يجب على الفقير والمعاق عدم الإنجاب

3
الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هو امتعاض أحد أصدقائي من إنجاب رجل فقير لطفل, صراحة لا أعرف لما ومتى وكيف صرنا أصدقاء, أظن أنني كنت قد تعاطيت نوعا قويا من المخدرات أول مرة قابلته فيها, من يدري!

كل الكائنات الحية تصارع من أجل بقائها وتكاثرها, غريزة التكاثر من الغرائز الجد قوية, وهي لدى الحيوانات تترجم في الرغبة الجنسية المؤدية للتزاوج ومن تم التكاثر, فالحيوان لا يفكر ويخطط للإنجاب قبليا بل يخضع لسلسلة آليات بيولوجية محضة...
بالنسبة للبشر فالأمر أكثر تعقيدا إذ لا يقتصر فقط على تفريغ الرغبات الجنسية المؤدية لسلسلة بيولوجية تنتهي بالإنجاب بل تتعداها لإدراك عقلي لحقيقة أنه يجب أن يكون لنا نسل, يرافق هذا الإدراك مشاعر وأحاسيس, فلأغلب البشر رغبات مسبقة بالإنجاب, حتى لدى من يعاني من غياب الرغبة الجنسية.

ما أود قوله باختصار من هذه المقدمة المملة وبالعربي الفصيح أن التكاثر غريزة وفطرة وسنة من سنن الحياة حتى الحيوان يمارسها.
إلا أننا ابتلينا بفئة نصبت نفسها آلهة على المجتمع, تملي على بقية البشر من خلق الله قراراتها المقدسة في من يجب أن يستمر نسله ومن يجب أن ينقطع.
لسان حالهم هو لسان حال أحد الشخصيات السلطوية الفاشلة بالهند الذي قام بالسبعينات بتدبير حيواني من قبيل جر أزيد من ستة ملايين رجل فقير لعمليات تعقيم قسرية في ظرف عام واحد فقط أدت لوفاة المئات منهم, تماما كما يتم تعقيم قطط وكلاب الشارع.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن سكان الوطن العربي المتطور جدا يعاني عدد كبير منهم من وباء الشخصية السلطوية البابوية كما هو حال صديقي, فبدل البحث عن حلول لمشاكل الناس أو على الأقل التعاطف معهم وتفهم وضعهم يفضلون إملاء أوامر عليا عليهم ولعنهم وآباءهم على ما هم فيه, مع العلم أنهم هم ذات أنفسهم ماكانوا ليطبقوا تلك الأوامر لو وضعوا مكانهم.
فسبحان من خلقهم!

هل إنجاب الفقير لطفل أنانية؟
لا يمكننا أن نحكم على الناس من خلال نمط عيشنا نحن ونتخذه معيارا للآخرين, لأننا سنجد دائما من هو أغنى منا ومن هو أفقر منا, ومتطلبات الحياة بالنسبة لنا ليست هي متطلبات الحياة بالنسبة لمن هم أغنى منا ولا بالنسبة لمن هم أفقر منا, وكلنا في آخر المطاف نعيش صعوبات وتحديات سواء مادية, صحية, نفسية, اجتماعية... هذه هي الحياة طبعا! لا يمكن أن نطلب من فرد ما التوقف عن عيش أبسط حقوقه واعتزالها لأنه مريض أو ليس في نفس مستوانا المعيشي...
ولو عدنا قليلا للخلف سنجد أن أجدادنا عاشوا حياة صعبة وفقرا مدقعا وأبسط الأمراض بعصرنا الحالي كانت تقضي عليهم, وقد كانت الجدات في الماضي ينجبن إلى غاية ثلاثة عشر طفلا يتوفى أغلبهم رضيعا, ولولى إنجابهن لهذا الكم الهائل لانقرضت البشرية.

عدد كبير من الفقراء لا يستطيع توفير ثمن الحفاظات لأطفاله مما يثير حنق الشخصيات السلطوية التي منّ عليها الله من فضله, فيلومون هذا الفقير على زواجه, مع العلم أن الحفاظات لم يكن لها وجود بالماضي وكان آباؤنا وأجدادنا يرتدون الخرق وهم رضع.
كما أن الحفاظات أنواع عدة وقد يجد الشخص السلطوي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة شخصا سلطويا آخر أغنى منه يلومه على زواجه لأنه يستخدم حفاظات أقل جودة.
وبهذا المنطق فإن على البشرية إخصاء شعوب بأكملها لأنها تعيش فقرا لا نعيشه نحن ولا تستخدم الحفاظات مطلقا ولا تشتري حليب الأطفال من الصيدليات, فحسب البنك الدولي فإن عُشر سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر.
سأطلب من صديقي أن يبعث للبنك الدولي اقتراحه بإخصاء هؤلاء الفقراء للقضاء على الفقر ولكي نعيش في سلام من دون فقراء.
وإن بدا لك الاقتراح مثيرا للسخرية فعليك أن تعلم عزيزي القارئ أن أحد السياسيين الكنديين صرح أن البنك الدولي هو من قدم توصية للهند بالسبعينات بإجراء عمليات تعقيم قسرية على الرجال الفقراء للحد من الانفجار السكاني.
ايه والله!

شخصيا أرى من المتقبل أن ينصح الأهل والأصدقاء العاطل عن العمل مثلا بالتريث قبل الزواج, لأنها نصائح نابعة عن حب ورغبة في أن يحيى قريبهم أو صديقهم أفضل حياة, ولكن لا يجب أن تكون الفكرة مبدأ تابثا معمما بمعنى أن يضع المرء فكرة تابثة مفادها أن على الفقير عدم الزواج.
وليس بالمسألة أي تناقض, وكمثال فقد ينصح الأبوان ابنهما بعدم الزواج من مضيفة طيران لأن حياتها غير مستقرة, ولكن ليس لهاذين الأبوين أي اعتراض على زواج بقية الخلق من مضيفات الطيران, لأن ما يرغبانه هو عيش ابنهم حياة أفضل من منظورهما وهذا أمر طبيعي تماما.
من يجب أن نلوم؟
في واقع الأمر فإنه ليس من الضروري أن نلوم وننتقد طول الوقت يمكننا أن نمضي قدما دون إبداء آرائنا بشأن حياة الآخرين دون أن تتوقف الحياة... لكن بالنسبة لمن يهوى ممارسة رياضة لوم الآخرين على اختياراتهم الحياتية وعيش أبسط حقوقهم بدل الاهتمام بحياته هو, فإن الحل موجود وهو لوم 1% من سكان العالم الذين تتركز بيدهم ثلثي ثروة الكرة الأرضية, في حين الثلث الباقي الذي يقل كل عام نقتسمه التسعة والتسعون بالمائة جميعا وبإجحاف.
يمكن أيضا لوم الدول الفاشلة التي لا توفر لمواطنيها الحد الأدنى من ضروريات العيش, والتي تؤدي ببعض المواطنين للهجرة الجماعية  كما حدث مؤخرا بأمريكا الوسطى. (أنت تعلم مسبقا عزيزي القارئ لماذا أعطي أمثلة لدول غير عربية)
من الغريب كيف أن المريض لما يسافر طلبا للعلاج فإن الطبيب لا يلوم أباه وأمه على إنجابه ببلد لا يتوفر على علاج لمرضه.

لماذا ينجب الفقراء عددا كبيرا من الأطفال مقارنة بالأغنياء؟
في واقع الأمر فإن المسألة ليست مرتبطة بالفقر بشكل مباشر بل بالجهل ونقص الوعي, ولأن الجهل والفقر مترابطان فإنه يظهر للناس أن الفقراء ينجبون عددا كبيرا من الأطفال فيبدؤون بلومهم على صنيعهم.الفقر يؤدي للجهل لأنه وبشكل عام الفقير لا يحظى بفرص تعليم كغيره, بسبب تكاليف المعيشة والدراسة, مما يدفع الأطفال لترك المدرسة للعمل أو بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي يعيشونه وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة المدرسية.
الجهل يؤدي للفقر لأن الإنسان غير المتعلم لا يحظى بفرص عديدة لتحقيق عيش كريم, أغلب الأبواب موصدة بوجهه ولا يكون أمامه خيارات عديدة لجني المال والعلم الكافي لخوض غمار الحياة العصرية المعقدة.

وبالتالي فنحن نرى إنجاب عدد كبير من الأطفال بأوساط الفقراء غير المتعلمين, فالمرأة الفقيرة الواعية المثقفة لن تنجب عددا كبيرا من الأطفال, في حين سيصعب عليك إقناع امرأة غير متعلمة باستخدام حبوب منع الحمل بشكل مواضب والتخطيط لأي حمل مستقبلي, وتوفير الموارد له.
أنت لو جلست مع امرأة غير متعلمة أو بتعليم بسيط وبدأت بإقناعها بأهمية الحبوب فإنها ستقتنع وستقدم لها الحبوب مجانا وستتناولها من بين يدك وتتناول حبة أمامك, ثم تنصرف ولا تداوم عليها مطلقا بسبب "نقص الوعي" لأن الأشخاص بهذه الوضعية يكون أسلوب تفكيرهم بسيطا, محدودا ولا يميل للتخطيط.

