لماذا المرأة مادية؟

11
من الواضح أن العنوان مستفز للبعض, كما أنه وضع حكما مسبقا بأن المرأة مادية.
حسن دعني عزيزي القارئ عزيزتي القارئة أفسر الموضوع أولا.
بداية لنتفق أنني هنا لا أعمم على كل رجل وامرأة, بل أتحدث من منطلق المقارنات العددية, أي أن عدد النساء الماديات أكبر من أعداد الرجال الماديين, حسب الشائع بالمجتمع.

ما المقصود بالمادية؟
ربما مصطلح "مادية" ليس بتلك الدقة ويحيل لتعاريف أخرى للمادية لا أقصدها, أنا هنا أقصد بشكل أكثر دقة الاستهلاكية والتي تعني الافراط في استهلاك المنتجات المادية والخدماتية.
تعمل الشركات الكبرى قبل استهداف زبنائها على دراسة سلوكهم الشرائي ومن تم الاستراتيجيات المناسبة لجذب أكبر عدد ممكن من الشريحة المستهدفة...إن اطلعت على نصائح خبراء التسويق فإنه لكي تستهدف الزبون الرجل أنت بحاجة لإقناعه بجدوى المنتج عمليا, بحيث أن أغلب الرجال يعتمدون على قراءة بيانات وميزات المنتج قبل شرائه, في حين إن كنت تود استهداف الزبونات النساء فأنت بحاجة أكثر للعب على الوتر العاطفي, حيث أن المرأة تشتري ما يروقها ويحقق لها الاشباع العاطفي, لذا تقوم المحلات النسائية بوضع الزينة والبهرجة وتخصيص بعض الهدايا وتزيين منتجاتها بالأشكال والألوان.
فلو أراد رجل شراء كوب فإنه سيركز أكثر على جدوى الكوب وما إذا كان عمليا, مثلا (حافظ للحرارة, خفيف الوزن, لا ينكسر...إلخ) في حين أن قرار المرأة بشراء الكوب من عدمه هو ما إذا كان سيرضيها عاطفيا, لهذا سيضع صانع الأكواب بعض الزينة والألوان على الكوب الذي يود بيعه للمرأة.
كما أن المرأة قد تشتري العديد من الأغراض التي لا تحتاجها ولا تستعملها, فقد تشتري لباسا لا ترتديه أو ترتديه مرة واحدة فقط, قد تشتري الكوب وتضعه مع الأواني ولا تستخدمه أبدا...
الأدهى من ذلك أن مدمني الشراء والتسوق أغلبهن نسوة لما يحققه التسوق من إشباع عاطفي لهن, قد تخرج للسوق فقط للتنزه والاستمتاع بمشاهدة مختلف المنتجات في حين أن أغلب الرجال سيخرجون للتسوق لقضاء غرض محدد.
ورغم أن الرجل أكثر إجراما وارتكابا لمختلف أنواع الجرائم بحيث أن أغلب جرائم الاعتداء على الغير وممتلكاتهم تصدر من رجال إلا أن وقوع المرأة في جريمة السرقة من المحلات أو سرقة الصديقات كبيرة جدا وتتجاوز نسب الرجال في بعض البلدان.
قد يسرق الرجل المجوهرات لبيعها والحصول على المال, أما المرأة فقد تسرق المجوهرات لأنها أعجبت بها وتريدها لنفسها, أي أن السرقة عند الرجل تكون في الغالب وسيلة في حين أنها في حالة المرأة غاية بحد ذاتها.
تستغل أغلب الماركات العالمية هذا السلوك لدى النساء فترفع سعر المنتجات النسائية مقابل المنتجات الرجالية, لأنها تعلم أن المرأة تحب التسوق وأنها ستشتري حبا في الشراء, فقد يشتري الرجل شامبو بسعر أقل من سعر شامبو نسائي من ماركة واحدة حتى وإن لم يكن هناك ما يبرر رفع سعره.
وهذه مراسلة منشورة بموقع البيت الأبيض الأمريكي لسيناتور وعضوة بالكونغريس يطالبان فيها بالنظر لهذا المشكل "التميزي" حيث تدفع المرأة أكثر من الرجل في مشوار حياتها حتى وإن اشترت نفس القدر الذي يشتريه الرجل من منتجات.
تعد هذه المشكلة عالمية.

