ميكانيزمات الدفاع النفسي واللاوعي عند فرويد

8
لقد سبق وتحدثنا عن نظرية فرويد من مدرسة التحليل النفسي, وعن أهم مفهوم وهو الوعي واللاوعي...
ولكي أختصر عليك فإن فرويد قسم العقل لواع ولاواع, حيث أن الوعي هو ما تدركه وتفعله بإدراكك التام في حين أن اللاوعي يحركك في الخفاء دون أن تدري, وقد أعطينا بعض الأمثلة في الموضوع السابق عن أنك قد تشعر بالرغبة في النوم كلما فتحت كتابا لتراجع للامتحان أو أن تشعر بالتوعك كلما أردت السفر لمكان لا ترغب فيه.
إلا أن مهمة اللاوعي لا تقتصر فقط على حمايتك من الأفعال والأنشطة المزعجة بل حتى الأفكار المزعجة.
فقد سبق وتحدثنا عن الهو والأنا الأعلى والأنا, وقلنا أن الهو لاواع في حين أن لكل من الأنا والأنا الأعلى جزءً واعيا وآخر لاواعيا, والآن سنتحدث عن القسم اللاواعي لهذا الأنا.
الأنا يعمل أحيانا على الدفاع عن نفسه بطريقة لاواعية, وقد عدد فرويد ميكانيزمات الدفاع النفسي وأتى بعده من أضاف ميكانيزمات أخرى, لكنني هنا سأقتصر فقط على سبعة آليات لأنها كثيرة جدا... بشكل عام فإنه بناء على هذه السبعة ستتمكن من اكتشاف بقية الآليات بمفردك لأنك ستفهم المبدأ.

1- التبرير:
التبرير أو بترجمة أدق العقلنة, وهي ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي ينهجها الشخص لتبرير فعل غير لائق أو فشل, ولعلك تعرف القصة الخرافية للثعلب الذي لم يتمكن من الوصول للعنب أعلى الشجرة فقال عنه أنه حامض كي يشعر بالارتياح.
أمثلة التبرير كثيرة, كأن يرسب الطالب في الامتحان فيبرر رسوبه بأن الأستاذ ظلمه وأن الوقت لم يسعفه ويبدأ بإلقاء اللائمة على الظروف الغير موالمة...هو إذن يبرر لنفسه كي لا يشعر بالذنب أو أن ما حدث له أمر سيء.
مثال آخر لرجل تتزوج حبيبته فيقول بأنها كانت فتاة سيئة وأن زواجها أمر جيد بالنسبة له, كي لا يشعر بالحزن والضيق.

2- الإسقاط:
هو أن يحمل الشخص أفكارا أو مشاعر يعتبرها في قرارته خاطئة فلكي يحمي نفسه يقوم بإسقاطها على الآخرين, ولعلك سمعت بالمثل القائل "ودّت البغي لو أن كل نساء العالم بغايا", فالمرأة ذات الأخلاق السيئة قد تتهم كل امرأة تقابلها بأنها تدّعي العفة وبأنها تمارس الرذيلة في الخفاء, أو كرجل يخون زوجته فيتسرب إلى نفسه الشك في سلوك زوجته ويبدأ التحرى في كل صغيرة وكبيرة على غير عادته, هو إذن أسقط فعله الذي يعتبره لاأخلاقيا عليها.
3- التسامي:
أي أن يحول الشخص الأفكار السيئة والمشاعر الغير مرغوب فيها كالعنف أو الخوف أو الحزن أو الرغبة في القتل  إلى أفعال تلقى قبولا لدى المجتمع كأن يتحول الشخص العنيف لملاكم أو أن يتحول صاحب نزوات القتل لقناص, أو أن يلجأ المكتئب للكتابة أو الرسم فيعبر عن مخاوفه وحزنه على الورق.
إذن التسامي هو آلية دفاعية قد تدفع المرء لاستبدال السلبي بالايجابي ليلقى القبول.

