الغيرة المرضية والشك بالخيانة

2
لوحة بعنوان غيرة للرسام النرويجي إدفارت مونك 1907

من الطبيعي أن يغار الرجل على زوجته والمرأة على زوجها, فالغيرة عاطفة موجودة لدينا جميعا كبشر, إلا أنها تتحول لدى البعض من مجرد غيرة لشكوك ووساوس وضلالات تسببها اختلالات نفسية تفسد الحياة الأسرية وتحولها لجحيم لا يطاق, بل قد تهدد أمن وسلامة ضحايا الغيرة المرضية.

ما هي الغيرة المرضية؟
الغيرة المرضية هو ارتياب في إخلاص شريك الحياة و شكوك في كونه يقيم علاقة عاطفية أو جنسية مع شخص أو أشخاص آخرين, وتكون هذه الشكوك لا أساس لها من الصحة وبلا أي مبرر منطقي.
تدفع الغيرة المرضية أصحابها للاثيان بسلوكات متكررة للتأكد من إخلاص شريك الحياة, أو للمراقبة والمطاردة في محاولة لضبطه متلبسا بالخيانة الزوجية, مما يشكل جحيما للطرف الآخر.
وهي تنتشر بين صفوف الرجال أكثر من النساء لأسباب اجتماعية وطبيعية.
الغيرة المرضية حالة يتم رصدها لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية, ويمكن تقسيم حاملي الغيرة المرضية لأصناف عدة.

1- غيرة لأسباب ذاتية:
أحيانا لا يكون للاضطراب النفسي علاقة مباشرة بالغيرة المرضية, حيث قد تجتاح المرأة العاقر مثلا شكوك بأن زوجها يخونها بسبب النقص الذي تشعر به اتجاه نفسها كامرأة غير قادرة على الانجاب.
الرجل الذي يعاني اضطرابات جنسية قد يعاني بنقص اتجاه نفسه كرجل غير قادر على تلبية حاجيات زوجته الجنسية, فينقلب شعوره بالنقص لغضب أو قلق, فيتحول للشك في إخلاص زوجته له.
إذن لحل هذه المشكلة يجب على الزوجين الحوار ومصارحة بعضهما البعض واللجوء لمستشار نفسي لتبديد حالة القلق والخوف من فقد الطرف الآخر وعلاج المشكل الأصل أو التعايش معه والتصالح مع الذات.
2- اضطرابات نفسية يعي أصحابها بحالتهم:
قد تجتاح صاحب الشخصية الوسواسية أو مصاب الوسواس القهري أفكار استحواذية كون شريك الحياة خائن.
أصحاب الوساوس القهرية يعلمون جيدا أن أفكارهم لا أساس منطقي لها ولكنهم غير قادرين على التخلص منها, هي أفكار تحضر رغما عنهم فتشعرهم بالقلق والتوتر طول الوقت.
قد يرافق الزوج زوجته لمنزل أهلها ثم يذهب للعمل, فتأتيه أفكار بأن زوجته غادرت منزل أهلها لمقابلة عشيقها, سيحاول مقاومة هذه الفكرة دون فائدة فيشعر بالقلق ويتصل بها كل حين للتأكد من أنها ما تزال بمنزل أسرتها.
وقد يصارح المصاب شريك حياته بما ينتابه من أفكار, فيخبر الزوج زوجته أنه يتصرف على هذا النحو رغما عنه, فهو مدرك لحالته.
من السهل علاج مثل هذه الحالات لأن صاحب الاضطراب يتألم ويعاني في حياته ويرغب في إيجاد حل لمشكلته, لدى يسهل إقناعه بالعلاج وقد يلجأ إليه من تلقاء نفسه, كما أن علاج الوساوس القهرية يبلي بلاء حسنا.

3- اضطرابات نفسية لا يعي أصحابها بحالتهم:
مثل صاحب اضطراب الشخصية الارتيابية الشكاكة, فهو يرى أن شكوكه منطقية, فإذا سافر الزوج للعمل فإن زوجته المصابة بالاضطراب ستعتقد أنه سافر لخيانتها, وستحاول التأكد من أنه سافر للعمل, وقد تختلق معه مشاكل بعد عودته, فيصعب على الزوج إقناعها أنها واهمة لأنها ترى في العدم أدلة وحججا تعزز أفكارها.
للأسف لا علاج ناجع لحامل مثل هذا الاضطراب خصوصا إن كان صاحبه بأعراض شديدة.
اضطراب آخر يتأرجح صاحبه بين الوعي وعدم الوعي بغيرته المرضية وهي الشخصية الحدية, حيث يصعب معاشرة هذه الشخصية بشكل عام لما تسببه من مشاكل, تمر الشخصية الحدية بعدم انسجام حاد مع "الأنا", فقد تلجأ هذه الشخصية للخيانة هي ذاتها وقد تضيق الخناق على شريك حياتها بشكل درامي بسبب المخاوف غير المبررة من الفقد.
الشخصية الحدية عموما تعلم أنها تعاني من اضطراب ما, وقد تلجأ للعلاج من تلقاء نفسها فعلا, إلا أنها قد لا تدرك تفاصيل أعراضها ولا تقدر ما تسببه من مشاكل للآخرين.

4- اضطرابات ذهانية:
قد يصاب الشخص باضطرابات ذهانية فيرتاب بشأن إخلاص شريك حياته, إلا أن شكوكه وعكس الحالات السابقة جميعا تتميز بالانفصال عن الواقع, فقد يشك الرجل الذي ينام مع زوجته على سرير واحد أنها تخونه مع رجل آخر نائم بجانبها بطرف السرير.
قد يتناول الطعام رفقة زوجته على طاولة واحدة فيتفقد أسفل الطاولة ليرى ما إذا كان هناك رجل مختبئ تحتها.
هو إذن يعاني من ضلالة لا منطقية كون زوجته تخونه.
يمكن رؤية هذه الحالة الذهانية لدى بعض مرضى الفصام وحالات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب ذو الشكل الذهاني, كما قد يصاب الشخص بهذا الاضطراب الذهاني المتعلق بالغيرة بشكل منفصل عن هذه الاضطرابات, بمعنى أن أعراض الذهان لديه كلها تتمحور حول الخيانة الزوجية فلا تظهر عليه للعيان أعراض أخرى كما لدى مرضى الفصام أو ثنائي القطب.
ويشكل هذا النوع من الاضطراب خطرا على السلامة الجسدية لشريك الحياة وعلى من يشك في كونهم شركاء بالخيانة, قد يشك في صديقه أو زميله بالعمل بأنه يقيم علاقة مع زوجته في حين أن هذا الأخير لم يسبق له أن التقى بزوجته مطلقا.
لا تكون هذه الضلالة مرتبطة فقط بالزوج أو الزوجة, فقد يشك الرجل الذهاني في سلوك أخته أو والدته بدل زوجته.
العلاج هو الأدوية المضادة للذهان, ولا يمكن علاج مثل هذه الحالات دون أدوية مطلقا.

الغيرة المرضية وجرائم القتل والانتحار:
كثيرا ما تسمع عزيزي القارئ عن رجل قتل زوجته أو جاره أو صديقه بسبب شكوك في الخيانة الزوجية, وقد يقتل الرجل أبناءه أيضا ثم ينتحر بسبب الحالة المأساوية التي كان يعيشها, والأمر ذاته بالنسبة للمرأة.
في العادة فإن أغلب من يرتكب مثل هذه الجرائم هم  أصحاب الاضطرابات الذهانية بسبب انفصالهم عن الواقع, وسهولة ارتكابهم لجرائم قتل بسبب غياب الادراك.
إن لاحظ أحد الزوجين أو أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران بعض المظاهر الذهانية والشكوك اللا منطقية لدى أحد الأفراد فإنه من باب أولى إقناع الأسرة لاصطحابه للمستشفى في أقرب وقت ممكن قبل تدهور حالته أكثر فأكثر, أو تعرض أحد المعنيين بضلالة المصاب للشروع بالقتل.

هل الطلاق حل؟
رغم أن الطلاق مدمر ومشتت للأسر, فإنه في بعض الحالات يكون حلا ناجعا خصوصا إن استحال إقناع أو إجبار المصاب على العلاج أو إن كان لا يستجيب للعلاج.
وكما أسلفت فإنه قد تكون للمصاب سلوكات مهددة لحياة الزوج أو الزوجة تحديدا, فكثيرا ما يلجأ المصاب للتعنيف أو سجن الزوجة بغرفة أو حتى القتل...سلوكات المصاب تؤثر على أفراد الأسرة ككل فللأبناء نصيب أيضا من الجو المشحون الذي يؤثر على نفسياتهم وقد ينالهم التعنيف فيسجن الرجل زوجته وأطفاله معا, أو أن يطلب من أبنائه التجسس على الأم أو الأب أثناء غيابه.
لدى الانفصال سيكون خيارا مطلوبا إن توفرت الظروف المواتية له.

اضطرابات الشخصية: الشخصية المرتابة أوالشكاكة

3
لوحة للفنانة مارغريت كين

ما هي اضطرابات الشخصية؟
اضطرابات الشخصية تمسّ مختلف جوانب الشخصية للمضطرب حيث أن الشخص يفكر, يشعر ويتصرف بشكل غير متوقع من طرف إنسان طبيعي, فيؤثر الاضطراب على جوانب عدة من حياة المصاب بشكل سلبي كالتفاعل الغير سليم مع الآخرين, المشاعر السلبية اتجاه الذات, ردات الفعل العاطفية الشاذة في المواقف, وإظهار انفلات في التحكم بالسلوك.
كما وتختلف اضطرابات الشخصية عن بعض الاضطرابات النفسية كالفصام والحالات الذهانية الأخرى كون الوعي والإدراك لا يغيب فيها وبالتالي فإن الشخص يكون واعيا تماما بتصرفاته وسلوكاته وبالتالي متحمّلا للمسؤولية.

هناك عشرة أنواع لاضطرابات الشخصية تنقسم لثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: اضطرابات شخصية ذات سلوك غريب الأطوار وشاذ: الشخصية الفصامية
2- القسم الثاني: اضطرابات شخصية ذات سلوك درامي, عاطفي أو غير نظامي: الشخصية المضادة للمجتمع, الشخصية الحدية, الشخصية النرجسية, الشخصية الهستيرية
3- القسم الثالث: اضطرابات شخصية ذات سلوك قلق ومتخوف: الشخصية التجنبية


ويندرج اضطراب الشخصية المرتابة ضمن القسم الأول.
 ما هي الشخصية المرتابة؟
هو اضطراب بالشخصية يدفع صاحبه للشك في الآخرين بشكل غير عقلاني وبعيد عن الواقع, وعلى غرار اضطرابات الشخصية القسم الأول فإن الشخصية المرتابة تؤول أغلب الكلام والسلوك الصادر من الآخرين على أن المقصود به الإساءة لشخصها أو استغلالها أو أي هدف سلبي موجه ضدها, فقد يفسر المصاب إبتسامة ودودة في وجهه على أنها سخرية واستهزاء, وقد يفسر كلاما طيبا بحقه على أنه يحمل معاني خفية للنيل منه, فإن قلت له بأنه شخص طيب فقد يؤولها على أنك تقصد أنه شخص ساذج وغبي, وإن قدمت له معروفا فقد يفسر الأمر على أنك تحاول كسب وده لاستغلاله لاحقا...وهكذا.
يبقي الشخص المرتاب دفاعاته متحفزة ضد الآخرين ولا يرغب في مشاركتهم معلوماته الخاصة, فهو لا يرد عادة على الأسئلة الشخصية لشكه الدائم في نوايا الآخرين, كما أنه يصعب إقناعه بأن شكوكه في غير محلها لأن لديه إقتناعا راسخا بتحليلاته, لذا لا تثق الشخصية المرتابة بالآخرين مطلقا فهي شخصية متمحورة حول ذاتها وبدون أصدقاء غالبا.
تظهر معالم الشخصية المرتابة بسن مبكر من المراهقة الأولى على شكل عزلة وتجنب لإقامة صداقات بالمدرسة, وتزدهر الأعراض بسن الشباب.
أغلب حاملي اضطراب الشخصية المرتابة ذكور وكالعادة لا وجود لتفسير علمي حول السبب.