والآن لنقفز للسؤال المحوري وهو لماذا؟
لماذا المرأة أكثر مادية من الرجل حسب التعريف بالأعلى؟
سأعرض تفسيرين اثنين أحدهما يركز على الطبيعة والآخر على البيئة.

طبيعة الرجل والمرأة:
عندما يشعر الحيوان بالرغبة الجنسية ولنأخذ مثال حيوان ثدي, فإنه سيبحث عن الأنثى وسيتتبع رائحة الهرمونات الأنثوية التي ستطلقها, والتي ستجذب عددا من الذكور لمكانها, وسيتصارعون فيما بينهم والفائز سينال فرصة التزاوج مع الأنثى.
بالنسبة لبعض العصافير, فإنه في فترة التزاوج سيسعى الذكر لبناء عش وسيبدع قدر الإمكان في بنائه لينال رضى الأنثى, وهذه الأخيرة ستلجأ للعش الذي يوفر الحماية للتزاوج مع الذكر صاحبه.
هذا ما يسمى بالانتقاء الطبيعي, أي أن الطبيعة تنتقي الأفضل والأقوى والأبرع للتزاوج ومن تم توريث جيناته القوية للأجيال القادمة كي لا ينقرض الكائن, فلو أن الله سبحانه لم يضع في الطبيعة هذه الخاصية فإن الذكر الضعيف سيتزاوج مع الأنثى وستلد كائنات ضعيفة ومع الزمن سينقرض عدد كبير من الأنواع.

الأمر ذاته بالنسبة للبشر, فنحن كحيوانات لدينا غرائز لانتحكم فيها, فالرجل سينجذب للمرأة الشابة ذات المظهر الأنثوي لأنها أصلح للانجاب والتكاثر, كما أن المرأة ستنجذب للرجل ذو المظهر الشاب القوي لأنه أصلح لتوفير الموارد والحماية.
بمعنى أننا لو عدنا بعجلة الزمن للوراء للعصر الحجري فإن الشاب القوي هو الأقدر على البقاء لأنه قادر على توفير موارد العيش من صيد ونحوه, كما أنه يستطيع بناء مأوى وتوفير الحماية من الوحوش والغارات والكوارث, المرأة إذن ستنجذب غريزيا للرجل الشاب ذو العضلات أكثر من غيره, لأنه سيحميها وأبناءهما وسيوفر لهم الموارد للبقاء على قيد الحياة.
هذه غرائز مبرمجة في جيناتنا ونحن لا نتحكم فيها تماما كباقي الحيوانات, فأنثى الحيوان التي تتزاوج مع الذكر الأقوى هي لا تفكر في أن هذا هو الأصلح لها ولأبنائها, والذكر الذي يتزاوج مع الأنثى التي تفرز هرومانات تدل على الإباضة هو لا يفكر في أنها قادرة على الانجاب, الانجذاب يحصل تلقائيا وغريزيا.
نحن البشر ننجذب غريزيا وحسب للمرأة الشابة والأنثوية المظهر (قدرة على الانجاب) ونراها مثيرة وجميلة, والرجل الشاب ذو المظهر القوي (قدرة على الحماية وتوفير الموارد) تراه النساء وسيما ومثيرا.

ما حدث بعد ذلك أن الحياة تطورت وتحضرت ولم يعد الرجل بحاجة لعضلاته للاعتماد عليها قصد البقاء على قيد الحياة ولتوفير الموارد والحماية لأنثاه وأبنائهما, صار يعتمد أكثر على أمور أخرى حسب متطلبات الحضارة, ولكن الأصل بقي كما هو, أي أن الرجل لازال ينجذب للمرأة الشابة ذات المظهر الأنثوي, في حين أن المرأة مازالت تنجذب للرجل الذي يوفر الموارد والحماية بغض النظر عن عضلاته ومظهره, فرغم أنها تنجذب غريزيا للرجل الشاب ذو العضلات إلا أنه إن لم يتمكن من توفير الموارد كالسكن والوظيفة فإنه بالنسبة لها بلا قيمة ولايمكنها الارتباط به وستفضل بدلا عنه شخصا نحيلا ضعيفا أو شيخا هرما ميليارديرا أي أنه يوفر أكبر قدر ممكن من الموارد والحماية للمرأة.
 قواعد الطبيعة تغيرت ظاهريا إذن ولكن الجوهر بقي كما كان.
إذا كان الرجل ميليارديرا فإن فرص زواجه من الشابات الجميلات كبيرة جدا بغض النظر عن شكله وسنه, في حين أن المرأة ذات الشكل الأنثوي "الجميلة" تحظى بفرص زواج أكبر من باقي النسوة بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية التي تنتمي لها.