تشير تقارير وإحصاءات صادرة عن منظمات دولية أن تعليم المرأة من عدمه هو العامل الأول للخصوبة عند البشر, حيث أنه كلما ارتفع تعليم المرأة والشهادات المحصل عليها كلما قل عدد الأطفال الذين تنجبهم, لذا يوصي البنك الدولي الدول النامية التي تعاني من انفجار ديموغرافي بتسهيل تدريس الفتيات, وتخصيص برامج خاصة بهن للحد من النمو الديموغرافي.
على الأقل لم يعد البنك الدولي يوصي اليوم الحكومات بإخصاء مواطنيها ولله الحمد.

 فقير
كثيرا ما نرى امرأة تعاني رفقة زوج عاطل عن العمل ومع ذلك بسبعة أطفال وحامل أيضا. فتتساءل بقية النسوة السلطويات عن غباء هذه المرأة وعن سبب إغراق البلاد والعباد بالأطفال وهي تعيش هذه الوضعية الصعبة.
السر إذن يكمن في أنها حرمت من نيل فرصة تعليم مناسبة ترفع وعيها.
يصعب على بعض المتعلمين والمتعلمات "بتوع مدارس" استيعاب المشاكل التي يسببها نقص التعليم والوعي, فيعتقدون بسذاجة أن المشكل سيحل فقط ببعض الحملات التوعوية الموسمية حول حبوب منع الحمل, كما هو صاحب هذا الكاريكاتير بالأعلى -مع احتراماتي له-, الذي يحاول إيصال رسالة بها شيء من الاستعلاء, لأن المرأة الفقيرة بهذه الوضعية المزرية لن تحل حبة منع الحمل مشاكلها لأنها مجرد هرمونات وليست حبة بركة وثراء ووعي وذكاء, كما أنها وهذا هو الأهم لن تستوعب كاريكاتيره هذا إن كان لديها انترنت وجهاز ذكي تجيد استخدامه أصلا, أي أن رسالته الضائعة لن تصل للفئة المستهدفة للأسف أو لحسن الحظ بالأحرى.

لو جالست عزيزي القارئ هذه الفئة من الناس وتبادلت معها أطراف الحديث في مواضيع مختلفة ستدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه يستحيل لومها على ما هي عليه للنقص الفادح في مستوى الوعي.

تفسير بيولوجي لإنجاب الفقراء لعدد كبير من الأطفال.
في محاولة لصياغة توليفة بين البيولوجيا وعلم الاجتماع في ما يسمى علم الاجتماع الحيوي, قام مجموعة من العلماء التطوريين بإسقاط نظريات تفسير سلوك الإنجاب الحيواني على سلوك البشر.
حيث يرى عالم الأحياء الأمريكي "إدوارد أوسبورن ويلسون" أن هناك نوعين من الانتقاء الجيني.
الاستراتيجية R: ترمز لسلوك الكائنات التي تتهددها العديد من الأخطار كالثديات الصغيرة والحشرات فلكي لا تنقرض تلد أعدادا كبيرة من الصغار تنمو بوتيرة سريعة وتستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية قليلة من الموارد.
الاستراتيجية K: ترمز لسلوك الكائنات التي لا تتهددها المخاطر كالكائنات الضخمة من فيلة وحيتان حيث تلد عددا قليلا من الصغار تنمو بوتيرة بطيئة ولا تستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية كبيرة من الموارد في حياتها.

إذن قام بعض علماء النفس والاجتماع بإسقاط هاتين الاستراتيجيتين على السلوك البشري, فقاموا بتقسيم المجتمعات لقسمين تماما كما لدى الحيوان.
المجتمع الفقير: يسلك الاستراتيجية R لأنه يعاني بحياته من مشاكل عدة قد تؤدي به للموت المبكر من مرض وسوء تغذية وحروب أو كوارث طبيعية كانت سببا لفقره فيلد الفرد عددا كبيرا من الصغار يستقلون عن آبائهم مبكرا فيتزوجون مبكرا ويعملون مبكرا ويستهلكون كمية قليلة من الموارد. (تكاثر سريع)

المجتمع الغني: يسلك الاستراتيجية K لأنه يعيش الرفاه تدفعه لإنجاب عدد قليل من الصغار يستهلك لتنشئتهم موارد عديدة, لا يستقلون عن آبائهم مبكرا ولا يتزوجون مبكرا (تكاثر بطيء)

أي حسب هذا التفسير فإن التجمعات البشرية تلجأ للاستراتيجية R للتكاثر السريع لكي لا ينقرض مجتمعها إذا كانت تعيش ظروفا صعبة ترفع من نسب الوفايات كالفقر, في حين تلجأ للاستراتيجية K في حالة الرفاه بالتكاثر البطيء لأنها لو تكاثرت بنفس الوتيرة السريعة وهي تعيش البدخ ونسبة الوفايات ضعيفة سيؤدي هذا للانفجار الديموغرافي.
وكل هذا بلاوعي منه, كما تتكاثر التجمعات الحيوانية بلا وعي منها, (يمكنك تسميتها حكمة إلهية إن شئت)
بالتأكيد تعرضت هذه النظريات لانتقادات لاذعة للثغرات التي تحملها ولتفسيرها الذي يراه منتقدوها سطحيا وبسيطا, فالمسألة أشد تعقيدا, ولن أضيع وقتك عزيزي القارئ أكثر في عرض الانتقادات لربما قد تكون واضحة بالنسبة لك.
على أي لقد طرحت النظرية لإعمال العقل حول هذا الموضوع ولتبيان تعقيده ومدى قدرتنا على مناقشته على أكثر من مستوى.

زوجوه ليعقل:
جملة تتردد في أرجاء الوطن العربي, خصوصا لمن يعاني اضطرابات نفسية.
الموضوع هنا مختلف قليلا لأنه يمس الشخص بشكل مباشر في سلوكه اتجاه أسرته المستقبلية, لا يمكن تزويج حاملي الاضطرابات النفسية الذهانية الشديدة, لا أحد سيقبل على أي حال الزواج من شخص متخلف عقليا أو ذهاني, كما أنه مس بحقوقهم لأنهم فاقدون للإدراك وعاجزين عن اتخاذ القرارات, فكيف يمكن تزويج شخص لا يعي ويستوعب ما يجري ويدور حوله؟

أغلب الاضطرابات النفسية وراثية خصوصا الخطيرة منها كالفصام وثنائي القطب, أي أنه يمكن للمريض أن يورث الجينة الممرضة لأبنائه كاحتمال غير حتمي.
شخصيا أحمل اضطرابا وراثيا وقد اتخذت قرارا بعدم الانجاب مطلقا, وهذا لا يجعلني بطلا لأنه لا رغبة لدي في الأطفال أصلا.
وبالتالي لا يمكنني أن أحكم على الآخرين بأنهم أنانيين فقط لأنه لا رغبة لدي, غيري لديه رغبة ملحة يمكنني تفهمها والتعاطف مع حاملها.

ماذا عن المعاقين؟
لكي لا أكرر كلامي السابق فإن ما ينطبق على الفقير ينطبق على من يعاني من إعاقة جسدية, إلا أن لبعض الشخصيات السلطوية رأيا آخر, ففي القرن الماضي كانت تعمد دول كأمريكا وسويسرا وألمانيا والسويد و اليابان وغيرها من الدول "المتطورة جدا" على تعقيم ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى النفسيين ومن يعاني من أمراض وراثية بل حتى الأطفال بالميتم بداعي "تحسين النسل البشري" كما يتم تحسين نسل الغنم والبقر.
ظلت اليابان تمارس التعقيم القسري إلى غاية 1996.

كدول وحكومات يمكنني تفهم الإجراءات البقرية لأن الحكومات تنظر للمواطنين نظرة قطيع يحتاج للتحسين من أجل بلد أكثر تطورا.
ولكن الذي لا يمكنني تفهمه هم الأفراد الذين يحملون مثل هذه الأفكار فيصمون المعاق الذي يتزوج وينجب بالأنانية وكأنه ليس بشرا, فيقررون أنه يجب أن يولد الإنسان كاملا مكتملا وإلا فلا داعي لأن يولد.
المسألة فلسفية أخلاقية يطول فيها الحديث كثيرا, ولكن باختصار فإننا جميعا بشر في آخر المطاف نحمل نقائص عديدة تعوق حياتنا إن لم تكن جسدية فقد تكون نقائص من نوع آخر, وقد يحيى المنقوص جسديا حياة أفضل من عدد كبير جدا ممن هو مكتمل بدنيا, وبالتالي فإن الحكم بشقاء ورفاه فرد من الأفراد قبل أن يولد لأنه لا يملك يدا أو رجلا أو لا يرى أو يسمع إنما هو اختصاص إلهي على ما أعتقد.
إن أردنا التدخل السافر ولعب دور الإله فإننا لن نبقي من البشر أحدا إلا نحن حتى وإن كنا نحمل عيوب الدنيا والدين قاطبة.