الأعراض:
تتنوع الأعراض ولكنها جميعا تصب في اتجاه واحد وهو الارتياب والشك في المحيطين.
1- شك دون أي أساس واقعي في أهداف الآخرين من أصدقاء وأفراد العائلة في سلوكاتهم وكلامهم على أن المقصود به ضرره أو استغلاله أو تجريحه.
2- الشك في ولاء الأصدقاء والمحيطين به, وبأنهم ربما قد يكيدون له في الخفاء وبالتالي هم غير جديرين بمنحهم الثقة الكاملة.
3- تردد في الافصاح عن المعلومات الشخصية خوفا من استغلالها ضده حتى وإن كانت تافهة, فقد لا يرغب في البوح باسمه الكامل أو مكان ازدياده أو عنوان بيته, وقد يجد مشكلات في الأماكن التي تتطلب منه الافصاح عن معلوماته الشخصية.
4- يؤول ويقرأ المعاني خلف الأحداث والدعوات العادية على أنها تحمل تهديدا ضده فدعوته لحفلة من طرف أحد الأصدقاء قد تجعله يشك في أن وراءها غاية للنيل منه أو استغلاله لاحقا.
5-  حقود, فالشخصية المرتابة شخصية لا تنفع معها الاعتذارات مطلقا فهي لا تسامح أبدا وخطأ بسيط بحقها قد يجعلها تنهي العلاقة مع الشخص نهائيا وتؤكد شكوكها السابقة ضده والتي لا أساس لها, بل أن خطأ غير مقصود كإصابة أثناء اللعب من طرف صديق كفيل بخلق العداوة.
6- بسبب تأويل كلام الآخرين وسلوكاتهم وقراءة معاني خفية خلفها فإن الشخصية المرتابة قد تظهر غضبا وهجوما ضد من تشك في أنه يقصدها, فإن داس الشخص المرتاب على قدمك دون قصد واعتذر لك وقبلت اعتذاره بابتسامة ثم بدأت بالضحك من الموقف فإن الشخص المرتاب قد يفسر ضحكك على أنه سخرية واستهزاء فيتصرف نحوك بعدوانية.
7- الغيرة المرضية وشكوك في إخلاص شريك الحياة, فالشخص المرتاب قد يؤمن أن زوجته تخونه في الخفاء, مما يدفعه لاتخاذ بعض السلوكات الاحترازية كإقفال الباب على الزوجة أو الاتصال بها كل حين للتأكد من أنها لم تخرج من البيت, ومثلها بالنسبة للزوجة المرتابة التي قد تحاصر زوجها بالأسئلة الاستنطاقية حول مكانه وسبب تأخره أو أن تقوم بمفاجأته في مقر عمله للتأكد من أنه هناك.
8- العناد والجمود في الرأي,  فالشخصية المرتابة تتميز بالقسوة وقوة الجدال وعدم الاقتناع بآراء الآخرين لأنها ترى نفسها دائما على صواب, لا يستطيع الشخص المرتاب رؤية الخلل في تصرفه وسلوكه.
9- يجد الشخص المرتاب صعوبة في الاسترخاء فهو محموم طول الوقت مشغول البال بما يحاك ضده.

المآلات:
قد لا يتوفق الشخص المرتاب في الاستقرار بالعمل بسبب شخصيته الغير متعاونة مع الآخرين فقد يبلغ به الأمر مبلغ العجز التام عن التعامل مع الآخرين وإقامة أي علاقة, بل قد يدخل في صراعات مع الآخرين دون سبب مقنع ويرفع دعاوى قضائية وغيرها من المشاكل.
قد لا يتوفق أيضا في زواجه بسبب شكوكه الدائمة ومحاصرته لشريك حياته, وقد تنحى العلاقة الزوجية منحى العنف الجسدي والمعنوي, إذ قد يضرب الزوج المرتاب زوجته لأنه لم يصدق كون الرجل المتصل بها مثلا أخطأ الرقم, قد يقفل عليها الباب ويمنعها من زيارة أفراد أسرتها لأنه يشك في كونهم يؤلبونها عليه مثلا...
 بسبب هذه الأعراض المنفرة لأغلب الناس فإن الشخصية المرتابة تتحول للأسف للعيش في عزلة عن الآخرين وبسبب عدم قدرة الشخص المرتاب رؤية الخلل في شخصيته فهو يفسر وضعه على أن الكل كريه وماكر وخادع مما يوقعه ضحية الاكتئاب.

الأسباب:
تبقى الأسباب المباشرة لاضطراب الشخصية المرتابة عموما مجهولة إلا أنه تم إيجاد رابط جيني جد قوي بين الاضطراب والفصام, حيث أن في التاريخ الأسري للمصاب بالاضطراب هناك أفراد من عائلته يعانون من الفصام, أي أن العامل البيولوجي حاضر بقوة.
بالإضافة للعامل الجيني فإنه لوحظ أن الأطفال الذين أصيبوا بصدمة في الصغر أو سوء بالمعاملة طوروا شخصية مرتابة لاحقا.

العلاج:
للأسف لا يوجد علاج شاف لاضطراب الشخصية المرتابة, فكل محاولات العلاج النفسي هو تقويم السلوك بتثقيف المرتاب بحقيقة ما يعاني منه ومنحه نصائح لتحسين أدائه قصد جعله قادرا على العيش وإقامة علاقات صحية مع البشر, وقد يصرف الطبيب أدوية مضادة للقلق والاكتئاب في بعض الحالات.
المشكلة تكمن في أن الشخصية المرتابة لا ترى خللا بشخصيتها بل تراه  بالآخرين وبالتالي فإنه يصعب إقناع الشخص المرتاب باللجوء للعلاج, لأن محاولة الإقناع ذات نفسها سيتم تأويلها طبعا, كما يصعب على الشخص المرتاب الوثوق بالنفساني ومده بمعلوماته واتباع تعليماته لأنه لن يمنحه ثقته لذا يشكل تقويم شخصية المرتاب تحديا, فاستجابته للعلاج ضعيفة عموما خصوصا إن كانت الأعراض لديه قوية.

الشخصية السلطوية الاستبدادية

2
نمط الشخصية السلطوية هي نظرية من نظريات الشخصية قام بصياغتها مجموعة من علماء الاجتماع بخمسينيات القرن الماضي بعد ظهور أنظمة شمولية كالفاشية والنازية, والعنصرية والتمييز والتحيز... إذ عرف منتصف القرن الماضي انتشارا غير مسبوق لبعض الطبائع البشرية التمييزية والاستبدادية بأوربا, مما حذا بعالم الاجتماع ثيودور أدورنو (1903 - 1969) وفريقه لإجراء دراسة نشرت لاحقا في كتابهم, تحاول تفسير هذه السلطوية والعنصرية وذلك بتحديد سمات خاصة بالشخصية الاستبدادية كنمط شخصية يؤدي بالفرد لحمل بعض الأفكار وسلك بعض السلوكات التمييزية والعنصرية.

إن نحن أردنا رأي العلم الحالي فإن هذه النظرية صارت جد متجاوزة وتعرضت قبيل نشرها لوابل من الانتقادات العلمية كون الاستبداد والسلطوية مكتسبا من البيئة التي تشحن الإنسان منذ صغره بالسلطوية والاستبداد, وليس نمطا للشخصية, إضافة لكون الاختبار الذي طوره عالم السوسيولوجيا أدورنو وفريقه (Fascism scale) يطرح أسئلة على الفرد حول توجهاته السياسية والفكرية, بحيث يتم تنميط صاحب الأجوبة المحافظة كشخصية استبدادية وسلطوية, رغم جهود أدورنو لفصل ما يمكن تعريفه بالمحافظ عن السلطوي, إلا أنه وعلى ما يبدو لم يوفق...

ارتأيت أن أعرض هذه النظرية لأنها لا تخلو من شيء من الفائدة, ويمكن الانتفاع ببعض جزئياتها.
إذن ما هي الشخصية السلطوية؟
شخصية تتميز بالطاعة العمياء والاعتماد الكلي على زعيم قوي أو شخصية ذو سلطة أبوية, ويكون هذا مصحوبا بتمييز استبدادي ضد الآخرين وخاصة أولئك الذين هم أدنى مرتبة, كما تعرف الشخصية السلطوية ثلاث سمات رئيسية هي: احترام واتباع للأوامر بحذافيرها, التزام صارم بالأعراف, عدوانية اتجاه الأفراد من خارج الجماعة.
إذن ترى الشخصية السلطوية المجتمع على شكل هرمي جامد, في قمته الزعيم القوي المتبع تماما كقطع الشطرنج.
جوانب الشخصية السلطوية:
لتحديد الشخصية السلطوية اعتمد أدورنو على تسعة عوامل رأى أنها مفاتيح الشخصية المضادة للديموقراطية وقد اعتمد في صياغة أسئلة اختبار الشخصية على أسئلة تكشف جوانب كل عامل.

1-  التقليدانية: الالتزام الصارم بالأعراف وتقاليد الطبقة الوسطى.
ربط أدورنو الفاشية بتقاليد الطبقات الوسطى حول العالم, طبعا هذه نظرة أدورنو وفريقه, حيث اعتبر أن التزام الطبقات الوسطى بالتقاليد جد مبالغ فيه ويؤدي للتحيز والتمييز ضد الآخرين, فمواطنوا الطبقات الوسطى يتبعون العرف لمجرد أنه "عرف", فالمواطن لن يعمد على سلوك مضاد لهذا العرف أمام الآخرين حتى وإن اعتقد بصواب ما يفعل.

2- الاستبدادية: اتباع مثالي للأوامر العليا والقوانين.
ورغم أن العنوان يبدو مثاليا إلا أنه يخفي في جعبته جانبا أسودا, إذ حسب أدورنو فإنه تم ربط هذا الاتباع بالعقيدة النازية التي كان جميع المواطنين الألمان يتبعون أوامر قائدهم الأعلى بغض النظر عن صواب قراراته من خطئها, وكذا عدم معارضة القوانين حتى وإن كانت مجحفة, فإن طالب أحد ما بحق من الحقوق فإنه يتم التصدي له من طرف الشخصية السلطوية بدعوى أن القانون يقول كذا وكذا وأن القانون فوق كل مطلب, وبالتالي لايحق له المطالبة بحق يخالف هذا القانون.

3- العدوانية: الميل والاستعدادية لرصد كل مخالف للتقاليد والأعراف ومعاقبته ورفضه.
حسب أدورنو دائما, فإن الشخصية السلطوية تميل للعدوانية اتجاه كل مخالف لأعرافها فهي لا تسعى لمعاقبته قصد حفظ القانون فقط بل يكون شعورها في الغالب "الاستفزاز", فهي تظهر غضبا وحقدا اتجاه من خالف العرف أو القانون وتطالب بتعريضه لأقصى العقوبات بشكل يبدو انتقاميا أكثر منه ردعيا.
لنفترض جدلا أن تمثالا مقدسا وسط ساحة عامة ولمسه ممنوع قانونا, فإن قام أحد المواطنين بلمسه فإن الشخصية السلطوية ستشعر بالاستفزاز والحنق اتجاهه وستطالب بقطع يد الفاعل والتنكيل به, إذن هي لا تعاقبه بل تنتقم منه لإشفاء غليلها.

4- اللاشعورية: اللاموضوعية, الانغلاق الذهني ومقاومة المحفزات الذاتية.
يميل الشخص السلطوي لعدم قدرته على مواجهة مشاعره, لأنه يخشى خروجها عن سيطرته, وهذا ما يدفع بالسلطوي للعيش حياة مادية أكثر منها عاطفية, حسب أدورنو فإن مضاد الديموقراطية عند مواجهته لشكل من الأشكال التي يتقبلها شعوريا ويرفضها العرف والقانون فإنه سيسعى لكبتها لكي لا يخالف شعوره أعرافه, في حين أن الشخص الديمقراطي فإنه لا يجد غضاضة من التعبير عن شعوره المخالف للأعراف...لذا تعيش الشخصية السلطوية حياة ملؤها الكبت للعواطف والمشاعر وتحقيرها.

5- الخرافات والصورة النمطية: الاعتقاد بقوة المسببات الخارجية في تحديد مصير الفرد, وسلوك نمط تفكير جاف
 خص أدورنو الشخصية السلطوية بخاصية التفكير الخرافي اللاعلمي كجانب إضافي يمكن أن نراه فيها, فهي قد تفسر بعض الظواهر على أنها خارج السيطرة وبعيدة على الفهم البشري ولا يمكن لنا فهمها مهما تطورنا بالعلم.
يمثل هذا استكانة وقناعة بما يجري ويدور حول الشخصية السلطوية على أنه خارج قدراتها ويجب تقبله كما هو.

6- القوة والصرامة: الانشغال بالهيمنة العدائية وقطبية قوي-ضعيف.
تؤمن الشخصية السلطوية بقطبية قوي-ضعيف, إذ تقسم الأفراد لأقوياء وضعفاء, وتتبع الأقوى والمهيمن, فالقائد الذي يهيمن على السلطة ويستفرد بها هو زعيم قوي يجب اتباعه, وقد اعتبرها أدورنو مؤشرا على ضعف (الأنا/ ego) لدى الشخصية السلطوية حيث أنها تتبع القوي وتهتف له وتقدسه, وتبالغ في عرض ما تعتبره قوة من طرفه.
تبحث الشخصية السلطوية عن القوة في القائد وتعبر عن ذلك في عباراتها, كاعتبار القائد مدمر للأعداء وصارم مع المخالفين, وسيحطم الآخرين وغيرها من العبارات الدالة على القوة...

7- التدميرية والسخرية: العداء والحط من قدر الإنسان.
 العدوان مجددا, إلا أنه هذه المرة يقصد به أن الشخصية السلطوية عدوانية بطبعها بسبب كم القيود التي تقبلها على نفسها وتنتظر الفرصة السانحة لترتكب عدوانها على الآخرين المخالفين, فتراها تحط من قدر الأفراد الذين يعيشون في كنف مجتمعها من أقليات وتحتقرهم وتترصد لهم الخطأ لتدميرهم والسخرية منهم, قد تحتقر الشخصية السلطوية محاولات الإنصاف والدعاوى لها, وقد تهون من الجرائم المرتكبة, فإذا قامت دولة الشخصية السلطوية بإبادة جماعية لعرقية ما فإنها ستهون من الموضوع وتعتبر التقارير الصادرة حول ما يجري ويدور من إبادة مجرد مبالغات ومؤامرات...وهذا حسب ما رآه أدرونو من أتباع الفاشية والنازية في استهتارهم بجرائم الحرب العالمية الثانية المرتكبة من طرف قياداتهم.