ولهذا فإن أغلبية الموارد حول العالم محتكرة من طرف الرجال لأن من طبيعة الرجل اللهث خلف توفير الموارد كما أن قدراته على توفيرها كبيرة, في حين أن المرأة تلهث خلف استهلاك هذه الموارد لأن طبيعتها هي استغلالها...
كمثال السرقة الذي يسرق فيه الرجل المجوهرات لبيعها والحصول على المال (توفير موارد) والتي تسرقها المرأة لارتدائها (استهلاك الموارد)

بيئة الرجل والمرأة:
الآن ننتقل للرأي الآخر والذي يقول أن طبيعة الرجل والمرأة وغرائزهما ليس لها علاقة بسلوكهما في استهلاك الموارد, بل هي نتيجة بيئة وتنشئة مفروضة, فالمجتمع هو الذي يحدد سلوك كل جنس...
وكمثال فقد ظهر الحذاء ذو الكعب العالي فيما مضى مخصصا للرجال, وقد ارتداه لويس الرابع عشر ملك فرنسا كرمز للسلطة والنعيم وبأنه لايحتاج للعمل كبقية الرجال بالطبقات الأدنى, لم تكن النساء ترتدين الأحذية ذات الكعب العالي في ذلك الوقت, إلا أن الأمر تطور تدريجيا إلى أن بات الحذاء ذو الكعب العالي رمزا للأنوثة...إذن تتغير المفاهيم على مر العصور.
 ونظرا لكون الرجل هو الجنس الأقوى والمستحوذ على موارد العالم, فإنه هو من فرض قواعده على الجنس الآخر, فبنى سلوك المرأة بإغراق السوق بالمنتجات النسائية ذات أغراض الزينة والتجميل لأن هذا ممتع للرجل, فتحول سلوك المرأة معمما حتى مع بقية المنتجات والخدمات الغير مخصصة للتجميل.
فالرجل هو صاحب الشركات والأعمال السينمائية والإعلانات وكل شيء في هذه الحياة, وله اليد الطولى على المرأة, إذن المُنتج والمخرج يظهرها في الإعلانات والأعمال السينيمائية بشكل مثير ومحبب لجنسه بتزيينها ووضع صورها في كل مكان لتسويق جميع الأغراض.
 الطفلة بعد أن تبلغ سنا تميز فيه جنسها فإنها سترى ما يعرضه المجتمع لجنسها وما يطلبه المجتمع منها, فترى صور النساء تملأ المكان والشاشات وترى قريباتها اللائي مررن أيضا بمرحلتها يسلكن سلوكا معينا في الشراء والتزيين واستهلاك الموارد, فتتماهى الطفلة مع مجتمعها وتصير فتاة عبارة عن نسخة طبق الأصل لبقية الفتيات ذات السلوك الاستهلاكي, وتكبر لتنجب أطفالا يقلدنها وهكذا...
حتى بعد ولوج النساء لعالم المال والأعمال والسينما لاحقا إلا أنهن بتن يلعبن بالقواعد التي وضعها الرجل مسبقا لأن هذا هو مايطلبه الجميع من نساء ورجال حاليا كواقع مفروض.
أي حسب هذا الرأي فلو كانت المرأة مستحوذة على موارد العالم وكانت هي الجنس الأقوى, لما أغرقت السوق بالمنتجات النسائية لأنها لن تكون بحاجة إليها, وحينها سيكون سلوكها مشابها لسلوك الرجل في استهلاك الموارد.