العنف الجسدي المنزلي

9
عدت إليكم من جديد وهذه المرة بموضوع عنيف.
يستخدم لفظ العنف عادة للإشارة إلى نوع من السلوك المرتبط بالاعتداء الجسدي, إلا أنه مع تطور القيم الإنسانية توسع مفهوم العنف وصارت اللفظة تشير لسلوكات وظواهر عدة تصب كلها في إطار أذية الغير حتى وإن لم تكن جسدية.
سأتحدث في تدوينات مستقلة عن مختلف أنواع العنف والسلوك العدواني, لأنني أطيل من الكلام الفارغ كثيرا ولأنني أحب العنف.

لنركز اليوم على العنف الجسدي المنزلي فهو آفة تقض مضجع وتماسك المجتمعات, حيث يعاني عدد كبير من البشر حول العالم من العنف الأسري في صمت مطبق لعدة اعتبارات ثقافية واجتماعية, إذ يصعب للضحية التخلص من العنف الممارس عليها للرابط الاجتماعي والمادي الذي يربطها بمعنفها.

من يعنف من؟
نحن نعيش في مجتمع بسلم تراتبي, حيث يتربع قمة السلم الأقوياء اجتماعيا واقتصاديا وجسديا وذهنيا وفي القاعدة الضعفاء الذين يمارس عليهم العنف.
بمعنى أن الأقوى جسديا سيعنف الأضعف جسديا كقاعدة بديهية, وبالإضافة للقوة الجسدية هناك عدة اعتبارات أخرى كالمكانة الاجتماعية التي تسمح لفئة من الناس بتعنيف فئة أخرى بغض النظر عن القوة الجسدية, حيث يتقبل المجتمع مبدئيا أن تقوم بعض الشرائح ممارسة العنف على شرائح أخرى تربطها علاقات اجتماعية ما.
أيضا يمكن للضحية أن تتعرض للعنف الجسدي وتلتزم الصمت بسبب القوة الاقتصادية المالية بيد المعنف, حيث يكون المعيل الوحيد للضحية فتصبر على التعنيف كي لا تتعرض للفقر والتشرد.
كذلك القدرات العقلية التي تسمح للأصحاء بتعنيف أصحاب الإعاقات الذهنية والاضطرابات النفسية الذهانية أو كبار السن الذين بدأت قدراتهم العقلية بالتدهور.

كلما كان المجتمع متخلفا وبدائيا كلما كانت التراتبية صارمة والهوة بين شرائح المجتمع واسعة, وكلما كان متقدما تقلصت الهوة وأعطيت الأولوية للشرائح الأضعف.
 نجد مثلا ببعض الأوساط الفقيرة المضطربة يتساوى لدى الناس المريض العقلي بالحيوان, فيعامل معاملة هذا الأخير.

العوامل المؤدية للعنف الجسدي:
1- قلة الوعي وضعف التعليم: يلجأ أصحاب التعليم المتواضع والوعي المنخفض لحل مشاكلهم عن طريق العنف الجسدي أكثر من غيرهم, لأنهم يفتقرون لوسائل التواصل والنجاعة في التعامل مع الآخر, حيث يضرب الآباء أبناءهم بعنف كروتين يومي قصد التربية, ورغم أنه سلوك تعده مجتمعات جريمة يدخل على إثرها الأبوان السجن كما هو الحال بالقارة العجوز, إلا أنه في مجتمعاتنا النامية سلوك متقبل نسبيا من طرف أفراد المجتمع, والقوانين العربية تعاقب الآباء فقط في حال دخول الطفل المستشفى بين الحياة والموت جراء التأديب - التعذيب لا أدري...
على أي, لا يقع كل اللوم على عاتق الآباء بل على دولهم التي لا توفر تعليما مناسبا وبرامج تدريبية عن كيفية التعامل مع الأطفال وتربيتهم, فيرى بعض الآباء أن من الاستحالة تربية الأطفال بدون ضرب, ويبررون ذلك بكونهم هم أنفسهم تربوا عن طريق الضرب بالبيت والمدرسة والشارع, وهذا صحيح تماما, فالضرب هو أسلوب بدائي في التربية مارسته البشرية منذ الأزل, ولتغيير معتقداتهم أنت بحاجة لمدهم بالبديل الناجع, إذ أنهم يفتقرون لمهارات التعامل مع الأطفال وفهم نفسياتهم ودوافع سلوكاتهم, لذا إذا كانت الدول لا توفر تعليما وتكوينا لأفراد المجتمع عن كيفية التعامل مع الوضع فلا يجب أن نلوم الآباء على لجوئهم لطرق بدائية تمارسها البشرية منذ قديم الزمان, هذا يشبه لوم شخص يتداوى بالأعشاب في حين لم توفر له الدولة مستشفى وأدوية, أو لوم فلاح يحرث الأرض بمحراث يجره ثور.
 بمعنى آخر.. لا أحد يستمتع بضرب أبنائه إلا إن كان يعاني خللا, لذا التفلسف النظري من خلف الشاشات لا يغير الواقع على ما بلغني هذا والله أعلم.
ولا تفهم من كلامي عزيزي القارئ أنه تشجيع على ضرب الأطفال بل هو تفسير لحال المجتمع
2- التعرض للعنف بالصغر: وعودة لعبارة "هكذا ربانا آباؤنا الأولون" فإن من عوامل لجوء الشخص للعنف هو تعرضه هو ذاته للعنف, فالإنسان الذي تعرض للإساءة بالصغر يميل أكثر من غيره للعدوانية وممارسة العنف هو الآخر بالكبر, لأن هذا ما تعلمه كأسلوب في التواصل وقضاء الحاجات.
فالأطفال أبناء بيئتهم يتعلمون السلوك من الآباء والمحيطين بهم ويكتسبون المعارف ويكونون المعتقدات من هذا المحيط.
إذ أن مختلف الدراسات رصدت أن الطفل الذي يرى أباه يضرب أمه احتمال أن يعنف زوجته المستقبلية يزيد, والطفل الذي يتعرض للتعنيف احتمال أن يعنف أبناءه المستقبليين يزيد.
وبالمقابل فإن الطفل الذي يشهد العنف أو يمارس عليه العنف يتقبل مستقبلا أن يمارس عليه العنف, فالطفلة التي ترى أمها تعنف تتقبل أكثر من غيرها تعنيف زوجها المستقبلي لها, والطفل الذي ينشأ ببيت تحكمه أم متسلطة عنيفة يتقبل بالمستقبل أكثر من غيره زوجة مستقبلية عنيفة ومتسلطة...وهكذا.

اقرأ عن تعلم اليأس

3- أعراف اجتماعية:  تعد مكانة المرأة الاجتماعية بشكل عام أقل من مكانة الرجل بالأوساط النامية, فيضرب الزوج زوجته لتقاعسها في تحضير الشاي, أو حتى دون سبب مطلقا نتيجة بعض المعتقدات التي توصي الزوج بضرب زوجته من حين لآخر تعبيرا عن الحب إذ يقول المثل الروسي القديم "إذا ضربك زوجك فهذا يعني أنه يحبك" أو من أجل فرض الهيمنة والاحترام أو من أجل تأديب الزوجة, وقد تتقبل الزوجة الأمر بطيب خاطر وتوصي ابنها بتغطية جسد زوجته بالكدمات هي الأخرى كما فعل بها والده, وهذه المعتقدات منتشرة في بعض الأوساط العربية بالتأكيد, ولا يتدخل القانون في هذه الحالات لأن لا أحد بكى أو شكى, اللهم إلا إن توفيت الزوجة على يد زوجها حينها لن يشرح الزوج للقاضي أن المرحومة كانت راضية لأن هذا لن ينفع في الذوذ عنه.