8- الاسقاط: الاعتقاد أن الأمور السيئة والتدميرية مستمرة بالعالم أجمع.
يعد الاسقاط ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي أتى بها فرويد, حيث يسقط الفرد سلوكه الذي يعتقد أنه مشين على الآخر, إذ أن الشخصية السلطوية التي تمارس العدوان والتدميرية تؤمن أن هناك ما هو أسوء مما تمارسه بالعالم أجمع, وقد تبرر تحقيرها لفئة من الناس أو عنصريتها أو تمييزها على أن هذه الفئة تكن لمجتمعها العداء وأن هؤلاء البشر يمارسون العنصرية ضد الشخصية السلطوية ومجتمعها, إذن هذه الشخصية أسقطت سلوكها على الآخرين حسب أدرونو طبعا.

9- الجنس: المبالغة في الاهتمام بالأمور الجنسية.
يرى أدورنو أن الشخصية السلطوية لديها خوف غير مبرر واهتمام مبالغ فيه بالأمور الجنسية, فهي تكره الشواذ بشكل مبالغ فيه, كما أنها ترى أن اهتمام الرجل بالمرأة هو لأمر واحد وأوحد ألا وهو الجنس.
وهنا قد نعود للعدوانية إذ أن الشخصية السلطوية لن ترغب في معاقبة الشاذ جنسيا لمخالفته القانون بل من كره داخلي نابع من شعور الشخصية السلطوية بمخالفة الشاذ للعرف, فهي ستدعو لإنزال أشد العقوبات على المثليين انتقاما منه وليس ردعا له ولغيره.

ملاحظات:
إذن هذه هي جوانب الشخصية السلطوية عند أدورنو وفريقه, وكما تلاحظ فهي ليست بنمط شخصية بقدر ما لها ارتباط وثيق بالبيئة والتنشئة, سنرى انتشار مثل هؤلاء الأشخاص ببعض الشعوب والأنظمة التي تعرف الديكتاتورية, حيث يتم تلقين الأطفال بالبيت والمدرسة أسلوب تفكير مبني على الاتباع الأعمى والاستكانة للأقوى بغض النظر عن شخصياتهم وكمثال كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية, فرغم أنهما في الأصل شعب واحد إلا أن اختلاف النظامين أدى لخلق شعب بشخصية سلطوية في كوريا الشمالية.

 إضافة لهذا فإن العوامل وأسئلة الاختبار مبنية انطلاقا من ثقافة أدورنو وفريقه وقناعاتهم والتي لن تنطبق بالضرورة على ثقافات وقناعات الآخرين, فأسئلة الاختبار تستفسر عن أيديولوجيتك وليس عن سمات شخصيتك...
الاختبار تم تعديله عدة مرات ولن أضعه هنا لأنه ستظهر لك عزيزي القارئ على الأرجح أنك سلطوي كون الاختبار مصمم حسب الثقافة والمبادئ الغربية.

على كل فإنه لو نظرنا من وجهة نظر شاملة دون الدخول في التفاصيل, فإنه من الممكن تعديل تعاريف المصطلحات والعوامل التي جاء بها أدورنو لتناسب ثقافتنا العربية, ليس كاختبار شخصية بل كاختبار انفتاح فكري على ما أظن.

وماذا عنك عزيزي القارئ؟ مارأيك؟

الأنهيدونيا: انعدام الاستمتاع بالحياة

7
الذي يدفعنا للاستمرار في العيش ومزاولة أنشطتنا اليومية هو حب الحياة والاستمتاع بها, نحن كبشر نأكل ليس فقط بسبب الشعور بالجوع القاتل بل نشتهي الطعام ونتلذذ بتناوله ونتفنن في تحضيره, نمارس الجنس ليس فقط قصد التكاثر بل للمتعة التي نحصل عليها منه, نمارس هواياتنا ونمارس الرياضة ونلعب ونلتقي بالآخرين ونتبادل معهم أطراف الحديث لأن هذا يمتعنا...
فماذا لو اختفت المتعة من كل أنشطتنا اليومية؟

ما هي الأنهيدونيا Anhedonia؟
الأنهيدونيا كلمة يونانية تعني "انعدام المتعة" هي حالة نفسية يعرف فيها الشخص انخفاضا في الشعور بالمتعة والنشوة من مزاولة أنشطته اليومية, وهي واحدة من أهم الأعراض الرئيسية لاضطراب الاكتئاب وقد ترافق مرضى الفصام ومرضى باركينسون, ومدمني المخدرات, وبعض الاضطرابات الأخرى...
تجعل حالة الأنهيدونيا الإنسان يشعر وكأنه آلة يزاول مهامه وأنشطته بلا أي معنى, وتؤثر على مسار حياته اليومية بشكل سلبي لأن الرغبة في الحياة قد اختفت, قد يقع الإنسان المعافى فريسة الأنهيدونيا مدة قصيرة من الزمن لسبب من الأسباب, كالأحزان اليومية من فقدان للأشخاص أو فشل...فالطالب الراسب سيفقد الاستمتاع بأنشطته ولن يرغب في مزاولتها مدة قصيرة من الزمن, قبل أن يعود لطبيعته لاحقا.
إلا أن هذه الحالة المزاجية قد تدوم طويلا دون أي سبب مباشر ترتبط به لتنبئنا بالاكتئاب, فلمرض الاكتئاب عدة أعراض أهمها: الحزن العميق, والأنهيدونيا... وقد يختبر مصاب الاكتئاب الأنهيدونيا دون الشعور بأي حزن, فيوقعه ذلك في ارتباك وعدم فهم لحالته وحقيقة مرضه, إذ يربط الجميع مرض الاكتئاب بالحزن وأسلوب التفكير السوداوي المتشائم...
ماذا يواجه صاحب الأنهيدونيا؟
بسبب الانخفاض في الشعور بالمتع, فإن مصاب الأنهيدونيا قد يفقد الرغبة في تناول الطعام, فيأكل ليعيش دون شعور بأي متعة وتلذذ, ويؤدي هذا بالغالب لفقدان الوزن أو سوء بالتغذية, قد تنخفض رغبته في ممارسة الجنس وقد يمارس الجنس دون الاستمتاع بالشكل المطلوب أثناءه, يؤدي هذا لإهمال الزوج أو الزوجة للطرف الآخر فتتأثر العلاقة بين الزوجين, وقد يدفع المصاب نفسه لتأذية واجباته الزوجية فقط إرضاء للطرف الآخر.
يفقد صاحب الأنهيدونيا الرغبة في التفاعل مع الآخرين لذا قد يلجأ للانطواء لأنه لا يستمتع برفقة أصدقائه أو أفراد أسرته, فتتأثر علاقاته الاجتماعية, قد يتوقف عن مزاولة هواياته, فلا يجد الرسام متعة في الرسم ولا الرياضي متعة في ممارسة الرياضة ولا الكاتب في الكتابة...إلخ
سيتساءل لماذا الآخرون مهتمون بشكلهم ويتخيرون ملابسهم, إذ بالنسبة له سيان ارتدى هذا اللباس أو ذاك فهو سيفي بالغرض, إذ لا يجد متعة في ارتداء لباس أو حذاء بعينه, ويرى أن الناس يتحدثون في أمور هو لا يستطيع تفهمها لأن حياته بلا معنى
لن يرغب في سماعك تروي له بشغف رحلتك التي استمتعت بها لأنه لن يتحمس لها...كما أنه عاجز عن التعبير عن ذلك وشرحه لأنه لا يفهمه.
بسبب عدم اختبار المتع بالشكل المطلوب فإن صاحب الأنهيدونيا يفقد الرغبة في التخطيط لمستقبله وتختفي أهدافه لأنه لايشعر برغبة في شيء, لذا يعيش حاضره كآلة مبرمجة ينجز المهمات لأن عليه إنجازها للبقاء على قيد الحياة.
هو غير قادر على الاستمتاع بأي شيء, هذا كل ما في الأمر.
كما علمنا فإن الأنهيدونيا عرض من أعراض مرض الاكتئاب واضطرابات أخرى, لذا فهي تقود عددا كبيرا للتفكير في إنهاء هذه الحياة التي لا تحمل أي معنى بالنسبة لهم.

كيف تحدث الأنهيدونيا؟
في واقع الأمر فتقريبا كل الاضطرابات النفسية لا يعرف سببها تحديدا, إلا أن الدراسات عديدة والنظريات كثيرة وكلها تحاول دراسة جانب من جوانب الاضطراب.

إذن كما نعلم فالاكتئاب هو خلل بكيمياء الدماغ الذي يجعل المزاج ينخفض وسبب هذا الخلل يبقى حاليا مجهولا, وتعد الأنهيدونيا تمثّلا لهذا الانخفاض, ويمكن اعتبار هذا التفسير مجرد جزء من الحقيقة لأن المسألة أكثر تعقيدا من مجرد خلل بكيمياء الدماغ, مازالت الدراسات جارية على قدم وساق لإيجاد علاج ناجع للاكتئاب.
إذن لمعرفة كيفية حدوث الأنهيدونيا يجب أن نعرف أولا كيف يصنع الدماغ الشعور بالمتعة والنشوة.
يقوم دماغنا بإفراز عدة هرمونات ونواقل عصبية تعمل على التحكم بجسدنا...ومن بين هذه النواقل العصبية الدوبامين والسيروتونين.


 الدوبامين: ناقل عصبي له مهام لا تعد ولا تحصى, من بينها التحكم بالحركة, الذاكرة, النوم, المزاج, الشعور بالنشوة والمتعة, العواطف, السلوك والمعرفة...إلخ
إذن نحن عند ممارسة نشاط ما ممتع فإن الدوبامين يفرز بالدماغ ليتحكم بشعور المتعة والنشوة.
ينطلق الدوبامين من النقطة الخضراء بالصورة إلى أن يصل إلى مقدمة الدماغ بالقشرة الجبهية المسؤولة عن الأفكار و الشخصية والتخطيط... لضمان تكرار النشاط الممتع, فعند تناولك لطعام لذيذ فإن الدوبامين سيفرز لتشعر بالاستمتاع وأنت تتناول طعامك اللذيذ وستكرر فعلك وتتناول في وقت لاحق نفس الطعام لأن دماغك يتذكر الشعور الممتع الذي شعرت به وأنت تتناول ذلك الطعام.وقس على ذلك كل النشاطات الممتعة التي يزاولها الإنسان في حياته.
انخفاض الدوبامين يؤدي لمشاكل عدة ويقود لأعراض مرض باركنسون...لأن الدوبامين يتحكم بالحركة.

السيرتونين: ناقل عصبي مهامه لا تقل أهمية عن الدوبامين ومن بينها التحكم في النوم, الذاكرة, المزاج, حرارة الجسم, انقباض العضلات, الطمأنينة...إلخ
انخفاض السيروتونين يقود لمشاكل عديدة من بينها: انخفاض التعاطف, اضطرابات القلق, مشاكل بالذاكرة, مشاكل بالتعلم, انخفاض المزاج والاكتئاب...

يمس الخلل في حالة الأنهيدونيا العديد من النواقل العصبية إلا أننا سنكتفي بالدوبامين والسيروتونين فقط لأخذ فكرة إجمالية.
إفراز الدوبامين ووصوله لكل المستقبلات بالدماغ يمر بمسار معقد وتتدخل عدة نواقل عصبية في هذا المسار, الأمر يحتاج كتابا لشرح مسار الدوبامين وبقية النواقل العصبية.
إذن باختصار فإن الخلل يحدث في هذا المسار الذي تسلكه النواقل العصبية, فلا يصل الدوبامين أو يعود من حيث جاء بسرعة فلا يسمح للشخص الشعور بالمتعة كما يجب, أو لايفرز بالقدر اللازم أو لا يجد مستقبلات كافية بالدماغ...وغيرها العديد من الأسباب والأمر ذاته بالنسبة للسيروتونين, مما يجعل الشخص يدخل في حالة أنهيدونيا.

أنهيدونيا والمخدرات:
ما تفعله المخدرات أنها تدفع الدوبامين للافراز بشكل كبير جدا فيشعر المدمن بأقصى درجات النشوة ويتذكر دماغه هذا جيدا ليطلب المزيد من هذا الشيء الذي سبب له نشوة عارمة فيعود المدمن لتعاطي المخدر مجددا, ومع مرور الزمن يبدأ الدماغ بتقليل مستقبلات الدوبامين فحتى عند تناول جرعة المخدر المعتادة لا يشعر المدمن بنفس النشوة فيعمل على الرفع من الجرعة لتختفي المزيد من مستقبلات الدوبامين, وعند توقفه عن تناول المخدر يدخل في حالة أنهيدونيا بسبب نقص مستقبلات الدوبامين بدماغه فحتى عند قيامه بأنشطته الممتعة المعتادة لن يشعر بالمتعة كما بالسابق لأن مستقبلاته اختفت, الشيء الوحيد الممتع هو المخدر الذي لم يعد بنفس نجاعته, وتعد أنهيدوينا من أعراض مدمني المخدرات الانسحابية التي تقود عددا منهم للانتحار, أو الموت تسمما نتيجة جرعة زائدة من المخدر.

