أزمة الهوية ومراحل تطور الهوية

13
أزمة الهوية مصطلح يتكرر كل حين في وسائل الإعلام ولابد وأنك سمعت أو قرأت عنه هنا وهناك.
هو مصطلح صاغه عالم النفس إريك إريكسون حيث اعتبره تحديا من تحديات مرحلة المراهقة ويعدها من بين أهم مراحل حياة الإنسان التي يحاول فيها اكتشاف أناه وذاته وهدفه من الحياة.

ما هي الهوية؟
عمل عالم النفس جيمس مارسيا على إتمام عمل إريكسون وذلك بالتركيز أكثر على مرحلة المراهقة وأزمة الهوية وتفصيلها بشكل أدق.
يعرّف مارسيا الهوية على أنها بناء داخلي يشيّد من طرف الشخص ذاته وتمثل مجموع المعتقدات والقدرات والدوافع وتاريخ الفرد, وكلما كان هذا البناء متينا كلما كان الفرد أكثر وعيا بأوجه التفرّد والتشابه مع الآخرين, كذا نقاط قوته وضعفه في شق طريق حياته بهذا العالم...في حين كلما كان هذا البناء ضعيف التشييد كلما كان الفرد مشوشا حول ما يميزه عن الآخرين وكلما صار أكثر اعتمادا على مصادر خارجية لتقييم ذاته واكتشافها.
يرى مارسيا أن بناء الهوية ديناميكي وغير تابث فهو يتغير كل حين في مراحل حياتية شتى, فتضاف عناصر جديدة لهذه الهوية وتُزال أخرى, فالإنسان دائم البحث والاكتشاف.
إلا أنها تتحدد معالمها الكبرى بسن المراهقة كونها مرحلة عمرية فاصلة بين الطفولة وسن الرشد وهي تعرف تقلبات مزاجية وهرمونية تمهيدا لمرحلة الشباب والمسؤولية والاكتمال الجسدي والنفسي, لذا هي تعرف أسئلة وجودية يطرحها المراهق باستمرار على نفسه لتحديد أناه وهويته, وتعرف مرحلة المراهقة المتأخرة أو سنوات الشباب الأولى تقريبا حوالي 18 سنة إلى 22 سنة ذروة الاكتمال لهذه الهوية.

تطور الهوية:
لدراسة مراحل تطور الهوية ابتكر مارسيا مقابلة شخصية لتحديد هوية هؤلاء الشباب الذين من المفترض أن يعيشوا ذروة اكتمال هوياتهم وأزماتها محاكيا بذلك نموذج إريكسون وقد قسم مراحل الهوية لأربع مستويات هي (تحقق الهوية, تأجيل الهوية, إعاقة الهوية, تشتت الهوية) يعتمد فيهما على بعدين اثنين هما: الاستكشاف والالتزام. حيث يمثل الاستكشاف الأسئلة التي يطرحها الشاب على نفسه حول هويته وماهيتها في حين يمثل الالتزام الاختيارات التي ينهجها الشاب في شتى المجالات, في كل قسم من الأقسام الأربع يعرف المراهق أو الشاب أزمة هوية ويحاول تجاوزها.

1- تحقق الهوية Identity achievement: تمثل أعلى مستويات الاستكشاف والالتزام معا حيث تكون للشاب رؤية واضحة عن هويته وأهدافه والقيم والمبادئ التي يحملها فهو سيتحدث عن معتقدات دينية كجزء من هويته أيا كانت هذه المعتقدات, سيكون لديه توجه سياسي مثلا وإنتماء فكري أو فلسفي...هو تمكن من استكشاف ذاته وصارت له ذاته وأناه التي تميزه كفرد بالمجتمع مستقل بكيانه, سيتمكن من تعريف ذاته وتوجهاته بكل ثقة... كما أنه ملتزم بخياراته وأهدافه الواضحة والتي قد تكون متعددة.
هو إذن يعرف من يكون ويعرف ما يريد. 

مثال: أحمد شاب مسلم مقتنع بمعتقده له جنسية عربية يعتز بها, كما أنه سياسيا ذو توجه رأسمالي ويدعم هذا الخيار, هو يعبر عن اهتمامه بدراسة الاقتصاد والتجارة بالجامعة لأنه يرغب في إدارة عمله الخاص, كما أنه يحمل أفكار فلسفية وقيما ذاتية يحاول تطويرها كل حين.
مثال آخر: كريستين فتاة لا دينية فهي مقتنعة بأن ليس هناك دين يجب إتباع تعاليمه كما أنها تحمل جنسية أوربية تعتز بها وإنتمائها لها, هي ناشطة بيئية وتنتخب المرشح الذي برنامجه يدافع عن البيئة أيا كان توجهه السياسي, تود دراسة علوم البيئة كما أنها نباتية وتحمل قيما وفلسفات منبثقة من توجهها البيئي.

إذن كانت هذه مجرد أمثلة تعبر عن تحقق الهوية سواء وافقت أم لم توافق توجه أحمد وكريستين, لأن تحقق الهوية ليست حول ما الصحيح وما الخاطئ, بل حول هل لك هوية أم لا, هما قد اكتشفا هويتيهما والتزما بها وبالتالي فهما يعرفان ما يودانه في حياتهما. الوصول لهذا المستوى ليس بالأمر الهين بل هو نتيجة الاستكشاف المقترن بأزمة بالهوية التي مر بها الفرد.

2- إعاقة تكوين الهوية Foreclosure: تمثل مستوى ضعيفا في الاستكشاف وعاليا في الالتزام حيث أن الشاب يسلك منحى سلبيا في استكشاف ذاته, فهويته مكتسبة من وسطه العائلي ومجتمعه المحيط به كما أنه ملتزم بهذه الهوية المكتسبة, فهو يدين بدين أسرته ومحيطه الاجتماعي ويمارس نفس الطقوس الدينية, وإن سألته لماذا يفعل هذا أو ذاك فإنه سيجيبك أن هذا ما يجب فعله وأن الكل يفعله أي أن قناعته ليست نابعة من ذاته, كما أنه سياسيا قد يتبع ما هو سائد وما يراه واجبا عليه اتباعه, وقد يحدد له وسطه العائلي مساره الدراسي, وبقية القيم والمبادئ التي تكون مكتسبة من الوسط الخارجي لا من قناعاته الذاتية, وهو رغم ذلك فهو ملتزم بها, أي أنه لا يواجه أزمة هوية, ولم يمر بها.

مثال: كريم شاب مسلم اعتاد توزيع الصدقات كل يوم جمعة كما هو دأب أفراد أسرته على مر عقود, كما أنه سياسيا يدعم حزبا اشتراكيا لأن جده كان من بين رجالاته, هو يود أن يصير طبيبا لأن هذا حلم والدته ولأنها المهنة الأفضل بمجتمعه.

إذن كريم يعاني من إعاقة في تكوين هويته الذاتية المستقلة عن محيطه الخارجي, وهو ملتزم بهوية مكتسبة لم يستكشفها بنفسه, ولا يواجه أي أزمة هوية.

3- توقيف أو تأجيل الهوية Moratorium:  عكس إعاقة تكوين الهوية فإن توقيف الهوية تمثل مستوى عاليا في الاستكشاف وضعيفا في الالتزام وهي تعبر عن مرحلة يمر فيها الفرد بأزمة الهوية, فالشاب يطرح عدة تساؤلات يتركها مفتوحة بلا إجابة سعيا للاستكشاف, هو غير ملتزم بهوية محددة لأنه مازال يبحث مؤجلا هويته, يريد أن يعرف من هو تحديدا ويعيد النظر في معتقداته وإنتماءاته, كما أنه ربما لم يحدد هدفه في هذه الحياة وما يرغب في أن يفعله.

مثال: أسماء غير مقتنعة بعادات وتقاليد أسرتها, هي تحاول استكشاف ما يصلح منها, كما أنها لا تعرف ماذا تود أن تصير بالمستقبل بعد التخرج من الثانوية, لذا تسأل وتبحث عن شتى التخصصات ولم يعجبها ما اختاره لها والداها.

مثال آخر: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الثاني من قصيدة الطلاسم
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!


أسماء بالمثال لديها استكشاف عال لهويتها إلا أنها لم تلتزم بعد بهوية محددة هي تؤجل هويتها لحين التزامها وقد تحصل على مبتغاها وقد تعاني من أزمة بالهوية فلا تلتزم أبدا وتبقى في دوامة الاستكشافات. 
الشاعر بقصيدة الطلاسم يطرح أسئلة وجودية هو يحاول استكشاف ذاته وماهيتها وتاريخها ككائن بشري.
من بين الأمثلة الحية أبناء الجنسيات المختلفة أو الديانات المختلفة الذين يجدون أنفسهم في عزلة ببلد ولدوا فيه, فيكون إنتماؤهم مشوشا ألبلدهم الأم أم لبلدهم الذي ولدوا فيه أم لكلاهما مع اختلاف الثقافات, فالقيم التي يتلقونها بالبيت ليست هي القيم التي يصطدمون بها  بالشارع.

4- تشتت الهوية Identity diffusion: طبعا هي تمثل مستوى ضعيفا بالاستكشاف وضعيفا بالالتزام أيضا, فالشاب في هذا المستوى يعاني من هوية مشتتة هو لا يحاول استكشاف ذاته ولا معتقداته ولا أهداف محددة له, يعيش اللحظة وحسب, سلوكه بالحياة سلبي, فهو يدرس لأن عليه أن يدرس وليس له تخصص محدد يود دراسته بالجامعة, قد يكون بديانة ما لمجرد أنها ديانة ولد بها, ليس له رأي محدد في كثير من جوانب الحياة المهمة, يعيش فقط لأنه حي يرزق.

مثال: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الأول من قصيدة الطلاسم
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

الشاعر بالمقطع الأول من قصيدة الطلاسم يعبر عن حالة من العدمية التي قد تمثل بشكل أو بآخر عن تشتت الهوية, فهو يعيش ولا يعلم شيئا عن هدفه من الحياة ولا من وجوده ويسير في طريق أبصره أمامه وحسب لا هو سعى إليه ولا اختاره.
وهذا مجرد مثال للتوضيح وحسب فلا تأخذ شعر إليا أبو ماضي على أنه فعلا يمثل حالة تشتت الهوية.

في أي مستوى أنت؟
 حسب مارسيا فقد يمر المراهق بهذه المراحل الأربع جميعا أو مرحلتين فقط أو قد لا يمر بأي مرحلة من هذه المراحل, وتمثل مرحلة تحقق الهوية هي المرحلة الأكثر نضجا والتي يجب على الشاب السعي للوصول لها.
والآن ماذا عنك؟
في أي مرحلة تجد نفسك؟

اضطرابات الجسدنة: آلام جسدية, شلل وعمى وهمي

2
لوحة للفنان الروسي فازيلي بولينوف بعنوان المرأة المريضة عام 1886

تتمحور اضطرابات الجسدنة حول أعراض جسدية يشعر بها المصاب دون أن يكون لها أي أصل بيلوجي, إذ تظهر التحاليل والفحوصات السريرية أنه خال تماما من الأمراض العضوية التي قد تؤدي لتلك الأعراض, إذن هي أعراض ذات أصل نفسي, قد تصيب عضوا أو أكثر بالجسد وتكون مصاحبة بالقلق, الجهل المطبق بهذا الاضطراب يقود المصابين وأهليهم للاعتقاد أن ما يعاني منه المصاب سحر أو عين.

تندرج عدة اضطرابات تحت مسمى اضطراب الجسدنة ولكل منها أعراضها الخاصة ويمكن تقسيمها لفئتين:

1- اضطرابات بأعراض جسدية حقيقية بالنسبة للمريض:

اضطراب الجسدنة:
اضطراب يتميز باختبار المصاب لعرض أو عدة أعراض جسدية تكون معيقة للحياة وتستحوذ على تفكيره وتصيبه بالقلق بشأنها وهو ينتشر بشكل أكبر بين الطبقات الفقيرة التي تعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية كما أنه يصيب بشكل أكبر النساء ذوات التعليم المنخفض أو الغير متعلمات وتظهر الأعراض مبكرا بسن المراهقة والشباب وتبقى مرافقة للمصاب طول الوقت.
قد يطال الألم أي عضو بالجسد وقد يرافق المريض عرض واحد فقط أو عدة أعراض:
- آلام بالصدر, خفقان بالقلب, ضيق بالتنفس
- آلام بالذراعين أو الساقين
- صداع بالرأس
- نزيف حاد أثناء فترة الطمث بالنسبة للنساء أو عدم انتظام الدورة الشهرية
- آلام بالأمعاء, إمساك أو إسهال
- غثيان
- وهن عام بالجسد أو آلام بشتى أنحاء الجسد

يلجأ المريض للأطباء للكشف عن حالته إلا أن الجميع يؤكد له أن التحاليل والفحوصات تؤكد سلامته الجسدية وأن ما يعاني منه لا أصل له, إلا أن المريض لا يتقبل هذه الحقيقة لأن الألم الذي يشعر به حقيقي ويكون شديدا عليه, أو أن الاسهال مزمن أو النزيف كثيف بالنسبة للمرأة المصابة, ويكون مصاحبا بقلق شديد اتجاه الصحة, مما يجعل عددا كبيرا يفسر الأمر على أنه سحر, وأحيانا يتم اتهام المريض بالكذب واختلاق الأعراض من طرف الأهل خصوصا إن كان المصاب مراهقا.

