسجل في القرى بالدول النامية التي تعرف نمط عيش متدني عموما, إذ من النادر تسجيل حالات مشابهة بالدول المتقدمة, لقد كانت مثل هذه الحالات الهستيرية تنتشر بأوروبا في القرون الماضية بشكل كبير جدا.
لو قرأت خبر الهستيريا الجماعية بالمدرسة بالجزائر, فإن الفتيات انتابتهن حالات إغماء بعد تأثرهن بما أصاب زميلتهن التي توفي جدها, في حين أن الطالبات بخبر المغرب انتابتهن حالة هستيرية بعد تلاوة القرآن, وذلك لأن شائعات قديمة كانت تحوم حول أن هناك جنا وشياطين يقطنون بالمدرسة, فالطالبات لصغر سنهن كن يعشن قلقا ورعبا من الموضوع, فما إن بدأت احداهن بالصراخ بعد تلاوة القرآن حتى انتقلت العدوى لبقية الطالبات, الأمر ذاته لطالبات السعودية حيث لما أحضر أولياء الأمور شيخا لتلاوة القرآن على الطالبة المريضة ساءت حالتها أكثر, لأنه بأذهان هؤلاء الفتيات يرتبط القرآن بطرد الجن بشكل لاواع, فيرتعبن عند تلاوة القرآن, وهذا ما يحدث لعدد كبير ممن يرفض سماع القرآن بحجة أن به مسا والشيطان يرفض سماع القرآن.

قد تنتاب الطالبات حالات إغماء بالامتحانات أحيانا بسبب صعوبة الأسئلة, فالطالبة التي تخرج من القاعة لترى الكل يضحك ويسخر من صعوبة الأسئلة قد يبعث هذا بنفسها بعض الارتياح, في حين لو خرجت من القاعة لترى الكل يبكي ويولول ستبكي بدورها...ولهذا يغمى على الطالبة ليغمى بعد ذلك على عدد آخر من الطالبات.

لماذا الإناث وليس الذكور؟
كما رأينا فإن أغلب الحالات إن لم تكن كلها لإناث, فمدارس المغرب والجزائر مختلطة, الذكور والإناث يدرسون في حجرة درس واحدة, ومع ذلك انتابت نوبة هستيرية الفتيات دون الفتيان.
في واقع الأمر فإن التفسيرات متعددة وكلها مجرد تخمينات لا تحسم المسألة, إلا أن التفسير الأكثر قبولا بالنسبة لي يعود للتنشئة والبيئة وليس لطبيعة الإناث المختلفة عن الذكور, إذ أن مثل هذه الظاهرة الهستيرية انقرضت في أوربا تقريبا في حين مازالت حاضرة في الدول النامية خصوصا التي تعرف فصلا صارما في أدوار الإناث والذكور, فلو كان الأمر مرتبطا بطبيعة الأنثى لما انقرضت بالدول المتقدمة.
ولأقرب المسألة أكثر, فإن المرأة الدكتورة الجامعية لن تصرخ ويغمى عليها في حفل غنائي أمام فنانها المحبوب, أيضا هذه الدكتورة لما تتلقى خبر وفاة ابنها فإنها لن تخرج للشارع تمزق ملابسها وتلطم خدودها ولن تضع فوق رأسها التراب, بالعادة تتصرف هذا التصرف النسوة ذوات التعليم المتواضع واللائي يعشن في وسط بيئي يعرف وعيا منخفضا.

الغيرة المرضية والشك بالخيانة

2
لوحة بعنوان غيرة للرسام النرويجي إدفارت مونك 1907

من الطبيعي أن يغار الرجل على زوجته والمرأة على زوجها, فالغيرة عاطفة موجودة لدينا جميعا كبشر, إلا أنها تتحول لدى البعض من مجرد غيرة لشكوك ووساوس وضلالات تسببها اختلالات نفسية تفسد الحياة الأسرية وتحولها لجحيم لا يطاق, بل قد تهدد أمن وسلامة ضحايا الغيرة المرضية.

ما هي الغيرة المرضية؟
الغيرة المرضية هو ارتياب في إخلاص شريك الحياة و شكوك في كونه يقيم علاقة عاطفية أو جنسية مع شخص أو أشخاص آخرين, وتكون هذه الشكوك لا أساس لها من الصحة وبلا أي مبرر منطقي.
تدفع الغيرة المرضية أصحابها للاثيان بسلوكات متكررة للتأكد من إخلاص شريك الحياة, أو للمراقبة والمطاردة في محاولة لضبطه متلبسا بالخيانة الزوجية, مما يشكل جحيما للطرف الآخر.
وهي تنتشر بين صفوف الرجال أكثر من النساء لأسباب اجتماعية وطبيعية.
الغيرة المرضية حالة يتم رصدها لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية, ويمكن تقسيم حاملي الغيرة المرضية لأصناف عدة.

1- غيرة لأسباب ذاتية:
أحيانا لا يكون للاضطراب النفسي علاقة مباشرة بالغيرة المرضية, حيث قد تجتاح المرأة العاقر مثلا شكوك بأن زوجها يخونها بسبب النقص الذي تشعر به اتجاه نفسها كامرأة غير قادرة على الانجاب.
الرجل الذي يعاني اضطرابات جنسية قد يعاني بنقص اتجاه نفسه كرجل غير قادر على تلبية حاجيات زوجته الجنسية, فينقلب شعوره بالنقص لغضب أو قلق, فيتحول للشك في إخلاص زوجته له.
إذن لحل هذه المشكلة يجب على الزوجين الحوار ومصارحة بعضهما البعض واللجوء لمستشار نفسي لتبديد حالة القلق والخوف من فقد الطرف الآخر وعلاج المشكل الأصل أو التعايش معه والتصالح مع الذات.
2- اضطرابات نفسية يعي أصحابها بحالتهم:
قد تجتاح صاحب الشخصية الوسواسية أو مصاب الوسواس القهري أفكار استحواذية كون شريك الحياة خائن.
أصحاب الوساوس القهرية يعلمون جيدا أن أفكارهم لا أساس منطقي لها ولكنهم غير قادرين على التخلص منها, هي أفكار تحضر رغما عنهم فتشعرهم بالقلق والتوتر طول الوقت.
قد يرافق الزوج زوجته لمنزل أهلها ثم يذهب للعمل, فتأتيه أفكار بأن زوجته غادرت منزل أهلها لمقابلة عشيقها, سيحاول مقاومة هذه الفكرة دون فائدة فيشعر بالقلق ويتصل بها كل حين للتأكد من أنها ما تزال بمنزل أسرتها.
وقد يصارح المصاب شريك حياته بما ينتابه من أفكار, فيخبر الزوج زوجته أنه يتصرف على هذا النحو رغما عنه, فهو مدرك لحالته.
من السهل علاج مثل هذه الحالات لأن صاحب الاضطراب يتألم ويعاني في حياته ويرغب في إيجاد حل لمشكلته, لدى يسهل إقناعه بالعلاج وقد يلجأ إليه من تلقاء نفسه, كما أن علاج الوساوس القهرية يبلي بلاء حسنا.

3- اضطرابات نفسية لا يعي أصحابها بحالتهم:
مثل صاحب اضطراب الشخصية الارتيابية الشكاكة, فهو يرى أن شكوكه منطقية, فإذا سافر الزوج للعمل فإن زوجته المصابة بالاضطراب ستعتقد أنه سافر لخيانتها, وستحاول التأكد من أنه سافر للعمل, وقد تختلق معه مشاكل بعد عودته, فيصعب على الزوج إقناعها أنها واهمة لأنها ترى في العدم أدلة وحججا تعزز أفكارها.
للأسف لا علاج ناجع لحامل مثل هذا الاضطراب خصوصا إن كان صاحبه بأعراض شديدة.
اضطراب آخر يتأرجح صاحبه بين الوعي وعدم الوعي بغيرته المرضية وهي الشخصية الحدية, حيث يصعب معاشرة هذه الشخصية بشكل عام لما تسببه من مشاكل, تمر الشخصية الحدية بعدم انسجام حاد مع "الأنا", فقد تلجأ هذه الشخصية للخيانة هي ذاتها وقد تضيق الخناق على شريك حياتها بشكل درامي بسبب المخاوف غير المبررة من الفقد.
الشخصية الحدية عموما تعلم أنها تعاني من اضطراب ما, وقد تلجأ للعلاج من تلقاء نفسها فعلا, إلا أنها قد لا تدرك تفاصيل أعراضها ولا تقدر ما تسببه من مشاكل للآخرين.

4- اضطرابات ذهانية:
قد يصاب الشخص باضطرابات ذهانية فيرتاب بشأن إخلاص شريك حياته, إلا أن شكوكه وعكس الحالات السابقة جميعا تتميز بالانفصال عن الواقع, فقد يشك الرجل الذي ينام مع زوجته على سرير واحد أنها تخونه مع رجل آخر نائم بجانبها بطرف السرير.
قد يتناول الطعام رفقة زوجته على طاولة واحدة فيتفقد أسفل الطاولة ليرى ما إذا كان هناك رجل مختبئ تحتها.
هو إذن يعاني من ضلالة لا منطقية كون زوجته تخونه.
يمكن رؤية هذه الحالة الذهانية لدى بعض مرضى الفصام وحالات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب ذو الشكل الذهاني, كما قد يصاب الشخص بهذا الاضطراب الذهاني المتعلق بالغيرة بشكل منفصل عن هذه الاضطرابات, بمعنى أن أعراض الذهان لديه كلها تتمحور حول الخيانة الزوجية فلا تظهر عليه للعيان أعراض أخرى كما لدى مرضى الفصام أو ثنائي القطب.
ويشكل هذا النوع من الاضطراب خطرا على السلامة الجسدية لشريك الحياة وعلى من يشك في كونهم شركاء بالخيانة, قد يشك في صديقه أو زميله بالعمل بأنه يقيم علاقة مع زوجته في حين أن هذا الأخير لم يسبق له أن التقى بزوجته مطلقا.
لا تكون هذه الضلالة مرتبطة فقط بالزوج أو الزوجة, فقد يشك الرجل الذهاني في سلوك أخته أو والدته بدل زوجته.
العلاج هو الأدوية المضادة للذهان, ولا يمكن علاج مثل هذه الحالات دون أدوية مطلقا.

الغيرة المرضية وجرائم القتل والانتحار:
كثيرا ما تسمع عزيزي القارئ عن رجل قتل زوجته أو جاره أو صديقه بسبب شكوك في الخيانة الزوجية, وقد يقتل الرجل أبناءه أيضا ثم ينتحر بسبب الحالة المأساوية التي كان يعيشها, والأمر ذاته بالنسبة للمرأة.
في العادة فإن أغلب من يرتكب مثل هذه الجرائم هم  أصحاب الاضطرابات الذهانية بسبب انفصالهم عن الواقع, وسهولة ارتكابهم لجرائم قتل بسبب غياب الادراك.
إن لاحظ أحد الزوجين أو أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران بعض المظاهر الذهانية والشكوك اللا منطقية لدى أحد الأفراد فإنه من باب أولى إقناع الأسرة لاصطحابه للمستشفى في أقرب وقت ممكن قبل تدهور حالته أكثر فأكثر, أو تعرض أحد المعنيين بضلالة المصاب للشروع بالقتل.