4- رد الفعل:
 هي آلية دفاع نفسية يلجأ لها الشخص الذي يعاني من تهديد نفسي حقيقي بسبب فكرة أو رغبة تخالف معتقداته, فمثلا الشخص الذي يحب النساء بشدة ولكنه غير قادر على الزواج وقيمه ومبادؤه لا تسمح له بارتكاب الفاحشة فإنه قد يطور كرها حادا اتجاه النساء, فكثيرا ما تقابل شابا يعيب النساء ويحتقرهن ويدعي أنه عازف عن الزواج بإرادته وينصح الجميع بالعزوف عن الزواج مثله, وما إن يحصل على وظيفة وتتيسر أموره يهرع ليتزوج أول امرأة يقابلها في طريقه...أليس كذلك؟؟ هذا ما حدث مع أحد أصدقائي -_- أذكر اسمك يا صديقي من أجل العلم معليش؟ وفي واقع الأمر فإن الأطفال الذين يقتربون من سن البلوغ قد يشعرون بالكره والتقزز من الجنس الآخر كآلية دفاع رد الفعل, بسبب تجربتهم لمشاعر لم يخبروها من قبل ألا وهي الانجذاب الجنسي.... الأمثلة متعددة.

5- الإزاحة:
هي آلية دفاعية يقوم فيها الشخص بإزاحة ما يزعجه وبدل صبه على مصدر الازعاج يستبدله بشخص أو شيء آخر, كمثال الموظف بالإدارة الذي يدخل عليه مديره يهينه في مكتبه دون أن تكن له المقدرة على الرد فيلجأ هذا الموظف لإهانة المواطنين بمكتبه, أو ذلك الشخص الذي قد يغلق على نفسه الباب ويبدأ بركل الوسائد والخزانات لأنه لا يستطيع ركل من يتنمر عليه بالمدرسة..أحيانا تتمثل الإزاحة في الأحلام أيضا, فقد يحلم الشخص بأنه يمزق حاجيات أخيه الذي يزعجه.

6- الإنكار:
أظن أن الآلية مفهومة من اسمها, فهي حيلة نفسية يلجأ إليها الشخص الذي لا يريد أن يعترف بوجود مشكل ما في حياته, فهو قد يعاني من الإدمان وينكر أنه مدمن بل ويقنع نفسه على أنه قادر على الإقلاع عن ما يتعاطاه متى شاء, وهذه آلية دفاعية موجودة بكثرة لدى المدمنين, أيضا المرأة التي تتعرض للتعنيف من طرف زوجها قد تنكر أنها تعيش حياة تعيسة وتقنع نفسها أن كل شيء على ما يرام.
آلية الإنكار آلية جد خطيرة فهي تحول دون القدرة على إقناع الشخص بإصلاح الخلل الذي يعاني منه.
طبعا لا يكون الإنكار دائما مرتبطا بمشاكل كبرى فأحيانا يتمثل الإنكار في أمور يومية بسيطة.

7- النكوص:
أو التقهقر, آلية دفاعية تتمثل في أن يعود الشخص القهقري لمرحلة سابقة من مراحله العمرية للشعور بالارتياح, وقد يلجأ إليها من تعرض لصدمة نفسية أو توتر شديد, فترى الشخص بدأ يتصرف تصرفا طفوليا كان يتصرفه بالماضي كأن يمتص إبهامه أو يلعب بالدمى أو أن يرتدي ملابس لا تناسب سنه ويتصرف تصرفات طفولية.
حسب فرويد فإن لجوء الشخص لآلية النكوص يبث في نفسه الشعور بالطمأنينة والأمان, وقد يأخذ النكوص شكلا متطرفا ينذر بمشكلة نفسية تحتاج للتدخل..

حسن الآن وقد أدركت بعضا من آليات الدفاع النفسي أظن أن الصورة اتضحت في ذهنك.
وكالعادة لابد من الإشارة إلى أنه ليس كل سلوك يسلكه الشخص قد يفسر على أنه آلية دفاعية فقد يعتقد الشخص فعلا أن الجميع من حوله سيء دون أن يكون هو ذاته سيئا, أو أن يشك الرجل في سلوك زوجته دون أن يكون هو ذاته خائنا, إذ أن الحكم على ما إذا كان الشخص يلجأ لآلية الدفاع مرتبط بالشخص ذاته ولاوعيه والذي أحيانا يصعب الوصول إليه, فالشخص ذاته غير واع بأنه قد لجأ لآلية من آليات الدفاع النفسي...هذا كي لا تحكم على الآخرين بأنهم يلجؤون لآليات الدفاع وأنت لم تحط بالموضوع من كل جوانبه.
حاول الآن أن تعرف ما إذا كنت قد لجأت لآلية من آليات الدفاع النفسي, وستكون قد لجأت إليها طبعا ولكنك غير واع بذلك, فكر في الموضوع بتجرد وأنظر أي آلية من هذه الآليات السبع أدركت أنك لجأت إليها في مرة من المرات.