اضطراب التحويل أو الهستيريا التحولية:
الهستيريا التحولية هو اضطراب من اضطرابات الجسدنة حيث يتمحور حول الجسد أيضا والمقصود أن الاضطراب النفسي يتحول لاضطراب جسدي, إلا أنه يختلف عن اضطرابات الجسدنة كونه يصيب الجهاز الحسي أو الحركي للمصاب فيصيبه بالعجز, وعلى غرار اضطراب الجسدنة فهو يكثر بصفوف الطبقات الفقيرة ذات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وبين صفوف النساء ذوات التعليم المنخفض خصوصا الشابات.
تتميز أعراضه أن الشخص يصاب إما بشلل باحدى ساقيه أو ذراعيه أو كلاهما بحيث يصير عاجزا جزئيا أو تماما عن تحريكهما أو أن يصاب في احدى حواسه كالعمى أو الصمم أو فقدان حاسة الذوق أو حاسة الشم, أو صعوبة بالكلام أو فقدان النطق, أو أن يصاب بحالات صرع وتشنج دون أن يكون لأعراضه أي أصل بيلوجي فالطبيب سيؤكد سلامة الأعصاب الحركية والحسية وسلامة العضو, فطبعا يلجأ الأهل للعلاج الروحاني سواء الرقية الشرعية أو حتى الشعوذة لأنه بالغالب يكون اضطرابا منتشرا بين صفوف الفئات الغير متعلمة والفقيرة والتي ليس لها إمكانية دفع تكاليف العلاج السلوكي المعرفي للأسف, وتكرس بعض وسائل الإعلام الجهل بهذا الاضطراب بإظهار حالات على أنها شفيت بالشعوذة والطلاسم.
الأسباب:
تبقى الأسباب مجهولة إلا أن للصدمات النفسية ولسوء البيئة التي ينشأ بها الطفل أثرا بالغا في تطوير الاضطراب بسن المراهقة بسبب الأجواء المشحونة والقلق المستمر حيث يتم تفسير الاضطراب على أن العقل يقوم بتصدير الآلام النفسية التي يشعر بها نحو الجسد فتصير آلاما جسدية, هو يواجه ضغطا كبيرا وقلقا ومعيشة سيئة لذا يشتد الألم النفسي فيتحول لجسدي.
وكثيرا ما يكون الاضطراب مصحوبا باضطراب تفارقي.

لا يجب الخلط بين اضطراب الجسدنة والاضطرابات النفسية الأخرى كنوبات الهلع مثلا, لأن هذا الأخير أعراضه حادة جدا وتستمر بضع ثوان أو دقائق, يشعر فيها المصاب أنه يموت, إلا أن اضطراب الجسدنة هو حالة جسدية تستمر طول الوقت لأشهر عديدة أو حتى سنوات بشكل أقل حدة.

2- اضطرابات جسدية غير حقيقية ومختلقة:

اضطراب القلق من المرض:
عكس الجسدنة فإن اضطراب القلق من المرض لا يشعر فيه المريض بأي ألم أو أي أعراض جسدية حقيقة إلا أنه يصاب بقلق شديد حيال صحته ويبالغ في أي عرض بسيط يصيبه بشكل معيق للحياة اليومية ومزعج لمحيطه, فهو قد ينظر للمرآة فيرى بثرة بوجهه فيهوّل منها ويزور الطبيب بشأنها, هو مهووس طول الوقت بصحته ويحاول أن يؤكد للآخرين أنه مريض فعلا, قد يشعر بألم خفيف ببطنه فيصير طريح الفراش, أو يلجأ للطبيب ليؤكد له أنه مريض, رافضا فكرة أنه يعاني من اضطراب نفسي,  لذا هو غالبا ما يلقى تجاهلا من طرف أسرته وأصدقائه نتيجة هذه الشكوى المستمرة من أعراض طفيفة حيث يصير مصدر إزعاج بالنسبة لهم.

لايجب الخلط بين هذا الاضطراب وبين الوسواس القهري, إذا أن المصاب بالوسواس يقلق من أن يصاب بالمرض مستقبلا, هو يقصد الطبيب خوفا من أن يكون ما يشعر به مرضا خطيرا فيطمئنه الطبيب فيشعر بالراحة مؤقتا, هو يريد أن يطمئن للأبد, عكس مصاب اضطراب القلق من المرض الذي يحاول إقناع الطبيب ومحيطه أنه مريض فعلا ويحتاج لعلاج.
عكس اضطرابات الجسدنة ينتشر هذا الاضطراب بين النساء والرجال على حد سواء بتفاوت بسيط.

اضطراب المرض الافتعالي:
ويعرف أيضا بمتلازمة مونخهاوزن اضطراب يعد أحيانا خطيرا على صحة المصاب أو أسرته, حيث أنه يختلق ويكذب بشأن صحته, فقد يضع الضماد على يده أو يشتري عكازا ليوهم الآخرين أنه مريض لإثارة انتباههم وشفقتهم, أو أن يزور شهادات طبية أو أن يتظاهر بالمرض, وهو يفعل ذلك بشكل متكرر بحيث يعرف الجميع أنه مريض بشكل مزمن أو يعاني كسورا وجروحا بشكل متكرر.
أحيانا يعمد المصاب لإثارة شفقة الآخرين وانتباههم عن طريق أحد أفراد أسرته, ويعرف في هذه الحالة باضطراب المرض الافتعالي بالوكالة, فيجبر ابنه على وضع الضماد أو البقاء طريح الفراش والتغيب عن المدرسة.
 أحيانا يبلغ الاضطراب مبالغ جد حادة حيث يبدأ المصاب بإمراض نفسه فعلا بابتلاع مواد سامة أو جرح نفسه أو خلق كسور بجسده ومن تم زيارة المستشفى والأطباء بشكل متكرر وهو دائم البحث عن أعراض الأمراض لاختلاق أعراض مشابهة سواء له أو لأبنائه.

ينتشر الاضطراب بشكل كبير جدا بالولايات المتحدة الأمريكية وهو منتشر بين صفوف الأمهات, وكثيرا ما يتم تجسيده بالأفلام, حيث تعمد الأم على إمراض ابنها لجلب الانتباه والشفقة إليها من طرف العاملين بقطاع الصحة أو من طرف المحيطين بها, وكثيرا ما تقود هذه المحاولات لموت الطفل.
 آخر القصص المثيرة أن فتاة كانت تجبرها أمها طوال عشر سنوات على استخدام الكرسي المتحرك وتناول أدوية أدت لتدهور صحتها ولتساقط أسنانها وحلق شعرها كي توهم الآخرين أنها مصابة بسرطان الدم, حتى لصارت تبدو عجوزا وهي بسن المراهقة فأقدمت الفتاة بمساعدة صديقها على قتل أمها, وانتهى بها الأمر بالسجن طبعا.

بالعالم العربي لا وجود لاحصاءات لهذا الاضطراب لأنه محاط بالجهل المطبق ولأنه يصعب تقبل فكرة أن الشخص يمرض نفسه أو فلذة كبده دون أن تكون أعراض ذهانية بادية على محياه, فالناس اعتادوا أن يكون الاضطراب النفسي (جنونا) أي أن يكلم الشخص نفسه وبملابس متسخة ويقوم بتصرفات غريبة (أعراض الفصام), يستحيل عليهم تصديق أن أما حنونا طيبة ومحبة لجيرانها وأسرتها تعمد على إمراض ابنها بنفسها, كما أن المصاب نادرا ما يلجأ للعلاج النفسي.

طبعا المصاب مسؤول عن أفعاله كامل المسؤولية فهو يفعل ذلك بإرادته التامة وبالتالي فهو يقع تحت طائلة للعقوبات الجاري بها العمل إذا تبث تعريضه لحياة أو صحة شخص ما للخطر.

علاج اضطرابات الجسدنة:
يتركز العلاج بالتقويم السلوكي المعرفي, إذ لا تنفع الأدوية إلا في حالة مرافقة الاضطرابات لأعراض القلق أو الاكتئاب, التي تفيد كثيرا في التخفيف من أعراض الجسدنة في حين يعالج افتعال الأمراض بالعلاج السلوكي المعرفي وهو يتطلب مواكبة طويلة الأمد لأن المصاب قد لا يستجيب وقد يستمر في محاولاته للفت الانتباه بأذية نفسه أو غيره.

الاستسقاط, باريدوليا والتحيز التأكيدي: روابط من العدم

6
الاستسقاط (apophenia) هي رؤية وصنع روابط بين أمور لا رابط حقيقي فيما بينها, وهي ظاهرة يفعلها الجميع بتفاوت.
صاغ المصطلح عالم النفس الألماني كلاوس كونراد أثناء وصفه أعراض السكيزوفرينيا حيث اعتبر الاستسقاط من ضمن الأعراض الأولية لمرضى الفصام (السكيزوفرينيا) فمرضى الفصام يميلون للمبالغة في الاستسقاط.

ما هو الاستسقاط؟
صنع الروابط مهمة جد ضرورية لنا كبشر للبقاء على قيد الحياة, فالأم مثلا التي تسمع بكاء رضيعها قد تربط بكاءه بجوعه لأنها لم تطعمه, والشخص الذي يدلف إلى منزله فيرى النافذة مفتوحة وبعض الأغراض ناقصة فهو سيربط ما يراه باحتمال تعرضه للسرقة ويأخذ حذره من اللص الذي قد يكون ما يزال بالمنزل.
إذن نحن نقوم بصنع روابط بشكل جد طبيعي ويومي سواء في حياتنا اليومية الروتينية أو في الأمور الأكثر تعقيدا كحل التمارين بالمدرسة أو العمل أو نسج النظريات العلمية أو الاختراعات التكنولوجية...إلخ.

إلا أن الاستسقاط يمثل المبالغة في ممارسة خلق الروابط ورؤيتها في أمور لا رابط بينها, وهو خطأ نقع فيه جميعا بشكل طبيعي, وأحيانا إن كان جد مبالغ فيه فهو قد ينبؤنا بشخصية ذهانية تعاني من الفصام أو اضطراب الشخصية الشبه فصامية مثلا أو غيرها...
 للاستسقاط أنواع عديدة تندرج تحت مسماه, دعونا نتعرف على بعضها:

باريدوليا Pareidolia:
الباريدوليا هي رؤية معاني في أشياء لا تحمل أي معنى كرؤية الوجوه في الجمادات والصور والسحب.
هل يمكنك رؤية الوجوه بهذه الصور؟
أغلب البشر يمكنهم رؤية الوجوه بهذه الصور, وإن كنت تذكر صورة الوجه بالمريخ فقد أثارت ضجة بين العامة, رغم أن الصور الملتقطة من زاوية أخرى لهذه التكتلات لا تظهر وجها بالمطلق.
نحن خلقنا لنتعرف على الوجوه, كبقية الكائنات لدينا تلفيف بالمخ مسؤول على التعرف على الوجوه إذ أننا لا نتعلم أن هذا الذي نراه وجها بل ندركه غريزيا, الرضيع سينظر إلى عينيك مباشرة دون أن تخبره أنهما عينيك, سترى حيوانا أول مرة في حياتك ولكنك ستتعرف على وجهه والحيوان سيتعرف على وجهك أيضا وستراه ينظر في عينيك مباشرة...قد تصاب هذه المنطقة بالمخ فيستحيل على المصاب التعرف على الوجوه ويصير لديه ما يسمى "عمى تعرف الوجوه"
الدماغ لدينا يشتغل كآلة لذا هو إن بدا له ما يشبه الوجه سيمدك بمعلومة أنه وجه تماما كما بالصور بالأعلى, بل إن أبسط تفصيل كخط ودائرتين سيخبرك دماغك أنه وجه 0_0

الأمر ذاته بالنسبة لرؤية أمور ألفناها, كصور بعض الحيوانات بالأشجار أو لفظة الجلالة "الله" بالخضر والفواكه أو اسم "محمد" بالأحذية والزرابي, هي رسوم كتابية اعتدنا رؤيتها وصارت جد مؤلوفة لنا ولها حمولة دينية مهيبة بأنفسنا لذا فدماغنا مستعد لرؤيتها في كل شيء.
يقع العديد من الناس في هذا الفخ فتراه ينشر صورة ما يشبه الوجه بشجرة مرفوقة بعبارة "سبحان الله!" طبعا سبحان الله دائما وأبدا ولكن ما تراه بالشجرة مجرد خطوط عشوائية ألف دماغك على أن يتعرف فيها على الوجوه, ونفس الشيء بلفظ الجلالة "الله" واسم "محمد" عليه الصلاة والسلام وصورة المسيح أو العذراء مريم بالنسبة لأتباع الديانة المسيحية الذين يرون صور المسيح والعذراء عليهما السلام في كل شيء نظرا لأنهم اعتادوا على الصور والتماثيل المجسدة لهما, فنحن كمسلمين لن نرى صور المسيح أو العذراء بالخضر والفواكه وهم كمسيحيين لن يروا لفظ الجلالة "الله" واسم "محمد" بالخضر والفواكه والأحذية.
الانحياز التأكيدي:
الانحياز التأكيدي هو نوع من أنواع الانحيازيات المعرفية وكما يشير اسمه فالمقصود به أن الشخص ينحاز لمعتقد يؤمن بصحته مسبقا فيبحث فقط عما يؤكد صحته مع إهمال البحث عما يعارضه.
يؤدي الانحياز التأكيدي للوقوع بالاستسقاط حيث يبدأ الفرد بصنع روابط بالمعطيات المتوفرة لديه لتأكيد صحة معتقده.
مثلا قد تفكر في شخص فيصادف أن يتصل بك في حينه, وهي حالة كثيرا ما تحدث لنا إلا أن هناك من يتوقف عندها طويلا كظاهرة غريبة...في واقع الأمر أن عدد المرات التي تفكر فيها بذلك الشخص فلا يتصل أبدا كثيرة جدا ولكنك تنسى الأمر برمته فأنت لن تتساءل بينك وبين نفسك: لقد فكرت فيه ولم يتصل! كما أن عدد المرات التي يتصل فيها بك كثيرة أيضا دون أن يسبق ذلك تفكير فيه, إلا أن تلك المرات القليلة التي "يصادف" أنك تفكر فيه فيتصل ستتوقف عندها كظاهرة غريبة رغم أنها مجرد صدفة.
وبالتالي فالشخص قد يبحث عما يؤكد صحة هذه الظاهرة فيحصي لك عدد المرات التي فكر فيها بشخص فاتصل به, لكنه أبدا لن يحصي لك المرات التي فكر فيها بشخص فلم يتصل أو اتصل دون أن يفكر فيه وهي أضعاف مضاعفة, لأنه منحاز تأكيديا.