هل الطلاق حل؟
رغم أن الطلاق مدمر ومشتت للأسر, فإنه في بعض الحالات يكون حلا ناجعا خصوصا إن استحال إقناع أو إجبار المصاب على العلاج أو إن كان لا يستجيب للعلاج.
وكما أسلفت فإنه قد تكون للمصاب سلوكات مهددة لحياة الزوج أو الزوجة تحديدا, فكثيرا ما يلجأ المصاب للتعنيف أو سجن الزوجة بغرفة أو حتى القتل...سلوكات المصاب تؤثر على أفراد الأسرة ككل فللأبناء نصيب أيضا من الجو المشحون الذي يؤثر على نفسياتهم وقد ينالهم التعنيف فيسجن الرجل زوجته وأطفاله معا, أو أن يطلب من أبنائه التجسس على الأم أو الأب أثناء غيابه.
لدى الانفصال سيكون خيارا مطلوبا إن توفرت الظروف المواتية له.

اضطرابات الشخصية: الشخصية المرتابة أوالشكاكة

3
لوحة للفنانة مارغريت كين

ما هي اضطرابات الشخصية؟
اضطرابات الشخصية تمسّ مختلف جوانب الشخصية للمضطرب حيث أن الشخص يفكر, يشعر ويتصرف بشكل غير متوقع من طرف إنسان طبيعي, فيؤثر الاضطراب على جوانب عدة من حياة المصاب بشكل سلبي كالتفاعل الغير سليم مع الآخرين, المشاعر السلبية اتجاه الذات, ردات الفعل العاطفية الشاذة في المواقف, وإظهار انفلات في التحكم بالسلوك.
كما وتختلف اضطرابات الشخصية عن بعض الاضطرابات النفسية كالفصام والحالات الذهانية الأخرى كون الوعي والإدراك لا يغيب فيها وبالتالي فإن الشخص يكون واعيا تماما بتصرفاته وسلوكاته وبالتالي متحمّلا للمسؤولية.

هناك عشرة أنواع لاضطرابات الشخصية تنقسم لثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: اضطرابات شخصية ذات سلوك غريب الأطوار وشاذ: الشخصية الفصامية
2- القسم الثاني: اضطرابات شخصية ذات سلوك درامي, عاطفي أو غير نظامي: الشخصية المضادة للمجتمع, الشخصية الحدية, الشخصية النرجسية, الشخصية الهستيرية
3- القسم الثالث: اضطرابات شخصية ذات سلوك قلق ومتخوف: الشخصية التجنبية


ويندرج اضطراب الشخصية المرتابة ضمن القسم الأول.
 ما هي الشخصية المرتابة؟
هو اضطراب بالشخصية يدفع صاحبه للشك في الآخرين بشكل غير عقلاني وبعيد عن الواقع, وعلى غرار اضطرابات الشخصية القسم الأول فإن الشخصية المرتابة تؤول أغلب الكلام والسلوك الصادر من الآخرين على أن المقصود به الإساءة لشخصها أو استغلالها أو أي هدف سلبي موجه ضدها, فقد يفسر المصاب إبتسامة ودودة في وجهه على أنها سخرية واستهزاء, وقد يفسر كلاما طيبا بحقه على أنه يحمل معاني خفية للنيل منه, فإن قلت له بأنه شخص طيب فقد يؤولها على أنك تقصد أنه شخص ساذج وغبي, وإن قدمت له معروفا فقد يفسر الأمر على أنك تحاول كسب وده لاستغلاله لاحقا...وهكذا.
يبقي الشخص المرتاب دفاعاته متحفزة ضد الآخرين ولا يرغب في مشاركتهم معلوماته الخاصة, فهو لا يرد عادة على الأسئلة الشخصية لشكه الدائم في نوايا الآخرين, كما أنه يصعب إقناعه بأن شكوكه في غير محلها لأن لديه إقتناعا راسخا بتحليلاته, لذا لا تثق الشخصية المرتابة بالآخرين مطلقا فهي شخصية متمحورة حول ذاتها وبدون أصدقاء غالبا.
تظهر معالم الشخصية المرتابة بسن مبكر من المراهقة الأولى على شكل عزلة وتجنب لإقامة صداقات بالمدرسة, وتزدهر الأعراض بسن الشباب.
أغلب حاملي اضطراب الشخصية المرتابة ذكور وكالعادة لا وجود لتفسير علمي حول السبب.

الأعراض:
تتنوع الأعراض ولكنها جميعا تصب في اتجاه واحد وهو الارتياب والشك في المحيطين.
1- شك دون أي أساس واقعي في أهداف الآخرين من أصدقاء وأفراد العائلة في سلوكاتهم وكلامهم على أن المقصود به ضرره أو استغلاله أو تجريحه.
2- الشك في ولاء الأصدقاء والمحيطين به, وبأنهم ربما قد يكيدون له في الخفاء وبالتالي هم غير جديرين بمنحهم الثقة الكاملة.
3- تردد في الافصاح عن المعلومات الشخصية خوفا من استغلالها ضده حتى وإن كانت تافهة, فقد لا يرغب في البوح باسمه الكامل أو مكان ازدياده أو عنوان بيته, وقد يجد مشكلات في الأماكن التي تتطلب منه الافصاح عن معلوماته الشخصية.
4- يؤول ويقرأ المعاني خلف الأحداث والدعوات العادية على أنها تحمل تهديدا ضده فدعوته لحفلة من طرف أحد الأصدقاء قد تجعله يشك في أن وراءها غاية للنيل منه أو استغلاله لاحقا.
5-  حقود, فالشخصية المرتابة شخصية لا تنفع معها الاعتذارات مطلقا فهي لا تسامح أبدا وخطأ بسيط بحقها قد يجعلها تنهي العلاقة مع الشخص نهائيا وتؤكد شكوكها السابقة ضده والتي لا أساس لها, بل أن خطأ غير مقصود كإصابة أثناء اللعب من طرف صديق كفيل بخلق العداوة.
6- بسبب تأويل كلام الآخرين وسلوكاتهم وقراءة معاني خفية خلفها فإن الشخصية المرتابة قد تظهر غضبا وهجوما ضد من تشك في أنه يقصدها, فإن داس الشخص المرتاب على قدمك دون قصد واعتذر لك وقبلت اعتذاره بابتسامة ثم بدأت بالضحك من الموقف فإن الشخص المرتاب قد يفسر ضحكك على أنه سخرية واستهزاء فيتصرف نحوك بعدوانية.
7- الغيرة المرضية وشكوك في إخلاص شريك الحياة, فالشخص المرتاب قد يؤمن أن زوجته تخونه في الخفاء, مما يدفعه لاتخاذ بعض السلوكات الاحترازية كإقفال الباب على الزوجة أو الاتصال بها كل حين للتأكد من أنها لم تخرج من البيت, ومثلها بالنسبة للزوجة المرتابة التي قد تحاصر زوجها بالأسئلة الاستنطاقية حول مكانه وسبب تأخره أو أن تقوم بمفاجأته في مقر عمله للتأكد من أنه هناك.
8- العناد والجمود في الرأي,  فالشخصية المرتابة تتميز بالقسوة وقوة الجدال وعدم الاقتناع بآراء الآخرين لأنها ترى نفسها دائما على صواب, لا يستطيع الشخص المرتاب رؤية الخلل في تصرفه وسلوكه.
9- يجد الشخص المرتاب صعوبة في الاسترخاء فهو محموم طول الوقت مشغول البال بما يحاك ضده.

المآلات:
قد لا يتوفق الشخص المرتاب في الاستقرار بالعمل بسبب شخصيته الغير متعاونة مع الآخرين فقد يبلغ به الأمر مبلغ العجز التام عن التعامل مع الآخرين وإقامة أي علاقة, بل قد يدخل في صراعات مع الآخرين دون سبب مقنع ويرفع دعاوى قضائية وغيرها من المشاكل.
قد لا يتوفق أيضا في زواجه بسبب شكوكه الدائمة ومحاصرته لشريك حياته, وقد تنحى العلاقة الزوجية منحى العنف الجسدي والمعنوي, إذ قد يضرب الزوج المرتاب زوجته لأنه لم يصدق كون الرجل المتصل بها مثلا أخطأ الرقم, قد يقفل عليها الباب ويمنعها من زيارة أفراد أسرتها لأنه يشك في كونهم يؤلبونها عليه مثلا...
 بسبب هذه الأعراض المنفرة لأغلب الناس فإن الشخصية المرتابة تتحول للأسف للعيش في عزلة عن الآخرين وبسبب عدم قدرة الشخص المرتاب رؤية الخلل في شخصيته فهو يفسر وضعه على أن الكل كريه وماكر وخادع مما يوقعه ضحية الاكتئاب.

الأسباب:
تبقى الأسباب المباشرة لاضطراب الشخصية المرتابة عموما مجهولة إلا أنه تم إيجاد رابط جيني جد قوي بين الاضطراب والفصام, حيث أن في التاريخ الأسري للمصاب بالاضطراب هناك أفراد من عائلته يعانون من الفصام, أي أن العامل البيولوجي حاضر بقوة.
بالإضافة للعامل الجيني فإنه لوحظ أن الأطفال الذين أصيبوا بصدمة في الصغر أو سوء بالمعاملة طوروا شخصية مرتابة لاحقا.

العلاج:
للأسف لا يوجد علاج شاف لاضطراب الشخصية المرتابة, فكل محاولات العلاج النفسي هو تقويم السلوك بتثقيف المرتاب بحقيقة ما يعاني منه ومنحه نصائح لتحسين أدائه قصد جعله قادرا على العيش وإقامة علاقات صحية مع البشر, وقد يصرف الطبيب أدوية مضادة للقلق والاكتئاب في بعض الحالات.
المشكلة تكمن في أن الشخصية المرتابة لا ترى خللا بشخصيتها بل تراه  بالآخرين وبالتالي فإنه يصعب إقناع الشخص المرتاب باللجوء للعلاج, لأن محاولة الإقناع ذات نفسها سيتم تأويلها طبعا, كما يصعب على الشخص المرتاب الوثوق بالنفساني ومده بمعلوماته واتباع تعليماته لأنه لن يمنحه ثقته لذا يشكل تقويم شخصية المرتاب تحديا, فاستجابته للعلاج ضعيفة عموما خصوصا إن كانت الأعراض لديه قوية.

