المفكرون العرب والتخلف

4
دعوني أتجرأ وأتجاسر قليلا على أولائك الملقبين بالعظماء والقامات وأصحاب الكعب العالي, معبودي الجماهير العربية (المثقفة)...لقد جلست مدة طويلة من الزمن وأنا أحاول الكتابة بشكل مختصر عن هذا الموضوع لأن لدي الكثير لأقوله وأثرثر بشأنه كقارئ لبعض المفكرين العرب والغربيين, وانتقادي هنا كقارئ لاغير وليس كمتخصص في القضايا الفكرية أوالمناهج النقدية.
لذا عزيزي القارئ اتركني أحادثك حديث المقاهي و"خذني على قد عقلي".
ويجب أن أشير أنني أقصد في موضوعي هنا المفكرين الغير متخصصين وليس الأكاديميين المتخصصين في مجالاتهم.

التخلف العام:
عندما تكون متخلفا فأنت متخلف على جميع الأصعدة...نحن بدول العالم العربي نعاني التخلف في الطب والتكنولوجيا والتشريعات القانونية والبحث العلمي ومناهج البحث والنقد...إلخ, لذا من الطبيعي أن يكون الفكر متخلفا مادام قد انبثق من مناخ متخلف, ونحن لن نتوقع أن يشكل الفكر طفرة واستثناء...لست هنا ألوم أحدا لأننا جميعا ضحايا منظومة متخلفة نشأنا فيها وولدنا في عصر انحطاط حضارتنا.

مصطلح مفكر:
لنكن صرحاء, مصطلح مفكر صار يطلق في عالمنا العربي على كل من هب ودب, لقد بث أقرأ لقب مفكر يطلق على أشخاص لاعلاقة لهم بالفكر من قريب أو بعيد, أشخاص علا صيتهم فجأة بسبب الفراغ الموجود على الساحة لم يأتوا بأي أفكار جديدة ولم يعالجوا أي قضايا أو إشكالات مطروحة بل أعادوا صياغة ماجاء به الأسبقون ربما بركاكة ولاداعي هنا لذكر الأسماء فأنا لست بصدد المفاضلة بين هؤلاء "المفكرين" كما أنني أيضا لا أعمم على الجميع, بل أتحدث عن الانطباع العام.
بالغرب يطلق لقب مفكر على فلاسفة وسوسيولوجيين ولغويين وباحثين متخصصين في شتى المجالات تمكنوا من إضافة أفكار جديدة للبشرية, أي أنهم قبل أن يطلق عليهم لقب مفكر هم في الأصل متخصصون في مجالاتهم, فلاسفة تخصصوا في الفلسفة أو لغويون متخصصون في اللغة, في حين يطلق اللقب بالعالم العربي على شخصيات تجيد تنميق الكلام الفارغ على شاشات التلفاز واليوتيوب في حين أن تخصصاتهم بعيدة كل البعد عن العلوم الإنسانية, أنت تقرأ لقب الدكتور مسطورا تحت اسم المفكر العربي فتعتقد أنه متخصص في المجال الذي يناقشه سواء كان فلسفة أو سوسيولوجيا أو علوم اللغة, في حين أن الدكتوراه التي حصل عليها هي في الطب أو الكيمياء أو غيرهما, وشخصيا أعتبره نوعا من الخداع...
يقول الفرنسي باسكال بونيفاس في كتابه المثقفون المزيفون متحدثا عن ظاهرة المثقف المزيف بفرنسا: "يروي جان بوتوريل في كتابه الممتع "أعزائي المحتالين" بأن فرانسوا ميتيران, الذي كان قد انتخب قبل وقت قصير رئيسا للجمهورية, وتلقى دعوة من مارغريت تاتشر دعوة لزيارة المملكة المتحدة, طلب أن يلتقي بعدد من مثقفي البلد. أجابه موظفو داونينغ ستريت بأنهم ربما يجدون له كتابا أو مؤرخين أو فلاسفة أو باحثين ولكن ليس مثقفين".
ويبدو أن الحال عندنا لايختلف عن الحال بفرنسا فنحن لدينا مثقفين قد اكتسحوا الساحة وليس متخصصين, رغم أن عصر الموسوعيين قد ولى فلا أحد صار بمقدوره الإحاطة بكافة العلوم الحديثة, لأن عمر الإنسان أقصر من ذلك بكثير أنت بحاجة لعقود عديدة كي يتسنى لك ذلك.