يقوم بعض الرجال الذين يمارسون العنف ضد زوجاتهم بتبرير ذلك بأنهم يأتمرون بما ذكر بالقرآن الكريم, فحتى لو كان الرجل لا يصلي ولا يصوم إلا أنه قد يبرر تكسير عظام زوجته ب "واضربوهن" وقد يكتب هذه الكلمة مرصعة بالأحجار الكريمة ويعلقها ببهو المنزل للزينة, أما "واهجروهن في المضاجع" فلا يحفظها على ما أعتقد.
في واقع الأمر ليس للآية الكريمة أي علاقة بارتفاع أو انخفاض نسبة العنف, بل يتخذها البعض مبررا لسلوكهم العدواني وكآلية دفاع نفسي, مما يوحي لنا أن سبب العنف هو تطبيق مغلوط للآية, فنسب تعنيف الزوجات لا تختلف في البلدان العربية عن أي دولة غير إسلامية نامية, بل تفوق بعض الدول غير الإسلامية في نسبة تعنيف الزوجات, ففي تقرير لعام 2006 صادر عن الهند حول العنف المنزلي ضد المرأة شمل إحصائيات مختلف الطوائف الدينية بالهند تبين أن أعلى نسبة نساء معنفات كانت بين الطائفة البوذية بنسبة 41 بالمائة تليها المسلمين والهندوس بحوالي 34 و33 بالمائة, رغم أن أصل تعاليم بوذا هو نبذ العنف إلا أن البوذيين بالهند يعانون العنف المنزلي أكثر من غيرهم من الطوائف كمفارقة عجيبة, لأن البشر يقومون بتوظيف الأديان حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وسنتحدث عن هذا في موضوع آخر بإذن الله...باختصار كلما عم الجهل كلما انتشر الفقر والعنف بمختلف أشكاله وتلاوينه.

عزيزي القارئ دعني أخبرك أنه قد تغير الزمن واقتحمت المرأة مجال العنف أيضا كما هو اقتحامها لبقية المجالات وصارت الزوجات يضربن أزواجهن في العديد من بقاع البلدان العربية, احدى الدول العربية نشرت إحصائية خرافية عن كون نسبة مرعبة من النساء يضربن أزواجهن وهذا واقع قد يراه البعض طريفا أومثيرا للسخرية, مما يجعله غالبا في طي الكتمان لحساسيته بالنسبة للرجل المعنف, فبعض الرجال بسبب ضعف شخصياتهم واضطرابها أو سلميتهم السلبية أو غيرها من الأسباب قد يتعرضون للتعنيف من طرف زوجاتهم الأمازونيات, بالعادة الرجل لا يعاني الكدمات أو الجروح من تعنيف زوجته, بل يعاني آلاما نفسية تفوق أحيانا الآلام النفسية التي قد تعانيها المرأة المعنفة بسبب زعزعة هويته وكيانه كرجل بمجتمع يعلي مكانة الرجل, كما أن شكواه قد تعرضه للسخرية واللوم, عكس المرأة التي تشكي وتبكي طول الوقت دون أن تثير سخرية أحد, وسيردد المجتمع عبارات من قبيل "يستحق! ليس رجلا! ضعيف شخصية! عار على الرجال..." وغيرها من العبارات رغم أن ضعف الشخصية والسلبية في التعامل ليستا جرما يستحق عليه الإنسان الإهانة والتعنيف.

اقرأ عن  ثقافة لوم الضحية

على كل حال تبقى نسبة الرجال المعنفين ضعيفة مقارنة بالنساء المعنفات.

4- سلوكات الضحية: أحيانا يكون العنف نتيجة سلوك الضحية المثير لنوبات الغضب, فنرى بعض الأمهات لا يضربن إلا ابنا واحدا بسبب تصرفاته, أو رجلا كان يضرب زوجته الأولى التي طلقها بسبب نكدها المستمر ولا يضرب زوجته الثانية.
كما أن المرأة التي تعنف زوجها قد يكون نتيجة عطالته ونومه بالبيت طول اليوم.
ولا يجب عزيزي القارئ أن تفهم من كلامي أنه تبرير للعنف بل هو مجرد تفسير للأسباب كما هي بالمجتمع, فلا يجب أن نردد عبارات "يستحق" أو "تستحق" لأن العنف ليس حلا لأي مشكل, ولا يستحق أي إنسان أن يمارس عليه العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس.

5- الضعف الاقتصادي: تتقبل الضحية أحيانا العنف الممارس ضدها نتيجة القوة الاقتصادية بيد المعنف, فأغلب النساء اللائي يتعرضن للتعنيف باستمرار لا يحبذن الطلاق لأنه سيعرضهن للضياع والفقر برفقة أطفالهن خصوصا إن كن ربات بيوت فقط.
لذا تكون للمرأة ذات المدخول المادي المستقل عن زوجها خيارات أوسع مقارنة بالمرأة التي لا معيل لها غير زوجها.
بجل الدول العربية الحل غالبا يكون في خروج المرأة للعمل الشاق بعد الطلاق, أما بالدول المتقدمة يتم تخصيص مدخول قار للعاطلين والنساء الحاضنات بالإضافة لمدخول للأطفال والقاصرين يدفع للآباء يكفيهم للعيش بكرامة على الأقل حتى دون توفر وظيفة.
في حين بالبلدان الفقيرة والنامية لا خيار للمرأة المعنفة إلا الخروج للعمل الشاق بمداخل زهيدة ومن تم الطلاق, وإن تعذر عليها ذلك فهي تبقى صابرة مخافة التشرد.
الأمر ذاته بالنسبة لكبار السن, لأنه بمجتمعاتنا العربية يعيش أغلب كبار السن تحت رعاية الأبناء الذكور ولا يتوفر عدد كبير من هؤلاء المسنين على مدخول مادي مطلقا أو على مدخول (معاش التقاعد) لا يكفي حاجياتهم ومتطلبات فترتهم العمرية من أدوية وتحاليل مكلفة وغيرها من الحاجيات. فلا يكون لديهم أي بديل إذا ما تعرضوا للتعنيف من طرف أبنائهم أو زوجات أبنائهم...ومجددا توفر الدول التي تحترم نفسها مدخولا لكبار السن وأنظمة رعاية صحية ونحوه...

6- الاضطرابات النفسية: من بين أهم الأسباب التي تقود للعنف هو تعاطي المخدرات والكحوليات التي تطمس العقل وتغير السلوك, وبالإضافة للمواد المخدرة يتميز حاملوا بعض الاضطرابات النفسية بالعنف وضعف التعاطف, كالشخصية السيكوباثية والشخصية الشكاكة والحدية والنرجسية وأصحاب نوبات الغضب الجامح وبعض الاضطرابات الذهانية التي تؤدي للغيرة المرضية وغيرها...

وبالمقابل يعاني حاملوا بعض الاضطرابات النفسية والإعاقات الذهنية من ممارسة العنف عليهم من طرف أفراد أسرهم الذين يشعرون بالعجز في كبح جماحهم وسلوكاتهم اللامعقولة, فيتعرض المرضى للضرب والتكبيل والتجويع وغيرها من الممارسات العنيفة.

أهمية القوانين والأنظمة في كبح العنف:
بدون أنظمة وقوانين فإننا كحيوانات ناطقة سيأكل القوي فينا الضعيف, القوانين وجدت أصلا لحماية الضعفاء وهي تعمل على التخفيف من التراتبية الصارمة بالمجتمع, وكلما كان المجتمع متطورا كلما خفت قوة هذه التراتبية.

بالمجتمعات الغربية مثلا قاموا عن طريق سن القوانين بقلب السلم التراتبي, فالاهتمام الأكبر ينصب أولا على الحيوان, الطفل, ذوي الاحتياجات الخاصة, كبار السن, المرأة ثم الرجل في آخر المطاف.
حيث تعطي تلك المجتمعات اهتماما أكبر وأولوية للفئات الأضعف فالأقل ضعفا...
فلو قام رجل ببعض دول أوربا الغربية بالتبليغ عن ضرب زوجته له فإنه قد يتعرض هو للإيقاف والتحقيق ظلما وجورا بسبب شكوك كون الزوجة قد لجأت للضرب دفاعا عن نفسها, حيث ينظر للمرأة على أنها ضحية أغلب الأوقات وتُعطى لها الأولوية الحمائية, وتعطى الأولوية للطفل قبل المرأة, فتعتقل الأم إذا بلغ عنها طفلها المدلل أنها ضربته.
وهذا ينطبق على بقية الشرائح الاجتماعية الضعيفة, و قريبا ستتحول حياة الحيوان بأوربا أهم من حياة الإنسان أو ربما قد صارت كذلك وأنا لا أدري.

على أي نجحت هذه القوانين من تقليص العنف الجسدي الممارس بالبيوت, لكنها لم تتمكن من إيقافه تماما لأن القوانين لا يمكنها التدخل في البيولوجيا والسيكولوجيا, فالرجل لازال أقوى جسديا من المرأة التي لازالت تغتصب وتضرب حتى الموت بأوربا وبغير أوربا, كما أن هذه القوانين الخلابة عملت على تدمير بنية الأسرة ببعض الدول الأوربية لطبيعة نمط الحياة هناك.
تراجعت روسيا مؤخرا عن قانون مهم يخص العنف الممارس على الزوجة أو الحبيبة أو الصديقة سمها ما شئت.
إذ أن القانون بروسيا لم يقلص من العنف الممارس ضد المرأة, بل كل ما فعله هو إدخال عدد كبير من الرجال السجون, فالرجال الروس لا يهابون السجون كما وأن المرأة الروسية تهرع لتبلغ الشرطة عند أول صفعة, فما كان من الروس إلا العودة للجاهلية الأولى وإخراج قانون أطلق عليه "قانون الصفع" ينص على عدم معاقبة أي رجل ضرب شريكة حياته بالسجن حتى وإن دخلت مخفر الشرطة تبكي وتولول بالروسية, حيث تقتصر العقوبة فقط على غرامة مالية إن كانت فعلة الرجل الأولى مادام لم يتسبب بتكسير عظامها والله المستعان.