قد يحذرك البعض من زيارة بلد ما لكثرة السرقة هناك, أنت عند زيارتك لذلك البلد إن شهدت حادث سرقة فإنه سيتأكد لك كلام من حذرك في حين أنه حادث واحد فقط مقابل حوادث عدة شهدتها في بلدك, فلأنك منحاز تأكيديا فأنت تريد تأكيد فكرة مسبقة ومعتقدا منسوجا بذهنك حول السرقة بهذا البلد.

الانحياز التأكيدي فخ يقع فيه العلماء بكثرة, فمدرسة علم النفس التحليلي الكلاسيكية مثلا تعج بالأمثلة, كنظرية يونغ للتزامنية والتي تعد مثالا واضحا للباريدوليا, فيونغ يفسر الصدف على أنها محملة بالمعاني التي علينا اتباعها... الأمر ذاته بالنسبة لزلات أو منزلقات فرويد والتي يُحمّل فيها زلات اللسان معاني لاواعية عديدة, وكثيرة هي اختبارات علم النفس التحليلي المبنية على الاستسقاط كتحليل النصوص والرسوم ورؤية المعاني خلفها, في حين أنها قد لا تحمل أي معنى بالمطلق كأمثلة على تأثير الباريدوليا والانحياز التأكيدي.
الأمر ليس مقتصرا على مدرسة علم النفس التحليلي بل يتعداه لشتى المجالات, فكثير من العلماء ينحازون تأكيديا لنظرية من النظريات يبحثون عما يؤكد صحتها.
أنت إن اعتقدت بصحة نظرية ما فستبحث عما يؤكدها ولن تبحث عما ينفيها, وسترسخ كل يوم صحتها بذهنك, تماما كمثال البلد الذي تكثر به السرقة, لأن عددا كبيرا من الأشخاص يعتقدون بصحة النظريات إما لأنها تروقهم أو تجيب بعضا من التساؤلات التي تؤرقهم, فقد يدافع ويحامي بعض من الملحدين نظرية التطور ليس كنظرية علمية بل لأنها تجيب سؤالا مطروحا في أذهانهم, الأمر ذاته ينطبق على المعتقدات الدينية, فالذي يعتقد بصحة دينه سيقرؤ كتبا تؤكد له صحة معتقده تماما كالملحد الذي سيقرأ الكتب التي تؤكد صحة عدم وجود إله.

الانحياز الاختياري:
هو خطأ يقع فيه البعض أحيانا عند إجراء مقارنات إحصائية, أي أن أجري إحصاءات قد تبدو صحيحة ظاهريا لكنها خاطئة من حيث أن العينة تكون اختيارية وغير عشوائية سواء بقصد تحت تأثير الانحياز التأكيدي أو دون قصد.
مثلا أريد أن أجري دراسة إحصائية للمقارنة بين الرجل والمرأة, فأذهب للمستشفى جناح مرضى القلب وأطلب من بعض الرجال هناك أن يقوموا ببعض الحركات الرياضية, ثم بعد ذلك أذهب لناد رياضي نسائي وأطلب من الرياضيات هناك أن يقمن بنفس الحركات الرياضية التي طلبتها من مرضى القلب, ثم أخرج بالاحصاءات كالتالي: 100 رجل و100 امرأة تمكن رجلان من إتمام الحركات الرياضية في حين تمكنت كل النساء من إتمام الحركات الرياضية إذن قوة تحمل المرأة أكبر من قوة تحمل الرجل.

أو كمثال آخر أجري فيه دراسة حول أعداد الأميين بالبلد فأذهب للجامعة وأوزع الاستمارات على الطلاب أسألهم فيها: هل تجيد القراءة والكتابة؟ لأحصل على نسبة مائة بالمائة.

قد تبدو لك الأمثلة ساذجة ومضحكة ويمكن تجنبها إلا أنني تعمدت التطرف قصد التفسير فكثيرا ما يقع المرء في فخ الانحياز الاختياري دون أن يدري, لأنه يصعب اختيار عينة عشوائية فيبدأ بصنع الروابط والاستنتاجات من قاعدة بيانات مغلوطة من الأساس.

خلاصة:
إذن هل سبق ووقعت في فخ الاستسقاط؟ لابد وأنك فعلت ذلك مسبقا فجميعنا بشر ويصعب علينا التحكم في أدمغتنا التي تقودنا كآلات مبرمجة.
الهدف هو التقليص قدر المستطاع من الانجراف خلف تأثير الاستسقاط سواء الباريدوليا أو الانحياز التأكيدي, ليصير حكمك على الأفكار والمعتقدات ذو أساس متين.

ما الفرق بين السحر والمرض النفسي؟

3
سأتحدث عن موضوع أراه مهما بسبب تخبط ومعاناة عدد كبير من المرضى, لست هنا لأفتي ولا لأتحدث في أمور عقائدية لأن هذا ليس هدفي, بل هدفي هو محاولة فهم بعض المشاكل الصحية المرتبطة بالسحر أو التي يعتقد أصحابها أنها مرتبطة بالسحر ومحاولة حلها.

أنواع السحرة والمشعوذين:
ممارسوا السحر والشعوذة كثر وأغلبهم من الرجال وزبائنهم من النساء, يلجأ بعض الأشخاص لامتهان السحر والشعوذة لما لها من مكاسب مالية طائلة دون أن يكون ما يمارسه سحرا حقيقة.
هناك أشخاص عاديون لا يعرفون شيئا عن السحر ولا يفقهون شيئا عنه, لكنهم يدعون امتلاكهم لقدرات سحرية كأي نصاب بالعالم يريد كسب المال, فالسحر ليس وظيفة مقننة ولا تحتاج لمزاولتها شهادة أكاديمية تتأكد من صحة قدرات حاملها السحرية وبالتالي فليس كل ممتهن للسحر بساحر فعلا, بل هو باب مفتوح لكل من هب ودب من الجشعين الذين يستغلون سذاجة وقلة إيمان بعض النسوة لما تغدقه عليهن من أموال.

أنواع السحر وعلاجه:
اطلعت على فتوى بن عثيمين رحمه الله فوجدت أنه يقسم السحر لنوعين وهذا كلامه باختصار:
"السحر ينقسم إلى قسمين :
الأول: عقد ورقى، أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى الإشراك بالشياطين فيما يريد لضرر المسحور....
الثاني : أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور ، وعقله ، وإرادته ، وميله وهو ما يسمى عندهم بالعطف ، والصرف ، فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء والصرف بالعكس من ذلك ، فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئاً فشيئاً حتى يهلك ، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه."


سنتحدث عن النوع الثاني أولا, حيث تستخدم فيه أدوية وعقاقير لا يتدخل فيها لا جن ولا عفريت ولا أي قوى خارقة وإنما هي مجرد مواد كيميائية تعمل على تسميم الضحية.
أي بشكل أوضح فإن الساحر في هذه الحالة سيمد الضحية بسموم يتناولها أو يستنشقها أو تلمس جلده ليمتصها فتؤثر على وظائف جسده.

أعراض التسمم:
المواد المستخدمة في السحر النوع الثاني -الذي ما هو إلا عملية تسميم- عديدة ولا تعد ولا تحصى فكما علمنا فباب امتهان السحر مفتوح لكل من هب ودب ويمكن لأي ساحر أن يمد الزبون بأي مواد سامة ربما هو ذاته لا يدرك فتكها لجهله بها.
في الغالب تكون سموما عصبية, Neurotoxin ذات مفعول مدمر للجهاز العصبي فتظهر على الضحية أعراض شبيهة بأعراض الاضطرابات النفسية.
يمكن للسموم العصبية أن تأخذ عدة أشكال فنجدها على هيئة معادن كالزئبق والليثيوم وكادميوم وغيرها الكثير.. أو كأعشاب وطحالب أو حشرات وحيوانات أو أي مصادر أخرى...كما يمكن للضحية أن يتسمم عن طريق تناول هذه السموم أو استنشاقها أو احتكاك الجلد بها حسب نوع السم, وقد يحدث التسمم بتعرض المصاب لجرعات صغيرة من المادة بشكل متكرر مدة طويلة من الزمن.

ومن الأعراض الشائعة التي قد تحدثها هذه السموم العصبية نذكر:
- اكتئاب وقلق واضطرابات بالنوم وكوابيس.
- تغير بالسلوك بشكل جد ملاحظ.
- سلوكات قهرية واندفاعية وأفكار وسواسية.
- مشاكل واضطرابات جنسية.
- فقدان الاتزان وفقدان القدرة على معرفة الوقت.
- تساقط الشعر في حالة التسمم ببعض أنواع المعادن مثلا...
- آلام بالعضلات وتعب مزمن.
- صداع مزمن.
- تشوش البصر.
- تشوش الذاكرة وفقدان التركيز.
- قد يحدث تخلف عقلي بسبب التلف الشديد للخلايا العصبية.
- ضيق بالتنفس وعدم انتظام بدقات القلب.

هذه فقط بعض من الأعراض التي تسببها مختلف أنواع السموم العصبية, لكل سم عصبي أعراضه الخاصة وقد تؤدي بعضها للموت المحقق في آخر المطاف.
للأسف لا يمكن للأطباء تشخيص كثير من الحالات لأن الأعراض تشبه أعراض أمراض عديدة وتحتاج لتحاليل مخبرية خاصة قد لا يخطر للطبيب أن المريض مسمم فيفسر الأمر على أنه مجرد اضطراب نفسي فلا تنفع معه الأدوية النفسية, مما يدفع بالمصاب للجوء للرقية ظنا منه أنه يعاني من سحر, خصوصا إن علم أنه فعلا مسحور, وهو وإن كان ما تعرض له يقع تحت مسمى "السحر" إلا أنه في حقيقته سم لا يمكن للرقية إخراج المعدن من جسمه, أو إحياء الخلايا العصبية التالفة بدماغه.
ليس بالضرورة أن يحدث تسمم للمصاب عن طريق سحر فقد يحدث بشكل عرضي كالتسمم بالبطاريات التي يتركها الآباء للأطفال يلهون بها والتي تحتوي على معادن سامة كالكادميوم.
لذا إن كنت تشك في تعرضك أو لأحد أفراد أسرتك لسحر من هذا النوع أو لتسمم بشكل عام فعليك إخبار شكوكك للطبيب وإن كنت تحتفظ بالمادة التي تعتقد أنها السبب كمخلفات الطعام أو عطر أو أي مادة مشكوك في أمرها, فخذها معك لتحويلها للمختبر لدى المختصين بعلم السموم لتحليلها قصد معرفة نوع السم ومن تم إيجاد الترياق والعلاج المناسبين.

أمراض نفسية أم سحر ومس؟
الآن سأعرج للنوع الأول الذي يستخدم فيه الجن, لقد اطلعت على أعراض السحر بالجن أو المس ببعض الكتب ووجدتها تشبه لحد كبير أعراض بعض الاضطرابات النفسية, ودعونا نلقي نظرة على أعراض السحر كما جيئت في كتاب "الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار".
يقول الكاتب أن من أعراض سحر الجنون هي كالتالي:
- الشرود والذهول والنسيان الشديد.
- التخبط في الكلام.
- شخوص البصر وزوغانه.
- عدم الاستقرار في مكان واحد.
- عدم الاستمرار في عمل معين.
- عدم الاهتمام بالمظهر.
- وفي الحالات الشديدة, ينطلق على وجهه لا يدري أين يذهب, وربما نام في الأماكن المهجورة.

ذكر الشيخ في كتابه عددا كبيرا من أنواع السحر, ولكنني سأكتفي بهذا النموذج فقط لشرح الفكرة.
هذه الأعراض المسطورة فوق يمكننا أن نراها في عدة اضطرابات نفسية, دعنا نضع بعض السيناريوهات التي نراها بشكل متكرر والتي يتم تفسيرها على أنها سحر:

- تأتي امرأة لشيخ وهي تتحدث بلسان جني يقول أنه لا يريد أن يخرج من جسدها أو أن عددا كبيرا من الشياطين تقطن جسدها, فيبدأ الشيخ بالأخذ والرد مع الجني الذي قد يكون كافرا أو مسلما أو يسلم لاحقا...المرأة تعاني من انفصام بالشخصية وهي تتحدث بلسان شخصيتها الأخرى التي اختارت لها أن تكون جنيا.