لماذا المرأة مادية؟

13
من الواضح أن العنوان مستفز للبعض, كما أنه وضع حكما مسبقا بأن المرأة مادية.
حسن دعني عزيزي القارئ عزيزتي القارئة أفسر الموضوع أولا.
بداية لنتفق أنني هنا لا أعمم على كل رجل وامرأة, بل أتحدث من منطلق المقارنات العددية, أي أن عدد النساء الماديات أكبر من أعداد الرجال الماديين, حسب الشائع بالمجتمع.

ما المقصود بالمادية؟
ربما مصطلح "مادية" ليس بتلك الدقة ويحيل لتعاريف أخرى للمادية لا أقصدها, أنا هنا أقصد بشكل أكثر دقة الاستهلاكية والتي تعني الافراط في استهلاك المنتجات المادية والخدماتية.
تعمل الشركات الكبرى قبل استهداف زبنائها على دراسة سلوكهم الشرائي ومن تم الاستراتيجيات المناسبة لجذب أكبر عدد ممكن من الشريحة المستهدفة...إن اطلعت على نصائح خبراء التسويق فإنه لكي تستهدف الزبون الرجل أنت بحاجة لإقناعه بجدوى المنتج عمليا, بحيث أن أغلب الرجال يعتمدون على قراءة بيانات وميزات المنتج قبل شرائه, في حين إن كنت تود استهداف الزبونات النساء فأنت بحاجة أكثر للعب على الوتر العاطفي, حيث أن المرأة تشتري ما يروقها ويحقق لها الاشباع العاطفي, لذا تقوم المحلات النسائية بوضع الزينة والبهرجة وتخصيص بعض الهدايا وتزيين منتجاتها بالأشكال والألوان.
فلو أراد رجل شراء كوب فإنه سيركز أكثر على جدوى الكوب وما إذا كان عمليا, مثلا (حافظ للحرارة, خفيف الوزن, لا ينكسر...إلخ) في حين أن قرار المرأة بشراء الكوب من عدمه هو ما إذا كان سيرضيها عاطفيا, لهذا سيضع صانع الأكواب بعض الزينة والألوان على الكوب الذي يود بيعه للمرأة.
كما أن المرأة قد تشتري العديد من الأغراض التي لا تحتاجها ولا تستعملها, فقد تشتري لباسا لا ترتديه أو ترتديه مرة واحدة فقط, قد تشتري الكوب وتضعه مع الأواني ولا تستخدمه أبدا...
الأدهى من ذلك أن مدمني الشراء والتسوق أغلبهن نسوة لما يحققه التسوق من إشباع عاطفي لهن, قد تخرج للسوق فقط للتنزه والاستمتاع بمشاهدة مختلف المنتجات في حين أن أغلب الرجال سيخرجون للتسوق لقضاء غرض محدد.
ورغم أن الرجل أكثر إجراما وارتكابا لمختلف أنواع الجرائم بحيث أن أغلب جرائم الاعتداء على الغير وممتلكاتهم تصدر من رجال إلا أن وقوع المرأة في جريمة السرقة من المحلات أو سرقة الصديقات كبيرة جدا وتتجاوز نسب الرجال في بعض البلدان.
قد يسرق الرجل المجوهرات لبيعها والحصول على المال, أما المرأة فقد تسرق المجوهرات لأنها أعجبت بها وتريدها لنفسها, أي أن السرقة عند الرجل تكون في الغالب وسيلة في حين أنها في حالة المرأة غاية بحد ذاتها.
تستغل أغلب الماركات العالمية هذا السلوك لدى النساء فترفع سعر المنتجات النسائية مقابل المنتجات الرجالية, لأنها تعلم أن المرأة تحب التسوق وأنها ستشتري حبا في الشراء, فقد يشتري الرجل شامبو بسعر أقل من سعر شامبو نسائي من ماركة واحدة حتى وإن لم يكن هناك ما يبرر رفع سعره.
وهذه مراسلة منشورة بموقع البيت الأبيض الأمريكي لسيناتور وعضوة بالكونغريس يطالبان فيها بالنظر لهذا المشكل "التميزي" حيث تدفع المرأة أكثر من الرجل في مشوار حياتها حتى وإن اشترت نفس القدر الذي يشتريه الرجل من منتجات.
تعد هذه المشكلة عالمية.

والآن لنقفز للسؤال المحوري وهو لماذا؟
لماذا المرأة أكثر مادية من الرجل حسب التعريف بالأعلى؟
سأعرض تفسيرين اثنين أحدهما يركز على الطبيعة والآخر على البيئة.

طبيعة الرجل والمرأة:
عندما يشعر الحيوان بالرغبة الجنسية ولنأخذ مثال حيوان ثدي, فإنه سيبحث عن الأنثى وسيتتبع رائحة الهرمونات الأنثوية التي ستطلقها, والتي ستجذب عددا من الذكور لمكانها, وسيتصارعون فيما بينهم والفائز سينال فرصة التزاوج مع الأنثى.
بالنسبة لبعض العصافير, فإنه في فترة التزاوج سيسعى الذكر لبناء عش وسيبدع قدر الإمكان في بنائه لينال رضى الأنثى, وهذه الأخيرة ستلجأ للعش الذي يوفر الحماية للتزاوج مع الذكر صاحبه.
هذا ما يسمى بالانتقاء الطبيعي, أي أن الطبيعة تنتقي الأفضل والأقوى والأبرع للتزاوج ومن تم توريث جيناته القوية للأجيال القادمة كي لا ينقرض الكائن, فلو أن الله سبحانه لم يضع في الطبيعة هذه الخاصية فإن الذكر الضعيف سيتزاوج مع الأنثى وستلد كائنات ضعيفة ومع الزمن سينقرض عدد كبير من الأنواع.

الأمر ذاته بالنسبة للبشر, فنحن كحيوانات لدينا غرائز لانتحكم فيها, فالرجل سينجذب للمرأة الشابة ذات المظهر الأنثوي لأنها أصلح للانجاب والتكاثر, كما أن المرأة ستنجذب للرجل ذو المظهر الشاب القوي لأنه أصلح لتوفير الموارد والحماية.
بمعنى أننا لو عدنا بعجلة الزمن للوراء للعصر الحجري فإن الشاب القوي هو الأقدر على البقاء لأنه قادر على توفير موارد العيش من صيد ونحوه, كما أنه يستطيع بناء مأوى وتوفير الحماية من الوحوش والغارات والكوارث, المرأة إذن ستنجذب غريزيا للرجل الشاب ذو العضلات أكثر من غيره, لأنه سيحميها وأبناءهما وسيوفر لهم الموارد للبقاء على قيد الحياة.
هذه غرائز مبرمجة في جيناتنا ونحن لا نتحكم فيها تماما كباقي الحيوانات, فأنثى الحيوان التي تتزاوج مع الذكر الأقوى هي لا تفكر في أن هذا هو الأصلح لها ولأبنائها, والذكر الذي يتزاوج مع الأنثى التي تفرز هرومانات تدل على الإباضة هو لا يفكر في أنها قادرة على الانجاب, الانجذاب يحصل تلقائيا وغريزيا.
نحن البشر ننجذب غريزيا وحسب للمرأة الشابة والأنثوية المظهر (قدرة على الانجاب) ونراها مثيرة وجميلة, والرجل الشاب ذو المظهر القوي (قدرة على الحماية وتوفير الموارد) تراه النساء وسيما ومثيرا.

ما حدث بعد ذلك أن الحياة تطورت وتحضرت ولم يعد الرجل بحاجة لعضلاته للاعتماد عليها قصد البقاء على قيد الحياة ولتوفير الموارد والحماية لأنثاه وأبنائهما, صار يعتمد أكثر على أمور أخرى حسب متطلبات الحضارة, ولكن الأصل بقي كما هو, أي أن الرجل لازال ينجذب للمرأة الشابة ذات المظهر الأنثوي, في حين أن المرأة مازالت تنجذب للرجل الذي يوفر الموارد والحماية بغض النظر عن عضلاته ومظهره, فرغم أنها تنجذب غريزيا للرجل الشاب ذو العضلات إلا أنه إن لم يتمكن من توفير الموارد كالسكن والوظيفة فإنه بالنسبة لها بلا قيمة ولايمكنها الارتباط به وستفضل بدلا عنه شخصا نحيلا ضعيفا أو شيخا هرما ميليارديرا أي أنه يوفر أكبر قدر ممكن من الموارد والحماية للمرأة.
 قواعد الطبيعة تغيرت ظاهريا إذن ولكن الجوهر بقي كما كان.
إذا كان الرجل ميليارديرا فإن فرص زواجه من الشابات الجميلات كبيرة جدا بغض النظر عن شكله وسنه, في حين أن المرأة ذات الشكل الأنثوي "الجميلة" تحظى بفرص زواج أكبر من باقي النسوة بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية التي تنتمي لها.

ولهذا فإن أغلبية الموارد حول العالم محتكرة من طرف الرجال لأن من طبيعة الرجل اللهث خلف توفير الموارد كما أن قدراته على توفيرها كبيرة, في حين أن المرأة تلهث خلف استهلاك هذه الموارد لأن طبيعتها هي استغلالها...
كمثال السرقة الذي يسرق فيه الرجل المجوهرات لبيعها والحصول على المال (توفير موارد) والتي تسرقها المرأة لارتدائها (استهلاك الموارد)

بيئة الرجل والمرأة:
الآن ننتقل للرأي الآخر والذي يقول أن طبيعة الرجل والمرأة وغرائزهما ليس لها علاقة بسلوكهما في استهلاك الموارد, بل هي نتيجة بيئة وتنشئة مفروضة, فالمجتمع هو الذي يحدد سلوك كل جنس...
وكمثال فقد ظهر الحذاء ذو الكعب العالي فيما مضى مخصصا للرجال, وقد ارتداه لويس الرابع عشر ملك فرنسا كرمز للسلطة والنعيم وبأنه لايحتاج للعمل كبقية الرجال بالطبقات الأدنى, لم تكن النساء ترتدين الأحذية ذات الكعب العالي في ذلك الوقت, إلا أن الأمر تطور تدريجيا إلى أن بات الحذاء ذو الكعب العالي رمزا للأنوثة...إذن تتغير المفاهيم على مر العصور.
 ونظرا لكون الرجل هو الجنس الأقوى والمستحوذ على موارد العالم, فإنه هو من فرض قواعده على الجنس الآخر, فبنى سلوك المرأة بإغراق السوق بالمنتجات النسائية ذات أغراض الزينة والتجميل لأن هذا ممتع للرجل, فتحول سلوك المرأة معمما حتى مع بقية المنتجات والخدمات الغير مخصصة للتجميل.
فالرجل هو صاحب الشركات والأعمال السينمائية والإعلانات وكل شيء في هذه الحياة, وله اليد الطولى على المرأة, إذن المُنتج والمخرج يظهرها في الإعلانات والأعمال السينيمائية بشكل مثير ومحبب لجنسه بتزيينها ووضع صورها في كل مكان لتسويق جميع الأغراض.
 الطفلة بعد أن تبلغ سنا تميز فيه جنسها فإنها سترى ما يعرضه المجتمع لجنسها وما يطلبه المجتمع منها, فترى صور النساء تملأ المكان والشاشات وترى قريباتها اللائي مررن أيضا بمرحلتها يسلكن سلوكا معينا في الشراء والتزيين واستهلاك الموارد, فتتماهى الطفلة مع مجتمعها وتصير فتاة عبارة عن نسخة طبق الأصل لبقية الفتيات ذات السلوك الاستهلاكي, وتكبر لتنجب أطفالا يقلدنها وهكذا...
حتى بعد ولوج النساء لعالم المال والأعمال والسينما لاحقا إلا أنهن بتن يلعبن بالقواعد التي وضعها الرجل مسبقا لأن هذا هو مايطلبه الجميع من نساء ورجال حاليا كواقع مفروض.
أي حسب هذا الرأي فلو كانت المرأة مستحوذة على موارد العالم وكانت هي الجنس الأقوى, لما أغرقت السوق بالمنتجات النسائية لأنها لن تكون بحاجة إليها, وحينها سيكون سلوكها مشابها لسلوك الرجل في استهلاك الموارد.