ماذا عنك؟
إذن عزيزي القارئ مارأيك؟ هل تعتقد أن سلوك المرأة ناتج عن طبيعتها أم عن واقع مجتمعي؟ أم أن لك رأيا آخر؟
إن أردت رأيي الشخصي فإنني أرى أن كلا العاملين يلعبان دورا في تحديد السلوك الاستهلاكي للمرأة, صحيح أن السوق تم إغراقه بالمنتجات النسائية, إلا أن طبيعة جذب المرأة للرجل غريزيا مبنية على المظهر أولا, فحتى كيلوباترا ونفرتيتي ونساء القرون الغابرة كن يسرفن في التزين واستهلاك الموارد حتى قبل ظهور حمى إغراق السوق بالمنتجات.
قد تقول إحداهن أنها تتزين ليس من أجل الرجل بل من أجل نفسها وهذا صحيح تماما, ولكنها تتزين لأنها أنثى, فحتى الرجل الذي يمارس بناء الأجسام لايفعل هذا من أجل النساء بل من أجل نفسه, ولكن هذا لا يلغي كونه يرغب في العضلات لأنها طبيعته كذكر.
في آخر المطاف نحن نتصرف على نحو غريزي لأننا حيوانات أولا وبعقول ثانيا, وعقولنا هي الفاصل وهي التي ترفعنها من حيوانيتنا وتتحكم في إسرافنا فيها.

الإلحاد أو اللادينية, أنواع الملحدين

5
مما لاشك فيه أن ظاهرة الإلحاد صارت جلية بمجتمعاتنا العربية مع التقدم التكنولوجي الحاصل وتوفر المعلومة حيث صار من الممكن رصد الظاهرة التي كانت متخفية قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات فصار من الممكن للملحدين التعبير عن أفكارهم بكل أريحية تحت أسمائهم الحقيقية أو المستعارة, وخلق تجمعات افتراضية لهم.

ليس هناك إحصاءات رسمية لمدى انتشار هذه الظاهرة بالعالم العربي لأنها محاطة بالكتمان من طرف أصحابها عكس بقية المجتمعات التي يسهل فيها الإحاطة بالظاهرة, وبالتالي فإن أغلب الأرقام التي تخرج بها بعض المنظمات هنا وهناك عن هذا البلد العربي أو ذاك تكون غير واقعية وغير دقيقة, كما أن إجراء الاحصاءات عن طريق الانترنت غير موثوق لأنك دائما ستخرج بعينة اختيارية غير حقيقية.

قد يحدث لك كمؤمن أن تراودك الشكوك وتؤرقك التساؤلات حول بعض الأمور المتعلقة بصحة الدين ووجود الله, وهذا أمر جدا طبيعي, وتعدّ جزء لا يتجزء من الطبيعة البشرية, فحتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعظمه ففي صحيح مسلم أن أبا هريرة قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه : إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, فقال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم, قال: ذاك صريح الإيمان... وفي الصحيحين عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته. 

اقرأ عن اضطرابات الوسواس القهري

أسباب الإلحاد من الناحية الاجتماعية جدا متعددة ومتشعبة كالواقع السياسي للدول العربية, والحروب والتطرف الديني إذ عرف العالم ظهور فلسفات إلحادية على مر العصور نتيجة الحروب وتردي الأوضاع كالوجودية إبان الحرب العالمية الثانية...
 يلعب الانترنت وسهولة الحصول على المعلومات دورا محوريا في انتشار الظاهرة, فأغلب الملحدين هم من الشباب الذكور إذ تشير الإحصاءات الغربية أن ثلثي الملحدين هم ذكور من الذين يتميزون بمستوى ذكائي وثقافي مرتفع فإلحادهم "غالبا وليس دائما" هو حصيلة الاطلاع المستمر على الكتب والبحث المستمر, وقد يستهجن البعض كلامي معتبرين الإلحاد "غباء".
 تزوير الحقائق والإحصاءات يريح أعصابهم ويطمئنهم بأن معتقدهم صحيح مادام الآخر يطلق عليه لقب غبي, حتى لو كان عبقريا...