اقرأ عن الاضطراب التفارقي
 
- يسارع الأهل بابنتهم المراهقة للشيخ كونها أصيبت بالعمى أو الصمم أو الشلل في حين أكد لهم الطبيب أنها لا تعاني من أي مشكل صحي وأن عيناها سليمتان تماما ويمكنها الرؤية, أو أن ساقيها طبيعيتين ولا يوجد أي مشكل من شأنه أن يسبب لها عدم القدرة على المشي, فيقرأ الشيخ على المراهقة القرآن فتقع أرضا في حالة صرع, فيتأكد الأهل أن عينا قوية أصابتها, في حين أنها تعاني من الاضطراب التحولي أو ماكان يعرف سابقا بالهستيريا التحولية.

اقرأ عن اضطرابات الجسدنة

- فجأة يتراجع طالب مجد في دراسته ويتحول لشخص شكاك, ويغلق على نفسه الباب ويهمل نظافته وملابسه على غير عادته, ويبدأ يتفوه بكلام غريب وأحيانا يسمعه أهله يتحدث مع شخص ما بغرفته وعندما يفتحون الباب يصمت, وعند سؤاله يخبرهم أنه كان يتحدث مع شيطان, يأخذه الأهل للراقي بسبب أعراض السحر أو المس التي أصابته في حين أنها أعراض بداية مرض الفصام.

اقرأ عن الفصام

الأمثلة عديدة جدا وقد سبق وخصصت لبعض الاضطرابات مقالات منفردة يمكنك الاطلاع عليها ومقارنتها مع بعض الحالات التي تراها فعلا بوسطك أو تلك التي سمعت عنها والتي يتم تفسيرها على أنها سحر أو مس وأغلبها لنسوة لأن أغلب مرضى الاضطرابات التفارقية والاضطرابات التحولية هم نسوة وليس لأن الجن يعشق النساء أكثر من الرجال.

لست هنا لأنفي وجود السحر أو الجن فأنا أسلّم على أننا جميعا مسلمون ومؤمنون بالسحر والجن لذكرهما بالقرآن الكريم والسنة, كما أنني لست مفتيا أو شيخا لأخوض في ماهية السحر أو المس, ولكن الفكرة التي أود إيصالها هي أن عددا كبيرا من المرضى النفسيين يفسرون أمراضهم على أنها سحر أو مس مما يجعلهم يفوتون على أنفسهم علاج أمراضهم في بداياتها حيث أن اضطرابا كالفصام يحتاج لعلاج دوائي في أسرع وقت ممكن قبل تدهور صحة المريض, إلا أن هذا لا يحدث للأسف بسبب لجوء أهل المريض للرقية لاعتقادهم أن المريض مسحور. 

كيف يمكن التمييز بين السحر والمرض النفسي؟
كما رأيت لايمكن التمييز بينهما مما يجعل العالم العربي وبعض الدول النامية الغير اسلامية أيضا تعاني من نسب مهولة من المرضى النفسيين الذين لا يتلقون علاجات بسبب تفسير الأهل الدائم على أنه سحر أو مس أو أرواح شريرة حسب معتقد كل مجتمع.

 لذا أنصحك عزيزي القارئ إن كنت تريد أن تسلك طريق العلوم الشرعية أو إن كنت طالب علم وتمارس الرقية أن تطلع على الأمراض النفسية وأعراض التسمم وتأخذ عنها فكرة عامة حتى إذا ما لجأ إليك شخص يعاني من التسمم أو اضطراب نفسي نصحته بعيادة الطبيب.
لا عيب في أن ينصح الراقي المصاب بزيارة الطبيب, وأنا هنا أقصد الرقاة التقاة وليس من همه جمع المال.

في حالة تعرضه للتسمم كما أسلفنا الذكر فيما ستنفعه الرقية؟ هل ستعود الخلايا للحياة بالقرآن؟ إذا ماتت خلايا الجلد وبدأت بالتقشر هل قراءة القرآن سيجعل القشور تعود للحياة؟ إذا جرحت بسكين هل سيلتئم الجرح بالقرآن؟ إذن لماذا تريد لخلايا الدماغ أن تعود للحياة بالرقية إن كنت تنفي عودة خلايا الجلد للحياة؟
الصورة بالرنين المغناطيسي لدماغ توأمين, على اليسار توأم سليم وعلى اليمين توأم مصاب بالفصام.
والآن أخبرني كيف ستصلح الرقية ما أفسده الفصام؟
 لا داعي لتفسير كل شيء على أنه سحر ومس.

انصحه بالذهاب للطبيب للعلاج وإن لم ينفع معه علاج قم بمداومة الرقية, فلا منكر من زيارة الطبيب.
لماذا لا يلجأ المريض للطبيب وللراقي في ذات الوقت, بما أنه لا يمكن التمييز بين السحر والمرض النفسي والتسمم أو أي مرض آخر الجأ للطبيب إذا شفيت فنعم هي, وإن لم تشف فالجأ للرقية, أو الجأ لهما معا لأن الهدف هو أن يصير المريض بخير سواء بطب أو رقية.

عند اطلاعي على بعض الكتب وعلى المواقع المتخصصة بالسحر والرقية وجدت كوارث عدة, مصائب لا تعد ولا تحصى قرأت حالة امرأة افتض جني غشاء بكارتها, وأدلة على إمكانية حمل المرأة من الجني وحمل الجنية من الرجل.
حمل المرأة من الجني كلام قاله أناس عاشوا زمنا غير زماننا لا هم بأنبياء ولا بمعصومين ولم تتوفر لهم إمكانياتنا ولا العلوم ولا الطب ولا التكنولوجيا المتوفرة لنا اليوم, لذا فلا يعيبهم أنهم قالوه وهم في القرون الوسطى أما أن يفتي بصحته شخص بعصرنا هذا فمصيبة حقيقية!!

هل تنفع الرقية المرضى النفسيين؟
حسب حالة كل مريض, هناك أمراض لا تنفع معها رقية كالفصام وثنائي القطب والاكتئاب المزمن لأنها أمراض كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأي مرض مزمن لا يعالج إلا بالأدوية, أما في حالة بعض الاضطرابات التي لا تكون بحاجة للأدوية فيمكن للرقية أن تكون جد مفيدة للمصاب المؤمن بجدواها لأن القرآن يطمئنه ويريح نفسيته.
فمرضى الاضطراب التفارقي قد تفيدهم الرقية, وفي بعض الحالات يشفى المريض فعلا وفي أخرى تزداد حالته سوء وتتدهور أكثر فأكثر وإن سألتم الرقاة سيخبرونكم عن حالات استعصى فيها الجن عن الخروج من جسد الممسوس في حين أنه ليس بجني بل شخصية من شخصيات مريض انفصام الشخصية.
ذات الأمر بالنسبة لمرضى الاضطراب التحولي قد تفيد الرقية المصاب ويختفي العرض الذي يعاني منه وقد تتدهور حالة المريض أكثر...كذا بعض الموسوسين بالدين والقلقين.

اقرأ عن الوساوس القهرية وعن اضطرابات القلق

السبب راجع لكل فرد على حدة فهذه الحالات لها ارتباط وثيق بالقلق وقد يفيد القرآن في تهدئة نفوس المرضى وقد لا يفيدهم, بسبب الاستعداد النفسي للمريض لتلقي الرقية, قد يلجأ للراقي وهو متلهف ومؤمن أشد الإيمان بجدواها في شفائه فيحدث الشفاء بإذن الله وفي بعض الحالات يذهب المريض وهو جد متخوف أو بشكوك فيبدأ بالمقاومة أو عدم الاستجابة, لذا على الراقي أن يتوقف عن رقية المريض إن رأى أن حالته تسوء أو بدت منه مقاومة.

الاضطراب التفارقي: انفصال عن الواقع وتعدد بالشخصيات

8
لوحة للفنان السريالي البلجيكي رينيه ماغريت

تعد الاضطرابات التفارقية نادرة مقارنة ببقية الاضطرابات النفسية, ومع ذلك فإن الجميع يعرفها بفضل صانعي الأفلام الذين يحبذون هذا الاضطراب كثيرا في أفلامهم, حتى لباتت هذه الاضطرابات رغم ندرتها أكثر شهرة من بقية الاضطرابات النفسية.

ما هو الاضطراب التفارقي؟
التفارق والذي يعني الانفصال يتمثل في انفصال الشخص عن واقعه أو عن جزء من ذاكرته أو هوية شخصيته... يحدث التفارق أثناء الضغوطات والقلق لعدد كبير جدا من البشر الطبيعيين في فترات من حياتهم وتحدث لنا جميعا بعض الأعراض التفارقية الطبيعية مثلا كأن تصل لمكان لا تدري كيف وصلت إليه ولا الطريق المؤدية إليه.
أو أن تجلس في حالة سهو لا تفكر فيها بشيء محدد فيمر الوقت سريعا دون أن تشعر بالوقت قد مر وكأنك لم تكن بهذا العالم.

إلا أنه وفي بعض الحالات النادرة يصير التفارق اضطرابا حقيقيا يستمر طول الوقت بأعراض شديدة معيقة للحياة.
وللتفارق أنماط شتى قد تجتمع بعضها أو جلها لدى مصاب واحد وهي كالتالي:

اضطراب الشخصية الانفصامية (تعدد الشخصيات) :
ومن أعراضه أن يصير للمصاب عدة شخصيات يمكن لأسرة المصاب لمس أوجه الاختلاف بينها بسهولة.
وقد يحاول المصاب مقاومة هذه الشخصيات ومنعها من الظهور دون فائدة, فيشعر بها عالقة في ذهنه.
تتراوح الشخصيات من اثنان إلى مائة شخصية, وتكون لهذه الشخصيات أحيانا أصوات مختلفة وقد تتكلم بلغات مختلفة إن كان المصاب يجيد اللغات, ولكل منها أسلوب تفكير مختلف وأحيانا اسم مختلف وعمر مختلف وجنس مختلف, تحدده كل شخصية بنفسها,
وقد لا يتذكر المصاب ما قاله أو فعله بشخصياته الأخرى.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الاضطراب ليس ذهانية وبالتالي فإن المريض مدرك تمام الإدراك للحالة التي يعيشها.

فقدان الذاكرة التفارقي:
يفقد المصاب ذاكرته بخصوص مرحلة ما من حياته لدقائق أو ساعات أو حتى أيام, وفي بعض الأحيان الجد نادرة يفقد الذاكرة لسنوات عديدة, فلا يتذكر مثلا مرحلة الدراسة أبدا, أو فردا من أفراد أسرته وكأن هناك هوة في ذاكرته وثقبا بخصوص هذه المرحلة أو هذا الفرد...فيحاول مثلا تذكر الأيام واللحظات التي قضاها رفقة صديق ما فلا يتذكر أي شيء بخصوصه.

شرود تفارقي:
يسافر المصاب لمكان آخر منتحلا هوية أخرى ليست هويته مع فقدان للذاكرة بخصوص هويته الحقيقية, وهي حالة جدا نادرة.
فالشخص قد يسأله من يكون فيجيب على أنه فلان بن فلان ويعمل مدرسا منذ سنوات, في حين أن هذه المعلومات خاطئة.
هو لايكذب ولكنه يفقد هويته وينسى من هو تحديدا, وقد تدوم الحالة بضعة أيام أو حتى شهورا.

تبدد الواقع:
يشعر المصاب أن محيطه غير حقيقي, فيراه وكأنه متغير في شكله وألوانه, وكأنه ليس هو العالم الذي يعرفه أو أن العالم المحيط به بلا روح ومجرد وهم, وأن الناس مجرد آلات متحركة.
قد يبدو له محيطه عبارة عن ضباب أو أنه يراه من بعيد.
يكون المصاب في هذه الحالة مدركا بحالته ويعلم جيدا أن ما يمر به تجربة غريبة لا تمثل الواقع.

تبدد الشخصية:
على غرار تبدد الواقع يحدث للمصاب تبدد بالشخصية بحيث يشعر بالتغيير بذاته وليس بمحيطه فيشعر وكأنه أصبح آلة أو أنه يخرج من جسده ويراقب نفسه من الخارج, أو يشاهد نفسه كفيلم, أوينتابه شعور بأنه شخص وهمي غير حقيقي أو أنه لا وجود لفواصل بينه وبين المحيطين به أو انفصال عن بعض من عواطفه أو أجزاء من جسده.
وقد ينظر لنفسه بالمرآة فلا يستطيع التعرف عليها.

صرع:
في بعض الحالات يحدث للمريض تشنجات في أعضاء جسده كتشنج بذراعه أو ساقه أو جسده كله فيصاب بما يشبه الصرع ويقع أرضا منتفضا وتبيض عيناه وقد تنقبض عضلات مثانته فيتبول لاإراديا تماما كما يحدث لمريض الصرع.
إلا أن هذه الحالة ليست صرعا حقيقيا فعند إجراء فحص لكهرباء الدماغ تظهر النتائج سليمة مائة بالمائة وبأن المريض لا يعاني من الصرع حقيقة وإنما تشنجات تحدث نتيجة الاضطراب النفسي.
اقرأ عن اضطرابات الجسدنة


الأسباب:
قد تحدث بعض الأعراض بسن المراهقة بشكل جد طبيعي كتبدد الشخصية أو المحيط بسبب التغيير الحاصل للإشارات العصبية بالدماغ بهذه المرحلة, والتي تبدأ بالاختفاء تدريجيا بعد تجاوز الشاب للعشرينات من العمر تقريبا إلى أن تختفي نهائيا, وربما عزيزي القارئ ستتذكر أنه سبق وحصل لك هذا النوع من التفارق أو ذاك, وهو أمر جد طبيعي.
 
أحيانا يكون التفارق مصاحبا لمرض نفسي آخر, كالفصام أو ثنائي القطب أو اضطراب الشخصية الحدية...وأحيانا يحدث التفارق بعد التعاطي لبعض أنواع المخدرات أو الأدوية, وأحيانا ببعض الممارسات والطقوس الدينية التي يحاول فيها الفرد الانفصال عن الواقع.