تخلف المنهج:
يلجأ عدد كبير من المفكرين العرب في دراساتهم لشتى المواضيع لمناهج عفى عنها الزمن, بل هناك من لامنهج له يكتب ما خطر على باله دون دراسة أو تمحيص.
أنت عندما تفتح كتابا لمفكر غربي يتناول قضية اجتماعية فإنك ستجد أرقاما وإحصاءات وبيانات ودراسات دقيقة يخرج انطلاقا منها باستنتاجات علمية محكمة, ولاتهمني ما إذا كانت استنتاجاته صحيحة أم خاطئة لأنها ليست قضيتي, بل قضيتي أن المفكر العربي إن تناول نفس الاشكال فإنه سيحاول استخدام عقله وفهمه الشخصي للموضوع لتحليله بعيدا عن المناهج العلمية.

ولنضرب مثالا بسيطا فلو ناقشت موضوع الفروق بين الرجل والمرأة في المجتمع مثلا, فإن الدارس السوسيولوجي الغربي سيحاول تحديد ما إذا كانت تلك الفروق هي فروق ناتجة عن طبيعة الرجل وطبيعة المرأة أم هي نتاج التنشئة والبيئة أم أن عوامل أخرى تتداخل وسيقوم بمحاولة لعزل الفروق الطبيعية والفروق وليدة التنشئة, فتراه يجري أبحاثا واستقصاءات ميدانية ويضع فرضيات قبل تناول الموضوع, ليتبث إما صحة أو خطأ فرضياته.
أما المفكر العربي فإنه سيضع مقدمة أرسطوطاليسية يعتبر فيها أن الفرق بين الرجل والمرأة في هذا الموضوع أو ذاك ناتج إما عن الطبيعة أو التنشئة, أي أنه سيضع فرضية يعتبر مسبقا صحتها حسب فهمه ورؤيته الشخصية ويبدأ من خلال مقدمته بناء استنتاجاته والبحث عن حلول لقضيته والتي تكون هي أيضا حلولا من بنات أفكاره لا تستند على أي دراسة علمية.
تتعدد الأمثلة وتتشعب ولابد وأنك عزيزي القارئ قد حدث وصادفت نماذج لكتب عربية تحلل مواضيع اجتماعية بعيدا عن أي منهجية علمية تذكر.

السطحية وعدم التعمق:
مقارنة أخرى ألمسها وبشدة وهي تناول مختلف القضايا بسطحية عجيبة, أنت عندما تقرأ كتابا لمفكر غربي فإنك لن تستطيع استيعاب كم الأفكار العميقة المتسلسلة والتي تحتاج قراءة متأنية للفهم, في حين أن بعض كتب المفكرين العرب تتناول القضايا وتحللها بشكل مخجل, بل قد يرتمون على تخصصات لايفقهون فيها شيئا, مما يوحي أنهم لا يبدلون أي مجهود يذكر في تأليف كتبهم...ودعوني هنا أستعرض ما قاله إريك فروم لتوضيح هذه النقطة.
يقول إريك فروم في مقدمة كتابه تشريح التدميرية البشرية:
"عندما شرعت في هذا الكتاب قبل أكثر من ست سنوات استهنت كثيرا بالصعوبات التي من شأني أن أواجهها. وسرعان ماصار واضحا أنني لن أستطيع أن أكتب عن التدميرية البشرية على الوجه الذي يفي بالغرض إذا ظللت ضمن حدود ميدان كفاءتي الأكبر, وهو التحليل النفسي. إذ بينما المقصود أن يكون هذا البحث تحليليا نفسيا قبل كل شيء فأنا أحتاج كذلك إلى القليل من المعرفة في ميادين أخرى وخصوصا في فيزيولوجيا الأعصاب وعلم النفس الحيواني وعلم المستحثات والأنتروبولجيا لكي أتجنب العمل في إطار مرجعي شديد الضيق يؤدي من ثم إلى التحريف. كان ينبغي لي على الأقل أن أكون قادرا على التحقق من صحة استنتاجاتي بالمعطيات الرئيسية من الميادين الأخرى لأتيقن من أن فرضياتي لا تناقضها وأحدد كما كان أملي مسألة هل تؤكد فرضياتي...
وإنني لشاكر لعلماء الأعصاب التالية أسماؤهم مساعدتهم لي بالمحادثات الشخصية الموسعة وبالرسائل بين الحين والحين...".