ماذا عنك؟
إذن عزيزي القارئ مارأيك؟ هل تعتقد أن سلوك المرأة ناتج عن طبيعتها أم عن واقع مجتمعي؟ أم أن لك رأيا آخر؟
إن أردت رأيي الشخصي فإنني أرى أن كلا العاملين يلعبان دورا في تحديد السلوك الاستهلاكي للمرأة, صحيح أن السوق تم إغراقه بالمنتجات النسائية, إلا أن طبيعة جذب المرأة للرجل غريزيا مبنية على المظهر أولا, فحتى كيلوباترا ونفرتيتي ونساء القرون الغابرة كن يسرفن في التزين واستهلاك الموارد حتى قبل ظهور حمى إغراق السوق بالمنتجات.
قد تقول إحداهن أنها تتزين ليس من أجل الرجل بل من أجل نفسها وهذا صحيح تماما, ولكنها تتزين لأنها أنثى, فحتى الرجل الذي يمارس بناء الأجسام لايفعل هذا من أجل النساء بل من أجل نفسه, ولكن هذا لا يلغي كونه يرغب في العضلات لأنها طبيعته كذكر.
في آخر المطاف نحن نتصرف على نحو غريزي لأننا حيوانات أولا وبعقول ثانيا, وعقولنا هي الفاصل وهي التي ترفعنها من حيوانيتنا وتتحكم في إسرافنا فيها.

الشخصية السلطوية الاستبدادية

2
نمط الشخصية السلطوية هي نظرية من نظريات الشخصية قام بصياغتها مجموعة من علماء الاجتماع بخمسينيات القرن الماضي بعد ظهور أنظمة شمولية كالفاشية والنازية, والعنصرية والتمييز والتحيز... إذ عرف منتصف القرن الماضي انتشارا غير مسبوق لبعض الطبائع البشرية التمييزية والاستبدادية بأوربا, مما حذا بعالم الاجتماع ثيودور أدورنو (1903 - 1969) وفريقه لإجراء دراسة نشرت لاحقا في كتابهم, تحاول تفسير هذه السلطوية والعنصرية وذلك بتحديد سمات خاصة بالشخصية الاستبدادية كنمط شخصية يؤدي بالفرد لحمل بعض الأفكار وسلك بعض السلوكات التمييزية والعنصرية.

إن نحن أردنا رأي العلم الحالي فإن هذه النظرية صارت جد متجاوزة وتعرضت قبيل نشرها لوابل من الانتقادات العلمية كون الاستبداد والسلطوية مكتسبا من البيئة التي تشحن الإنسان منذ صغره بالسلطوية والاستبداد, وليس نمطا للشخصية, إضافة لكون الاختبار الذي طوره عالم السوسيولوجيا أدورنو وفريقه (Fascism scale) يطرح أسئلة على الفرد حول توجهاته السياسية والفكرية, بحيث يتم تنميط صاحب الأجوبة المحافظة كشخصية استبدادية وسلطوية, رغم جهود أدورنو لفصل ما يمكن تعريفه بالمحافظ عن السلطوي, إلا أنه وعلى ما يبدو لم يوفق...

ارتأيت أن أعرض هذه النظرية لأنها لا تخلو من شيء من الفائدة, ويمكن الانتفاع ببعض جزئياتها.
إذن ما هي الشخصية السلطوية؟
شخصية تتميز بالطاعة العمياء والاعتماد الكلي على زعيم قوي أو شخصية ذو سلطة أبوية, ويكون هذا مصحوبا بتمييز استبدادي ضد الآخرين وخاصة أولئك الذين هم أدنى مرتبة, كما تعرف الشخصية السلطوية ثلاث سمات رئيسية هي: احترام واتباع للأوامر بحذافيرها, التزام صارم بالأعراف, عدوانية اتجاه الأفراد من خارج الجماعة.
إذن ترى الشخصية السلطوية المجتمع على شكل هرمي جامد, في قمته الزعيم القوي المتبع تماما كقطع الشطرنج.
جوانب الشخصية السلطوية:
لتحديد الشخصية السلطوية اعتمد أدورنو على تسعة عوامل رأى أنها مفاتيح الشخصية المضادة للديموقراطية وقد اعتمد في صياغة أسئلة اختبار الشخصية على أسئلة تكشف جوانب كل عامل.

1-  التقليدانية: الالتزام الصارم بالأعراف وتقاليد الطبقة الوسطى.
ربط أدورنو الفاشية بتقاليد الطبقات الوسطى حول العالم, طبعا هذه نظرة أدورنو وفريقه, حيث اعتبر أن التزام الطبقات الوسطى بالتقاليد جد مبالغ فيه ويؤدي للتحيز والتمييز ضد الآخرين, فمواطنوا الطبقات الوسطى يتبعون العرف لمجرد أنه "عرف", فالمواطن لن يعمد على سلوك مضاد لهذا العرف أمام الآخرين حتى وإن اعتقد بصواب ما يفعل.

2- الاستبدادية: اتباع مثالي للأوامر العليا والقوانين.
ورغم أن العنوان يبدو مثاليا إلا أنه يخفي في جعبته جانبا أسودا, إذ حسب أدورنو فإنه تم ربط هذا الاتباع بالعقيدة النازية التي كان جميع المواطنين الألمان يتبعون أوامر قائدهم الأعلى بغض النظر عن صواب قراراته من خطئها, وكذا عدم معارضة القوانين حتى وإن كانت مجحفة, فإن طالب أحد ما بحق من الحقوق فإنه يتم التصدي له من طرف الشخصية السلطوية بدعوى أن القانون يقول كذا وكذا وأن القانون فوق كل مطلب, وبالتالي لايحق له المطالبة بحق يخالف هذا القانون.

3- العدوانية: الميل والاستعدادية لرصد كل مخالف للتقاليد والأعراف ومعاقبته ورفضه.
حسب أدورنو دائما, فإن الشخصية السلطوية تميل للعدوانية اتجاه كل مخالف لأعرافها فهي لا تسعى لمعاقبته قصد حفظ القانون فقط بل يكون شعورها في الغالب "الاستفزاز", فهي تظهر غضبا وحقدا اتجاه من خالف العرف أو القانون وتطالب بتعريضه لأقصى العقوبات بشكل يبدو انتقاميا أكثر منه ردعيا.
لنفترض جدلا أن تمثالا مقدسا وسط ساحة عامة ولمسه ممنوع قانونا, فإن قام أحد المواطنين بلمسه فإن الشخصية السلطوية ستشعر بالاستفزاز والحنق اتجاهه وستطالب بقطع يد الفاعل والتنكيل به, إذن هي لا تعاقبه بل تنتقم منه لإشفاء غليلها.

4- اللاشعورية: اللاموضوعية, الانغلاق الذهني ومقاومة المحفزات الذاتية.
يميل الشخص السلطوي لعدم قدرته على مواجهة مشاعره, لأنه يخشى خروجها عن سيطرته, وهذا ما يدفع بالسلطوي للعيش حياة مادية أكثر منها عاطفية, حسب أدورنو فإن مضاد الديموقراطية عند مواجهته لشكل من الأشكال التي يتقبلها شعوريا ويرفضها العرف والقانون فإنه سيسعى لكبتها لكي لا يخالف شعوره أعرافه, في حين أن الشخص الديمقراطي فإنه لا يجد غضاضة من التعبير عن شعوره المخالف للأعراف...لذا تعيش الشخصية السلطوية حياة ملؤها الكبت للعواطف والمشاعر وتحقيرها.

5- الخرافات والصورة النمطية: الاعتقاد بقوة المسببات الخارجية في تحديد مصير الفرد, وسلوك نمط تفكير جاف
 خص أدورنو الشخصية السلطوية بخاصية التفكير الخرافي اللاعلمي كجانب إضافي يمكن أن نراه فيها, فهي قد تفسر بعض الظواهر على أنها خارج السيطرة وبعيدة على الفهم البشري ولا يمكن لنا فهمها مهما تطورنا بالعلم.
يمثل هذا استكانة وقناعة بما يجري ويدور حول الشخصية السلطوية على أنه خارج قدراتها ويجب تقبله كما هو.

6- القوة والصرامة: الانشغال بالهيمنة العدائية وقطبية قوي-ضعيف.
تؤمن الشخصية السلطوية بقطبية قوي-ضعيف, إذ تقسم الأفراد لأقوياء وضعفاء, وتتبع الأقوى والمهيمن, فالقائد الذي يهيمن على السلطة ويستفرد بها هو زعيم قوي يجب اتباعه, وقد اعتبرها أدورنو مؤشرا على ضعف (الأنا/ ego) لدى الشخصية السلطوية حيث أنها تتبع القوي وتهتف له وتقدسه, وتبالغ في عرض ما تعتبره قوة من طرفه.
تبحث الشخصية السلطوية عن القوة في القائد وتعبر عن ذلك في عباراتها, كاعتبار القائد مدمر للأعداء وصارم مع المخالفين, وسيحطم الآخرين وغيرها من العبارات الدالة على القوة...

7- التدميرية والسخرية: العداء والحط من قدر الإنسان.
 العدوان مجددا, إلا أنه هذه المرة يقصد به أن الشخصية السلطوية عدوانية بطبعها بسبب كم القيود التي تقبلها على نفسها وتنتظر الفرصة السانحة لترتكب عدوانها على الآخرين المخالفين, فتراها تحط من قدر الأفراد الذين يعيشون في كنف مجتمعها من أقليات وتحتقرهم وتترصد لهم الخطأ لتدميرهم والسخرية منهم, قد تحتقر الشخصية السلطوية محاولات الإنصاف والدعاوى لها, وقد تهون من الجرائم المرتكبة, فإذا قامت دولة الشخصية السلطوية بإبادة جماعية لعرقية ما فإنها ستهون من الموضوع وتعتبر التقارير الصادرة حول ما يجري ويدور من إبادة مجرد مبالغات ومؤامرات...وهذا حسب ما رآه أدرونو من أتباع الفاشية والنازية في استهتارهم بجرائم الحرب العالمية الثانية المرتكبة من طرف قياداتهم.