إلا أن الاضطراب التفارقي الذي لا يكون مصاحبا لأي مرض نفسي آخر يكون سببه في الغالب صدمة شديدة تعرض لها المصاب بطفولته الأولى قبل سن الخامسة وكلما كان سن الطفل صغيرا أثناء تلقيه الصدمة كلما كان احتمال تطويره لاضطراب تفارقي بالمستقبل كبيرا, فنرى الاضطرابات التفارقية مصاحبة أيضا للمصابين باضطراب الكرب التالي للصدمة, كالناجين من الحروب والكوارث الطبيعية أو الحوادث المميتة أو التعذيب والإساءة البالغة.
التفارق في هذه الحالة وسيلة وآلية دفاع نفسية يلجأ إليها عقل المصاب لحماية نفسه, فيحاول نسيان ما حدث بفقدان الذاكرة المؤقت, أو بالتحول لشخصيات أخرى أو بالانفصال عن الواقع.
فالطفل الصغير الذي تعرض لعنف جسدي وإساءة شديدة كالاغتصاب مثلا من طرف أحد أقاربه الذين يحبهم ويقدمون له الرعاية قد لايتقبل عقله الفكرة فينسى الحادث ويتصرف مع قريبه وكأن شيئا لم يحدث, وقد يكبر فعلا وينسى هذه المرحلة من حياته ويحاول عقله كل حين صرفه عنها بالتفارق.
لذا فالمصاب عادة ما يحدث له التفارق كلما رأى, سمع أو شم شيئا يذكره بالحادث.

النساء والرجال:
بشكل عام فالنساء أكثر إصابة بالاضطراب التفارقي مقارنة بالرجال بنسبة جد معتبرة.
بعض الاحصاءات الغربية تشير إلى حدوث اضطراب الشخصية الانفصامية لدى النساء بمعدل 9 مقابل 1 بالنسبة للرجال, أي أن 90  بالمائة من الحالات هي لنساء.
ولا يعرف على وجه الدقة السبب إلا أن بعض التفاسير تحيل الأمر لتعرض النساء للاعتداءات الجنسية بالطفولة بشكل أكبر مقارنة بالرجال, وترى تفاسير أخرى أن نسبة الإصابة بالاضطراب التفارقي لدى كلا الجنسين هي ذاتها إلا أن الاضطراب لدى الرجل يأخذ منحى آخر كفقدان الذاكرة التفارقي أو الشرود أو تبدد الشخصية, إلا أنه لا وجود لإحصاءات تتبث هذا التفسير.

بالعالم العربي يصعب إجراء إحصاء معتمد لأن أغلب الحالات تلجأ للرقاة لغرابة الأعراض التي تجعل الشخص يعتقد أنه مس خصوصا في حالة اضطراب الشخصية الانفصامية التي يظن فيها المصاب وأسرته أن الشخصيات المتعددة ما هي إلا شياطين, وفي أحيان كثيرة تلعب الشخصية دور الجني فعلا فيتحدث المصاب على أنه شيطان وله أسرة وجميعهم يقطنون بجسد المريض, هذا لأن المريض ذات نفسه يقنع نفسه بهذا الاعتقاد, لذا فهو يتحدث بشخصياته الأخرى على أنها شياطين.
اقرأ عن الفرق بين السحر والمرض النفسي

العلاج:
لا وجود لأي أدوية تعالج أعراض التفارق لذا تقتصر الأدوية على علاج أعراض القلق أو الاكتئاب أو الحالات الذهانية إن وجدت في حين يرتكز علاج المصاب أساسا على العلاج السلوكي المعرفي والتحدث حول الموضوع وبأسلوب علاج حديث نسبيا يدعى 
"إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة" لربط التفارق مع الحادث الذي حصل بالطفولة المبكرة والذي كان سببا للاضطراب.

اختبار الشخصية الحساسة

9
اختبار فرط الحساسية من تطوير عالمة النفس إلين أرون وزوجها بعد أن أجرت بعض الدراسات حول عدد ممن يعانون من فرط الحساسية وقد كانت إلين ذات نفسها تعاني من فرط الحساسية.
جرب الإجابة علي الأسئلة بتجرد دون محاولة اختيار الإجابة المثالية.
 وكملاحظة فلم تُخصص أرون اختيارات للأسئلة وقد أضفتها كاجتهاد مني لجعل الاختبار مفهوما أكثر لذا قد لا يكون دقيقا ولكنه سيعطيك فكرة عامة حول مدى حساسيتك

الوسواس القهري: أفكار وسلوكات لاخلاص منها

20
الخزانة البشرية, رسمة للفنان السريالي الاسباني دالي سلفادور

يعد الوسواس والسلوك القهري اضطرابا جد شائع يصيب عددا كبيرا من الأشخاص, وقد لا يعلم المصاب أن ما يعاني منه وسواس قهري مما يكلفه الكثير.

ربما خلط البعض موضوع السلوك الإدماني السابق بالوساوس القهرية...لا يعد الوسواس القهري سلوكا إدمانيا, لأن مفهوم السلوك الإدماني أنه نشاط محبب إلى النفوس جالب للمتعة والنشوة للجميع, إلا أن المدمن يمارسه بشكل مفرط يؤثر على مجرى حياته كتناول الطعام أو الانترنت أو ألعاب الفيديو أو الجنس أو التحدث مع شخص يحبه إلى آخره...ولا يعد السلوك الإدماني اضطرابا لأن المدمن في واقع الأمر قادر على التخلص من إدمانه إن كانت لديه إرادة قوية أو مساعدة من الآخرين أو إن وجد بديلا يعوض الاشباع العاطفي الذي يحققه ذلك النشاط.
قد تتحول بعض السلوكات الإدمانية لسلوكات قهرية كالمقامرة أو الجنس ولكن ليس العكس...فالوسواس القهري اضطراب يمكنك أن تستنتج من اسمه أن الشخص يفعله غصبا ,قهرا و رغما عنه دون أن يكون القيام به مبعثا للنشوة والمتعة بل عكس ذلك مقيتا ومبعثا للقلق والتوتر والضيق.

ينقسم الوسواس القهري لقسمين: 
1- أفكار وسواسية استحواذية: وهي أن تستحوذ فكرة أو صورة غير مرحب بها على ذهن المصاب لتتردد كل حين دون أن تكون لديه المقدرة على طردها, هو يحاول جاهدا مقاومتها ومحاولة تجاهلها دون فائدة, والمشكلة هنا أنها تكون أحيانا أفكارا جد مقيتة ومرفوضة بحيث يصعب على الشخص البوح بها للآخرين.

2- سلوكات قهرية: بعض الأفكار الوسواسية تتحول لأفعال وسلوكات يقوم بها الشخص بشكل متكرر عددا غير معقول من المرات دون أن يشعر بالراحة بعد القيام بها, كالاطمئنان من أن الباب مغلق عدة مرات أو غسل اليدين أو إعادة الوضوء عدة مرات أو إعادة الصلاة أو غيرها من السلوكات...

نصاب جميعنا ببعض الوساوس من حين لآخر وهذا أمر طبيعي فنكرر سلوكا نعلم أن تكراره غير ضروري أو أن تستحوذ علينا فكرة مزعجة لا نستطيع طردها, لكن مصاب الاضطراب يعيش هذه الوساوس بشكل عنيف باعث للقلق والضيق.
وعلى غرار دوامة السلوك الإدماني فإن الموسوس يعيش دوامة أسوء بكثير
تراود المصاب أفكاره الوسواسية فيشعر بعدها بقلق شديد حيالها ليقوم بممارسة سلوكه القهري فيمر بفترة كمون مؤقتة لتعود الأفكار الوسواسية مرة أخرى.
مثال: يشعر مصاب بالوسواس أنه نسي الغاز مفتوحا (أفكار وسواسية) فيشعر بقلق شديد حيال ذلك ثم يهرع للمطبخ للتأكد من أنه أغلق الغاز أو يتصل بعد خروجه من البيت بشخص ليتأكد بدلا عنه (سلوك قهري) فيطمئن مدة من الزمن ثم تعود الأفكار الوسواسية مجددا وهكذا....
مثل آخر: يشعر المصاب أنه مريض بالسرطان بعد جسه لانتفاخ بجسده يشعر بقلق وتوتر فيلجأ للطبيب أو يبحث بالنت عن الأعراض أو يسأل الآخرين, فيطمئن من أن ما يعاني منه مجرد انتفاخ طبيعي, ثم تعود الأفكار الوسواسية مجددا والقلق والتوتر حول الموضوع ويعود لزيارة طبيب آخر ليطمئن من أن الانتفاخ ليس ورما وهكذا يبقى في دوامة.

وعليك عزيزي القارئ المعافى أن تعلم أن الوسواس القهري مرض حقيقي وليس مجرد أفكار غبية تراود الشخص, فالمصاب يعلم أن ما يوسوس بشأنه غير منطقي ولكنه مريض هو ذاته يريد التخلص من الحالة التي يعيشها, لذا إن كنت صديقا أو قريبا لشخص يعاني من الوسواس فلا داعي لدعوته كل حين بالتوقف عن ما يفعل أو يفكر فيه لأنه يود فعلا التوقف عن ذلك أكثر منك ولكنه غير قادر.


بعض أنواع الوساوس القهرية:
يمكن للشخص أن يوسوس بشأن أي موضوع وأن يكرر سلوكا بشكل قهري إلا أن هناك سلوكات وأفكارا أكثر شيوعا ونذكر هنا بعضا منها:

- أذية الذات أو الآخرين: قد تستحوذ على الشخص أفكار وسواسية بخصوص أذية نفسه كالانتحار فيتخيل أنه يقفز من أعلى أو أنه يطعن نفسه بسكين, أو أن يؤذي شخصا آخر سواء كان محددا كفرد من أفراد العائلة أو صديق أو بشكل عام... قد تنتاب المصاب فكرة ضرب والديه أو اغتصاب أبنائه, وطبعا لا يستطيع أحد البوح بما يختلجه لأنها أفكار جد مقيتة لن يتقبلها أحد منه.
هو لايفكر جديا في الانتحار ولا في أذية أي مخلوق بل بالعكس قد تجده يحب الحياة أو والديه وأبناءه بشدة
الأمر أشبه بلحن موسيقي رديء يتردد صداه في ذهنك, فأنت لا تحب ذلك اللحن ولا تود سماعه ولكنه مع ذلك يتكرر في ذهنك.
وقد كان فرويد من أوائل من فصلوا في الموضوع بذكره قصة رجل مصاب بوسواس قهري تراوده أفكار استحواذية حول أذية نفسه ووالده في كتابه "رجل الجرذان".

- المعتقدات الدينية: ويعد هذا وسواسا جد منتشر بعالمنا الاسلامي بسبب أهمية الدين بحياتنا فالأفكار الوسواسية دائما ما تلعب على الوتر الحساس من حياة الشخص, كأذية أفراد العائلة بالمثال السابق أو المعتقدات الدينية.
تبدأ تحوم في ذهن المصاب وساوس من أن الدين مجرد خرافة أو أن الله غير موجود, ويحاول جاهدا الخلاص من هذه الأفكار دون جدوى, تتكرر في ذهنه كل حين في دوامة لا يستطيع الخلاص منها, هي أفكار تستحوذ عليه كمثال الأغنية الكريهة التي تعلق بالذهن.
ولا يعني هذا أن كل شخص شكك في الدين مصاب بالوسواس القهري.

- الشعائر الدينية: أي أن الشخص يوسوس حول كونه لم يقم بممارسة الشعائر الدينية على خير ما يرام فيكررها, كإعادة الوضوء عدة مرات أو إعادة الصلاة ظنا منه أنه نسي ركعة أو لم يقرأ الفاتحة أو نقض الوضوء أثناء الصلاة, إعادة الصيام وغيرها من الوساوس..

- وسواس الأمراض: قد تستحوذ على الشخص فكرة أنه مريض ويبدأ بالبحث عن أي عرض بسيط بالنت, أو أن يبذر ماله في زيارة الأطباء للتأكد من أنه بخير ويلجأ للتحاليل المكلفة دون أن يطمئن, وقد يوسوس بشأن مرض محدد بمنطقة محددة بجسده كأن يتفقد كل حين جزء من جسده للتأكد من خلوه من أي ورم سرطاني.

- النظافة: ويعد الوسواس حول النظافة من أشهر السلوكات القهرية بحيث يغسل الشخص يديه عدة مرات دون توقف وقد يغسل يديه حتى دون أن يلمس شيئا, أو أن يستحم أو ينظف منزله أو غيرها من السلوكات التي يوسوس بشأنها كعدم لمس الآخرين لأنهم ملوثين بالميكروبات.

- تفقد المنزل: على غرار تفقد الجسد وخلوه من الأمراض قد يتفقد البعض منازلهم عدة مرات كتفقد النوافذ  أو الغاز أو الأنوار...

- ترتيب الأغراض: حيث يصاب المريض بقلق وانزعاج شديدين عند رؤية الأغراض غير مرتبة فيضيع وقته في إعادة ترتيب كل شيء, أو إعادة ربط خيط حذائه عدة مرات أو ملابسه...

- الخوف من الأذية: يوسوس المصاب من أن شخصا يحبه سيتأذى وفي الغالب يصيب هذا الوسواس الآباء وخاصة الأمهات اللائي يوسوسن حول أبنائهن.

- أنشطة ذهنية: بمعنى أن الشخص يقوم بسلوك قهري بذهنه كعد الأرقام أو تكرار كلمة ما بذهنه بشكل متكرر مرهق ينغص عليه حياته.