لا علاقة للمنطق بما يدخل ضمن نطاق الإيمانيات والروحانيات, فالأمر مرتبط بنهج أسلوب تفكير مختلف والذي لا يكون بالضرورة صائبا, فلو افترضنا أن مجتمعا كل أفراده من الملحدين فإن المواليد الجدد سينشؤون على الإلحاد أيضا وسيكون الكل ملحدا سواء بذكاء مرتفع أو منخفض أو بتخلف عقلي, ولكن بضعة أفراد من هذا الوسط سيبذلون جهدا فكريا ويطلعون على الكتب ويعتنقون دينا ما, هم إذن أشخاص بذكاء جيد لأنهم بذلوا مجهودا فكريا ونبذوا إلحاد آبائهم, ولن نرى أبدا في هذا الوسط المتخيّل شخصا بذكاء منخفض يبذل مجهودا فكريا ويطرح تساؤلات فلسفية ليخرج بنتيجة ما صائبة كانت أو خاطئة...لايهمنا هنا النتائج لأن الذكاء غير مرتبط بفعل الصواب بهذا الخصوص...وكمثال فحتى القتلة المتسلسلين يتميزون بذكاء عال مقارنة مع الناس الأسوياء, وهذا لا يعني أن سلوكهم صائب.
طبعا هذا مجرد مثال ولا أساوي بين الملحد والمجرم.
لنتعرف الآن على ما يُطلق عليه الجميع إلحادا, والذي في واقع الأمر يتخذ أشكالا عدة, فلكل شخص تجاربه ومعتقداته ومنطقه الخاص الذي يختلف عن الآخرين, إلا أن القاسم المشترك بينهم جميعا أنهم "لادينيون".
أنواع اللادينيين عديدة بتعدد معتقدات البشر:

-الربوبية Deism: هي فلسفة يؤمن أصحابها بوجود إله خالق للكون ولكنه لا يتدخل أبدا في شؤون الكون الذي خلقه, هم لا دينيون يرفضون الأديان قاطبة هم يؤمنون فقط بوجود إله للكون ولا يؤمنون بأي شيء آخر, ولا بكون هذا الخالق يحتاج لأن يُعبد.
ينتشر الربوبيون في العالم العربي بشكل كبير ويتم إطلاق لقب ملحد عليهم, ويعتبر البعض أنهم يدّعون إيمانهم بالله فقط تقية ولكنهم في واقع الأمر يرفضون الأديان ولا ينكرون وجود خالق, إذن هم ليسوا بمسلمين ولا مسيحيين ولا يهود ولا أتباع أي دين آخر..

- الشكوكية Skepticism: هم أشخاص أقل منزلة من الربوبيين من ناحية الإيمان بخالق للكون فهم بين الإلحاد والإيمان, يسعون للتفكير والتشكيك في وجود الله من أجل الوصول للحقيقة حسب اعتقادهم, قد يكون الشكوكي مؤمنا فعلا وقد يكون غير مؤمن ولكنه يترك الباب مواربا لطرح مختلف التساؤلات التي يفسّرها الجميع على أنها إلحاد, وهي قد تكون إلحادا فعلا ولكنها بالنسبة لأصحابها قد تكون غير ذلك.

- اللاأدرية Agnostic: بمعنى "لا أدري" ويمكن القول أنه اتجاه فلسفي عكس الشكوكية قد حسم مسألة الإيمان بالله بعبارة "لا أدري" حسب اعتقادهم لا يمكن إثبات أو نفي وجود إله ولا سبيل لتأكيد وجوده أو نفي وجوده وبالتالي فالإنسان لا يدري, وحسب اعتقادهم أيضا أنه لربما قد يتوصل الإنسان لإجابة بالمستقبل ويثبت أو ينفي وجود إله.
حسب اعتقادي الشخصي فإنني أزعم أن وجود اللاأدريين بالعالم العربي ضعيف, لأن هذا النمط من التفكير عموما في شتى المجالات وليس فقط في الدين غائب بالمجتمعات العربية.

- الإلحاد Atheism: المستوى الأعلى من اللادينية وهي تضم الأشخاص الذين ينكرون وجود خالق للكون بالمطلق, هم لا يؤمنون بوجود إله.

هذه إذن أهم أنماط اللادينية والتي قد تصادفها والآن لنفصل سلوك هؤلاء الأنماط بالمجتمعات العربية.