العلاج:
بالنسبة لمرضى الاكتئاب المسبب الرئيس للأنهيدونيا فإن العلاج يتمثل بالأدوية المضادة للاكتئاب التي تتدخل في مسار الدوبامين والسيروتونين للعمل على الرفع من المزاج والشعور بالمتعة, والأمر ذاته بالنسبة لمرضى الفصام, ومدمني المخدرات وغيرها من الاضطرابات...
إلى جانب العلاج الدوائي قد يلجأ الطبيب للعلاج بالصدمات الكهربائية في الحالات الشديدة من الاكتئاب والفصام ومرضى باركنسون للعمل على التأثير على الدماغ...في حين يلعب العلاج الكلامي بالنسبة لمرضى الاكتئاب دورا أيضا في التخفيف من وطأة المرض.

الاضطراب الانفجاري المتقطع

2
وجه الحرب, لوحة للفنان الاسباني سالفادور دالي

جميعنا نشعر بالغضب كعاطفة أساسية مهمة لتسيير حياتنا, ويكون غضبنا أحيانا طفيفا وفي أحيان أخرى جامحا يتناسب والمواقف التي نمر بها, وقد نتصرف في بعض المرات القليلة جدا تصرفا طائشا, عدوانيا أو مؤذيا قد نندم عليه لاحقا, ومن الطبيعي أن يمر الإنسان العادي بهذه الحالة بضع مرات في حياته, إلا أن هذا ليس حال مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع.

ما هو الاضطراب الانفجاري المتقطع؟
يعرف الاضطراب الانفجاري المتقطع أو المتناوب بنوبات قصيرة الأمد من الغضب الجامح والسلوك الاندفاعي المؤذي للغير تمتد حوالي نصف ساعة أو حتى ساعة, حيث تنتاب المريض نوبات غضب شديدة مفاجئة لا تتناسب مع المحرك الأساس لهذا الغضب, أو رغبة جامحة في الاتيان بسلوك ما مؤذي, فيتصرف بسلوك اندفاعي يصعب عليه التحكم فيه كالسب والشتم أو حتى الاعتداء الجسدي أو تكسير الأغراض أو أي تصرف اندفاعي يندم عليه بالغالب لما يعود لحالته الطبيعية, وتذهب عنه النوبة...
 تنتاب المصاب هذه النوبات بضع مرات بالعام أو الشهر أو الأسبوع وتأتيه بشكل مفاجئ دون سبب واضح, مما يؤثر على علاقاته مع أفراد أسرته وأصدقائه وزملائه بالعمل, وقد يقع فريسة اضطرابات أخرى كالاكتئاب مثلا, بسبب الآثار السلبية التي تعود عليه نتيجة تصرفاته الاندفاعية المؤذية.

يكون الاضطراب الانفجاري المتقطع أحيانا عرضا مرافقا لاضطرابات أخرى كاضطرابات الشخصية النرجسية أو المضادة للمجتمع أو الحدية, واضطراب ثنائي القطب...
ينتشر الاضطراب بين صفوف الرجال أكثر من النساء بفارق ضخم جدا إذ أن ثلثي المصابين من الرجال, ولا تفسير واضح للموضوع, إذ تقترح بعض التفاسير تدخل هرمون الذكورة التيستوستيرون في نوبات الغضب والعدوانية, في حين تقترح تفاسير أخرى أن الاضطراب ينتشر بصفوف النساء والرجال على حد السواء إلا أنه ملاحظ بالرجال أكثر بسبب طبيعة الرجل التي تجعل سلوكه الاندفاعي وعدوانيته أكثر وضوحا من اندفاعية وعدوانية المرأة.

يظهر الاضطراب بسن الطفولة بالغالب حيث تنتاب الطفل نوبات غضب جامح يُساء تفسيرها من طرف الأهل والمعلمين ومن يقدمون الرعاية له...يزدهر الاضطراب بسنوات المراهقة والشباب وتبدأ النوبات بالتراجع تدريجيا مع التقدم بالسن وبلوغ 40 عاما.
الأعراض:
تتنوع أعراض الاضطراب الانفجاري المتقطع وقد تختلف حالة كل شخص على الآخر, فقد ينتاب المصاب ثوران وهياج بشكل مفاجئ ومزعج وغير متحكم فيه على شكل:
- شعور بالغضب الشديد.
- هيجان ونزق.
- شعور بالطاقة والقوة.
- ارتعاش.
- خفقان.
- تشوش بالذهن.
- ضيق بالتنفس.
- ارتفاع بدرجة الحرارة.
وأحيانا تأتي النوبة على شكل رغبة جامحة وإثارة للاتيان بسلوك اندفاعي ما.

يقود هذا الهيجان والنزق والإثارة لسلوكات اندفاعية وعدوانية اتجاه الأشخاص أو الأغراض أو حتى الحيوانات منها:
- سب وشتم.
- صراخ في وجه الأشخاص.
- تكسير للأغراض.
- مشاجرات مع الآخرين.
- اعتداءات جسدية على الآخرين أو الحيوانات.
- تحرشات.

 تدوم هذه النوبة أقل من نصف ساعة وأحيانا أكثر من نصف ساعة ولكنها تبقى عموما قصيرة الأمد, فيشعر المصاب بعدها بارتخاء وتعب جسدي ونفسي وندم شديد على صنيعه, لأنه في أغلب الأحيان يكون قد صب جام غضبه على أشخاص يحبهم أو لا ذنب لهم أو كسر أغراض تهمه أو آذى حيوانات بريئة...مما يجعله يعيش في دوامة الشعور بالذنب وقد يقع فريسة الاكتئاب خصوصا وأن تصرفاته تكون مدمرة لعلاقاته الأسرية وصداقاته وعلاقاته المهنية...
يحاول المصاب التكفير عن تصرفه أثناء النوبة ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه, إلا أنه وبشكل عام تعد معاشرة مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع خطرة خصوصا إن اتخذت نوباته منحى العدوانية والاعتداءات الجسدية التي قد تقوده في بعض الأحيان للمحاكم والسجون, لأن الاضطراب الانفجاري المتقطع لا يعد اضطرابا نفسيا يُفقد صاحبه الادراك والتمييز كالفصام مثلا وبالتالي فهو يحاكم كأي إنسان طبيعي بكامل قدراته العقلية على نتائج سلوكاته الاندفاعية.
وكثيرا ما يصف المصاب ما ينتابه على أنه وحش داخلي يخرج من حين لآخر ويؤكد للآخرين أنه لم يكن هو أثناء إقدامه للسلوك العدواني, بعضهم يعتقد أن بداخله شيطانا يحرضه على ذلك كل مرة...

ينتشر بين صفوف مصابي الاضطراب الانفجاري بعض الأمراض بنسب تفوق النسب الطبيعية, كأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرها... نتيجة نمط العيش المتوتر ونوبات الغضب.

الأسباب:
الأسباب وكأي اضطراب نفسي آخر مجهولة إلا أن عوامل عدة تتدخل لظهور الاضطراب كالعامل البيولوجي والبيئي, حيث يعتقد تدخل عوامل جينية فيمرر الآباء جينات الاضطراب لأبنائهم.
ينتشر الاضطراب أكثر في صفوف الشباب الذين نشؤوا ببيئة مضطربة بها عنف لفظي وجسدي وتلقوا تعليما متواضعا, كما أن الاعتداء الذي قد يتعرض له الطفل بسنواته الأولى قد يرفع من احتمالية إصابته بالاضطراب الانفجاري المتقطع.
أحيانا تسبب بعض أنواع المخدرات التي قد يتناولها المراهق أو الشاب أو التناول العشوائي لبعض أنواع الأدوية لظهور أعراض انفجارية.

العلاج:
لا يوجد علاج شاف للاضطراب طبعا, لذا تعمل العلاجات المقترحة على السيطرة قدر الإمكان على الأعراض حسب كل حالة, يقوم الطبيب المعالج أولا باستبعاد بعض الأمراض كأورام الدماغ مثلا التي قد تسبب أعراضا مشابهة, وعند تشخيص الحالة على أنها اضطراب انفجاري متقطع يتم تقدير خطورة الحالة, فإن كانت للمصاب اندفاعات عدوانية مؤذية قد يتم اللجوء للخيار الدوائي كمضادات الاكتئاب التي تعمل على المحافظة على مستوى السيروتونين بالدماغ والتخفيف من النوبات.
أيضا يتم اللجوء للعلاج السلوكي المعرفي لتوعية المصاب بما ينتابه من نوبات وكذا أفراد أسرته, ومحاولة اكتشاف ما التصرفات والأشياء التي تحرض نوبات المصاب لتجنبها, كذا تعلم ضبط النفس أثناء النوبة وتقنيات التنفس السليم والاسترخاء لتقليص احتمالية الاتيان بسلوك اندفاعي مؤذي.

ما الفرق بين العواطف, المشاعر والمزاج؟

6
تتحكم العواطف بمجريات حياتنا فنحن نشعر بها كل لحظة, تؤثر على علاقاتنا بالآخرين (خجل, تعاطف, حب, كره...) وتؤثر على اختياراتنا وقراراتنا, كما يمكن التلاعب بعواطفنا بشكل كبير جدا حتى دون أن نشعر عن طريق الإعلانات ووسائل الاعلام والخطابات وغيرها...نحاول أحيانا إخفاء بعض منها لدواع اجتماعية وثقافية كإخفاء الحزن أو الغضب, أو القلق ونحوه...كما نحاول السيطرة عليها قدر الإمكان.

ما هي العواطف؟
هي تجارب ذاتية تنطوي على الإثارة الفيسيولوجية والتقييم المعرفي, فلو كنت تسير على سبيل المثال فاعترض سبيلك شخص مسلح (مثير) سيتملكك الرعب لأنك تدرك أنه يود قتلك (تقييم معرفي).
نشترك والحيوانات  العديد من العواطف لذا فهي غرائز من شأنها دفعنا للبقاء على قيد الحياة.
عمد عدد كبير من العلماء على مر الزمن على تحديد هذه العواطف, واستخراج العواطف الرئيسية, من العلماء من حدد أربعة عواطف وهناك من حدد ست أوثمان ...
لنكتفي بست عواطف هنا:
- الخوف: عاطفة تستثار عن طريق التعرض للتهديد أو الخطر, وهي تدفع الكائن لتجنب مصدر الخطر أو الهروب منه.
- الغضب: عاطفة تستثار عن طريق مواجهة المعيقات أو الأعداء, وهي تدفع الكائن لتحطيم المعيق وتجاوزه.
- السرور: عاطفة تستثار بالحصول على شيء قيّم, وهي تدفع الكائن للسعي نحو المزيد منه أو المحافظة عليه.
- الحزن: عاطفة تستثار بسبب فقد شيء قيّم, وهي تدفع الكائن للسعي نحو الحصول عليه مجددا أو تعويضه.
- التقزز: عاطفة تستثار عند مجابهة شيء خطر يجب الابتعاد عنه, كالطعام المتعفن أو الفضلات...
- المفاجأة: عاطفة تستثار بمجابهة شيء غير متوقع وهي تدفع الكائن للتوقف برهة لاستكشاف الوضع.

هذه العواطف الست نجدها لدى أغلب الحيوانات وهي تشكل بقية العواطف الأخرى, بمعنى أن الاحتقار مثلا هو مزيج بين التقزز والغضب.
عواطف الوعي الذاتي: هي مجموعة من العواطف تتشكل لدى الكائن البشري بعد تجاوزه سنته الثانية وهي عواطف مركبة من عدة عواطف رئيسية: الذنب, الاحراج, العار, الحسد, الفخر..
لانجد هذه العواطف لدى الحيوانات وهي تتشكل لاحقا لدى الإنسان بالتفاعل مع الآخر والإدراك والوعي للذات واختلافها عن الكيانات الأخرى.

تختلف استجابة جسدنا مع كل عاطفة على حدة فكل منطقة بالدماغ مسؤولة عن عاطفة أو مجموعة من العواطف للقيام بتهيئ الجسد للقيام برد الفعل المناسب.
 عند الخوف يصير جسدك مهيأ للهرب, في حين بحالة الغضب ستشعر بحرارة وقوة جسدية أكبر ويصير جسدك مهيأ للمواجهة وتحطيم العائق, فقد يدخل المرء في شجار مع شخص آخر سبب عاطفة الغضب, وقد يحطم غرضا حدث به خلل كالهاتف, فكون العواطف عمياء فإنه بالنسبة للغضب الهاتف الذي رفض الاشتغال عائق وبالتالي قد يحطمه لأنه بالنسبة للدماغ قد دفعه لإنجاز مهمة التخلص من العائق (الهاتف).
رائع أليس كذلك!

هناك عدة نظريات حول العواطف تحاول الإجابة عن كيفية اشتغالها: نظريات فيسيولوجية, نظريات معرفية... سأذكر هنا أربعا منها فقط:
- نظرية جيمس ولانج: يرى هذان العالمان أنه عند رؤية المثير تحدث استجابة فيسيولوجية ومن تم يشعر بالعاطفة
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستبدأ بالتصبب عرقا والارتعاش (استجابة) ثم تشعر بالخوف (عاطفة).