وأعيد وأكرر أنني هنا لا أقصد أن ماجاء به فروم في كتابه صحيح أو خاطئ لأن هذا لايهمني بل يهمني أمانته العلمية.
لا أظن أنني بحاجة لتفسير قصدي أكثر, وماعليك عزيزي القارئ إلا البحث عن المفكرين العرب الذين يلجؤون لغيرهم من العلماء في تخصصات لا يفقهونها قصد التوسع في أفكارهم وعدم التعارض مع بقية العلوم, ستبحث عنهم كإبرة في كومة قش, فكثيرا ما نقرأ كتبا لمفكرين عرب تتعارض أفكارهم مع العلم الحديث.

الماضوية:
بالإضافة للسطحية مازال المفكرون العرب يحصرون أنفسهم في إطار ماضوي يتحدثون بلسان من مات قبل قرون من المفكرين, مازالت الكتب الفكرية الحديثة تعج بابن سينا والفارابي وبن خلدون ومازالت تستشهد بابن حيان وابن عربي وابن رشد وغيرهم من المفكرين.
ليس استنقاصا من ثراتنا الفكري ولكن الفكر العربي الحديث أشعر به مايزال ينبش في القبور بحثا عن أفكار يعيدون صياغتها من جديد بلغة عربية حديثة, ألجأ للمكتبة فأقرأ عناوين من قبيل دراسة فكر ابن خلدون, عبقرية ابن سينا, دراسة فكر الفارابي...وهكذا, وحتى تلك الكتب التي لا تتمحور حول المفكرين القدامى تستشهد بأفكارهم وتستند عليها لتحليل الحاضر.
وأكرر مجددا أنني لست أنتقد دراسة وتحليل فكر القدامى ولكنه السمة الغالبة على جل كتب الفكر العربي التي أطلع عليها, يندر أن أقرأ أفكارا تعالج بأسلوب حديث مرتبط بحاضرنا لمفكرين عرب.. إنهم يعدون على رؤوس الأصابع.

لا أفكار جديدة:
بالمختصر المفيد لا أفكار جديدة يمكن أن تستشفها من كتب أغلب المفكرين العرب, ستجد مفكرين عرب عظماء بكل ما تحمله الكلمة من معنى ترجمت أعمالهم للغات عدة إن اطلعنا على المناهج التي انتهجوها مثلا البنيوية والتفكيكية في معالجة نصوص ثراتنا الاسلامي فإنهم قد أجادوا التطبيق وسواء اتفقت معهم فيما جاؤوا به أم لم تتفق فإنهم قد التزموا بالعلمية والحيادية في دراستهم.
ولكن...من جاء بهذه المناهج النقدية؟ من أتى بالبنيوية والتفكيكية؟ إنهم الفرنسيون كلود ليفي ستروس, ميشال فوكو, جاك دريدا وغيرهم...
من أتى بمناهج الدراسات اللغوية الحديثة المعتمدة في الدراسات الأدبية؟ إنهم السويسري دي سوسير والأمريكي نعوم تشومسكي... إلخ
من أتى بالمناهج في دراسات علم النفس؟ السوسيولوجيا؟ من أتى بالمفاهيم الاقتصادية والسياسية؟ الديموقراطية والعلمانية والاشتراكية والشيوعية والليبرالية واللاسلطوية وغيرها من المفاهيم؟
إنهم المفكرون الغربيون, أي أن المفكرين العرب يعملون بالقوانين والمفاهيم التي وضعها الغربيون, سنرى المفكر العربي الليبرالي والمفكر العربي الاشتراكي والمفكر العلماني ولن نرى أي مفكر يحاول التأسيس لمفهوم سياسي أو فلسفي جديد.
لم نقرأ فلسفة جديدة لمفكر عربي معاصر تنافس وتزاحم الفلسفات الغربية, بل كل مايفعله المثقف العربي هو استخدام الأدوات الغربية الجاهزة لدراسة القضايا العربية.
أي أن المفكر الغربي يخترع المفاهيم والمفكر العربي يطبق هذه المفاهيم...هذا إن طبقها أصلا.

ختاما:
ختاما لست حقيقة من أصحاب عقدة الخواجة أو عقدة الآخر ولكن الحقائق لايمكن أن نحجبها والهوة أضخم من أن نتجاهلها...ولقد كانت هذه مجرد خواطر وملاحظات بدت لي عند انصرافي عن قراءة الكتب العربية للكتب الغربية
-للأسف-.