في واقع الأمر فإن الملحد قد يكون أخا أو صديقا أو جارا ولكن لا أحد يعلم بحقيقة معتقده لأنه يحتفظ به لنفسه كي لا يقع في مواجهة مع أسرته وأصدقائه, قد يلجأ البعض لتجمعات مصغرة تضم مختلف الملحدين أو أن يلجؤوا للانترنت للتعبير عن أفكارهم.
سلوك الملحد العربي يختلف عن الملحد الغربي أو الآسيوي, لأن الثقافة التي ينشأ فيها الفرد تلعب دورا في بلورة الاعتقاد والسلوك, لذا بشكل عام لا يحترم الملحدون العرب معتقدات الآخرين عكس الملحدين بثقافات أخرى, نحن بلدان متخلفة سواء كان العربي مسلما أو ملحدا يغلب عليه طبع عدم احترام معتقد الآخر والسخرية منه, أحيانا نرى مفكرين عرب لادينيين يسخرون من المتدينين ويصمونهم بالتخلف والرجعية في كتاباتهم التي تكون شبه خالية من الأفكار, في حين أن المفكر الغربي الملحد يدرس مسألة التدين بموضوعية وبعلمية ويكون كتابه غنيا ومفيدا للجميع سواء وافقه أو لم يوافقه...
عموما فإن حوارات الملحدين العرب تكون عنيفة من كلا الطرفين: المؤمن والملحد, وتكون عبارة عن تبادل للشتائم بدل تبادل للفكر.

سأقوم بتصنيف هؤلاء الملحدين العرب حسب تجربتي الشخصية وحسب ما لمسته, سواء بحياتي الواقعية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

- لاديني إنساني: هو صنف تجده ينادي بالحب وفعل الخير ومحارب لكل أشكال التمييز فيدعوا للمساواة بين الجنسين وحفظ حقوق المثليين وتراه نشيطا في الأعمال الخيرية والإنسانية, إلحاد هذا النوع يكون بالعادة نتيجة اعتقاده أن الأديان "ظالمة" لذا تجده في الغالب "ربوبيا" يؤمن بإله محب لا يعذب أحدا, ويمكنك لمس هذا بشكل جلي في حواراته التي تركز على ما يراه "ظلما" بالدين حسب اعتقاده, ويكون أسلوبه في الحوار عادة مباشرا دون لف أو دوران.

- لاديني علمي: صنف نبذ الأديان نتيجة إقتناعه الشديد بأن العلم يجيب على كل التساؤلات وأن الأديان حسب اعتقاده "لامنطقية" وتعارض العلم, هذا الصنف يكون مستوى ذكائه جيدا بالغالب, فهو قادر على الالمام بمختلف أنواع العلوم والاطلاع على مختلف النظريات, ويكون بالعادة "ملحدا" لا يؤمن بخالق مطلقا أو "شكوكيا" ويتميز في حواراته بتسفيه "الأديان" والسخرية من معتقدات المؤمنين.

- لاديني فلسفي: وأحيانا متحزب كأن يكون شيوعيا ملحدا, أو ليبراليا أو عدميا أو أيا كان الفلسفة أو الايديولوجيا التي يحملها, يكون في العادة إلحاده نابعا عن قناعاته الشخصية وفلسفاته الذاتية ويتميز إلحاده بالشكوكية وتراه يطرح أفكارا تدعوا للتساؤل والتشكيك في المعتقدات والتشريعات ووجود الله, يتميز أسلوب حواره باللف والدوران فهو غير مباشر في التعبير عن وجهات نظره بل يحاول أن يجعلك تشكّ في معتقدك, وهذا نابع من اعتقاده أن ما يثير شكوكه هو, سيثير شكوكك بالضرورة.

- لاديني غير مكثرت: هو لاديني ينبذ الأديان لأنه وببساطة لا توافق هواه, قد يقدّم نفسه أحيانا على أنه "مسلم" لكنه سيرفض أي شيء يصنّف على أنه من الدين, فهو سيطلب منك أن تتوقف عن تلاوة الخرافات إن كنت تقرأ القرآن الكريم مثلا, أو أن يطلب منك عدم إضاعة الوقت في الصلاة ... لا يبذل جهدا في التفكير حول صحة الأديان من عدمها, قد تراه يزين سيارته بآية الكرسي, أو قد لايصوم رمضان لكنه سيحتفل بالعيد لأن أجواءه تروقه, هو غير مهتم بالجانب الفلسفي أو العلمي, هو سيتصرف ويؤمن بما يتوافق مع هواه.