ما يجب أن تدركه جيدا عزيزي القارئ أنه لا وجود لثنائية الأسود والأبيض بالحياة, بمعنى أنك قد تضع قانونا رائعا يعطي نتائج مبهرة من جهة في حين يكون مدمرا من جهة أخرى, كما ولا يمكن إسقاط تجربة مجتمع على مجتمع آخر بثقافة مغايرة.
فوضع قانون ضد العنف على المرأة بالعالم العربي لن يدخل الرجال السجون كما بروسيا, لأن النساء العربيات لن يقفن طوابير أمام مخفر الشرطة لإدخال أزواجهن السجون عند أول صفعة كما هو حال الروسيات فالمرأة العربية تحكمها قواعد مجتمعية وعادات وتقاليد وإكراهات عديدة, بالإضافة لعدم استعظام الضرب غير المؤذي مقارنة بالمرأة الغربية.
كما أن الرجل العربي لا يتناول الفودكا يوميا فيذهب عقله, ولا يشعر بالغيرة من رؤية خليلته ترقص مع خليله رقصا خليعا بالخمارات لأن هذا النمط من الحياة لا نعيشه بالمجتمعات العربية.

إغماءات جماعية أو الهستيريا الجماعية

7
ظاهرة أخرى مرتبطة بقوة في الأذهان بالسحر والمس والجن ألا وهي الهستيريا الجماعية...الحالة الجنونية التي يدخلها عدد كبير من الأشخاص في وقت واحد والذين يعيشون ظروفا موحدة في وسط بيئي مشترك, لتشمل الحالة الصراخ والعويل والبكاء والإغماءات وأحيانا تشنجات وحركات بهلوانية وإصدار أصوات غريبة مثيرة للرعب في نفوس المحيطين بالمصابين.
أشرت في العنوان للإغماءات الجماعية تحديدا لكونها الأكثر شيوعا خصوصا في المدارس. حيث تسجل كل سنة تقريبا حوادث إغماءات وبكاء جماعي متفرقة لطالبات المدارس بعدة دول نامية.
الظاهرة عموما نادرة الحدوث ولكنها عندما تحدث تشكل لغطا وتفسيرات ميتافيزيقية بعيدة عن الواقع.
ما هي الهستيريا؟
مصطلح هستيريا ذو أصل يوناني استخدمه أبو الطب أبقراط وتعني "الرحم" فلكونها مجموعة من الأعراض التي ارتبطت بالإناث فإن أبقراط اعتقد مصدرها الرحم وتشنجاته, توالت لاحقا التفسيرات إلى أن ألف فرويد كتابا حول الاضطراب.
يمكن وصف الهستيريا كحالة عاطفية شديدة وقلق وتوتر غير متحكم به, فتفقد المصابة السيطرة على جسدها لتتمثل هذه الحالة العاطفية على شكل أعراض جسدية (آلام, إغماء, صرع, شلل...)
الصور شهيرة جدا تعود لعام 1878 لفتيات صغيرات في حالة هستيرية, كان يتم معالجتهن في ذلك الوقت بما كان يعرف بالتنويم المغناطيسي...حيث انتشر بين نساء بريطانيا بالعصر الفكتوري حالة من الهستيريا, ويرجح السبب لوعي النساء بكونهن يعشن ظلما وأوضاع مزرية, فترجمن الحالة النفسية لأعراض جسدية...وقد كان يتم علاجهن أيضا بتدليك الرحم ظنا أنه السبب.

لم يعد مصطلح هستيريا مستخدما في عصرنا الحالي في الطب الحديث, وتم تفصيل مختلف الحالات بشكل أكثر دقة فيما صار يعرف الآن باضطرابات الجسدنة...حيث كان يتم فيما مضى التتشخيص الخاطئ لأي اضطراب نفسي يصيب المرأة على أنه "هستيريا" بما في ذلك الفصام وحتى الصرع.
حاليا مصطلح هستيريا يتم استخدامه بشكل عامي للإشارة للحالة العاطفية الشديدة التي يدخلها الإنسان في مختلف المواقف العصيبة, كالصراخ والعويل, والارتماء أرضا, والإغماء إلخ...
فمثلا نقول:  أصيب الأطفال بحالة هستيرية بعد سماع ذوي انفجار...

الهستيريا الجماعية:
هي حالة عاطفية شديدة, تتمثل برعب أو قلق يعم مجموعة من الأشخاص في آن واحد لتنتقل من شخص لآخر على شكل عدوى, فيصدر منهم تصرفات وأعراض من قبيل:
- صراخ وبكاء.
- إغماء.
- حركات غريبة.
- تشنجات وما يشبه الصرع.
- شلل, أو عمى.
وكل هذه الأعراض تكون مؤقتة وبلا أي عارض صحي لتختفي بعد دقائق أو أيام.

كما أشرت في المقدمة فإنها ظاهرة تكثر في المدارس حول العالم, لأنها تضم فئة أكثر هشاشة نفسيا وهي فئة الأطفال والمراهقين, كما أنها لا تصيب عادة إلا الإناث ومن النادر أن تشمل الذكور أيضا, في أمريكا في القرن السابع عشر أصيبت الفتيات المراهقات والطفلات في احدى القرى بأعراض غريبة كالقيام بحركات بهلوانية وسلوكات غريبة وقد انتشرت الظاهرة شيئا فشيئا لتصيب عددا كبيرا من صغيرات القرية, ولم يكن لأهل القرية أي تفسير إلا الأرواح الشريرة, فاتهموا مجموعة من النساء بممارسة السحر على الفتيات ليكون مصيرهن الإعدام...تم إنتاج عدة أفلام هوليودية حول الحادثة التاريخية.
 في المكسيك عام 2006 أصيبت حوالي 600 فتاة تتراوح أعمارهن بين 12 و16 سنة باحدى المدارس الداخلية بأعراض اضطرابات الجسدنة ففقدن القدرة على السير دون أي سبب, وفي ماليزيا أصيب مجموعة من الطلاب بحالة هستيرية فبدؤوا يقلدون النمور ويتشاجرون فيما بينهم كالنمور, ويقومون بحركات بهلوانية أصيبوا على إثرها بجروح بالغة.

الأمر ذاته يحصل بالدول العربية, ويمكنك القراءة عنها في الجرائد الالكترونية: المغرب, الجزائر, مصر, السعودية...

بالتأكيد فإنك بقراءتك لهذه الأخبار بهذه الجرائد العربية ستجد أن التفسيرات المساقة من الصحفيين أو الأهالي هي إما: جن, سحر أو تمثيل إغماء...وذلك بسبب غرابة الموقف.

إذن ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟
في علم الاجتماع تعد الهستيريا الجماعية نمطا من أنماط السلوكات الجماعية والتي تتميز بكونها عفوية ومؤقتة ومتزامنة مع حدث أو ظرف معين...
فلأننا كبشر كائنات اجتماعية فإننا خُلقنا بشكل يجعلنا نتأثر ببعضنا البعض وذلك لنتمكن من البقاء على قيد الحياة, فلو لم تكن لدينا خاصية الكائنات الاجتماعية وكنا كالنمور المرقطة يشق كل فرد طريقه بمفرده, لما قامت لنا حضارة, ولكنا نعيش حاليا حياة العصر الحجري, إذن خاصية "القطيع" هذه لدى البشر آلية مهمة.
إن رأيت شخصا لا تعرفه يضحك فإن هذا سيبعث في نفسك أيضا رغبة بالضحك وقد تبتسم من ضحكه, وإن تثاءب شخص بغرفة الاجتماع فإن الجالسين سيبدؤون بالتثاؤب أيضا الواحد تلو الآخر..."الإيحاء".
الأمر ذاته بالنسبة للقلق والمشاعر السلبية, ولنفترض طفلا وقع أرضا فلو ابتسم الجميع في وجهه فإن الأمر سيهون في نفسه, في حين لو فزع الجميع وصرخوا فإن الطفل سيفزع وسيهول مسألة سقوطه ويبدأ بالبكاء والصراخ أيضا.