- نظرية كانون وبراد: لا يوافق هذان العالمان جيمس ولانج فقد يرتجف الإنسان بردا ولكنه سيدرك أنه ليس خائفا, حسب كانون وبراد فإن الاستجابة الفيسيولوجية والشعور بالعاطفة يأتيان دفعة واحدة.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستشعر بالخوف وستتصبب عرقا وترتعش في ذات الوقت (استجابة وعاطفة).

- نظرية شاتر وسنجر: يوافق هذان العالمان جيمس ولانج إلا أنهما يضيفان عنصر التقييم المعرفي كضرورة للشعور بالعاطفة, فعند رؤية المثير يقيم الشخص الموقف ويأتي برد فعل.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) سترتفع دقات قلبك وترتعش (استجابة) تفكر في أنه حيوان قد يقتلك (تقييم معرفي) تشعر بالخوف (عاطفة)

- نظرية لازاروس: يرى هذا العالم أن تخمينا سريعا يحدث لنا عند رؤية مثير, فنستجيب له عن طريق الاستجابة الفيسيولوجية والعاطفة في ذات الوقت.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستفكر في كونه حيوانا مفترسا خطيرا قد يقتلك (تخمين) فتشعر بالخوف وترتفع دقات قلبك وترتعش (عاطفة واستجابة)

عواطف أم مزاج؟
العواطف تكون وليدة اللحظة حسب الحدث وتختفي في ظرف وجيز, أنت عند رؤيتك لعقرب سام ستشعر بالخوف مدة قصيرة من الزمن وستقفز من مكانك مبتعدا عن العقرب ثم سيختفى الخوف بعد تخلصك منه, في حين أن المزاج هي حالة يدخلها الدماغ تدوم مدة أطول, فهناك من سيرى العقرب فيصاب بالانزعاج اليوم كله وقد لا يرغب بتناول الطعام ولا القيام بنشاطاته المعتادة وهذا ما نسميه مزاجا سيئا.
المزاج إذن حالة عاطفية تدوم مدة طويلة من الزمن وهو نوعان إيجابي وسلبي, والمزاج قد يتغير أحيانا دون أن يكون هناك سبب واضح لصاحب المزاج كأن تستيقظ بمزاج جيد أو تستيقظ بمزاج سيء, لأنه عكس العاطفة التي تكون مقترنة بمثير لحظي كرؤية عقرب, فإن المزاج قد يتأثر بالنوم الجيد أو السيء أو تناول مايكفي من الطعام أو حتى بالعواطف, كرؤية عقرب, أو صديق قديم, أو غيرها...
ويعتبر الاكتئاب وثنائي القطب اضطرابان من اضطرابات المزاج, حيث يعرف الاكتئاب بالمزاج المنخفض, في حين ثنائي القطب تناوب بين المزاج المنخفض والمزاج الجد مرتفع.

عواطف أم مشاعر؟
اللغة العربية كالانجليزية (Emotions, Feelings) كالفرنسية وكعدة لغات أخرى تحتوي على مصطلحات يتم استخدامها بشكل عشوائي, فهل هناك فرق بينهما؟
العواطف كما رأينا هي حدث يتوقف على مثير تحدث استجابة في كامل جسدنا, في حين أن المشاعر هي حبيسة ذهننا فقط.
المشاعر هي مخزون ما نملكه من تجارب عاطفية مرت بنا على مر حياتنا.
تحدث العواطف على مستوى الجهاز الحوفي بدماغنا وهي المنطقة التي توجد لدى الحيوانات من ثديات وسحالي, مجموع هذه العواطف التي نختبرها نسجلها في ذاكرتنا ونكوّن حولها معتقداتنا وفلسفاتنا الخاصة حول الحياة التي لا تشبه فلسفات غيرنا هي مايمكن أن نطلق عليها مسمى المشاعر.
عكس العواطف التي تنشأ بالجهاز الحوفي فإن المشاعر منشؤها بالقشرة الجديدة وهي منشأ الأفكار, والتي تحدد من أنت وكيف تفكر وكيف تشعر حول مختلف المواقف التي تختبرها بحياتك, لايمكننا قياس مشاعر الناس, لذا لا يقيس العلماء المشاعر كون العلم حاليا غير قادر على معرفة ما يدور بخلد كل واحد منا, فمشاعري تختلف عن مشاعرك.
فالشخص الذي فقد شخصا عزيزا أنت لا تعرف "شعوره الشخصي" عند رؤيته لصور الفقيد, والتي ستختلف عن مشاعر شخص آخر تعرض لنفس الموقف... هو سيشعر بعاطفة الحزن لكن كيف يختبرها؟ كيف هو شعور الحزن لديه؟ وما الأفكار التي انتابته لحظتها؟ وماذا تذكر؟ وما العواطف الأخرى التي انتابته؟ قد يبتسم عند رؤية الصور, غيره قد يبكي, آخر قد يبعد الصور عنه....كل هذا يشكل ما قد نسميه "الشعور".

ولنلخص العواطف والمزاج والمشاعر بمثال واحد:
كنت تسير فأبصرت صديقا قديما لم تره منذ سنوات فتتفاجأ (عاطفة المفاجأة) وتتبادل أنت وهو أطراف الحديث ثم تودعه وتكمل طريقك وأنت سعيد ونشيط طول اليوم (مزاج عال) ستشعر أن الحياة مليئة بالمفاجآت السارة مع بعض الحزن كونك لا تعرف متى ستقابله مجددا (مشاعر).

لماذا الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الذهني؟

0
تتحكم العواطف في تفاصيل عديدة بحياتنا اليومية وتتدخل في قراراتنا وتفكيرنا ومحفزاتنا حتى وإن اعتقدنا عكس ذلك, بل إننا في واقع الأمر لا ندرك حقيقة أن عواطفنا تقودنا كما تقود بقية الحيوانات.
نحن نشعر بالتحفيز والاحباط والحزن والسرور والقلق والغضب... فنفهم مختلف هذه المشاعر التي تنتابنا وتنتاب غيرنا كما أننا نحاول السيطرة عليها وإدارتها بما ويتناسب مع مختلف المواقف الحياتية بدل أن تتولى هي التحكم بنا, وهذا ما يمكن اعتباره ذكاء عاطفيا.
يعتبر الذكاء العاطفي مفهوما جد حديث إن نحن قارناه بمفهوم الذكاء الذهني إذ ظهر بشكله المفصل بتسعينات القرن الماضي, فقبلها كانت تتم الإشارة له فقط دون تحديد مفهوم محدد له, إلا أنه صار بعد ذلك العامل الأهم في تحديد نجاح الأفراد بمساراتهم الدراسية والمهنية والأسرية... إذ أجريت دراسات عدة حول مدى أهمية الذكاء الذهني في نجاح الفرد, وفي احدى هذه الدراسات تم قياس مدى قدرة 450 طفلا على التحكم بالغضب ومختلف العواطف, كذا تم قياس عامل الذكاء IQ لديهم, وبعد مرور أربعين سنة تم تتبع مساراتهم ونجاحاتهم بالحياة فتبين أن النجاح كان مرتبطا بالقدرة على التحكم بالعواطف أكثر من عامل الذكاء الذي لعب دورا جد متواضع, وهذا ما جعل بعض علماء النفس يركزون أكثر على القدرة على التحكم بالعواطف.

ما هو الذكاء العاطفي؟
على غرار الذكاء الذهني فإن للذكاء العاطفي تعاريف ونماذج عدة, إذ حاول كل عالم نفس إيجاد الصيغة الأكثر شمولا للذكاء العاطفي, إلا أنه يمكننا اختصار التعريف بالقدرة على إدراك وإدارة مختلف العواطف لصالح الفكر.
هناك ثلاث نماذج كبرى للذكاء العاطفي تعتبر الأكثر شهرة: نموذج غولمان, ونموذج بارون, ونموذج ماير وسالوفاي.

يقول غولمان: "إن معايير النجاح في العمل آخذة في التغير مع مرور الزمن, يتم الحكم علينا من خلال مقياس جديد: ليس فقط من خلال مدى ذكائنا، أو من خلال التداريب التي تلقيناها والخبرات التي لدينا، ولكن أيضا عن كيفية التعامل مع أنفسنا والتعامل مع بعضنا البعض, يتم تطبيق هذا المقياس بشكل أكبر في اختيار من سيتم تعيينهم والذين لن يتم تعيينهم، والذين سيتم التخلي عنهم والذين سيحتفظ بهم، والذين سيتم تجاوزهم والذين سيتم الترويج لهم"

إن أنت أردت كتابة سيرتك الذاتية أو طلب عمل أو طلب الانتساب لاحدى الجامعات المرموقة فإنك ستركز في صياغة طلبك وسيرتك الذاتية على جوانب تمثل خاصية من خاصيات الذكاء العاطفي, كالقدرة على العمل الجماعي والصبر والاصرار وغيرها من الخصائص...وعند إجرائك لمقابلة عمل أو غيره فإنه يتم التركيز بشكل أكبر على ذكائك العاطفي.
إذن لنتعرف على محددات الذكاء العاطفي.
حدد غولمان أربعة نطاقات للذكاء العاطفي تتضمن تسعة عشر كفاءة.
النطاق الأول: الوعي الذاتي ويتضمن الكفاءات التالية:
1- الوعي العاطفي الذاتي: القدرة على قراءة مشاعر الفرد الخاصة والتعرف على تأثيرها.
2- التقييم الذاتي: معرفة نقاط القوة وحدودها.
3- الثقة بالنفس: الشعور السليم نحو الذات.
اقرأ عن الثقة بالنفس

النطاق الثاني: إدارة الذات:
4- التحكم بالعواطف الذاتية: القدرة على الإبقاء على المشاعر المدمرة والاندفاعية تحت السيطرة.
5- الشفافية: الصدق مع الذات والنزاهة.
6- التكيف: القدرة على التكيف مع الأوضاع وتجاوز العقبات.
7- تحقيق الذات: القدرة على التعرف على معايير التميز الذاتية.
اقرأ عن تحقيق الهوية
8- المبادرة: استعدادية للعمل واقتناص الفرص.
9- التفاؤل: النظرة للجانب المفيد من الأحداث.

النطاق الثالث: الوعي الاجتماعي:
10- التعاطف: القدرة على التقمص الوجداني للآخرين.
اقرأ المزيد عن التعاطف.
11- الوعي التنظيمي: القدرة على قراءة الأحداث والقرارات المتخذة من طرف الآخرين.
12- الخدمة: القدرة على التعرف على احتياجات الآخرين.

النطاق الرابع: إدارة العلاقات الاجتماعية:
13- القيادة الملهمة: القدرة على قيادة الآخرين وتحفيزهم بشكل مقنع.
14- التأثير: القدرة على وضع استراتيجيات للتأثير على الآخرين بشكل إيجابي.
15- تطوير الآخرين: القدرة على اكتشاف وتطوير قدرات الآخرين عن طريق التوجيه.
16- تغيير الحافز: القدرة على تغيير محفز الآخرين وإدارته لاتجاه جديد.
17- إدارة النزاعات: القدرة على حل النزاعات.
18- بناء الروابط: القدرة على خلق شبكة من الروابط الاجتماعية.
19- العمل الجماعي والتعاون: القدرة على العمل بفريق بانسجام.

يختلف نموذج بارون عن نموذج غولمان ببعض التفاصيل ولكن الفكرة العامة تبقى هي ذاتها والكفاءات تقريبا متشابهة في كلا النموذجين.
إن أنت اطلعت على هذه الكفاءات ستجدها متوفرة لدى عدد كبير من القادة الملهمين ومديري الشركات والمؤسسات الكبرى حول العالم, تم استخراج هذه الكفاءات انطلاقا من مراقبة ما يميز النماذج الناجحة في المجالات السياسية والعلمية والدينية, إذ أن علماء الغرب يعتبرون الأنبياء يتوفرون على أعلى درجات الذكاء العاطفي, (نحن كمسلمين نؤمن أنهم رسل من الله).
يتطلب توفر الذكاء العاطفي حتى لدى العلماء في عصرنا الحالي, فلكي تصير عالما بعصرنا أنت بحاجة لبعض الكفاءات التي تؤهلك للقدرة على إدارة القلق والعواطف وكذا قدرات للعمل ضمن فريق مكتمل من العلماء بمختبر يجري التجارب والدراسات, لأن عصر العالم الذي يعمل وحيدا بمختبره الخاص قد ولى.

يختلف نموذج ماير وسالوفاي عن سابقيه, فهما يعتمدان على القدرات وقد حددا أربعة أفرع لهذه القدرات:
1- إدراك العواطف: القدرة على التعرف وتفسير مختلف العواطف بملامح الوجه والصور والأصوات, بما في ذلك القدرة على فهم الشخص لعواطفه الذاتية.
يمكن قياس هذه القدرة عن طريق مدك بمجموعة من الصور لوجوه بها مختلف الحالات العاطفية ومن تم قياس مدى قدرتك على التعرف على مختلف العواطف بدقة.