8- الاسقاط: الاعتقاد أن الأمور السيئة والتدميرية مستمرة بالعالم أجمع.
يعد الاسقاط ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي أتى بها فرويد, حيث يسقط الفرد سلوكه الذي يعتقد أنه مشين على الآخر, إذ أن الشخصية السلطوية التي تمارس العدوان والتدميرية تؤمن أن هناك ما هو أسوء مما تمارسه بالعالم أجمع, وقد تبرر تحقيرها لفئة من الناس أو عنصريتها أو تمييزها على أن هذه الفئة تكن لمجتمعها العداء وأن هؤلاء البشر يمارسون العنصرية ضد الشخصية السلطوية ومجتمعها, إذن هذه الشخصية أسقطت سلوكها على الآخرين حسب أدرونو طبعا.

9- الجنس: المبالغة في الاهتمام بالأمور الجنسية.
يرى أدورنو أن الشخصية السلطوية لديها خوف غير مبرر واهتمام مبالغ فيه بالأمور الجنسية, فهي تكره الشواذ بشكل مبالغ فيه, كما أنها ترى أن اهتمام الرجل بالمرأة هو لأمر واحد وأوحد ألا وهو الجنس.
وهنا قد نعود للعدوانية إذ أن الشخصية السلطوية لن ترغب في معاقبة الشاذ جنسيا لمخالفته القانون بل من كره داخلي نابع من شعور الشخصية السلطوية بمخالفة الشاذ للعرف, فهي ستدعو لإنزال أشد العقوبات على المثليين انتقاما منه وليس ردعا له ولغيره.

ملاحظات:
إذن هذه هي جوانب الشخصية السلطوية عند أدورنو وفريقه, وكما تلاحظ فهي ليست بنمط شخصية بقدر ما لها ارتباط وثيق بالبيئة والتنشئة, سنرى انتشار مثل هؤلاء الأشخاص ببعض الشعوب والأنظمة التي تعرف الديكتاتورية, حيث يتم تلقين الأطفال بالبيت والمدرسة أسلوب تفكير مبني على الاتباع الأعمى والاستكانة للأقوى بغض النظر عن شخصياتهم وكمثال كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية, فرغم أنهما في الأصل شعب واحد إلا أن اختلاف النظامين أدى لخلق شعب بشخصية سلطوية في كوريا الشمالية.

 إضافة لهذا فإن العوامل وأسئلة الاختبار مبنية انطلاقا من ثقافة أدورنو وفريقه وقناعاتهم والتي لن تنطبق بالضرورة على ثقافات وقناعات الآخرين, فأسئلة الاختبار تستفسر عن أيديولوجيتك وليس عن سمات شخصيتك...
الاختبار تم تعديله عدة مرات ولن أضعه هنا لأنه ستظهر لك عزيزي القارئ على الأرجح أنك سلطوي كون الاختبار مصمم حسب الثقافة والمبادئ الغربية.

على كل فإنه لو نظرنا من وجهة نظر شاملة دون الدخول في التفاصيل, فإنه من الممكن تعديل تعاريف المصطلحات والعوامل التي جاء بها أدورنو لتناسب ثقافتنا العربية, ليس كاختبار شخصية بل كاختبار انفتاح فكري على ما أظن.

وماذا عنك عزيزي القارئ؟ مارأيك؟

السلوك الانحرافي, نظرية الوصم

3
الانحراف مشكلة اجتماعية لا تخلو منها أي بقعة في العالم, المنحرفون في كل أرجاء العالم يقضون مضجع الملايين, ويتراوح الانحراف من مخالفات اجتماعية بسيطة إلى جرائم بشعة, لدى حاول علماء الاجتماع وعلم النفس البحث حول الأسرار الكامنة وراء دفع عدد من الأفراد لسلوك سلوكات منحرفة.

ما هو الانحراف؟
أولا وقبل العروج للحديث عن الأسباب لابد من تعريف الانحراف, فما الذي يمكن اعتباره سلوكا منحرفا؟
في واقع الأمر فإن العلماء وضعوا تعاريف عديدة, وإحداها يعرف السلوك الانحرافي على أنه الخروج عن قيم وقواعد مجتمع ما, وقد يكون هذا السلوك الانحرافي إجراميا أو غير إجرامي.
بمعنى أن سلوكا ما قد يعتبر انحرافا في مجتمع وطبيعيا في مجتمع آخر.
فأنا لو ارتديت سروالا قصيرا دون قميص وخرجت عاريا للشارع فإن المارة سيرمقونني بنظرات استهجان واستغراب لأنني قمت بسلوك غير مقبول وانحرفت عن قواعد مجتمعي, في حين لو قمت بذات الفعل في قبيلة افريقية لا يرتدي سكانها قمصانا فإن تصرفي يعتبر جد طبيعي, ولن ينعتني أحد بالمنحرف.
إذن يحدد كل مجتمع قواعده وما يمكن اعتباره انحرافا في كل مجتمع هو ما يثير استهجانه وغضبه ورفضه.

قد يكون الانحراف إجراميا أو غير إجرامي, فأنا مثلا عندما خرجت للشارع دون قميص فهذا لا يعتبر سلوكا إجراميا ولن تعتقلني الشرطة لأن القانون ببلدي لا يجرم الخروج دون قمصان للرجال, في حين تعتبر سلوكات انحرافية أخرى إجرامية كالسرقة أو النصب أو إغلاق الطريق وغيرها...

أحيانا يكون السلوك انحرافيا في عرف القانون ومقبولا لدى المجتمع, فمثلا تحدد الدول سن الزواج القانوني بحيث يتم معاقبة المخالفين لقواعد الدولة, إلا أن بعض المجتمعات لا ترى غضاضة من الزواج بسن يقل عن السن القانوني الذي حدده قانون دولتهم ولا يعتبر أفراد هذا المجتمع هذا التصرف انحرافا.
إذن يوجد:
سلوك خاطئ بعرف المجتمع والقانون =====> سلوك انحرافي إجرامي
سلوك خاطئ بعرف المجتمع فقط      =====> سلوك انحرافي
سلوك خاطئ بعرف القانون فقط       =====> سلوك إجرامي غير انحرافي

لايمكن اعتبار السلوك الذي يرفضه القانون ويتقبله المجتمع بالسلوك الانحرافي, بغض النظر عما إذا كان صائبا أم خاطئا لأن المجتمع اتفق على أنه سلوك مقبول هم إذن يمارسونه كأي سلوك طبيعي وفاعله ليس منحرفا لأن هذا ما يفعله الكثير بمجتمعه كسلوك "طبيعي", في حين أن القانون يحاول محاربة السلوك لتغيير المجتمع لما يراه في الصالح العام.
عندما يضع المشرعون قانونا يجرم سلوكا مقبولا بالمجتمع فإنه يتم انتهاك هذا القانون مدة طويلة من الزمن بهذا المجتمع من طرف أفراده ويحاول القانونيون أن يكونوا مرنين في وضع عقوبات للمخالفين وفي وضع الحالات الاستثنائية, فإن عدنا لمثال الزواج تحت السن القانوني فإن القاضي في بعض البلدان العربية وفي بعض المناطق التي تعرف نسب زواج تحت السن القانوني جد مرتفعة يوافق فيها على تزويج القاصرين بشروط, مع مرور الزمن قد يصير السلوك بنظر المجتمع سلوكا غير مقبول وفي هذه الحالة يمكن اعتبار فاعله منحرفا لأنه انحرف عن قواعد مجتمعه الجديدة.

نظرية الوصم:
تركز نظرية الوصم على السلوك الانحرافي, أي الذي يكون مقترنا بوصم المجتمع للمنحرف المخالف للقواعد, وقد عمد عدة علماء اجتماع على مر الزمن في النبش في الأسباب الكامنة وراء بعض الانحرافات السلوكية.
قام عالم الاجتماع إدوين ليميرت (1912 - 1996) بتقسيم الانحراف لقسمين: أولي وثانوي.

الانحرافي الأولي: المقصود بالانحراف الأولي أن الفرد يأتي بسلوك منحرف فيتعرض ربما للعقاب أو لا يتعرض له, ولا يثير تصرفه حفيظة الآخرين مدة طويلة من الزمن فهم لا "يصمونه" بانحرافه, بينما لا يكرر المنحرف في العادة صنيعه مجددا.
مثال: زور أحمد بعض الشيكات فأدى هذا لمحاكمته ودوخله السجن, وبعد خروجه منه عاد لمباشرة عمله وعلاقاته الاجتماعية بشكل طبيعي وقد تسامح محيطه مع صنيعه.
قد نقع جميعا في سلوك انحرافي ما صغيرا كان أو كبيرا, بقصد أو دون قصد, كمخالفة قانون السير, أو الكذب...

الانحراف الثانوي: قد يأتي الفرد بسلوك منحرف فيتم وصمه من طرف المجتمع بنعت يشير لانحرافه, ويصير منبوذا من طرف المجتمع, فيؤدي هذا بالفرد المعني لاتخاذ مسار احترافي في انحرافه كرد فعل على وصم المجتمع له.
لشرح أوفى لنأخذ مثال أحمد الذي زور بعض الشيكات فدخل للسجن وبعد خروجه وجد أن الكل يتجنبه, وتم طرده من عمله كما أن لا أحد وافق على توظيفه لأنه محتال وسبق له دخول السجن, فلجأ أحمد للنصب على الناس وكون شبكة للنصب والاحتيال والتزوير.
إذن أحمد تماهى مع وصم المجتمع له بأنه محتال ونصاب وصار بدوره نصابا محترفا وهذا ما يسمى بالانحراف الثانوي والذي يكون رد فعل على وصم المجتمع للفرد الذي أتى بالسلوك المنحرف, فيصير السلوك الانحرافي مستداما ومتكررا ويتخذ شكلا احترافيا حتى.

في بعض الأحيان يتخذ البعض سلوكا انحرافيا ثانويا دون أن يكون لهم أي سلوك انحرافي أولي.
مثلا حنان تم اغتصابها وقد أبلغت الشرطة وعلم جميع الأهل والجيران قصتها, فصار الجميع يتحدث عنها ويصمونها بالانحراف وبأنها كانت على علاقة بمغتصبها وقد تخلى أهلها عنها, ولم تتمكن من الزواج لأن الجميع يحذر منها, فلجأت حنان للعمل بالدعارة.
إذن هذه الفتاة بهذا المثال لم تقم بعمل منحرف بداية الأمر ولكن وصم المجتمع لها بأنها فتاة بأخلاق سيئة جعلها تتخذ فعلا هذا المسار الذي وصمها المجتمع به.