إذن هذه تصنيفات حسب تجربتي الشخصية وحسب الأفراد الذين صادفتهم بحياتي وقد لا ينطبق هذا التصنيف إلا على فئة قليلة صادفتها أنا, ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم هذا التصنيف على الجميع, فهناك لاديني علمي ويحترم معتقدات الآخرين ولاديني فلسفي وصريح في عرض أفكاره...إلخ

الجانب النفسي:
لربما لاحظت عزيزي القارئ أن الشخص الأكبر سنا يركز على الدين بشكل أكبر مقارنة مع الشاب الأصغر سنا, بل قد يميل عدد من الشباب الملحدين المتشددين للروحانيات بعد تقدمهم بالسن, فهل هذا صحيح؟
تشير احدى الدراسات التي أجرت استقصاء لما يفوق 700 ألف شخص على مدى ثلاثين عاما في 80 دولة مختلفة ولمختلف الشرائح المجتمعية, أن الإنسان يميل لأن يكون أقل روحانية وتمسكا بالدين بسنوات شبابه في حين يركزعلى الدين بعد تقدمه بالسن, وقد رصد هذا الاختلاف في المجتمعات الغربية بشكل أكبر حيث تعج الكنائس بالآحاد بالمتقدمين بالسن وقد كان يفسّر الأمر على أن هؤلاء العجزة ترعرعوا منذ البداية في فترة زمنية كان الدين فيها مايزال ذا شأن, فظلوا محافظين على التزاماتهم الدينية, إلا أن الدراسة بينت أن البعض فعلا يصير أكثر روحانية بتقدمه بالسن ويفسّر العلماء السبب على أنه تمهيد للنفس البشرية على العبور من الحياة إلى الموت بسلام, حيث يصير أمله أكبر في عيش حياة أخرى بعد الممات.

ولتفسير هذه الروحانية علميا, اعتبر العلماء على مر السنوات وجود منطقة بالدماغ البشري مسؤولة عن الجانب الروحاني وقد أطلق على هذه المنطقة "God Spot" حيث انكبت الأبحاث حول محاولة تحديد هذه المنطقة بدقة بالدماغ, إلا أن أبحاثا أخرى اقترحت عدم وجود نقطة محددة مسؤولة على الجانب الروحاني بل أن الأمر جد معقد ومتداخل تلعب فيه كل فصوص الدماغ دورا, قام جونستون بدراسة حالة 20 شخصا مصابا بالفص الجداري الأيمن من الدماغ تبين أن الجانب الروحاني لديهم قد تنمّى وصاروا أكثر روحانية, وقد فُسّر الأمر على أن الجانب الأيمن من الدماغ مرتبط بالتوجه نحو الذات في حين أن الجانب الأيسر مرتبط بالتوجه نحو الآخرين, وكلما انخفض نشاط الجانب الأيمن كلما صار الشخص أقل تركيزا نحو ذاته وبالتالي روحانيا, كما حدث بالمصابين الذين ازدادت روحانيتهم...وقد قال جونستون المشرف على الدراسة "وبما أن أبحاثنا تبين أن الأشخاص الذين يعانون من قصور بالفص الجداري الأيمن هم أكثر روحانية، فهذا يشير إذن إلى أن التجارب الروحية ترتبط بانخفاض التركيز على الذات, وهذا يتفق مع العديد من النصوص الدينية التي تنصح الناس على أن يركزوا أكثر على رفاه الآخرين وليس على أنفسهم".

إذن بشكل عام سواء وُجدت منطقة God spot أم لم توجد, فإننا كبشر نُعدّ كائنات روحانية بالفطرة, يرتبط الجانب الروحاني لدينا ارتباطا وثيقا بالصحة النفسية, لذا ينصح البعض الملحدين بممارسة اليوغا لخلق التوازن, بل إنك ترى انصراف عدد كبير منهم نحو فلسفات الشرق الأدنى, أو الارتباط بالأرض كما جاء بدراسة جونستون, أو نحو الصوفية بالعالم الاسلامي, للحاجة لملئ فراغ وهوة بالنفس.