- التشوه الجسمي ديسمورفيا: أي أن الشخص يوسوس بشأن جزء من جسده أو كله كأن يعتقد أن شكل أنفه غير جذاب أو لون جلده ليس على ما يرام فيتفقده كل حين بالمرآة أو أي زجاج يصادفه أو ألا يكون راضيا عن شكل أعضائه التناسلية أو أن عضلاته صغيرة الحجم, فتجد المصاب بهذا الوسواس يعمل على تحسين مظهر العضو الذي يوسوس بشأنه فترى الرجل يمارس الرياضة طول الوقت من أجل نمو عضلاته التي أبدا لا يرضى عن حجمها حتى لو كان بطل العالم في كمال الأجسام, والمرأة تجري عمليات تجميل لتكبير بعض أعضاء جسدها ولا ترضى عنها أبدا مهما كبرت لأن وساوسهم مرض نفسي.
ولا يعني هذا أن كل من مارس الرياضة أو عمليات التجميل بإفراط هو مصاب بالديسمورفيا.

- كنز الأغراض: يجد المصاب صعوبة جد بالغة في رمي أي غرض مهما كان, وقد لا يتخلص حتى من علب وأغلفة الطعام الفارغة.

- كشط الجلد وحكه وشده: يعد اضطرابا منفصلا والبعض يعتبره من ضمن اضطرابات الوسواس والسلوك القهري فالشخص يؤذي جلده بالشد والحك والإبر دون أن تكون لديه مقدرة على مقاومة سلوكه.

- نتف الشعر أو تريكوتيلومانيا: أن يقوم المصاب بنتف فروة رأسه أو شعر حاجبيه أو أهدابه أو ذقنه أو أي مكان بجسده يحتوي على شعر بشكل قهري إذ لا يستطيع التوقف عن تصرفه وأحيانا يجد الشخص نفسه ينتف فروة رأسه أثناء التفكير أو عند الشعور بالملل دون أن ينتبه لفعله, وطبعا قد تكون أنت أيضا عزيزي القارئ تقوم بهذا التصرف من حين لآخر إلا أنه لدى مصاب الاضطراب شديد بشكل كفيل بأن يجعله يصاب بالصلع.

السبب:
لا يعرف على وجه الدقة سبب إصابة البعض دون غيرهم بالوساوس القهرية, إلا أن عوامل عدة تتدخل كالاستعداد الجيني والعوامل البيئية وظروف التنشئة, قد يرث الأطفال المولودون لآباء مصابين بالوسواس بالوساوس هم أيضا بالاكتساب أحيانا.
تكون أحيانا لبعض الوساوس منشأ يدركه المريض أو يكتشفه لاحقا بمساعدة المعالج, كموت شخص عزيز بمرض عضال في حالة وسواس الأمراض, قد يصاب الشخص الذي تعرض للاعتداء بالطفولة مثلا بوسواس النظافة أو أفكار بأذية نفسه أو أبنائه.
وأحيانا لا يكون للوساوس أي منشأ.
 
العلاج:
يتمثل علاج الوسواس القهري إما بالعلاج السلوكي المعرفي أو الأدوية أو هما معا, لذا لامناص من زيارة الطبيب والذي يكون الوحيد المخول بوصف الأدوية للمريض إن كان بحاجة لها.
وتعد الأدوية المثبطة لاسترجاع السيروتونين الأمثل لعلاج حالات الوسواس القهري مثل دواء (فلوكستين: اسم المادة الفعالة والذي يباع تحت عدة مسميات تجارية كبروزاك)
يمكن للمريض أيضا زيارة مستشار أو خبير نفساني مؤهل لممارسة العلاج السلوكي المعرفي إن كانت حالته تقتضي ذلك, ويتمثل العلاج غالبا في مواجهة المريض لوساوسه التي تقلقه كمواجهة القذارة مثلا لمن يعاني وسواس النظافة...

السلوك الإدماني: أنواعه وآثاره

11
يزاول الإنسان في حياته اليومية عدة أنشطة تتنوع بين ما هو ضروري وترفيهي, إلا أنه قد يحدث أحيانا أن يدمن على ممارسة نشاط ما بشكل يؤثر سلبا على مجرى حياته.

ما هو السلوك الإدماني؟
يعد السلوك الإدماني شكلا من أشكال الإدمان الذي قد لا يختلف في أثره السيء على حياة الإنسان عن بقية أنواع الإدمان الأخرى.. ويعرف على أنه انخراط للفرد في سلوك أو نشاط بشكل متكرر مزمن بحيث يستحوذ على حيز مهم من وقته وجهده على حساب باقي الأنشطة المهمة دون القدرة على التوقف عنه.
قد يصيب السلوك الإدماني أي إنسان في أي مرحلة عمرية كما أنه يصيب كلا الجنسين مع تفاوت في بعض الأشكال السلوكية التي قد يدمن عليها كل جنس وكل فئة عمرية.
لا يعرف على وجه الدقة السبب الذي قد يجعل الشخص مدمنا على سلوك أو مخدر عموما دون البقية, حيث تتداخل عدة عوامل كالجينات والشخصية والبيئة وغيرها...
وقد تتحول بعض السلوكات الإدمانية لسلوكات قهرية.

اقرأ عن الوسواس القهري.

أنواع السلوك الإدماني:
يمكن للإنسان أن يدمن على أي سلوك مهما كان مادام يحقق متعة ونشوة للدماغ, إلا أن بعض السلوكات الادمانية تعرف انتشارا أوسع من غيرها ونذكر منها:
- القمار: وهو أشهر سلوك إدماني, ويعد القمار مشكلا حقيقيا بسبب الإفلاس الذي يمنى به عدد كبير من المقامرين معرضين حياتهم وأسرهم للضياع, وينتشر الانتحار بين صفوف المقامرين بشكل كبير مما يجعله مشكلا نفسيا حقيقيا مقارنة مع بقية أنواع السلوك الادماني, وستجد تفسيرا لقوة هذا السلوك عند عالم النفس السلوكي سكينر (التعزيز النسبي) في تجربته مع الجرذان.

- الطعام: يحقق تناول الطعام بعد الشعور بالجوع متعة حسية لنا كبشر, وقد يحدث أن يدمن الإنسان على هذا الشعور بالمتعة فيتناول الطعام فوق حاجته لا لشعوره بالجوع وإنما لتحقيق مزيد من المتعة, ويعد إدمان الطعام مشكلا صحيا إذ عادة ما يدمن الأشخاص على الطعام الغير صحي المشبع بالسكريات والمملح كالأطعمة السريعة والحلويات والمشروبات الغازية, فينتشر بين هذا النوع من المدمنين أمراض السمنة والسكري وغيرها...

- الجنس: على غرار تناول الطعام فإن ممارسة الجنس هي غريزة حيوانية تحقق متعة قد يدمن عليها الإنسان, وينتشر هذا السلوك الإدماني عادة بين صفوف المراهقين والشباب من الذكور أكثر من الإناث وهي تمثل تحديا حقيقيا لهذه الفئة بسبب آثارها النفسية على المراهق خصوصا الذي يتخبط بين الشعور بالذنب وانخفاض الثقة بالنفس...
الإدمان على الجنس يتخذ عدة أشكال كإدمان المواقع الإباحية مثلا أو ممارسة العادة السرية والتي قد يمارسها المدمن عدة مرات باليوم من 3 إلى 5 مرات يوميا مسببة بعض الأعراض الجانبية مثل آلام الظهر, نقص الانتباه والتركيز وضعف الذاكرة, التعب المزمن, غشي البصر, وهناك من ربطها أيضا بتساقط الشعر على المدى الطويل بسبب ارتفاع الهرمون بالدم.
هذه الأعراض تختفي فور التوقف عن الممارسات المزمنة للعادة السرية أو عدم الإفراط في ممارستها فالأمر أشبه بالركض يوميا دون توقف, أنت بحاجة للتوقف عن الركض أو الركض بشكل معقول كي تعود لياقتك البدنية كما كانت.

- التسوق: يحقق التبضع متعة, إذ يستمتع أغلب البشر بالتسوق واقتناء الأغراض الجديدة التي تبهجهم, إلا أنه يحدث وأن يدمن الشخص على اقتناء الأغراض حتى دون أن يكون بحاجة حقيقية لها, وينتشر هذا النوع من الإدمان في صفوف الإناث أكثر من الذكور وتتمثل المقتنيات عادة في الملابس والأحذية والزينة ... بحيث تشتري المرأة ملابس قد ترتديها مرة واحدة أو قد لا ترتديها مطلقا, لا تجد المدمنة عادة متعة إلا بالتبضع بنفسها والمفاضلة بين الأغراض وهي تقضي زمنا طويلا تطوف فيه الأسواق مهدرة بذلك وقتها ومالها مما يسبب لها مشاكل مالية وأسرية جمة.

- الانترنت وألعاب الفيديو: ينتشر هذا النوع من السلوك الإدماني بين شرائح واسعة جدا من المجتمع بحيث يقضي الفرد عدد ساعات جد كبير متصفحا الانترنت أو يلعب ألعاب الفيديو, تحقق هذه العوالم الافتراضية متعة للفرد الذي قد يدمن عليها ويعد أخطر ما في هذا النوع من الإدمان هو السهر ليلا أمام الشاشات والذي يسبب مشاكل صحية على المدى الطويل خطيرة جدا خصوصا للأطفال والمراهقين.

كانت هذه أهم أنواع السلوكات الإدمانية وأكثرها شيوعا واللائحة طويلة جدا, وقد تكون عزيزي القارئ مدمنا على سلوك ما لم أذكره كالعمل, الاستدانة, التحدث مع شخص ما, القراءة أو أي سلوك آخر... إلا أن القاسم المشترك بينها جميعا هي الآثار النفسية والاجتماعية وأحيانا الصحية السلبية.


مأزق الدمان:
يعيش المدمن في دوامة غير قادر على الخروج منها, فهو يعد نفسه كل حين على أنه سيتوقف عن سلوكه دون أن تكون لمحاولاته أي جدوى, لا تكون هذه هي الحالة دائما إذ وفي بعض الحالات لا يكون الإدمان مسببا للازعاج للمدمن غير مدرك لعواقب ما يفعل ولانعكاس سلوكاته على مجرى حياته ومن حوله, وقد يدرك ذلك ويستمر دون أن يزعجه التفكير في المآل.


يحاول المدمن عدم مزاولة نشاطه الإدماني إلا أن الحاجة العاطفية وعدم إيجاد تعويض لهذه الحاجة في باقي الأنشطة تجعله يشعر برغبة ملحة وباندفاعية للاثيان بهذا السلوك مرارا وتكرارا, فمدمن الطعام لن يشبع حاجته العاطفية إلا تناول الطعام, ومدمن الانترنت أو الألعاب أو الأفلام لن يشبع حاجته العاطفية إلا الانخراط في نشاطه. هو لن يشعر بالاشباع العاطفي من قراءة كتاب مثلا أو بمزاولة الرياضة, لن يرتاح إلا بمزاولة سلوكه الإدماني ليليه شعور بالذنب على إهدار وقته أو ماله أوغيرها من المشاعر السلبية وتأنيب الضمير ثم تأتي الحاجة العاطفية مجددا تليها الرغبة الملحة وهكذا يقضي وقته غارقا في دوامة لا يدري كيف يخرج منها.

الآثار السلبية للسلوك الإدماني:
حياة المدمن لا تسير عموما على ما يرام فمشاعر الذنب تلاحقه كل حين ورغبته في تحسين الأوضاع تؤرقه.
يعيش المدمن حياة فوضوية بسبب انهماكه في سلوكه الادماني, هو لايجد وقتا للقيام بمسؤولياته وواجباته ويصعب عليه ترتيب جدوله الزمني بسبب رغباته الملحة في الانخراط بالسلوك كل حين, إلا تتسم حياته بالفوضوية إذ قد لا يجد وقتا حتى لقضاء حاجاته الضرورية كالاستحمام والاعتناء بنظافة المكان, أو تناول الطعام بالنسبة لغير مدمني تناول الطعام طبعا.

يجبر السلوك الادماني الشخص على عيش حياة انطوائية بعيدا عن التواصل مع الآخرين والقيام بأنشطة اجتماعية مع الأهل والأصدقاء, فمدمن الجنس مثلا يفضل البقاء أيام العطل بالبيت لمزاولة نشاطه ... يمارس المدمن نشاطه منفردا.

يعاني المدمن من مشاكل نفسية عدة كالشعور بالقلق إن هو لم يستطع من مزاولة نشاطه الإدماني, وتدني الثقة بالنفس بسبب عدم قدرته على التخلص من ورطته, وقد يقع فريسة للاكتئاب.

التخلص من الإدمان:
أولا لا يمكن إجبار شخص لا يرغب في الاقلاع عن إدمانه على العلاج, إلا إن كان المدمن طفلا أو مراهقا تحت مسؤولية والديه اللذان يجبرانه على التوقف بالمنع والمراقبة.

أحيانا يكون السلوك الإدماني مؤقتا بحيث يتغير اهتمام الشخص بعد مرور الزمن فلا يبقى ذلك النشاط محققا للمتع كما بالسابق ولكن هذا يحدث بعد إهدار كبير للجهد والوقت وربما الصحة وتفويت فرص عديدة لا تعوض كالدراسة والعمل والاهتمام بالأسرة.