في أحيان أخرى قد يتخذ المنحرف سلوكا انحرافيا ثانويا من إحساسه الداخلي أنه موصوم بنعت انحرافه دون أن يكون المجتمع قد وصمه بشكل مباشر.
مثال شخص يمارس الشذوذ الجنسي دون علم أحد, فهو يسمع وصم المجتمع لأصحاب الفعل واستهجانهم له ونعتهم لفاعله, لدى قد يلجأ صاحب السلوك للانحراف الثانوي للتماهي مع وصم المجتمع له, فترى مثلا مثليا يتفوه بكلام فاضح عن ممارساته ويتصرف تصرفات فجة, وقد ينخرط في الدعارة.

أي أن لسان حال هؤلاء المنحرفين: "أنا منحرف؟ إذن سأريكم كيف يكون الانحراف!"
هم في واقع الأمر لا يرددون هذا في أذهانهم فعلا ولكنهم يلجؤون للانحراف الثانوي لأن هذا ما يرغبه المجتمع بوصمه لهم, هم إذن يتماهون مع الوصم.

قام تلميذ ليميرت عالم السوسيولوجيا جون كيتسوس (1923 - 2003) لاحقا بإضافة الانحراف الثالث كمستوى أعلى من المستوى الثانوي لبعض السلوكات الانحرافية.

الانحراف الثالث: هو رد فعل ايجابي من طرف المنحرف لعقلنة انحرافه ودفع الوصم عنه بالمطالبة بجعل سلوكه الانحرافي مقبولا من طرف المجتمع, أي أنه سيتحول لناشط اجتماعي.
مثال: المثليون (الشواذ) بالغرب, كان يعتبر سلوكهم قبل عقود عديدة انحرافيا بمجتمعهم, وقد أدى هذا الانحراف لدفع عدد منهم للدفاع عن أنفسهم وخلق منظمات للدفاع عن سلوكهم والسعي لجعله مقبولا بالمجتمع الغربي.

مثال آخر: تصور معي أنه تم رصد شاب وشابة بالشارع يقبلان بعضهما باحدى الدول العربية, هذا سلوك يرفضه هذا المجتمع كما أن القانون يجرمه, إذن سلوكهما (انحراف أولي) وقد تم اعتقالهما وإطلاق سراحهما لاحقا وقد وصمهما المجتمع بالفاسدين والداعرين, فتبرأ الأهل منهما وهجرهما الأصدقاء, فلجأ هذان الثنائي لطلب اللجوء باحدى الدول الأوربية والانخراط بمنظمة للدفاع عن نفسيهما بالمطالبة بالحريات الفردية (انحراف ثالث).

اقرأ عن التنافر المعرفي

رغم أن الأمثلة التي وضعتها متطرفة قليلا إلا أن الواقع بالانحراف الثالث تجده لدى عدد كبير من الأشخاص يدافعون عن حقوق تعتبر مقبولة بمجتمعك ومرفوضة بمجتمعهم.
لأن السلوك الانحرافي كما بينت بالأعلى هو سلوك مرفوض بمجتمع ما بغض النظر عن صوابه من خطئه, فمضغ العلكة ببعض المجتمعات سلوك انحرافي, رفض الزوجة تحضير الغذاء لزوجها دون سبب بمجتمعي سلوك انحرافي وإن أخبرني صديقي أن زوجته ترفض تحضير الطعام له فإنني سأستهجن سلوكها, ربما في مجتمع آخر أنت تنتمي له أو غيرك يراه سلوكا غير انحرافي ولايرى أن الزوجة مطالبة بتحضير الغذاء لزوجها, تغطية المرأة لوجهها ببعض المجتمعات (فرنسا مثلا) سلوك انحرافي ويعاقب عليه القانون...وغيرها العديد من الأمثلة.

باختصار فإن السلوكات الانحرافية والمراحل التي يمر بها الشخص المنحرف لا علاقة لها بالصواب والخطأ حسب معتقدي أنا أو معتقدك أنت, لأن هذا راجع لمعتقد المجتمع وقيمه ومبادئه وما إذا كانت متعارضة مع سلوك الفرد المنتمي لها.

الأنهيدونيا: انعدام الاستمتاع بالحياة

7
الذي يدفعنا للاستمرار في العيش ومزاولة أنشطتنا اليومية هو حب الحياة والاستمتاع بها, نحن كبشر نأكل ليس فقط بسبب الشعور بالجوع القاتل بل نشتهي الطعام ونتلذذ بتناوله ونتفنن في تحضيره, نمارس الجنس ليس فقط قصد التكاثر بل للمتعة التي نحصل عليها منه, نمارس هواياتنا ونمارس الرياضة ونلعب ونلتقي بالآخرين ونتبادل معهم أطراف الحديث لأن هذا يمتعنا...
فماذا لو اختفت المتعة من كل أنشطتنا اليومية؟

ما هي الأنهيدونيا Anhedonia؟
الأنهيدونيا كلمة يونانية تعني "انعدام المتعة" هي حالة نفسية يعرف فيها الشخص انخفاضا في الشعور بالمتعة والنشوة من مزاولة أنشطته اليومية, وهي واحدة من أهم الأعراض الرئيسية لاضطراب الاكتئاب وقد ترافق مرضى الفصام ومرضى باركينسون, ومدمني المخدرات, وبعض الاضطرابات الأخرى...
تجعل حالة الأنهيدونيا الإنسان يشعر وكأنه آلة يزاول مهامه وأنشطته بلا أي معنى, وتؤثر على مسار حياته اليومية بشكل سلبي لأن الرغبة في الحياة قد اختفت, قد يقع الإنسان المعافى فريسة الأنهيدونيا مدة قصيرة من الزمن لسبب من الأسباب, كالأحزان اليومية من فقدان للأشخاص أو فشل...فالطالب الراسب سيفقد الاستمتاع بأنشطته ولن يرغب في مزاولتها مدة قصيرة من الزمن, قبل أن يعود لطبيعته لاحقا.
إلا أن هذه الحالة المزاجية قد تدوم طويلا دون أي سبب مباشر ترتبط به لتنبئنا بالاكتئاب, فلمرض الاكتئاب عدة أعراض أهمها: الحزن العميق, والأنهيدونيا... وقد يختبر مصاب الاكتئاب الأنهيدونيا دون الشعور بأي حزن, فيوقعه ذلك في ارتباك وعدم فهم لحالته وحقيقة مرضه, إذ يربط الجميع مرض الاكتئاب بالحزن وأسلوب التفكير السوداوي المتشائم...
ماذا يواجه صاحب الأنهيدونيا؟
بسبب الانخفاض في الشعور بالمتع, فإن مصاب الأنهيدونيا قد يفقد الرغبة في تناول الطعام, فيأكل ليعيش دون شعور بأي متعة وتلذذ, ويؤدي هذا بالغالب لفقدان الوزن أو سوء بالتغذية, قد تنخفض رغبته في ممارسة الجنس وقد يمارس الجنس دون الاستمتاع بالشكل المطلوب أثناءه, يؤدي هذا لإهمال الزوج أو الزوجة للطرف الآخر فتتأثر العلاقة بين الزوجين, وقد يدفع المصاب نفسه لتأذية واجباته الزوجية فقط إرضاء للطرف الآخر.
يفقد صاحب الأنهيدونيا الرغبة في التفاعل مع الآخرين لذا قد يلجأ للانطواء لأنه لا يستمتع برفقة أصدقائه أو أفراد أسرته, فتتأثر علاقاته الاجتماعية, قد يتوقف عن مزاولة هواياته, فلا يجد الرسام متعة في الرسم ولا الرياضي متعة في ممارسة الرياضة ولا الكاتب في الكتابة...إلخ
سيتساءل لماذا الآخرون مهتمون بشكلهم ويتخيرون ملابسهم, إذ بالنسبة له سيان ارتدى هذا اللباس أو ذاك فهو سيفي بالغرض, إذ لا يجد متعة في ارتداء لباس أو حذاء بعينه, ويرى أن الناس يتحدثون في أمور هو لا يستطيع تفهمها لأن حياته بلا معنى
لن يرغب في سماعك تروي له بشغف رحلتك التي استمتعت بها لأنه لن يتحمس لها...كما أنه عاجز عن التعبير عن ذلك وشرحه لأنه لا يفهمه.
بسبب عدم اختبار المتع بالشكل المطلوب فإن صاحب الأنهيدونيا يفقد الرغبة في التخطيط لمستقبله وتختفي أهدافه لأنه لايشعر برغبة في شيء, لذا يعيش حاضره كآلة مبرمجة ينجز المهمات لأن عليه إنجازها للبقاء على قيد الحياة.
هو غير قادر على الاستمتاع بأي شيء, هذا كل ما في الأمر.
كما علمنا فإن الأنهيدونيا عرض من أعراض مرض الاكتئاب واضطرابات أخرى, لذا فهي تقود عددا كبيرا للتفكير في إنهاء هذه الحياة التي لا تحمل أي معنى بالنسبة لهم.

كيف تحدث الأنهيدونيا؟
في واقع الأمر فتقريبا كل الاضطرابات النفسية لا يعرف سببها تحديدا, إلا أن الدراسات عديدة والنظريات كثيرة وكلها تحاول دراسة جانب من جوانب الاضطراب.

إذن كما نعلم فالاكتئاب هو خلل بكيمياء الدماغ الذي يجعل المزاج ينخفض وسبب هذا الخلل يبقى حاليا مجهولا, وتعد الأنهيدونيا تمثّلا لهذا الانخفاض, ويمكن اعتبار هذا التفسير مجرد جزء من الحقيقة لأن المسألة أكثر تعقيدا من مجرد خلل بكيمياء الدماغ, مازالت الدراسات جارية على قدم وساق لإيجاد علاج ناجع للاكتئاب.
إذن لمعرفة كيفية حدوث الأنهيدونيا يجب أن نعرف أولا كيف يصنع الدماغ الشعور بالمتعة والنشوة.
يقوم دماغنا بإفراز عدة هرمونات ونواقل عصبية تعمل على التحكم بجسدنا...ومن بين هذه النواقل العصبية الدوبامين والسيروتونين.


 الدوبامين: ناقل عصبي له مهام لا تعد ولا تحصى, من بينها التحكم بالحركة, الذاكرة, النوم, المزاج, الشعور بالنشوة والمتعة, العواطف, السلوك والمعرفة...إلخ
إذن نحن عند ممارسة نشاط ما ممتع فإن الدوبامين يفرز بالدماغ ليتحكم بشعور المتعة والنشوة.
ينطلق الدوبامين من النقطة الخضراء بالصورة إلى أن يصل إلى مقدمة الدماغ بالقشرة الجبهية المسؤولة عن الأفكار و الشخصية والتخطيط... لضمان تكرار النشاط الممتع, فعند تناولك لطعام لذيذ فإن الدوبامين سيفرز لتشعر بالاستمتاع وأنت تتناول طعامك اللذيذ وستكرر فعلك وتتناول في وقت لاحق نفس الطعام لأن دماغك يتذكر الشعور الممتع الذي شعرت به وأنت تتناول ذلك الطعام.وقس على ذلك كل النشاطات الممتعة التي يزاولها الإنسان في حياته.
انخفاض الدوبامين يؤدي لمشاكل عدة ويقود لأعراض مرض باركنسون...لأن الدوبامين يتحكم بالحركة.