الهستيريا الجماعية إذن ما هي إلا استجابة جماعية للقلق الذي يعم المكان, لذا فأغلب هذه الحالات تسجل في القرى بالدول النامية التي تعرف نمط عيش متدني عموما, إذ من النادر تسجيل حالات مشابهة بالدول المتقدمة, لقد كانت مثل هذه الحالات الهستيرية تنتشر بأوروبا في القرون الماضية بشكل كبير جدا.
لو قرأت خبر الهستيريا الجماعية بالمدرسة بالجزائر, فإن الفتيات انتابتهن حالات إغماء بعد تأثرهن بما أصاب زميلتهن التي توفي جدها, في حين أن الطالبات بخبر المغرب انتابتهن حالة هستيرية بعد تلاوة القرآن, وذلك لأن شائعات قديمة كانت تحوم حول أن هناك جنا وشياطين يقطنون بالمدرسة, فالطالبات لصغر سنهن كن يعشن قلقا ورعبا من الموضوع, فما إن بدأت احداهن بالصراخ بعد تلاوة القرآن حتى انتقلت العدوى لبقية الطالبات, الأمر ذاته لطالبات السعودية حيث لما أحضر أولياء الأمور شيخا لتلاوة القرآن على الطالبة المريضة ساءت حالتها أكثر, لأنه بأذهان هؤلاء الفتيات يرتبط القرآن بطرد الجن بشكل لاواع, فيرتعبن عند تلاوة القرآن, وهذا ما يحدث لعدد كبير ممن يرفض سماع القرآن بحجة أن به مسا والشيطان يرفض سماع القرآن.

قد تنتاب الطالبات حالات إغماء بالامتحانات أحيانا بسبب صعوبة الأسئلة, فالطالبة التي تخرج من القاعة لترى الكل يضحك ويسخر من صعوبة الأسئلة قد يبعث هذا بنفسها بعض الارتياح, في حين لو خرجت من القاعة لترى الكل يبكي ويولول ستبكي بدورها...ولهذا يغمى على الطالبة ليغمى بعد ذلك على عدد آخر من الطالبات.

لماذا الإناث وليس الذكور؟
كما رأينا فإن أغلب الحالات إن لم تكن كلها لإناث, فمدارس المغرب والجزائر مختلطة, الذكور والإناث يدرسون في حجرة درس واحدة, ومع ذلك انتابت نوبة هستيرية الفتيات دون الفتيان.
في واقع الأمر فإن التفسيرات متعددة وكلها مجرد تخمينات لا تحسم المسألة, إلا أن التفسير الأكثر قبولا بالنسبة لي يعود للتنشئة والبيئة وليس لطبيعة الإناث المختلفة عن الذكور, إذ أن مثل هذه الظاهرة الهستيرية انقرضت في أوربا تقريبا في حين مازالت حاضرة في الدول النامية خصوصا التي تعرف فصلا صارما في أدوار الإناث والذكور, فلو كان الأمر مرتبطا بطبيعة الأنثى لما انقرضت بالدول المتقدمة.
ولأقرب المسألة أكثر, فإن المرأة الدكتورة الجامعية لن تصرخ ويغمى عليها في حفل غنائي أمام فنانها المحبوب, أيضا هذه الدكتورة لما تتلقى خبر وفاة ابنها فإنها لن تخرج للشارع تمزق ملابسها وتلطم خدودها ولن تضع فوق رأسها التراب, بالعادة تتصرف هذا التصرف النسوة ذوات التعليم المتواضع واللائي يعشن في وسط بيئي يعرف وعيا منخفضا.

الشخصية السلطوية الاستبدادية

2
نمط الشخصية السلطوية هي نظرية من نظريات الشخصية قام بصياغتها مجموعة من علماء الاجتماع بخمسينيات القرن الماضي بعد ظهور أنظمة شمولية كالفاشية والنازية, والعنصرية والتمييز والتحيز... إذ عرف منتصف القرن الماضي انتشارا غير مسبوق لبعض الطبائع البشرية التمييزية والاستبدادية بأوربا, مما حذا بعالم الاجتماع ثيودور أدورنو (1903 - 1969) وفريقه لإجراء دراسة نشرت لاحقا في كتابهم, تحاول تفسير هذه السلطوية والعنصرية وذلك بتحديد سمات خاصة بالشخصية الاستبدادية كنمط شخصية يؤدي بالفرد لحمل بعض الأفكار وسلك بعض السلوكات التمييزية والعنصرية.

إن نحن أردنا رأي العلم الحالي فإن هذه النظرية صارت جد متجاوزة وتعرضت قبيل نشرها لوابل من الانتقادات العلمية كون الاستبداد والسلطوية مكتسبا من البيئة التي تشحن الإنسان منذ صغره بالسلطوية والاستبداد, وليس نمطا للشخصية, إضافة لكون الاختبار الذي طوره عالم السوسيولوجيا أدورنو وفريقه (Fascism scale) يطرح أسئلة على الفرد حول توجهاته السياسية والفكرية, بحيث يتم تنميط صاحب الأجوبة المحافظة كشخصية استبدادية وسلطوية, رغم جهود أدورنو لفصل ما يمكن تعريفه بالمحافظ عن السلطوي, إلا أنه وعلى ما يبدو لم يوفق...

ارتأيت أن أعرض هذه النظرية لأنها لا تخلو من شيء من الفائدة, ويمكن الانتفاع ببعض جزئياتها.
إذن ما هي الشخصية السلطوية؟
شخصية تتميز بالطاعة العمياء والاعتماد الكلي على زعيم قوي أو شخصية ذو سلطة أبوية, ويكون هذا مصحوبا بتمييز استبدادي ضد الآخرين وخاصة أولئك الذين هم أدنى مرتبة, كما تعرف الشخصية السلطوية ثلاث سمات رئيسية هي: احترام واتباع للأوامر بحذافيرها, التزام صارم بالأعراف, عدوانية اتجاه الأفراد من خارج الجماعة.
إذن ترى الشخصية السلطوية المجتمع على شكل هرمي جامد, في قمته الزعيم القوي المتبع تماما كقطع الشطرنج.
جوانب الشخصية السلطوية:
لتحديد الشخصية السلطوية اعتمد أدورنو على تسعة عوامل رأى أنها مفاتيح الشخصية المضادة للديموقراطية وقد اعتمد في صياغة أسئلة اختبار الشخصية على أسئلة تكشف جوانب كل عامل.

1-  التقليدانية: الالتزام الصارم بالأعراف وتقاليد الطبقة الوسطى.
ربط أدورنو الفاشية بتقاليد الطبقات الوسطى حول العالم, طبعا هذه نظرة أدورنو وفريقه, حيث اعتبر أن التزام الطبقات الوسطى بالتقاليد جد مبالغ فيه ويؤدي للتحيز والتمييز ضد الآخرين, فمواطنوا الطبقات الوسطى يتبعون العرف لمجرد أنه "عرف", فالمواطن لن يعمد على سلوك مضاد لهذا العرف أمام الآخرين حتى وإن اعتقد بصواب ما يفعل.

2- الاستبدادية: اتباع مثالي للأوامر العليا والقوانين.
ورغم أن العنوان يبدو مثاليا إلا أنه يخفي في جعبته جانبا أسودا, إذ حسب أدورنو فإنه تم ربط هذا الاتباع بالعقيدة النازية التي كان جميع المواطنين الألمان يتبعون أوامر قائدهم الأعلى بغض النظر عن صواب قراراته من خطئها, وكذا عدم معارضة القوانين حتى وإن كانت مجحفة, فإن طالب أحد ما بحق من الحقوق فإنه يتم التصدي له من طرف الشخصية السلطوية بدعوى أن القانون يقول كذا وكذا وأن القانون فوق كل مطلب, وبالتالي لايحق له المطالبة بحق يخالف هذا القانون.

3- العدوانية: الميل والاستعدادية لرصد كل مخالف للتقاليد والأعراف ومعاقبته ورفضه.
حسب أدورنو دائما, فإن الشخصية السلطوية تميل للعدوانية اتجاه كل مخالف لأعرافها فهي لا تسعى لمعاقبته قصد حفظ القانون فقط بل يكون شعورها في الغالب "الاستفزاز", فهي تظهر غضبا وحقدا اتجاه من خالف العرف أو القانون وتطالب بتعريضه لأقصى العقوبات بشكل يبدو انتقاميا أكثر منه ردعيا.
لنفترض جدلا أن تمثالا مقدسا وسط ساحة عامة ولمسه ممنوع قانونا, فإن قام أحد المواطنين بلمسه فإن الشخصية السلطوية ستشعر بالاستفزاز والحنق اتجاهه وستطالب بقطع يد الفاعل والتنكيل به, إذن هي لا تعاقبه بل تنتقم منه لإشفاء غليلها.

4- اللاشعورية: اللاموضوعية, الانغلاق الذهني ومقاومة المحفزات الذاتية.
يميل الشخص السلطوي لعدم قدرته على مواجهة مشاعره, لأنه يخشى خروجها عن سيطرته, وهذا ما يدفع بالسلطوي للعيش حياة مادية أكثر منها عاطفية, حسب أدورنو فإن مضاد الديموقراطية عند مواجهته لشكل من الأشكال التي يتقبلها شعوريا ويرفضها العرف والقانون فإنه سيسعى لكبتها لكي لا يخالف شعوره أعرافه, في حين أن الشخص الديمقراطي فإنه لا يجد غضاضة من التعبير عن شعوره المخالف للأعراف...لذا تعيش الشخصية السلطوية حياة ملؤها الكبت للعواطف والمشاعر وتحقيرها.