2- استخدام العواطف: القدرة على استخدام العواطف لتسهيل مختلف الأنشطة المعرفية والذهنية, مثل التفكير وحل المشكلات, فيمكن للذكي عاطفيا أن يغير مزاجه بما يتناسب مع العمل.

3- فهم العواطف: القدرة على فهم اللغة العاطفية وتقدير العلاقات المعقدة بين مختلف العواطف, وتشمل أيضا القدرة على التمييز بين الاختلافات الطفيفة بين العواطف.

4- إدارة العواطف: القدرة على التحكم وإدارة العواطف الشخصية وإدارة عواطف الآخرين.

لماذا الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الذهني؟
أولا لنتفق منذ البداية أنه لا يمكننا الحديث عن شخص ناجح يعاني من تخلف عقلي, يحتاج المرء لمستوى من الذكاء  في حدود المتوسط على الأقل ليتمكن من حجز مقعد مع الناجحين.
اقرأ عن الذكاء الذهني
إلا أننا لو افترضنا مجموعة من الأشخاص كما بالتجربة السابقة, بعضهم بمستوى ذكاء ذهني جد مرتفع لكنهم بذكاء عاطفي منخفض وآخرين بذكاء ذهني أقل لكنهم بذكاء عاطفي مرتفع, فإن أعداد الناجحين بالمجموعة الثانية أكبر من أعداد الناجحين بالمجموعة الأولى...
هذا لأن نظام العيش يتطلب هذه الكفاءات, جميعنا نعرف في حياتنا أشخاصا أذكياء جدا ولكنهم يعانون من عدم قدرتهم على التحكم بالقلق أوالغضب أو غير قادرين على العمل الجماعي والتعاون مع الآخرين أو يدخلون في صدامات دائما, أو يصابون بالاحباط بسرعة, هم إذن يجدون صعوبة في إنجاح مشاريعهم وأهدافهم.
عندما يتم الجمع بين الذكاء الذهني المرتفع والذكاء العاطفي المرتفع فإن الطريق للنجاح تكون جد ممهدة لأصحابها.

يمكننا اختصار الموضوع بهذه المعادلات:
ذكاء ذهني منخفض + ذكاء عاطفي منخفض= نجاح جد منخفض
ذكاء ذهني مرتفع + ذكاء عاطفي منخفض = نجاح منخفض
ذكاء ذهني منخفض + ذكاء عاطفي مرتفع = نجاح مرتفع
ذكاء ذهني مرتفع + ذكاء عاطفي مرتفع = نجاح جد مرتفع

لا تأخذ المعادلات على أنها مسلمة فهذه ليست بقوانين فيزيائية أي أنك ستجد في الحياة أشخاصا بذكاء ذهني مرتفع وذكاء عاطفي منخفض وجد ناجحين في حياتهم, وكذا عباقرة بالذكاء الذهني والذكاء العاطفي وفاشلين في حياتهم, نحن هنا  نتحدث عن إحصاءات لأعداد الناجحين في كل معادلة.

هل يمكن إنماء الذكاء العاطفي؟
من بين الأسباب التي تدفع عددا كبيرا من المنظمات وعلماء النفس للتركيز أكثر على الذكاء العاطفي هو القدرة على تنميته, أنت سترى كيف يركز "مدربوا التنمية البشرية" على إنماء الكفاءات التسعة عشر للمتدربين, كإدارة النزاعات وإدارة القلق والعواطف, وكذا فهم الآخرين وشخصياتهم والقدرة على التعاطف معهم.
تعمل بعض الدول المتقدمة على إنماء هذه الكفاءات لدى الأطفال بالمدارس.
بعض العلماء يعتبرون أن هذا الإنماء وإن وجد إلا أنه يبقى محدودا أي أن الذكاء العاطفي خاصية يولد بها الفرد تماما كالذكاء الذهني...إلا أنهم لا ينكرون إمكانية إنمائها ولو جزئيا عكس الذكاء الذهني الذي لا يمكن إنماؤه مطلقا, يمكنك تطوير مستوى ثقافتك ووعيك وتوسيع معارفك كدراسة الرياضيات والفزياء ولكن الذكاء الذهني بحد ذاته لن يزيد, عكس الذكاء العاطفي.

اختبارات الذكاء العاطفي:
 لربما اجتزت اختبارا هنا أو هناك على بعض المواقع, يؤسفني أن أخبرك أنها جميعا لا تقيس حقيقة الذكاء العاطفي بل مجرد اختبارات من إنشاء أصحاب المواقع أنفسهم للتسلية أو كسب الزيارات أو غيره.
فيما مضى كان يتم قياس الذكاء العاطفي بالتقييم الذاتي, بمعنى أنك تقرأ لائحة الكفاءات المسطورة فوق وتقيم نفسك بنفسك, أين ترى نفسك؟ لربما أنت جيد بكفاءة وسيء بأخرى, إلا أن هذا الأسلوب في التقييم غير دقيق كون الشخص لا يمكنه تقييم ذاته بنفسه, لذا اخترع ماير وسالوفاي وكذا بارون وغيرهم اختبارات لقياس الذكاء العاطفي وهو اختبار جد مطول يستغرق اجتيازه حوالي 40 دقيقة, لن تجده على الانترنت مجانا إلا إن أنت دفعت المال لاجتيازه, ويعتبر اختبار ماير وسالوفاي (MSCEIT) الأكثر دقة وعلمية.
لذا يمكنك الاكتفاء فقط بالتقييم الذاتي ومحاولة استكشاف نقاط الضعف والقوة والعمل على إنماء الجانب الأضعف.

الإلحاد أو اللادينية, أنواع الملحدين

6
مما لاشك فيه أن ظاهرة الإلحاد صارت جلية بمجتمعاتنا العربية مع التقدم التكنولوجي الحاصل وتوفر المعلومة حيث صار من الممكن رصد الظاهرة التي كانت متخفية قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات فصار من الممكن للملحدين التعبير عن أفكارهم بكل أريحية تحت أسمائهم الحقيقية أو المستعارة, وخلق تجمعات افتراضية لهم.

ليس هناك إحصاءات رسمية لمدى انتشار هذه الظاهرة بالعالم العربي لأنها محاطة بالكتمان من طرف أصحابها عكس بقية المجتمعات التي يسهل فيها الإحاطة بالظاهرة, وبالتالي فإن أغلب الأرقام التي تخرج بها بعض المنظمات هنا وهناك عن هذا البلد العربي أو ذاك تكون غير واقعية وغير دقيقة, كما أن إجراء الاحصاءات عن طريق الانترنت غير موثوق لأنك دائما ستخرج بعينة اختيارية غير حقيقية.

قد يحدث لك كمؤمن أن تراودك الشكوك وتؤرقك التساؤلات حول بعض الأمور المتعلقة بصحة الدين ووجود الله, وهذا أمر جدا طبيعي, وتعدّ جزء لا يتجزء من الطبيعة البشرية, فحتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعظمه ففي صحيح مسلم أن أبا هريرة قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه : إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, فقال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم, قال: ذاك صريح الإيمان... وفي الصحيحين عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته. 

اقرأ عن اضطرابات الوسواس القهري

أسباب الإلحاد من الناحية الاجتماعية جدا متعددة ومتشعبة كالواقع السياسي للدول العربية, والحروب والتطرف الديني إذ عرف العالم ظهور فلسفات إلحادية على مر العصور نتيجة الحروب وتردي الأوضاع كالوجودية إبان الحرب العالمية الثانية...
 يلعب الانترنت وسهولة الحصول على المعلومات دورا محوريا في انتشار الظاهرة, فأغلب الملحدين هم من الشباب الذكور إذ تشير الإحصاءات الغربية أن ثلثي الملحدين هم ذكور من الذين يتميزون بمستوى ذكائي وثقافي مرتفع فإلحادهم "غالبا وليس دائما" هو حصيلة الاطلاع المستمر على الكتب والبحث المستمر, وقد يستهجن البعض كلامي معتبرين الإلحاد "غباء".
 تزوير الحقائق والإحصاءات يريح أعصابهم ويطمئنهم بأن معتقدهم صحيح مادام الآخر يطلق عليه لقب غبي, حتى لو كان عبقريا...

لا علاقة للمنطق بما يدخل ضمن نطاق الإيمانيات والروحانيات, فالأمر مرتبط بنهج أسلوب تفكير مختلف والذي لا يكون بالضرورة صائبا, فلو افترضنا أن مجتمعا كل أفراده من الملحدين فإن المواليد الجدد سينشؤون على الإلحاد أيضا وسيكون الكل ملحدا سواء بذكاء مرتفع أو منخفض أو بتخلف عقلي, ولكن بضعة أفراد من هذا الوسط سيبذلون جهدا فكريا ويطلعون على الكتب ويعتنقون دينا ما, هم إذن أشخاص بذكاء جيد لأنهم بذلوا مجهودا فكريا ونبذوا إلحاد آبائهم, ولن نرى أبدا في هذا الوسط المتخيّل شخصا بذكاء منخفض يبذل مجهودا فكريا ويطرح تساؤلات فلسفية ليخرج بنتيجة ما صائبة كانت أو خاطئة...لايهمنا هنا النتائج لأن الذكاء غير مرتبط بفعل الصواب بهذا الخصوص...وكمثال فحتى القتلة المتسلسلين يتميزون بذكاء عال مقارنة مع الناس الأسوياء, وهذا لا يعني أن سلوكهم صائب.
طبعا هذا مجرد مثال ولا أساوي بين الملحد والمجرم.
لنتعرف الآن على ما يُطلق عليه الجميع إلحادا, والذي في واقع الأمر يتخذ أشكالا عدة, فلكل شخص تجاربه ومعتقداته ومنطقه الخاص الذي يختلف عن الآخرين, إلا أن القاسم المشترك بينهم جميعا أنهم "لادينيون".
أنواع اللادينيين عديدة بتعدد معتقدات البشر:

-الربوبية Deism: هي فلسفة يؤمن أصحابها بوجود إله خالق للكون ولكنه لا يتدخل أبدا في شؤون الكون الذي خلقه, هم لا دينيون يرفضون الأديان قاطبة هم يؤمنون فقط بوجود إله للكون ولا يؤمنون بأي شيء آخر, ولا بكون هذا الخالق يحتاج لأن يُعبد.
ينتشر الربوبيون في العالم العربي بشكل كبير ويتم إطلاق لقب ملحد عليهم, ويعتبر البعض أنهم يدّعون إيمانهم بالله فقط تقية ولكنهم في واقع الأمر يرفضون الأديان ولا ينكرون وجود خالق, إذن هم ليسوا بمسلمين ولا مسيحيين ولا يهود ولا أتباع أي دين آخر..

- الشكوكية Skepticism: هم أشخاص أقل منزلة من الربوبيين من ناحية الإيمان بخالق للكون فهم بين الإلحاد والإيمان, يسعون للتفكير والتشكيك في وجود الله من أجل الوصول للحقيقة حسب اعتقادهم, قد يكون الشكوكي مؤمنا فعلا وقد يكون غير مؤمن ولكنه يترك الباب مواربا لطرح مختلف التساؤلات التي يفسّرها الجميع على أنها إلحاد, وهي قد تكون إلحادا فعلا ولكنها بالنسبة لأصحابها قد تكون غير ذلك.

- اللاأدرية Agnostic: بمعنى "لا أدري" ويمكن القول أنه اتجاه فلسفي عكس الشكوكية قد حسم مسألة الإيمان بالله بعبارة "لا أدري" حسب اعتقادهم لا يمكن إثبات أو نفي وجود إله ولا سبيل لتأكيد وجوده أو نفي وجوده وبالتالي فالإنسان لا يدري, وحسب اعتقادهم أيضا أنه لربما قد يتوصل الإنسان لإجابة بالمستقبل ويثبت أو ينفي وجود إله.
حسب اعتقادي الشخصي فإنني أزعم أن وجود اللاأدريين بالعالم العربي ضعيف, لأن هذا النمط من التفكير عموما في شتى المجالات وليس فقط في الدين غائب بالمجتمعات العربية.

- الإلحاد Atheism: المستوى الأعلى من اللادينية وهي تضم الأشخاص الذين ينكرون وجود خالق للكون بالمطلق, هم لا يؤمنون بوجود إله.

هذه إذن أهم أنماط اللادينية والتي قد تصادفها والآن لنفصل سلوك هؤلاء الأنماط بالمجتمعات العربية.

في واقع الأمر فإن الملحد قد يكون أخا أو صديقا أو جارا ولكن لا أحد يعلم بحقيقة معتقده لأنه يحتفظ به لنفسه كي لا يقع في مواجهة مع أسرته وأصدقائه, قد يلجأ البعض لتجمعات مصغرة تضم مختلف الملحدين أو أن يلجؤوا للانترنت للتعبير عن أفكارهم.
سلوك الملحد العربي يختلف عن الملحد الغربي أو الآسيوي, لأن الثقافة التي ينشأ فيها الفرد تلعب دورا في بلورة الاعتقاد والسلوك, لذا بشكل عام لا يحترم الملحدون العرب معتقدات الآخرين عكس الملحدين بثقافات أخرى, نحن بلدان متخلفة سواء كان العربي مسلما أو ملحدا يغلب عليه طبع عدم احترام معتقد الآخر والسخرية منه, أحيانا نرى مفكرين عرب لادينيين يسخرون من المتدينين ويصمونهم بالتخلف والرجعية في كتاباتهم التي تكون شبه خالية من الأفكار, في حين أن المفكر الغربي الملحد يدرس مسألة التدين بموضوعية وبعلمية ويكون كتابه غنيا ومفيدا للجميع سواء وافقه أو لم يوافقه...
عموما فإن حوارات الملحدين العرب تكون عنيفة من كلا الطرفين: المؤمن والملحد, وتكون عبارة عن تبادل للشتائم بدل تبادل للفكر.