السيرتونين: ناقل عصبي مهامه لا تقل أهمية عن الدوبامين ومن بينها التحكم في النوم, الذاكرة, المزاج, حرارة الجسم, انقباض العضلات, الطمأنينة...إلخ
انخفاض السيروتونين يقود لمشاكل عديدة من بينها: انخفاض التعاطف, اضطرابات القلق, مشاكل بالذاكرة, مشاكل بالتعلم, انخفاض المزاج والاكتئاب...

يمس الخلل في حالة الأنهيدونيا العديد من النواقل العصبية إلا أننا سنكتفي بالدوبامين والسيروتونين فقط لأخذ فكرة إجمالية.
إفراز الدوبامين ووصوله لكل المستقبلات بالدماغ يمر بمسار معقد وتتدخل عدة نواقل عصبية في هذا المسار, الأمر يحتاج كتابا لشرح مسار الدوبامين وبقية النواقل العصبية.
إذن باختصار فإن الخلل يحدث في هذا المسار الذي تسلكه النواقل العصبية, فلا يصل الدوبامين أو يعود من حيث جاء بسرعة فلا يسمح للشخص الشعور بالمتعة كما يجب, أو لايفرز بالقدر اللازم أو لا يجد مستقبلات كافية بالدماغ...وغيرها العديد من الأسباب والأمر ذاته بالنسبة للسيروتونين, مما يجعل الشخص يدخل في حالة أنهيدونيا.

أنهيدونيا والمخدرات:
ما تفعله المخدرات أنها تدفع الدوبامين للافراز بشكل كبير جدا فيشعر المدمن بأقصى درجات النشوة ويتذكر دماغه هذا جيدا ليطلب المزيد من هذا الشيء الذي سبب له نشوة عارمة فيعود المدمن لتعاطي المخدر مجددا, ومع مرور الزمن يبدأ الدماغ بتقليل مستقبلات الدوبامين فحتى عند تناول جرعة المخدر المعتادة لا يشعر المدمن بنفس النشوة فيعمل على الرفع من الجرعة لتختفي المزيد من مستقبلات الدوبامين, وعند توقفه عن تناول المخدر يدخل في حالة أنهيدونيا بسبب نقص مستقبلات الدوبامين بدماغه فحتى عند قيامه بأنشطته الممتعة المعتادة لن يشعر بالمتعة كما بالسابق لأن مستقبلاته اختفت, الشيء الوحيد الممتع هو المخدر الذي لم يعد بنفس نجاعته, وتعد أنهيدوينا من أعراض مدمني المخدرات الانسحابية التي تقود عددا منهم للانتحار, أو الموت تسمما نتيجة جرعة زائدة من المخدر.

العلاج:
بالنسبة لمرضى الاكتئاب المسبب الرئيس للأنهيدونيا فإن العلاج يتمثل بالأدوية المضادة للاكتئاب التي تتدخل في مسار الدوبامين والسيروتونين للعمل على الرفع من المزاج والشعور بالمتعة, والأمر ذاته بالنسبة لمرضى الفصام, ومدمني المخدرات وغيرها من الاضطرابات...
إلى جانب العلاج الدوائي قد يلجأ الطبيب للعلاج بالصدمات الكهربائية في الحالات الشديدة من الاكتئاب والفصام ومرضى باركنسون للعمل على التأثير على الدماغ...في حين يلعب العلاج الكلامي بالنسبة لمرضى الاكتئاب دورا أيضا في التخفيف من وطأة المرض.

الاضطراب الانفجاري المتقطع

2
وجه الحرب, لوحة للفنان الاسباني سالفادور دالي

جميعنا نشعر بالغضب كعاطفة أساسية مهمة لتسيير حياتنا, ويكون غضبنا أحيانا طفيفا وفي أحيان أخرى جامحا يتناسب والمواقف التي نمر بها, وقد نتصرف في بعض المرات القليلة جدا تصرفا طائشا, عدوانيا أو مؤذيا قد نندم عليه لاحقا, ومن الطبيعي أن يمر الإنسان العادي بهذه الحالة بضع مرات في حياته, إلا أن هذا ليس حال مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع.

ما هو الاضطراب الانفجاري المتقطع؟
يعرف الاضطراب الانفجاري المتقطع أو المتناوب بنوبات قصيرة الأمد من الغضب الجامح والسلوك الاندفاعي المؤذي للغير تمتد حوالي نصف ساعة أو حتى ساعة, حيث تنتاب المريض نوبات غضب شديدة مفاجئة لا تتناسب مع المحرك الأساس لهذا الغضب, أو رغبة جامحة في الاتيان بسلوك ما مؤذي, فيتصرف بسلوك اندفاعي يصعب عليه التحكم فيه كالسب والشتم أو حتى الاعتداء الجسدي أو تكسير الأغراض أو أي تصرف اندفاعي يندم عليه بالغالب لما يعود لحالته الطبيعية, وتذهب عنه النوبة...
 تنتاب المصاب هذه النوبات بضع مرات بالعام أو الشهر أو الأسبوع وتأتيه بشكل مفاجئ دون سبب واضح, مما يؤثر على علاقاته مع أفراد أسرته وأصدقائه وزملائه بالعمل, وقد يقع فريسة اضطرابات أخرى كالاكتئاب مثلا, بسبب الآثار السلبية التي تعود عليه نتيجة تصرفاته الاندفاعية المؤذية.

يكون الاضطراب الانفجاري المتقطع أحيانا عرضا مرافقا لاضطرابات أخرى كاضطرابات الشخصية النرجسية أو المضادة للمجتمع أو الحدية, واضطراب ثنائي القطب...
ينتشر الاضطراب بين صفوف الرجال أكثر من النساء بفارق ضخم جدا إذ أن ثلثي المصابين من الرجال, ولا تفسير واضح للموضوع, إذ تقترح بعض التفاسير تدخل هرمون الذكورة التيستوستيرون في نوبات الغضب والعدوانية, في حين تقترح تفاسير أخرى أن الاضطراب ينتشر بصفوف النساء والرجال على حد السواء إلا أنه ملاحظ بالرجال أكثر بسبب طبيعة الرجل التي تجعل سلوكه الاندفاعي وعدوانيته أكثر وضوحا من اندفاعية وعدوانية المرأة.

يظهر الاضطراب بسن الطفولة بالغالب حيث تنتاب الطفل نوبات غضب جامح يُساء تفسيرها من طرف الأهل والمعلمين ومن يقدمون الرعاية له...يزدهر الاضطراب بسنوات المراهقة والشباب وتبدأ النوبات بالتراجع تدريجيا مع التقدم بالسن وبلوغ 40 عاما.
الأعراض:
تتنوع أعراض الاضطراب الانفجاري المتقطع وقد تختلف حالة كل شخص على الآخر, فقد ينتاب المصاب ثوران وهياج بشكل مفاجئ ومزعج وغير متحكم فيه على شكل:
- شعور بالغضب الشديد.
- هيجان ونزق.
- شعور بالطاقة والقوة.
- ارتعاش.
- خفقان.
- تشوش بالذهن.
- ضيق بالتنفس.
- ارتفاع بدرجة الحرارة.
وأحيانا تأتي النوبة على شكل رغبة جامحة وإثارة للاتيان بسلوك اندفاعي ما.

يقود هذا الهيجان والنزق والإثارة لسلوكات اندفاعية وعدوانية اتجاه الأشخاص أو الأغراض أو حتى الحيوانات منها:
- سب وشتم.
- صراخ في وجه الأشخاص.
- تكسير للأغراض.
- مشاجرات مع الآخرين.
- اعتداءات جسدية على الآخرين أو الحيوانات.
- تحرشات.

 تدوم هذه النوبة أقل من نصف ساعة وأحيانا أكثر من نصف ساعة ولكنها تبقى عموما قصيرة الأمد, فيشعر المصاب بعدها بارتخاء وتعب جسدي ونفسي وندم شديد على صنيعه, لأنه في أغلب الأحيان يكون قد صب جام غضبه على أشخاص يحبهم أو لا ذنب لهم أو كسر أغراض تهمه أو آذى حيوانات بريئة...مما يجعله يعيش في دوامة الشعور بالذنب وقد يقع فريسة الاكتئاب خصوصا وأن تصرفاته تكون مدمرة لعلاقاته الأسرية وصداقاته وعلاقاته المهنية...
يحاول المصاب التكفير عن تصرفه أثناء النوبة ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه, إلا أنه وبشكل عام تعد معاشرة مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع خطرة خصوصا إن اتخذت نوباته منحى العدوانية والاعتداءات الجسدية التي قد تقوده في بعض الأحيان للمحاكم والسجون, لأن الاضطراب الانفجاري المتقطع لا يعد اضطرابا نفسيا يُفقد صاحبه الادراك والتمييز كالفصام مثلا وبالتالي فهو يحاكم كأي إنسان طبيعي بكامل قدراته العقلية على نتائج سلوكاته الاندفاعية.
وكثيرا ما يصف المصاب ما ينتابه على أنه وحش داخلي يخرج من حين لآخر ويؤكد للآخرين أنه لم يكن هو أثناء إقدامه للسلوك العدواني, بعضهم يعتقد أن بداخله شيطانا يحرضه على ذلك كل مرة...

ينتشر بين صفوف مصابي الاضطراب الانفجاري بعض الأمراض بنسب تفوق النسب الطبيعية, كأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرها... نتيجة نمط العيش المتوتر ونوبات الغضب.

الأسباب:
الأسباب وكأي اضطراب نفسي آخر مجهولة إلا أن عوامل عدة تتدخل لظهور الاضطراب كالعامل البيولوجي والبيئي, حيث يعتقد تدخل عوامل جينية فيمرر الآباء جينات الاضطراب لأبنائهم.
ينتشر الاضطراب أكثر في صفوف الشباب الذين نشؤوا ببيئة مضطربة بها عنف لفظي وجسدي وتلقوا تعليما متواضعا, كما أن الاعتداء الذي قد يتعرض له الطفل بسنواته الأولى قد يرفع من احتمالية إصابته بالاضطراب الانفجاري المتقطع.
أحيانا تسبب بعض أنواع المخدرات التي قد يتناولها المراهق أو الشاب أو التناول العشوائي لبعض أنواع الأدوية لظهور أعراض انفجارية.