5- الخرافات والصورة النمطية: الاعتقاد بقوة المسببات الخارجية في تحديد مصير الفرد, وسلوك نمط تفكير جاف
 خص أدورنو الشخصية السلطوية بخاصية التفكير الخرافي اللاعلمي كجانب إضافي يمكن أن نراه فيها, فهي قد تفسر بعض الظواهر على أنها خارج السيطرة وبعيدة على الفهم البشري ولا يمكن لنا فهمها مهما تطورنا بالعلم.
يمثل هذا استكانة وقناعة بما يجري ويدور حول الشخصية السلطوية على أنه خارج قدراتها ويجب تقبله كما هو.

6- القوة والصرامة: الانشغال بالهيمنة العدائية وقطبية قوي-ضعيف.
تؤمن الشخصية السلطوية بقطبية قوي-ضعيف, إذ تقسم الأفراد لأقوياء وضعفاء, وتتبع الأقوى والمهيمن, فالقائد الذي يهيمن على السلطة ويستفرد بها هو زعيم قوي يجب اتباعه, وقد اعتبرها أدورنو مؤشرا على ضعف (الأنا/ ego) لدى الشخصية السلطوية حيث أنها تتبع القوي وتهتف له وتقدسه, وتبالغ في عرض ما تعتبره قوة من طرفه.
تبحث الشخصية السلطوية عن القوة في القائد وتعبر عن ذلك في عباراتها, كاعتبار القائد مدمر للأعداء وصارم مع المخالفين, وسيحطم الآخرين وغيرها من العبارات الدالة على القوة...

7- التدميرية والسخرية: العداء والحط من قدر الإنسان.
 العدوان مجددا, إلا أنه هذه المرة يقصد به أن الشخصية السلطوية عدوانية بطبعها بسبب كم القيود التي تقبلها على نفسها وتنتظر الفرصة السانحة لترتكب عدوانها على الآخرين المخالفين, فتراها تحط من قدر الأفراد الذين يعيشون في كنف مجتمعها من أقليات وتحتقرهم وتترصد لهم الخطأ لتدميرهم والسخرية منهم, قد تحتقر الشخصية السلطوية محاولات الإنصاف والدعاوى لها, وقد تهون من الجرائم المرتكبة, فإذا قامت دولة الشخصية السلطوية بإبادة جماعية لعرقية ما فإنها ستهون من الموضوع وتعتبر التقارير الصادرة حول ما يجري ويدور من إبادة مجرد مبالغات ومؤامرات...وهذا حسب ما رآه أدرونو من أتباع الفاشية والنازية في استهتارهم بجرائم الحرب العالمية الثانية المرتكبة من طرف قياداتهم.

8- الاسقاط: الاعتقاد أن الأمور السيئة والتدميرية مستمرة بالعالم أجمع.
يعد الاسقاط ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي أتى بها فرويد, حيث يسقط الفرد سلوكه الذي يعتقد أنه مشين على الآخر, إذ أن الشخصية السلطوية التي تمارس العدوان والتدميرية تؤمن أن هناك ما هو أسوء مما تمارسه بالعالم أجمع, وقد تبرر تحقيرها لفئة من الناس أو عنصريتها أو تمييزها على أن هذه الفئة تكن لمجتمعها العداء وأن هؤلاء البشر يمارسون العنصرية ضد الشخصية السلطوية ومجتمعها, إذن هذه الشخصية أسقطت سلوكها على الآخرين حسب أدرونو طبعا.

9- الجنس: المبالغة في الاهتمام بالأمور الجنسية.
يرى أدورنو أن الشخصية السلطوية لديها خوف غير مبرر واهتمام مبالغ فيه بالأمور الجنسية, فهي تكره الشواذ بشكل مبالغ فيه, كما أنها ترى أن اهتمام الرجل بالمرأة هو لأمر واحد وأوحد ألا وهو الجنس.
وهنا قد نعود للعدوانية إذ أن الشخصية السلطوية لن ترغب في معاقبة الشاذ جنسيا لمخالفته القانون بل من كره داخلي نابع من شعور الشخصية السلطوية بمخالفة الشاذ للعرف, فهي ستدعو لإنزال أشد العقوبات على المثليين انتقاما منه وليس ردعا له ولغيره.

ملاحظات:
إذن هذه هي جوانب الشخصية السلطوية عند أدورنو وفريقه, وكما تلاحظ فهي ليست بنمط شخصية بقدر ما لها ارتباط وثيق بالبيئة والتنشئة, سنرى انتشار مثل هؤلاء الأشخاص ببعض الشعوب والأنظمة التي تعرف الديكتاتورية, حيث يتم تلقين الأطفال بالبيت والمدرسة أسلوب تفكير مبني على الاتباع الأعمى والاستكانة للأقوى بغض النظر عن شخصياتهم وكمثال كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية, فرغم أنهما في الأصل شعب واحد إلا أن اختلاف النظامين أدى لخلق شعب بشخصية سلطوية في كوريا الشمالية.

 إضافة لهذا فإن العوامل وأسئلة الاختبار مبنية انطلاقا من ثقافة أدورنو وفريقه وقناعاتهم والتي لن تنطبق بالضرورة على ثقافات وقناعات الآخرين, فأسئلة الاختبار تستفسر عن أيديولوجيتك وليس عن سمات شخصيتك...
الاختبار تم تعديله عدة مرات ولن أضعه هنا لأنه ستظهر لك عزيزي القارئ على الأرجح أنك سلطوي كون الاختبار مصمم حسب الثقافة والمبادئ الغربية.

على كل فإنه لو نظرنا من وجهة نظر شاملة دون الدخول في التفاصيل, فإنه من الممكن تعديل تعاريف المصطلحات والعوامل التي جاء بها أدورنو لتناسب ثقافتنا العربية, ليس كاختبار شخصية بل كاختبار انفتاح فكري على ما أظن.

وماذا عنك عزيزي القارئ؟ مارأيك؟

السلوك الانحرافي, نظرية الوصم

3
الانحراف مشكلة اجتماعية لا تخلو منها أي بقعة في العالم, المنحرفون في كل أرجاء العالم يقضون مضجع الملايين, ويتراوح الانحراف من مخالفات اجتماعية بسيطة إلى جرائم بشعة, لدى حاول علماء الاجتماع وعلم النفس البحث حول الأسرار الكامنة وراء دفع عدد من الأفراد لسلوك سلوكات منحرفة.

ما هو الانحراف؟
أولا وقبل العروج للحديث عن الأسباب لابد من تعريف الانحراف, فما الذي يمكن اعتباره سلوكا منحرفا؟
في واقع الأمر فإن العلماء وضعوا تعاريف عديدة, وإحداها يعرف السلوك الانحرافي على أنه الخروج عن قيم وقواعد مجتمع ما, وقد يكون هذا السلوك الانحرافي إجراميا أو غير إجرامي.
بمعنى أن سلوكا ما قد يعتبر انحرافا في مجتمع وطبيعيا في مجتمع آخر.
فأنا لو ارتديت سروالا قصيرا دون قميص وخرجت عاريا للشارع فإن المارة سيرمقونني بنظرات استهجان واستغراب لأنني قمت بسلوك غير مقبول وانحرفت عن قواعد مجتمعي, في حين لو قمت بذات الفعل في قبيلة افريقية لا يرتدي سكانها قمصانا فإن تصرفي يعتبر جد طبيعي, ولن ينعتني أحد بالمنحرف.
إذن يحدد كل مجتمع قواعده وما يمكن اعتباره انحرافا في كل مجتمع هو ما يثير استهجانه وغضبه ورفضه.

قد يكون الانحراف إجراميا أو غير إجرامي, فأنا مثلا عندما خرجت للشارع دون قميص فهذا لا يعتبر سلوكا إجراميا ولن تعتقلني الشرطة لأن القانون ببلدي لا يجرم الخروج دون قمصان للرجال, في حين تعتبر سلوكات انحرافية أخرى إجرامية كالسرقة أو النصب أو إغلاق الطريق وغيرها...