سأقوم بتصنيف هؤلاء الملحدين العرب حسب تجربتي الشخصية وحسب ما لمسته, سواء بحياتي الواقعية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

- لاديني إنساني: هو صنف تجده ينادي بالحب وفعل الخير ومحارب لكل أشكال التمييز فيدعوا للمساواة بين الجنسين وحفظ حقوق المثليين وتراه نشيطا في الأعمال الخيرية والإنسانية, إلحاد هذا النوع يكون بالعادة نتيجة اعتقاده أن الأديان "ظالمة" لذا تجده في الغالب "ربوبيا" يؤمن بإله محب لا يعذب أحدا, ويمكنك لمس هذا بشكل جلي في حواراته التي تركز على ما يراه "ظلما" بالدين حسب اعتقاده, ويكون أسلوبه في الحوار عادة مباشرا دون لف أو دوران.

- لاديني علمي: صنف نبذ الأديان نتيجة إقتناعه الشديد بأن العلم يجيب على كل التساؤلات وأن الأديان حسب اعتقاده "لامنطقية" وتعارض العلم, هذا الصنف يكون مستوى ذكائه جيدا بالغالب, فهو قادر على الالمام بمختلف أنواع العلوم والاطلاع على مختلف النظريات, ويكون بالعادة "ملحدا" لا يؤمن بخالق مطلقا أو "شكوكيا" ويتميز في حواراته بتسفيه "الأديان" والسخرية من معتقدات المؤمنين.

- لاديني فلسفي: وأحيانا متحزب كأن يكون شيوعيا ملحدا, أو ليبراليا أو عدميا أو أيا كان الفلسفة أو الايديولوجيا التي يحملها, يكون في العادة إلحاده نابعا عن قناعاته الشخصية وفلسفاته الذاتية ويتميز إلحاده بالشكوكية وتراه يطرح أفكارا تدعوا للتساؤل والتشكيك في المعتقدات والتشريعات ووجود الله, يتميز أسلوب حواره باللف والدوران فهو غير مباشر في التعبير عن وجهات نظره بل يحاول أن يجعلك تشكّ في معتقدك, وهذا نابع من اعتقاده أن ما يثير شكوكه هو, سيثير شكوكك بالضرورة.

- لاديني غير مكثرت: هو لاديني ينبذ الأديان لأنه وببساطة لا توافق هواه, قد يقدّم نفسه أحيانا على أنه "مسلم" لكنه سيرفض أي شيء يصنّف على أنه من الدين, فهو سيطلب منك أن تتوقف عن تلاوة الخرافات إن كنت تقرأ القرآن الكريم مثلا, أو أن يطلب منك عدم إضاعة الوقت في الصلاة ... لا يبذل جهدا في التفكير حول صحة الأديان من عدمها, قد تراه يزين سيارته بآية الكرسي, أو قد لايصوم رمضان لكنه سيحتفل بالعيد لأن أجواءه تروقه, هو غير مهتم بالجانب الفلسفي أو العلمي, هو سيتصرف ويؤمن بما يتوافق مع هواه.

إذن هذه تصنيفات حسب تجربتي الشخصية وحسب الأفراد الذين صادفتهم بحياتي وقد لا ينطبق هذا التصنيف إلا على فئة قليلة صادفتها أنا, ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم هذا التصنيف على الجميع, فهناك لاديني علمي ويحترم معتقدات الآخرين ولاديني فلسفي وصريح في عرض أفكاره...إلخ

الجانب النفسي:
لربما لاحظت عزيزي القارئ أن الشخص الأكبر سنا يركز على الدين بشكل أكبر مقارنة مع الشاب الأصغر سنا, بل قد يميل عدد من الشباب الملحدين المتشددين للروحانيات بعد تقدمهم بالسن, فهل هذا صحيح؟
تشير احدى الدراسات التي أجرت استقصاء لما يفوق 700 ألف شخص على مدى ثلاثين عاما في 80 دولة مختلفة ولمختلف الشرائح المجتمعية, أن الإنسان يميل لأن يكون أقل روحانية وتمسكا بالدين بسنوات شبابه في حين يركزعلى الدين بعد تقدمه بالسن, وقد رصد هذا الاختلاف في المجتمعات الغربية بشكل أكبر حيث تعج الكنائس بالآحاد بالمتقدمين بالسن وقد كان يفسّر الأمر على أن هؤلاء العجزة ترعرعوا منذ البداية في فترة زمنية كان الدين فيها مايزال ذا شأن, فظلوا محافظين على التزاماتهم الدينية, إلا أن الدراسة بينت أن البعض فعلا يصير أكثر روحانية بتقدمه بالسن ويفسّر العلماء السبب على أنه تمهيد للنفس البشرية على العبور من الحياة إلى الموت بسلام, حيث يصير أمله أكبر في عيش حياة أخرى بعد الممات.

ولتفسير هذه الروحانية علميا, اعتبر العلماء على مر السنوات وجود منطقة بالدماغ البشري مسؤولة عن الجانب الروحاني وقد أطلق على هذه المنطقة "God Spot" حيث انكبت الأبحاث حول محاولة تحديد هذه المنطقة بدقة بالدماغ, إلا أن أبحاثا أخرى اقترحت عدم وجود نقطة محددة مسؤولة على الجانب الروحاني بل أن الأمر جد معقد ومتداخل تلعب فيه كل فصوص الدماغ دورا, قام جونستون بدراسة حالة 20 شخصا مصابا بالفص الجداري الأيمن من الدماغ تبين أن الجانب الروحاني لديهم قد تنمّى وصاروا أكثر روحانية, وقد فُسّر الأمر على أن الجانب الأيمن من الدماغ مرتبط بالتوجه نحو الذات في حين أن الجانب الأيسر مرتبط بالتوجه نحو الآخرين, وكلما انخفض نشاط الجانب الأيمن كلما صار الشخص أقل تركيزا نحو ذاته وبالتالي روحانيا, كما حدث بالمصابين الذين ازدادت روحانيتهم...وقد قال جونستون المشرف على الدراسة "وبما أن أبحاثنا تبين أن الأشخاص الذين يعانون من قصور بالفص الجداري الأيمن هم أكثر روحانية، فهذا يشير إذن إلى أن التجارب الروحية ترتبط بانخفاض التركيز على الذات, وهذا يتفق مع العديد من النصوص الدينية التي تنصح الناس على أن يركزوا أكثر على رفاه الآخرين وليس على أنفسهم".

إذن بشكل عام سواء وُجدت منطقة God spot أم لم توجد, فإننا كبشر نُعدّ كائنات روحانية بالفطرة, يرتبط الجانب الروحاني لدينا ارتباطا وثيقا بالصحة النفسية, لذا ينصح البعض الملحدين بممارسة اليوغا لخلق التوازن, بل إنك ترى انصراف عدد كبير منهم نحو فلسفات الشرق الأدنى, أو الارتباط بالأرض كما جاء بدراسة جونستون, أو نحو الصوفية بالعالم الاسلامي, للحاجة لملئ فراغ وهوة بالنفس.

أزمة الهوية ومراحل تطور الهوية

13
أزمة الهوية مصطلح يتكرر كل حين في وسائل الإعلام ولابد وأنك سمعت أو قرأت عنه هنا وهناك.
هو مصطلح صاغه عالم النفس إريك إريكسون حيث اعتبره تحديا من تحديات مرحلة المراهقة ويعدها من بين أهم مراحل حياة الإنسان التي يحاول فيها اكتشاف أناه وذاته وهدفه من الحياة.

ما هي الهوية؟
عمل عالم النفس جيمس مارسيا على إتمام عمل إريكسون وذلك بالتركيز أكثر على مرحلة المراهقة وأزمة الهوية وتفصيلها بشكل أدق.
يعرّف مارسيا الهوية على أنها بناء داخلي يشيّد من طرف الشخص ذاته وتمثل مجموع المعتقدات والقدرات والدوافع وتاريخ الفرد, وكلما كان هذا البناء متينا كلما كان الفرد أكثر وعيا بأوجه التفرّد والتشابه مع الآخرين, كذا نقاط قوته وضعفه في شق طريق حياته بهذا العالم...في حين كلما كان هذا البناء ضعيف التشييد كلما كان الفرد مشوشا حول ما يميزه عن الآخرين وكلما صار أكثر اعتمادا على مصادر خارجية لتقييم ذاته واكتشافها.
يرى مارسيا أن بناء الهوية ديناميكي وغير تابث فهو يتغير كل حين في مراحل حياتية شتى, فتضاف عناصر جديدة لهذه الهوية وتُزال أخرى, فالإنسان دائم البحث والاكتشاف.
إلا أنها تتحدد معالمها الكبرى بسن المراهقة كونها مرحلة عمرية فاصلة بين الطفولة وسن الرشد وهي تعرف تقلبات مزاجية وهرمونية تمهيدا لمرحلة الشباب والمسؤولية والاكتمال الجسدي والنفسي, لذا هي تعرف أسئلة وجودية يطرحها المراهق باستمرار على نفسه لتحديد أناه وهويته, وتعرف مرحلة المراهقة المتأخرة أو سنوات الشباب الأولى تقريبا حوالي 18 سنة إلى 22 سنة ذروة الاكتمال لهذه الهوية.

تطور الهوية:
لدراسة مراحل تطور الهوية ابتكر مارسيا مقابلة شخصية لتحديد هوية هؤلاء الشباب الذين من المفترض أن يعيشوا ذروة اكتمال هوياتهم وأزماتها محاكيا بذلك نموذج إريكسون وقد قسم مراحل الهوية لأربع مستويات هي (تحقق الهوية, تأجيل الهوية, إعاقة الهوية, تشتت الهوية) يعتمد فيهما على بعدين اثنين هما: الاستكشاف والالتزام. حيث يمثل الاستكشاف الأسئلة التي يطرحها الشاب على نفسه حول هويته وماهيتها في حين يمثل الالتزام الاختيارات التي ينهجها الشاب في شتى المجالات, في كل قسم من الأقسام الأربع يعرف المراهق أو الشاب أزمة هوية ويحاول تجاوزها.

1- تحقق الهوية Identity achievement: تمثل أعلى مستويات الاستكشاف والالتزام معا حيث تكون للشاب رؤية واضحة عن هويته وأهدافه والقيم والمبادئ التي يحملها فهو سيتحدث عن معتقدات دينية كجزء من هويته أيا كانت هذه المعتقدات, سيكون لديه توجه سياسي مثلا وإنتماء فكري أو فلسفي...هو تمكن من استكشاف ذاته وصارت له ذاته وأناه التي تميزه كفرد بالمجتمع مستقل بكيانه, سيتمكن من تعريف ذاته وتوجهاته بكل ثقة... كما أنه ملتزم بخياراته وأهدافه الواضحة والتي قد تكون متعددة.
هو إذن يعرف من يكون ويعرف ما يريد. 

مثال: أحمد شاب مسلم مقتنع بمعتقده له جنسية عربية يعتز بها, كما أنه سياسيا ذو توجه رأسمالي ويدعم هذا الخيار, هو يعبر عن اهتمامه بدراسة الاقتصاد والتجارة بالجامعة لأنه يرغب في إدارة عمله الخاص, كما أنه يحمل أفكار فلسفية وقيما ذاتية يحاول تطويرها كل حين.
مثال آخر: كريستين فتاة لا دينية فهي مقتنعة بأن ليس هناك دين يجب إتباع تعاليمه كما أنها تحمل جنسية أوربية تعتز بها وإنتمائها لها, هي ناشطة بيئية وتنتخب المرشح الذي برنامجه يدافع عن البيئة أيا كان توجهه السياسي, تود دراسة علوم البيئة كما أنها نباتية وتحمل قيما وفلسفات منبثقة من توجهها البيئي.

إذن كانت هذه مجرد أمثلة تعبر عن تحقق الهوية سواء وافقت أم لم توافق توجه أحمد وكريستين, لأن تحقق الهوية ليست حول ما الصحيح وما الخاطئ, بل حول هل لك هوية أم لا, هما قد اكتشفا هويتيهما والتزما بها وبالتالي فهما يعرفان ما يودانه في حياتهما. الوصول لهذا المستوى ليس بالأمر الهين بل هو نتيجة الاستكشاف المقترن بأزمة بالهوية التي مر بها الفرد.