العلاج:
لا يوجد علاج شاف للاضطراب طبعا, لذا تعمل العلاجات المقترحة على السيطرة قدر الإمكان على الأعراض حسب كل حالة, يقوم الطبيب المعالج أولا باستبعاد بعض الأمراض كأورام الدماغ مثلا التي قد تسبب أعراضا مشابهة, وعند تشخيص الحالة على أنها اضطراب انفجاري متقطع يتم تقدير خطورة الحالة, فإن كانت للمصاب اندفاعات عدوانية مؤذية قد يتم اللجوء للخيار الدوائي كمضادات الاكتئاب التي تعمل على المحافظة على مستوى السيروتونين بالدماغ والتخفيف من النوبات.
أيضا يتم اللجوء للعلاج السلوكي المعرفي لتوعية المصاب بما ينتابه من نوبات وكذا أفراد أسرته, ومحاولة اكتشاف ما التصرفات والأشياء التي تحرض نوبات المصاب لتجنبها, كذا تعلم ضبط النفس أثناء النوبة وتقنيات التنفس السليم والاسترخاء لتقليص احتمالية الاتيان بسلوك اندفاعي مؤذي.

ما الفرق بين العواطف, المشاعر والمزاج؟

6
تتحكم العواطف بمجريات حياتنا فنحن نشعر بها كل لحظة, تؤثر على علاقاتنا بالآخرين (خجل, تعاطف, حب, كره...) وتؤثر على اختياراتنا وقراراتنا, كما يمكن التلاعب بعواطفنا بشكل كبير جدا حتى دون أن نشعر عن طريق الإعلانات ووسائل الاعلام والخطابات وغيرها...نحاول أحيانا إخفاء بعض منها لدواع اجتماعية وثقافية كإخفاء الحزن أو الغضب, أو القلق ونحوه...كما نحاول السيطرة عليها قدر الإمكان.

ما هي العواطف؟
هي تجارب ذاتية تنطوي على الإثارة الفيسيولوجية والتقييم المعرفي, فلو كنت تسير على سبيل المثال فاعترض سبيلك شخص مسلح (مثير) سيتملكك الرعب لأنك تدرك أنه يود قتلك (تقييم معرفي).
نشترك والحيوانات  العديد من العواطف لذا فهي غرائز من شأنها دفعنا للبقاء على قيد الحياة.
عمد عدد كبير من العلماء على مر الزمن على تحديد هذه العواطف, واستخراج العواطف الرئيسية, من العلماء من حدد أربعة عواطف وهناك من حدد ست أوثمان ...
لنكتفي بست عواطف هنا:
- الخوف: عاطفة تستثار عن طريق التعرض للتهديد أو الخطر, وهي تدفع الكائن لتجنب مصدر الخطر أو الهروب منه.
- الغضب: عاطفة تستثار عن طريق مواجهة المعيقات أو الأعداء, وهي تدفع الكائن لتحطيم المعيق وتجاوزه.
- السرور: عاطفة تستثار بالحصول على شيء قيّم, وهي تدفع الكائن للسعي نحو المزيد منه أو المحافظة عليه.
- الحزن: عاطفة تستثار بسبب فقد شيء قيّم, وهي تدفع الكائن للسعي نحو الحصول عليه مجددا أو تعويضه.
- التقزز: عاطفة تستثار عند مجابهة شيء خطر يجب الابتعاد عنه, كالطعام المتعفن أو الفضلات...
- المفاجأة: عاطفة تستثار بمجابهة شيء غير متوقع وهي تدفع الكائن للتوقف برهة لاستكشاف الوضع.

هذه العواطف الست نجدها لدى أغلب الحيوانات وهي تشكل بقية العواطف الأخرى, بمعنى أن الاحتقار مثلا هو مزيج بين التقزز والغضب.
عواطف الوعي الذاتي: هي مجموعة من العواطف تتشكل لدى الكائن البشري بعد تجاوزه سنته الثانية وهي عواطف مركبة من عدة عواطف رئيسية: الذنب, الاحراج, العار, الحسد, الفخر..
لانجد هذه العواطف لدى الحيوانات وهي تتشكل لاحقا لدى الإنسان بالتفاعل مع الآخر والإدراك والوعي للذات واختلافها عن الكيانات الأخرى.

تختلف استجابة جسدنا مع كل عاطفة على حدة فكل منطقة بالدماغ مسؤولة عن عاطفة أو مجموعة من العواطف للقيام بتهيئ الجسد للقيام برد الفعل المناسب.
 عند الخوف يصير جسدك مهيأ للهرب, في حين بحالة الغضب ستشعر بحرارة وقوة جسدية أكبر ويصير جسدك مهيأ للمواجهة وتحطيم العائق, فقد يدخل المرء في شجار مع شخص آخر سبب عاطفة الغضب, وقد يحطم غرضا حدث به خلل كالهاتف, فكون العواطف عمياء فإنه بالنسبة للغضب الهاتف الذي رفض الاشتغال عائق وبالتالي قد يحطمه لأنه بالنسبة للدماغ قد دفعه لإنجاز مهمة التخلص من العائق (الهاتف).
رائع أليس كذلك!

هناك عدة نظريات حول العواطف تحاول الإجابة عن كيفية اشتغالها: نظريات فيسيولوجية, نظريات معرفية... سأذكر هنا أربعا منها فقط:
- نظرية جيمس ولانج: يرى هذان العالمان أنه عند رؤية المثير تحدث استجابة فيسيولوجية ومن تم يشعر بالعاطفة
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستبدأ بالتصبب عرقا والارتعاش (استجابة) ثم تشعر بالخوف (عاطفة).

- نظرية كانون وبراد: لا يوافق هذان العالمان جيمس ولانج فقد يرتجف الإنسان بردا ولكنه سيدرك أنه ليس خائفا, حسب كانون وبراد فإن الاستجابة الفيسيولوجية والشعور بالعاطفة يأتيان دفعة واحدة.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستشعر بالخوف وستتصبب عرقا وترتعش في ذات الوقت (استجابة وعاطفة).

- نظرية شاتر وسنجر: يوافق هذان العالمان جيمس ولانج إلا أنهما يضيفان عنصر التقييم المعرفي كضرورة للشعور بالعاطفة, فعند رؤية المثير يقيم الشخص الموقف ويأتي برد فعل.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) سترتفع دقات قلبك وترتعش (استجابة) تفكر في أنه حيوان قد يقتلك (تقييم معرفي) تشعر بالخوف (عاطفة)

- نظرية لازاروس: يرى هذا العالم أن تخمينا سريعا يحدث لنا عند رؤية مثير, فنستجيب له عن طريق الاستجابة الفيسيولوجية والعاطفة في ذات الوقت.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستفكر في كونه حيوانا مفترسا خطيرا قد يقتلك (تخمين) فتشعر بالخوف وترتفع دقات قلبك وترتعش (عاطفة واستجابة)

عواطف أم مزاج؟
العواطف تكون وليدة اللحظة حسب الحدث وتختفي في ظرف وجيز, أنت عند رؤيتك لعقرب سام ستشعر بالخوف مدة قصيرة من الزمن وستقفز من مكانك مبتعدا عن العقرب ثم سيختفى الخوف بعد تخلصك منه, في حين أن المزاج هي حالة يدخلها الدماغ تدوم مدة أطول, فهناك من سيرى العقرب فيصاب بالانزعاج اليوم كله وقد لا يرغب بتناول الطعام ولا القيام بنشاطاته المعتادة وهذا ما نسميه مزاجا سيئا.
المزاج إذن حالة عاطفية تدوم مدة طويلة من الزمن وهو نوعان إيجابي وسلبي, والمزاج قد يتغير أحيانا دون أن يكون هناك سبب واضح لصاحب المزاج كأن تستيقظ بمزاج جيد أو تستيقظ بمزاج سيء, لأنه عكس العاطفة التي تكون مقترنة بمثير لحظي كرؤية عقرب, فإن المزاج قد يتأثر بالنوم الجيد أو السيء أو تناول مايكفي من الطعام أو حتى بالعواطف, كرؤية عقرب, أو صديق قديم, أو غيرها...
ويعتبر الاكتئاب وثنائي القطب اضطرابان من اضطرابات المزاج, حيث يعرف الاكتئاب بالمزاج المنخفض, في حين ثنائي القطب تناوب بين المزاج المنخفض والمزاج الجد مرتفع.

عواطف أم مشاعر؟
اللغة العربية كالانجليزية (Emotions, Feelings) كالفرنسية وكعدة لغات أخرى تحتوي على مصطلحات يتم استخدامها بشكل عشوائي, فهل هناك فرق بينهما؟
العواطف كما رأينا هي حدث يتوقف على مثير تحدث استجابة في كامل جسدنا, في حين أن المشاعر هي حبيسة ذهننا فقط.
المشاعر هي مخزون ما نملكه من تجارب عاطفية مرت بنا على مر حياتنا.
تحدث العواطف على مستوى الجهاز الحوفي بدماغنا وهي المنطقة التي توجد لدى الحيوانات من ثديات وسحالي, مجموع هذه العواطف التي نختبرها نسجلها في ذاكرتنا ونكوّن حولها معتقداتنا وفلسفاتنا الخاصة حول الحياة التي لا تشبه فلسفات غيرنا هي مايمكن أن نطلق عليها مسمى المشاعر.
عكس العواطف التي تنشأ بالجهاز الحوفي فإن المشاعر منشؤها بالقشرة الجديدة وهي منشأ الأفكار, والتي تحدد من أنت وكيف تفكر وكيف تشعر حول مختلف المواقف التي تختبرها بحياتك, لايمكننا قياس مشاعر الناس, لذا لا يقيس العلماء المشاعر كون العلم حاليا غير قادر على معرفة ما يدور بخلد كل واحد منا, فمشاعري تختلف عن مشاعرك.
فالشخص الذي فقد شخصا عزيزا أنت لا تعرف "شعوره الشخصي" عند رؤيته لصور الفقيد, والتي ستختلف عن مشاعر شخص آخر تعرض لنفس الموقف... هو سيشعر بعاطفة الحزن لكن كيف يختبرها؟ كيف هو شعور الحزن لديه؟ وما الأفكار التي انتابته لحظتها؟ وماذا تذكر؟ وما العواطف الأخرى التي انتابته؟ قد يبتسم عند رؤية الصور, غيره قد يبكي, آخر قد يبعد الصور عنه....كل هذا يشكل ما قد نسميه "الشعور".

ولنلخص العواطف والمزاج والمشاعر بمثال واحد:
كنت تسير فأبصرت صديقا قديما لم تره منذ سنوات فتتفاجأ (عاطفة المفاجأة) وتتبادل أنت وهو أطراف الحديث ثم تودعه وتكمل طريقك وأنت سعيد ونشيط طول اليوم (مزاج عال) ستشعر أن الحياة مليئة بالمفاجآت السارة مع بعض الحزن كونك لا تعرف متى ستقابله مجددا (مشاعر).