ليس من السهل الحديث عن وصفات سحرية توقف الشخص عن إدمانه, لأن الرغبة تكون نابعة من المدمن ذات نفسه ومحاولاته تبوء بالفشل كل حين لأنه مسلوب الإرادة, كما أنه بحاجة لبديل يسد الفراغ العاطفي الذي يسببه الاقلاع عن السلوك الادماني فمدمن الانترنت والألعاب لايمكنه تصور الحياة دون هاتفه أو حاسبه لذا عليه البحث عن بديل كالانضمام لناد رياضي أو جمعيات لشغل نفسه.

يصعب على المدمن الاقلاع عن إدمانه بمفرده وإلا فما يعاني منه لا يعد إدمانا, هو بحاجة لمساعدة من طرف الأهل والأصدقاء للتخلص من مشكلته, لذا إن كنت مدمنا من سلوك يعيق حياتك ويؤثر سلبا عليها ما عليك إلا طلب المساعدة من الآخرين كطلب منع مدك بالمال للتبضع إن كنت مدمنا على التسوق, أو الطعام مثلا أو قطع الانترنت أو تعويض الهاتف الذكي بآخر لايجري إلا المكالمات الهاتفية, وإن كانت المشكلة محرجة أو أن التخلص منها يكاد يكون مستحيلا كالجنس والقمار فلا يسع المدمن إلا طلب المساعدة من مستشار نفسي لتدارس المشكل والإحاطة به من كل جوانبه.

اضطرابات الشخصية: الشخصية الهستيرية أو الدرامية التمثيلية

2
 لوحة للرسام الفرنسي جيمس تيسو 1870

ما هي اضطرابات الشخصية؟
اضطرابات الشخصية تمسّ مختلف جوانب الشخصية للمضطرب حيث أن الشخص يفكر, يشعر ويتصرف بشكل غير متوقع من طرف إنسان طبيعي, فيؤثر الاضطراب على جوانب عدة من حياة المصاب بشكل سلبي كالتفاعل الغير سليم مع الآخرين, المشاعر السلبية اتجاه الذات, ردات الفعل العاطفية الشاذة في المواقف, وإظهار انفلات في التحكم بالسلوك.
كما وتختلف اضطرابات الشخصية عن بعض الاضطرابات النفسية كالفصام والحالات الذهانية الأخرى كون الوعي والإدراك لا يغيب فيها وبالتالي فإن الشخص يكون واعيا تماما بتصرفاته وسلوكاته وبالتالي متحمّلا للمسؤولية.

كما علمنا أن هناك عشرة أنواع لاضطرابات الشخصية تنقسم لثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: اضطرابات شخصية ذات سلوك غريب الأطوار وشاذ: الشخصية الفصامية
2- القسم الثاني: اضطرابات شخصية ذات سلوك درامي, عاطفي أو غير نظامي: الشخصية المضادة للمجتمع, الشخصية الحدية, الشخصية النرجسية.
3- القسم الثالث: اضطرابات شخصية ذات سلوك قلق ومتخوف: الشخصية التجنبية


ويندرج اضطراب الشخصية التمثيلية ضمن القسم الثاني.

ما هي الشخصية التمثيلية الهستيرية؟
الشخصية الهستيرية وكما يشير إليها اسمها شخصية درامية تنتهج أسلوب التمثيل في تعاملاتها اليومية مع الآخرين, يميز المصاب بهذا الاضطراب عرضين وهما المبالغة في إظهار العواطف وردات الفعل الدرامية, والرغبة الملحة في لفت الانتباه إليه بأي شكل من الأشكال, والتي تدفعه للاتيان ببعض التصرفات كالمبالغة في الاعتناء بمظهره الخارجي خصوصا إن كان المصاب أنثى, فهي تلعب بالعادة دور الأميرة الجميلة وتصاب بالقلق والتوتر عندما لا تكون هي محور حديث الآخرين, ولأنها تحب لفت الأنظار إليها كثيرا فغالبا ما تلجأ هذه الشخصية لمجالات تشبع في نفسها هذه الرغبة كمجال الفن أو الاعلام, لذا فكثيرا ما نرى شخصيات هستيرية في أوساط أهل الفن والاعلام.
وإن كان اضطراب النرجسية يشخص أكثر في أوساط الرجال فإن أغلب من يتم تشخيصهم باضطراب الشخصية التمثيلية هن من النساء والسبب يبقى مجهولا دائما, إلا أن بعض الفرضيات تحيل ذلك لاختلاف الأدوار المجتمعية بين الجنسين بحيث تعتبر الأعراض أكثر وضوحا في صفوف النساء منها مقارنة بالرجال.

الأعراض:
1- الرغبة الملحة في أن يكون محط الأنظار ومحور حديث الآخرين, بحيث يشعر بالضيق والقلق إن انصرف انتباه الآخرين عنه فيحاول جاهدا أن يعيد إليه لفت الأنظار

2- سلوك طفولي, إذ يتميز سلوك المصاب الهستيري بقلة النضج فتبدو الفتاة لعوبا متغنجة ومصطنعة, ولا يمكن رصد هذا بسهولة لدى المصاب الرجل لأن الاصطناع لدى الرجل مختلف.

3- الاهتمام المبالغ فيه بالمظهر الخارجي ويمكن لحظ ذلك بسهولة في المرأة التي تكثر من وضع الزينة, وغالبا ما تكون الزينة جد كثيفة محط انتقاد نفس جنس المصاب بحيث تنفر النساء من زينة المرأة الهستيرية.

4- محاولة إثارة الجنس الآخر, بحيث تحب المرأة المصابة أن يتم مدح جمالها من طرف الرجال وكذا الأمر ذاته بالنسبة للرجل وعلى غرار بقية شخصيات اضطرابات القسم الثاني فإنه غالبا ما يتم وصف الشخصية الهستيرية على أنها شخصية كاريزمية وجذابة بالنسبة للجنس الآخر, ولكون الأمر مرتبط بثقافة المجتمع الذي يعيش فيه المصاب وقناعاته الشخصية فإن الأمر يبقى نسبيا, فالهستيري ليس بالشخص الفاقد للإدراك وهو مسؤول عن أفعاله كل المسؤولية وقد تمنعه قناعاته عن فعل ذلك وبشكل عام فإن المصاب يحب بشدة أن يتم مدح جماله وجاذبيته وأن يكون جد مثير للجنس الآخر, وقد يسعى المصاب مثلا في مجتمع لا يمانع من الاثيان بسلوك مشابه على أن يثير الجنس الآخر, ولا يكون غرضه في واقع الأمر الجنس بحد ذاته بل المديح واتباث أنه جذاب ولا يقاوم.

4- المبالغة في إظهار العواطف فالشخص المصاب قد يظهر ابتهاجا كبيرا من هدية بسيطة جدا مثلا أو قد يبكي ويصرخ من مجرد انتقاد بسيط, كما وسرعان ما يتغير مزاجه فقد تبكي المرأة من انتقاد بسيط ثم تعود للابتهاج مجددا بشكل سريع عند مصالحتها, ويتميز سلوك المصاب بشكل عام بالدرامية.

5- عدم تقبل الانتقادات هو جزء لا يتجزء من الشخصية الهستيرية بحيث تثير في نفسه مشاعر الحزن والغضب فهو يصدق كل ما يقال عنه سواء كان إيجابيا أو سلبيا, فإن تم إخبار فتاة هستيرية أنها ليست جميلة فهي قد تبكي مصدقة كلام مخاطبها, وإن تم مدحها أيضا ستصدق المديح.

6- الاعتقاد بحميمية العلاقات مع الآخرين, فالشخص الهستيري قد يصف صداقاته على أنها مثالية أو أنه يعيش قصة حب كبيرة مع شخص ما, أو أن تتحدث الفتاة عن أنها أميرة زوجها رغم أن الواقع يكون غير ذلك, فهو يحب أن يظهر للآخرين وأن يعتقد على أنه يعيش حياة مثالية.

7- لعب دور الضحية... وتبقى هذه الأعراض كلها منصبة في قالب الرغبة في لفت الانتباه, فعندما تنصرف الأنظار عن المصاب قد يلعب دور الضحية, قد تحاول الأم المصابة إثارة شفقة الآخرين عن طريق أبنائها فتبكي من مرض بسيط أصاب أحد أبنائها وتبالغ في إظهار مصابها وترغب من الجميع أن يتعاطفوا معها وأن تكون محط اهتمام الآخرين كون ابنها مريضا.

8- السطحية في الحديث, فالمصاب يتحدث عن نفسه ومشاعره بسطحية كبيرة تفتقر للتفاصيل.

9- الشعور بالملل والضجر بسهولة والسعي نحو التغيير.


المآلات: 
قد تبدو للبعض أن هذه الأعراض مجرد أعراض بسيطة ولكنها في واقع الأمر تؤثر بشكل سلبي على علاقة الشخص بالمحيطين به, فقد يواجه المصاب مشاكل عديدة في المحافظة على علاقاته ومساره المهني, وقد يقع فريسة الاكتئاب بسبب مشاعره وفقدانه لانتباه الآخرين, لذا كثيرا ما يلجأ المصاب للنفساني بسبب الاكتئاب وليس بسبب أعراض الاضطراب, وقد يأخذ الأهل ابنتهم المراهقة للنفساني بسبب السوك الدرامي الذي يكون جد مزعج لهم أحيانا.

الأسباب:
تبقى الأسباب مجهولة كأي اضطراب آخر, ولكن التفاسير عديدة وبعضها يحيل للظروف التي نشأ فيها الطفل بصغره فقد يصاب الطفل بالاضطراب بسبب الدلال المبالغ فيه, فالطفل الذي يكون مريضا بصغره مثلا والذي يتلقى عناية مبالغا فيها من الأهل وتلبية كل رغباته وعدم معاقبته على سلوكاته السيئة يكبر ليتعود على أن يكون محط أنظار الآخرين.
وربما هذا ما يفسر انتشار الاضطراب بصفوف النساء, بحيث يتعود بعض الآباء على تدليل أطفالهم الإناث بشكل مبالغ فيه.

العلاج:
لا وجود لأي أدوية من شأنها أن تزيل الأعراض, وقد يصف الطبيب أدوية للمصاب لفترة قصيرة جدا إذا كانت الأعراض شديدة ولكنها لا تحل المشكلة على الأمد الطويل  لذا يقتصر العلاج الدوائي على محاولة السيطرة على اضطرابات الاكتئاب إن وجدت وكذا أعراض القلق.. في حين يتم تقويم السلوك بالسعي نحو العلاج السلوكي المعرفي لتثقيف المصاب وأهله ومحاولة السيطرة على الأعراض وكبحها.

خرافات الشذوذ الجنسي أو المثلية الجنسية والتحول الجنسي

7
تحوم حول الشذوذ الجنسي (المثلية الجنسية) العديد من الخرافات والمغالطات حتى من طرف المثليين ذات أنفسهم, هذا ناتج عن قلة الوعي بمجتمعنا حول هذا الموضوع رغم أنه موضوع أراه مهما بسبب النسب المرتفعة لمن لهم مثل هذه الميول الجنسية في المجتمعات.
أتى مصطلح مثلي الجنس من الميل الجنسي الذي يكون لنفس الجنس, أي أن الرجل يميل لمثله (رجل)  والمرأة تميل لمثلها (امرأة)
أنا هنا سأتحدث عن الظاهرة كماهي موجودة بالمجتمع سواء العربي أو الغربي ولن أتحدث عن ما يصح وما لا يصح لأنني لست مفتيا.

هل المثلية الجنسية اختيار؟
الإنسان كأي كائن حي يميل فطريا للجنس الآخر بغرض التكاثر, إلا أنه يحدث أحيانا ويميل الإنسان جنسيا لأمور أخرى, نحن كبشر لا يمكننا التحكم في المثير الجنسي.
إن أحضرنا رجلا بالغا طبيعيا  وعرضنا أمامه صورا مثيرة لنساء فإنه سيشعر بالإثارة الجنسية دون أن تكون له القدرة على التحكم في هذه المشاعر, وإن قمت بعرض صور مثيرة لرجال فهو لن يشعر بأي إثارة جنسية, هو إذن لا يتحكم في ما يثيره وما لا يثيره ولا يمكنه توجيهه.
الأمر ذاته بالنسبة للمثلي فهو لا يتحكم في ما يثيره, وإن أنت عرضت صورا جنسية لرجال فإنه سيشعر بالإثارة الجنسية تماما كما يشعر الرجل الطبيعي بالإثارة من صور النساء, والأمر ذاته ينطبق على المثليات جنسيا.
ويبقى التفسير العلمي للمثلية الجنسية مجهولا رغم تعدد التفاسير الغير مؤكدة والتي لا تنطبق على كل حالة على حدة.

هل المثلية مجرد قلة أدب؟
يجب التمييز بين الميول الجنسية وبين الممارسات الجنسية, حيث أن الميول لا تقود دائما للممارسات, قد يعيش الإنسان حياته كاملة دون أن يتزوج أو دون أن تكون له أي علاقات جنسية, الأمر ذاته ينطبق على من لهم ميول جنسية مثلية, لا يمكننا التحكم في ميولاتنا الجنسية ولكننا نتحكم في ممارساتنا وسلوكاتنا الجنسية...الرجل يميل للمرأة, وهذا لا يعني أن الرجل سيخرج ليقيم علاقة جنسية مع كل امرأة يراها بالشارع بدعوى أنها تثيره, والأمر ذاته ينطبق على الإناث.
المثلي إنسان كأي إنسان آخر ابن بيئته وتربيته وله معتقداته وقناعاته التي تسمح أو لا تسمح له بالإتيان ببعض السلوكات.
لأن الميول الجنسية شيء والممارسات الجنسية شيء آخر, والأغلبية الساحقة من المثليين جنسيا نحن لا نعرف أنهم مثليون جنسيا لأنهم يخفون رغباتهم وأسرارهم كبقية الخلق, بمعنى أن المثلي قد يكون أخا أو صديقا أو فنانا أو عالما أو رئيس دولة أو إمام مسجد, بالمقابل هناك من لا يجد غضاضة في عرض رغباته وتوجهاته حسب قناعاته وأخلاقه, وهم من يتصدرون لنا في الواجهة, فينزل الناس أحكامهم على أن المثلية الجنسية ما هي إلا قلة أدب وسوء تربية, وأن مجتمع المثليين جنسيا ما هو إلا مجتمع خلاعة وتحرشات.