أحيانا يكون السلوك انحرافيا في عرف القانون ومقبولا لدى المجتمع, فمثلا تحدد الدول سن الزواج القانوني بحيث يتم معاقبة المخالفين لقواعد الدولة, إلا أن بعض المجتمعات لا ترى غضاضة من الزواج بسن يقل عن السن القانوني الذي حدده قانون دولتهم ولا يعتبر أفراد هذا المجتمع هذا التصرف انحرافا.
إذن يوجد:
سلوك خاطئ بعرف المجتمع والقانون =====> سلوك انحرافي إجرامي
سلوك خاطئ بعرف المجتمع فقط      =====> سلوك انحرافي
سلوك خاطئ بعرف القانون فقط       =====> سلوك إجرامي غير انحرافي

لايمكن اعتبار السلوك الذي يرفضه القانون ويتقبله المجتمع بالسلوك الانحرافي, بغض النظر عما إذا كان صائبا أم خاطئا لأن المجتمع اتفق على أنه سلوك مقبول هم إذن يمارسونه كأي سلوك طبيعي وفاعله ليس منحرفا لأن هذا ما يفعله الكثير بمجتمعه كسلوك "طبيعي", في حين أن القانون يحاول محاربة السلوك لتغيير المجتمع لما يراه في الصالح العام.
عندما يضع المشرعون قانونا يجرم سلوكا مقبولا بالمجتمع فإنه يتم انتهاك هذا القانون مدة طويلة من الزمن بهذا المجتمع من طرف أفراده ويحاول القانونيون أن يكونوا مرنين في وضع عقوبات للمخالفين وفي وضع الحالات الاستثنائية, فإن عدنا لمثال الزواج تحت السن القانوني فإن القاضي في بعض البلدان العربية وفي بعض المناطق التي تعرف نسب زواج تحت السن القانوني جد مرتفعة يوافق فيها على تزويج القاصرين بشروط, مع مرور الزمن قد يصير السلوك بنظر المجتمع سلوكا غير مقبول وفي هذه الحالة يمكن اعتبار فاعله منحرفا لأنه انحرف عن قواعد مجتمعه الجديدة.

نظرية الوصم:
تركز نظرية الوصم على السلوك الانحرافي, أي الذي يكون مقترنا بوصم المجتمع للمنحرف المخالف للقواعد, وقد عمد عدة علماء اجتماع على مر الزمن في النبش في الأسباب الكامنة وراء بعض الانحرافات السلوكية.
قام عالم الاجتماع إدوين ليميرت (1912 - 1996) بتقسيم الانحراف لقسمين: أولي وثانوي.

الانحرافي الأولي: المقصود بالانحراف الأولي أن الفرد يأتي بسلوك منحرف فيتعرض ربما للعقاب أو لا يتعرض له, ولا يثير تصرفه حفيظة الآخرين مدة طويلة من الزمن فهم لا "يصمونه" بانحرافه, بينما لا يكرر المنحرف في العادة صنيعه مجددا.
مثال: زور أحمد بعض الشيكات فأدى هذا لمحاكمته ودوخله السجن, وبعد خروجه منه عاد لمباشرة عمله وعلاقاته الاجتماعية بشكل طبيعي وقد تسامح محيطه مع صنيعه.
قد نقع جميعا في سلوك انحرافي ما صغيرا كان أو كبيرا, بقصد أو دون قصد, كمخالفة قانون السير, أو الكذب...

الانحراف الثانوي: قد يأتي الفرد بسلوك منحرف فيتم وصمه من طرف المجتمع بنعت يشير لانحرافه, ويصير منبوذا من طرف المجتمع, فيؤدي هذا بالفرد المعني لاتخاذ مسار احترافي في انحرافه كرد فعل على وصم المجتمع له.
لشرح أوفى لنأخذ مثال أحمد الذي زور بعض الشيكات فدخل للسجن وبعد خروجه وجد أن الكل يتجنبه, وتم طرده من عمله كما أن لا أحد وافق على توظيفه لأنه محتال وسبق له دخول السجن, فلجأ أحمد للنصب على الناس وكون شبكة للنصب والاحتيال والتزوير.
إذن أحمد تماهى مع وصم المجتمع له بأنه محتال ونصاب وصار بدوره نصابا محترفا وهذا ما يسمى بالانحراف الثانوي والذي يكون رد فعل على وصم المجتمع للفرد الذي أتى بالسلوك المنحرف, فيصير السلوك الانحرافي مستداما ومتكررا ويتخذ شكلا احترافيا حتى.

في بعض الأحيان يتخذ البعض سلوكا انحرافيا ثانويا دون أن يكون لهم أي سلوك انحرافي أولي.
مثلا حنان تم اغتصابها وقد أبلغت الشرطة وعلم جميع الأهل والجيران قصتها, فصار الجميع يتحدث عنها ويصمونها بالانحراف وبأنها كانت على علاقة بمغتصبها وقد تخلى أهلها عنها, ولم تتمكن من الزواج لأن الجميع يحذر منها, فلجأت حنان للعمل بالدعارة.
إذن هذه الفتاة بهذا المثال لم تقم بعمل منحرف بداية الأمر ولكن وصم المجتمع لها بأنها فتاة بأخلاق سيئة جعلها تتخذ فعلا هذا المسار الذي وصمها المجتمع به.

في أحيان أخرى قد يتخذ المنحرف سلوكا انحرافيا ثانويا من إحساسه الداخلي أنه موصوم بنعت انحرافه دون أن يكون المجتمع قد وصمه بشكل مباشر.
مثال شخص يمارس الشذوذ الجنسي دون علم أحد, فهو يسمع وصم المجتمع لأصحاب الفعل واستهجانهم له ونعتهم لفاعله, لدى قد يلجأ صاحب السلوك للانحراف الثانوي للتماهي مع وصم المجتمع له, فترى مثلا مثليا يتفوه بكلام فاضح عن ممارساته ويتصرف تصرفات فجة, وقد ينخرط في الدعارة.

أي أن لسان حال هؤلاء المنحرفين: "أنا منحرف؟ إذن سأريكم كيف يكون الانحراف!"
هم في واقع الأمر لا يرددون هذا في أذهانهم فعلا ولكنهم يلجؤون للانحراف الثانوي لأن هذا ما يرغبه المجتمع بوصمه لهم, هم إذن يتماهون مع الوصم.

قام تلميذ ليميرت عالم السوسيولوجيا جون كيتسوس (1923 - 2003) لاحقا بإضافة الانحراف الثالث كمستوى أعلى من المستوى الثانوي لبعض السلوكات الانحرافية.

الانحراف الثالث: هو رد فعل ايجابي من طرف المنحرف لعقلنة انحرافه ودفع الوصم عنه بالمطالبة بجعل سلوكه الانحرافي مقبولا من طرف المجتمع, أي أنه سيتحول لناشط اجتماعي.
مثال: المثليون (الشواذ) بالغرب, كان يعتبر سلوكهم قبل عقود عديدة انحرافيا بمجتمعهم, وقد أدى هذا الانحراف لدفع عدد منهم للدفاع عن أنفسهم وخلق منظمات للدفاع عن سلوكهم والسعي لجعله مقبولا بالمجتمع الغربي.

مثال آخر: تصور معي أنه تم رصد شاب وشابة بالشارع يقبلان بعضهما باحدى الدول العربية, هذا سلوك يرفضه هذا المجتمع كما أن القانون يجرمه, إذن سلوكهما (انحراف أولي) وقد تم اعتقالهما وإطلاق سراحهما لاحقا وقد وصمهما المجتمع بالفاسدين والداعرين, فتبرأ الأهل منهما وهجرهما الأصدقاء, فلجأ هذان الثنائي لطلب اللجوء باحدى الدول الأوربية والانخراط بمنظمة للدفاع عن نفسيهما بالمطالبة بالحريات الفردية (انحراف ثالث).

اقرأ عن التنافر المعرفي

رغم أن الأمثلة التي وضعتها متطرفة قليلا إلا أن الواقع بالانحراف الثالث تجده لدى عدد كبير من الأشخاص يدافعون عن حقوق تعتبر مقبولة بمجتمعك ومرفوضة بمجتمعهم.
لأن السلوك الانحرافي كما بينت بالأعلى هو سلوك مرفوض بمجتمع ما بغض النظر عن صوابه من خطئه, فمضغ العلكة ببعض المجتمعات سلوك انحرافي, رفض الزوجة تحضير الغذاء لزوجها دون سبب بمجتمعي سلوك انحرافي وإن أخبرني صديقي أن زوجته ترفض تحضير الطعام له فإنني سأستهجن سلوكها, ربما في مجتمع آخر أنت تنتمي له أو غيرك يراه سلوكا غير انحرافي ولايرى أن الزوجة مطالبة بتحضير الغذاء لزوجها, تغطية المرأة لوجهها ببعض المجتمعات (فرنسا مثلا) سلوك انحرافي ويعاقب عليه القانون...وغيرها العديد من الأمثلة.

باختصار فإن السلوكات الانحرافية والمراحل التي يمر بها الشخص المنحرف لا علاقة لها بالصواب والخطأ حسب معتقدي أنا أو معتقدك أنت, لأن هذا راجع لمعتقد المجتمع وقيمه ومبادئه وما إذا كانت متعارضة مع سلوك الفرد المنتمي لها.