هل المثلية الجنسية مرض نفسي؟
كلا, المثلية الجنسية بحد ذاتها ليست بمرض نفسي بل ميول جنسية لم يصل العلم بعد لوسيلة للتحكم فيها, كانت المثلية الجنسية تعد لوقت قريب ضمن لائحة اضطرابات الخطل الجنسي حسب منظمة الصحة العالمية قبل حذفها, ولكن تجدر الإشارة أن الخطل الجنسي بحد ذاته ليس مرضا نفسيا بل يعد اضطرابا إن هو ترافق بأعراض نفسية كالقلق والوساوس والأفكار الاستحواذية وغيرها...
وهي الاضطرابات التي ترافق فعلا أغلب المثليين جنسيا في حياتهم, إذ قد لا يتقبل المثلي جنسيا مشاعره وذاته ويشعر بالغربة في محيطه مما يجعله فريسة للقلق والاكتئاب أو السلوكات المتمردة وتعاطي المخدرات...وترتفع نسب الانتحار في أوساطهم.
لا وجود لأي أدوية تتحكم في الميولات الجنسية, وإن لجأ المثلي جنسيا للطبيب النفسي فإنه سيسعى لعلاج القلق والاكتئاب إن وجد ولن يتمكن من فعل شيء لميولاته الجنسية.
يعمل بعض النفسيون على التحكم في الميولات ومحاولة تغيير التوجه إلا أن هذه المحاولات تبوء في العادة للفشل.

هل يمكن لشخص طبيعي أن يتحول لمثلي؟
تتحدد الميولات الجنسية عند البلوغ لذا يصعب أن يتحول الشخص الطبيعي لمثلي أو العكس كما سبق وأشرت مع محاولات النفسانيين التي تبوء للفشل.
 هذا من ناحية الميولات الجنسية أما من ناحية الممارسات الجنسية فإن بعض الطبيعيين قد يلجؤون للممارسات الجنسية المثلية لأسباب عديدة قد تعود للفضول أو البحث عن المتع الجديدة أو بسبب عدم وجود البديل, فالممارسات الجنسية المثلية منتشرة بالسجون حول العالم, كما انتشرت الممارسات الجنسية المثلية عبر التاريخ بين البحارة مثلا الذين كانوا يقطعون مسافات طويلة تصل لأشهر أو سنوات بالمحيطات, وقد كانت لهؤلاء البحارة سمعة سيئة بأوربا فيما مضى, أيضا نرى السلوكات المثلية بين بعض المتشردين.
هذه السلوكات لا تصنف هؤلاء الأشخاص ضمن قائمة المثليين جنسيا لأنهم في واقع الأمر لجؤوا للمثلية لعدم توفر الجنس الآخر أمامهم, فبالمزرعة مثلا عندما يتم فصل قطيع الذكور عن الإناث في موسم التزاوج قد ترى بعض الذكور تعتلي ذكورا أخرى لأن الرغبة الجنسية لديها شديدة ولا تجد أمامها أي إناث فتضطر لتفريغ طاقتها الجنسية في أي شيء.

أي باختصار ليس كل من يمارس الجنس مع نفس جنسه مثلي الميول, وليس كل مثلي الميول يمارس الجنس مع مثل جنسه.


هل يعاني المثليون جنسيا من خلل بالهرمونات؟
 هذه خرافة يعتقد بصحتها بعض المثليين أنفسهم.
ينتج الخلل الهرموني عن مرض يصيب الغدد الصماء المسؤولة عن إفراز الهرمونات الجنسية, فمثلا يرتفع هرمون الذكورة التيستوستيرون لدى الإناث بسبب تكيسات المبيض التي تفرز هذا الهرمون, فيؤدي ذلك لأعراض صحية لدى المرأة كخشونة بالصوت وشعرانية الجسد وحب الشباب كما يؤثر على الخصوبة والقدرة الانجابية لدى المرأة, ويصيب التكيس عددا كبيرا جدا من النساء بسن الإنجاب من فتيات وأمهات ولم نسمع عن أم تحولت لمثلية نتيجة إصابتها بتكيس المبيض.
تفرز الغدة الكظرية بشكل طبيعي نسبا ضئيلة من هرمون التيستوستيرون لدى المرأة والرجل على حد سواء إلا أن إصابة هذه الغدة بورم يؤدي لرفع نسب إفراز هذا الهرمون بالدم.
بالنسبة للرجل فإن قصور الغدة النخامية مثلا قد يقود بدوره لقصور بالخصيتين ومن تم انخفاض هرمون الذكورة التيستوستيرون مما يؤثر فعلا على شكله ليجعله أنثويا أكثر إلا أنه يسبب مشاكل صحية جمة جدا كهشاشة العظام وانخفاض الرغبة الجنسية والحيوانات المنوية وانخفاض الكتلة العضلية ومشاكل أخرى خطيرة جدا إن هو لم يتعالج.

الخلاصة أن الخلل الهرموني لدى الإنسان مضاعفاته كارثية وهو يحتاج لعلاج سريع ولا علاقة لهذه الأمراض بالميولات الجنسية, وقد يتصادف ويكون للإنسان فعلا رغبة جنسية مثلية مع إصابة بخلل هرموني إلا أنه ناتج لكون المثلي إنسان كأي إنسان آخر قد يصاب بأي مرض, في حين أن أغلب المثليين جنسيا هم أشخاص يتمتعون بصحة جيدة ولا يعانون من أي خلل هرموني.

هل يمكن للمثلي جنسيا الزواج من الجنس المغاير؟
يجب أن أشير أولا إلى أن الزواج اختيار فردي قد يمتنع عنه أي إنسان سواء كان مثليا أو طبيعيا, ولكنني أتحدث هنا عن القدرة على الزواج من الناحية الجنسية والعاطفية, هل يمكن للرجل والمرأة المثليين أن يتزوجا ويمارسا علاقة جنسية طبيعية مع الزوج أو الزوجة؟ في كثير من الحالات, أجل يمكن ذلك.
قام العالم كينسي وفريقه في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي باستقصاء عدد كبير من المثليين والطبيعيين حول ميولاتهم الجنسية, وكانت الأسئلة تتمحور حول العلاقات الجنسية التي مارسوها في حياتهم وميولاتهم, وبناء على هذه الاستقصاءات تمكن من صنع سلم يخص الميول الجنسية.

السلم
الوصف
0
غيري الجنس (طبيعي) حصريا
1
غيري الجنس تماما, مثلي الجنس بشكل عرضي أو مصادفة
2
غيري الجنس مبدئيا لكن مثلي الجنس أحيانا
3
ميول جنسية مزدوجة غيرية ومثلية
4
مثلي الجنس مبدئيا لكن غيري الجنس أحيانا
5
مثلي الجنس تماما, غيري بشكل عرضي أو مصادفة
6
مثلي الجنس حصريا
X
لاجنسية, لاممارسات أو مشاعر جنسية
حسب سلم كينسي فإن عددا من المثليين صرحوا أنهم أقاموا علاقات مع الجنس المغاير أو شعروا بالإثارة ورغبة في ذلك, في حين أن هناك من صرح باستحالة وجود مثل هذه المشاعر, والأمر ذاته بالنسبة للأشخاص الطبيعيين.
الأمر ليس إما مثلي أو طبيعي بشكل صارم لأن القطبية لا وجود لها بالطبيعة أبدا, دائما هناك نسب.
إذن يمكن لعدد كبير من المثليين الزواج والتأقلم مع الحياة الاجتماعية بشكل جد طبيعي رغم وجود الرغبات المثلية, في حين يوجد عدد من المثليين الذين يستحيل عليهم إقامة أي علاقة جنسية مع الجنس المغاير بسبب انعدام الرغبة العاطفية والجنسية, كما يوجد من لا يستطيعون إقامة أي علاقة جنسية سواء مثلية أو طبيعية لانعدام الرغبة الجنسية باطلاق وهم من يطلق عليهم باللاجنسيين وهم ليسوا موضوعنا هنا.

من هم المتحولون جنسيا أو الجنس الثالث؟
كثيرا ما يتم الخلط بين المثلية الجنسية والتحول الجنسي في حين أنهما موضوعان منفصلان.
يعاني المتحولون جنسيا مما كان يسمى قديما باضطراب الهوية الجنسية بحيث يولد الطفل الذكر وهو يعتقد أنه أنثى وتولد الطفلة الأنثى وهي تعتقد أنها ذكر, وهذا لا ينطبق على المثليين جنسيا لأنهم رجال ونساء متناغمون مع أجسامهم ونوع جنسهم كأي إنسان طبيعي...
يعد هذا الشعور لدى المتحولين جنسيا جد قوي بحيث يتصرف الطفل فعلا كالإناث وتكون له اهتمامات الإناث وتراه يقلد أمه بدل أبيه ويحب اللعب مع الفتيات وارتداء ملابسهن...لا يمكن للشخص التحكم في هذا الشعور مطلقا لأنه يكون بالنسبة له جد حقيقي, بحيث يصر على أنه أنثى بجسد ذكر أو ذكر بجسد أنثى.
في العادة تكون ميولاتهم الجنسية مثلية, أي أن الذكر الذي يشعر بأنه أنثى ويتصرف كأي أنثى يميل جنسيا للرجل وذات الأمر بالنسبة للمرأة, إلا أنها لا تكون القاعدة دائما لأنك قد تجد ذكورا متحولين جنسيا ويميلون للإناث جنسيا.
في هذه الحالة أيضا يقف العلم عاجزا عن إيجاد تفسير علمي واضح للظاهرة حيث يتم تفسير المشكل على أنه نتيجة خلل في المرحلة الجنينية إلا أنها تبقى مجرد فرضية لم يتم إتباثها علميا, كما أنه لا وجود لأي أدوية قد تصلح المشكل ويبقى الخيار لعدد كبير منهم إما التعايش مع جسدهم ودورهم في الحياة والتصالح مع ذواتهم وهذا ما يسعى له النفساني في العادة أو اللجوء للخيار الجراحي ولا يكون هذا خيارا متاحا للجميع لأنه لا ينجح دائما خصوصا للنساء المتحولات لرجال إذ نسب فشل العملية جد مرتفع يصل لخمسين بالمائة أو أكثر.

ما ينطبق على المثليين جنسيا من ناحية المرض النفسي والخلل الهرموني والقدرة على الزواج ينطبق على المتحولين جنسيا, وهناك نماذج عديدة لأفراد تزوجوا وأنجبوا ثم طلقوا زوجاتهم ليجروا عمليات تحول جنسي.

هل يوجد من يتشبه بالجنس الآخر دون أن يكون فعلا متحولا جنسيا؟
أجل, قد نرى عددا كبيرا من الإناث في بعض المجتمعات يرغبن في التحول لذكور ليس بناء على اضطراب في الهوية الجنسية بل نتيجة التمييز الذي يمارسه المجتمع ضدهن بحيث يرغبن في أن يصرن ذكورا ويتصرفن كالذكور بسبب الشعور بالنقص.
إذن هن في واقع الأمر لا يعانين من اضطراب الهوية الجنسية, ويتغير حالهن لاحقا.
بالمقابل يوجد رجال كاملي الرجولة إلا أن تصرفاتهم تشبه تصرفات النساء وبهم نعومة النساء وحركاتهم توحي بأنهم متحولون جنسيا أو مثليين في حين أنهم ليسوا شيئا من هذا أو ذاك بل أشخاص طبيعيون تماما وتصرفاتهم وحركاتهم هي نتيجة أحيانا النشوء في بيئة نسائية من أم وخالات وأخوات, أو بكل بساطة بلا سبب يذكر, وهم لا يتعمدون التصرف على هذا النحو وكثيرا ما يتعرضون للسخرية من طرف الآخرين, الشيء ذاته بالنسبة لبعض الفتيات, إلا أن المجتمع يتقبل الفتاة التي بها خشونة أكثر من الفتى الذي به نعومة.

هل لدى المتحول الجنسي عضوين جنسيين؟
كلا, المتحول الجنسي في العادة هو إنسان بجسد طبيعي تماما, إلا أن عددا كبيرا من المتحولين جنسيا يكون مقتنعا من أنه يعاني من خلل بجسده بسبب مشاعره التي لا تلائم جنسه, فقد يدّعي المتحول الجنسي أنه يتوفر على أعضاء الجنس الآخر وأنه مريض ويحتاج لتصحيح لجنسه وهذا لا يكون صحيحا أبدا لأن هذه الحالات تكون جدا نادرة حول العالم, وقد يلجأ بعض المتحولين لهذا الادعاء كنوع من أنواع آليات الدفاع النفسي.
وقد يولد بعض البشر فعلا بمتلازملات وعيوب خلقية بحيث يتوفرون على عضوين جنسين واحد أنثوي وآخر ذكري أو أعضاء غير مكتملة فيكون التدخل الجراحي تصحيحيا في حالة هذه المتلازمات الجد نادرة.