2- إعاقة تكوين الهوية Foreclosure: تمثل مستوى ضعيفا في الاستكشاف وعاليا في الالتزام حيث أن الشاب يسلك منحى سلبيا في استكشاف ذاته, فهويته مكتسبة من وسطه العائلي ومجتمعه المحيط به كما أنه ملتزم بهذه الهوية المكتسبة, فهو يدين بدين أسرته ومحيطه الاجتماعي ويمارس نفس الطقوس الدينية, وإن سألته لماذا يفعل هذا أو ذاك فإنه سيجيبك أن هذا ما يجب فعله وأن الكل يفعله أي أن قناعته ليست نابعة من ذاته, كما أنه سياسيا قد يتبع ما هو سائد وما يراه واجبا عليه اتباعه, وقد يحدد له وسطه العائلي مساره الدراسي, وبقية القيم والمبادئ التي تكون مكتسبة من الوسط الخارجي لا من قناعاته الذاتية, وهو رغم ذلك فهو ملتزم بها, أي أنه لا يواجه أزمة هوية, ولم يمر بها.

مثال: كريم شاب مسلم اعتاد توزيع الصدقات كل يوم جمعة كما هو دأب أفراد أسرته على مر عقود, كما أنه سياسيا يدعم حزبا اشتراكيا لأن جده كان من بين رجالاته, هو يود أن يصير طبيبا لأن هذا حلم والدته ولأنها المهنة الأفضل بمجتمعه.

إذن كريم يعاني من إعاقة في تكوين هويته الذاتية المستقلة عن محيطه الخارجي, وهو ملتزم بهوية مكتسبة لم يستكشفها بنفسه, ولا يواجه أي أزمة هوية.

3- توقيف أو تأجيل الهوية Moratorium:  عكس إعاقة تكوين الهوية فإن توقيف الهوية تمثل مستوى عاليا في الاستكشاف وضعيفا في الالتزام وهي تعبر عن مرحلة يمر فيها الفرد بأزمة الهوية, فالشاب يطرح عدة تساؤلات يتركها مفتوحة بلا إجابة سعيا للاستكشاف, هو غير ملتزم بهوية محددة لأنه مازال يبحث مؤجلا هويته, يريد أن يعرف من هو تحديدا ويعيد النظر في معتقداته وإنتماءاته, كما أنه ربما لم يحدد هدفه في هذه الحياة وما يرغب في أن يفعله.

مثال: أسماء غير مقتنعة بعادات وتقاليد أسرتها, هي تحاول استكشاف ما يصلح منها, كما أنها لا تعرف ماذا تود أن تصير بالمستقبل بعد التخرج من الثانوية, لذا تسأل وتبحث عن شتى التخصصات ولم يعجبها ما اختاره لها والداها.

مثال آخر: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الثاني من قصيدة الطلاسم
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!


أسماء بالمثال لديها استكشاف عال لهويتها إلا أنها لم تلتزم بعد بهوية محددة هي تؤجل هويتها لحين التزامها وقد تحصل على مبتغاها وقد تعاني من أزمة بالهوية فلا تلتزم أبدا وتبقى في دوامة الاستكشافات. 
الشاعر بقصيدة الطلاسم يطرح أسئلة وجودية هو يحاول استكشاف ذاته وماهيتها وتاريخها ككائن بشري.
من بين الأمثلة الحية أبناء الجنسيات المختلفة أو الديانات المختلفة الذين يجدون أنفسهم في عزلة ببلد ولدوا فيه, فيكون إنتماؤهم مشوشا ألبلدهم الأم أم لبلدهم الذي ولدوا فيه أم لكلاهما مع اختلاف الثقافات, فالقيم التي يتلقونها بالبيت ليست هي القيم التي يصطدمون بها  بالشارع.

4- تشتت الهوية Identity diffusion: طبعا هي تمثل مستوى ضعيفا بالاستكشاف وضعيفا بالالتزام أيضا, فالشاب في هذا المستوى يعاني من هوية مشتتة هو لا يحاول استكشاف ذاته ولا معتقداته ولا أهداف محددة له, يعيش اللحظة وحسب, سلوكه بالحياة سلبي, فهو يدرس لأن عليه أن يدرس وليس له تخصص محدد يود دراسته بالجامعة, قد يكون بديانة ما لمجرد أنها ديانة ولد بها, ليس له رأي محدد في كثير من جوانب الحياة المهمة, يعيش فقط لأنه حي يرزق.

مثال: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الأول من قصيدة الطلاسم
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

الشاعر بالمقطع الأول من قصيدة الطلاسم يعبر عن حالة من العدمية التي قد تمثل بشكل أو بآخر عن تشتت الهوية, فهو يعيش ولا يعلم شيئا عن هدفه من الحياة ولا من وجوده ويسير في طريق أبصره أمامه وحسب لا هو سعى إليه ولا اختاره.
وهذا مجرد مثال للتوضيح وحسب فلا تأخذ شعر إليا أبو ماضي على أنه فعلا يمثل حالة تشتت الهوية.

في أي مستوى أنت؟
 حسب مارسيا فقد يمر المراهق بهذه المراحل الأربع جميعا أو مرحلتين فقط أو قد لا يمر بأي مرحلة من هذه المراحل, وتمثل مرحلة تحقق الهوية هي المرحلة الأكثر نضجا والتي يجب على الشاب السعي للوصول لها.
والآن ماذا عنك؟
في أي مرحلة تجد نفسك؟

اضطرابات الجسدنة: آلام جسدية, شلل وعمى وهمي

2
لوحة للفنان الروسي فازيلي بولينوف بعنوان المرأة المريضة عام 1886

تتمحور اضطرابات الجسدنة حول أعراض جسدية يشعر بها المصاب دون أن يكون لها أي أصل بيلوجي, إذ تظهر التحاليل والفحوصات السريرية أنه خال تماما من الأمراض العضوية التي قد تؤدي لتلك الأعراض, إذن هي أعراض ذات أصل نفسي, قد تصيب عضوا أو أكثر بالجسد وتكون مصاحبة بالقلق, الجهل المطبق بهذا الاضطراب يقود المصابين وأهليهم للاعتقاد أن ما يعاني منه المصاب سحر أو عين.

تندرج عدة اضطرابات تحت مسمى اضطراب الجسدنة ولكل منها أعراضها الخاصة ويمكن تقسيمها لفئتين:

1- اضطرابات بأعراض جسدية حقيقية بالنسبة للمريض:

اضطراب الجسدنة:
اضطراب يتميز باختبار المصاب لعرض أو عدة أعراض جسدية تكون معيقة للحياة وتستحوذ على تفكيره وتصيبه بالقلق بشأنها وهو ينتشر بشكل أكبر بين الطبقات الفقيرة التي تعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية كما أنه يصيب بشكل أكبر النساء ذوات التعليم المنخفض أو الغير متعلمات وتظهر الأعراض مبكرا بسن المراهقة والشباب وتبقى مرافقة للمصاب طول الوقت.
قد يطال الألم أي عضو بالجسد وقد يرافق المريض عرض واحد فقط أو عدة أعراض:
- آلام بالصدر, خفقان بالقلب, ضيق بالتنفس
- آلام بالذراعين أو الساقين
- صداع بالرأس
- نزيف حاد أثناء فترة الطمث بالنسبة للنساء أو عدم انتظام الدورة الشهرية
- آلام بالأمعاء, إمساك أو إسهال
- غثيان
- وهن عام بالجسد أو آلام بشتى أنحاء الجسد

يلجأ المريض للأطباء للكشف عن حالته إلا أن الجميع يؤكد له أن التحاليل والفحوصات تؤكد سلامته الجسدية وأن ما يعاني منه لا أصل له, إلا أن المريض لا يتقبل هذه الحقيقة لأن الألم الذي يشعر به حقيقي ويكون شديدا عليه, أو أن الاسهال مزمن أو النزيف كثيف بالنسبة للمرأة المصابة, ويكون مصاحبا بقلق شديد اتجاه الصحة, مما يجعل عددا كبيرا يفسر الأمر على أنه سحر, وأحيانا يتم اتهام المريض بالكذب واختلاق الأعراض من طرف الأهل خصوصا إن كان المصاب مراهقا.

اضطراب التحويل أو الهستيريا التحولية:
الهستيريا التحولية هو اضطراب من اضطرابات الجسدنة حيث يتمحور حول الجسد أيضا والمقصود أن الاضطراب النفسي يتحول لاضطراب جسدي, إلا أنه يختلف عن اضطرابات الجسدنة كونه يصيب الجهاز الحسي أو الحركي للمصاب فيصيبه بالعجز, وعلى غرار اضطراب الجسدنة فهو يكثر بصفوف الطبقات الفقيرة ذات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وبين صفوف النساء ذوات التعليم المنخفض خصوصا الشابات.
تتميز أعراضه أن الشخص يصاب إما بشلل باحدى ساقيه أو ذراعيه أو كلاهما بحيث يصير عاجزا جزئيا أو تماما عن تحريكهما أو أن يصاب في احدى حواسه كالعمى أو الصمم أو فقدان حاسة الذوق أو حاسة الشم, أو صعوبة بالكلام أو فقدان النطق, أو أن يصاب بحالات صرع وتشنج دون أن يكون لأعراضه أي أصل بيلوجي فالطبيب سيؤكد سلامة الأعصاب الحركية والحسية وسلامة العضو, فطبعا يلجأ الأهل للعلاج الروحاني سواء الرقية الشرعية أو حتى الشعوذة لأنه بالغالب يكون اضطرابا منتشرا بين صفوف الفئات الغير متعلمة والفقيرة والتي ليس لها إمكانية دفع تكاليف العلاج السلوكي المعرفي للأسف, وتكرس بعض وسائل الإعلام الجهل بهذا الاضطراب بإظهار حالات على أنها شفيت بالشعوذة والطلاسم.
الأسباب:
تبقى الأسباب مجهولة إلا أن للصدمات النفسية ولسوء البيئة التي ينشأ بها الطفل أثرا بالغا في تطوير الاضطراب بسن المراهقة بسبب الأجواء المشحونة والقلق المستمر حيث يتم تفسير الاضطراب على أن العقل يقوم بتصدير الآلام النفسية التي يشعر بها نحو الجسد فتصير آلاما جسدية, هو يواجه ضغطا كبيرا وقلقا ومعيشة سيئة لذا يشتد الألم النفسي فيتحول لجسدي.
وكثيرا ما يكون الاضطراب مصحوبا باضطراب تفارقي.

لا يجب الخلط بين اضطراب الجسدنة والاضطرابات النفسية الأخرى كنوبات الهلع مثلا, لأن هذا الأخير أعراضه حادة جدا وتستمر بضع ثوان أو دقائق, يشعر فيها المصاب أنه يموت, إلا أن اضطراب الجسدنة هو حالة جسدية تستمر طول الوقت لأشهر عديدة أو حتى سنوات بشكل أقل حدة.

2- اضطرابات جسدية غير حقيقية ومختلقة:

اضطراب القلق من المرض:
عكس الجسدنة فإن اضطراب القلق من المرض لا يشعر فيه المريض بأي ألم أو أي أعراض جسدية حقيقة إلا أنه يصاب بقلق شديد حيال صحته ويبالغ في أي عرض بسيط يصيبه بشكل معيق للحياة اليومية ومزعج لمحيطه, فهو قد ينظر للمرآة فيرى بثرة بوجهه فيهوّل منها ويزور الطبيب بشأنها, هو مهووس طول الوقت بصحته ويحاول أن يؤكد للآخرين أنه مريض فعلا, قد يشعر بألم خفيف ببطنه فيصير طريح الفراش, أو يلجأ للطبيب ليؤكد له أنه مريض, رافضا فكرة أنه يعاني من اضطراب نفسي,  لذا هو غالبا ما يلقى تجاهلا من طرف أسرته وأصدقائه نتيجة هذه الشكوى المستمرة من أعراض طفيفة حيث يصير مصدر إزعاج بالنسبة لهم.

لايجب الخلط بين هذا الاضطراب وبين الوسواس القهري, إذا أن المصاب بالوسواس يقلق من أن يصاب بالمرض مستقبلا, هو يقصد الطبيب خوفا من أن يكون ما يشعر به مرضا خطيرا فيطمئنه الطبيب فيشعر بالراحة مؤقتا, هو يريد أن يطمئن للأبد, عكس مصاب اضطراب القلق من المرض الذي يحاول إقناع الطبيب ومحيطه أنه مريض فعلا ويحتاج لعلاج.
عكس اضطرابات الجسدنة ينتشر هذا الاضطراب بين النساء والرجال على حد سواء بتفاوت بسيط.

اضطراب المرض الافتعالي:
ويعرف أيضا بمتلازمة مونخهاوزن اضطراب يعد أحيانا خطيرا على صحة المصاب أو أسرته, حيث أنه يختلق ويكذب بشأن صحته, فقد يضع الضماد على يده أو يشتري عكازا ليوهم الآخرين أنه مريض لإثارة انتباههم وشفقتهم, أو أن يزور شهادات طبية أو أن يتظاهر بالمرض, وهو يفعل ذلك بشكل متكرر بحيث يعرف الجميع أنه مريض بشكل مزمن أو يعاني كسورا وجروحا بشكل متكرر.
أحيانا يعمد المصاب لإثارة شفقة الآخرين وانتباههم عن طريق أحد أفراد أسرته, ويعرف في هذه الحالة باضطراب المرض الافتعالي بالوكالة, فيجبر ابنه على وضع الضماد أو البقاء طريح الفراش والتغيب عن المدرسة.
 أحيانا يبلغ الاضطراب مبالغ جد حادة حيث يبدأ المصاب بإمراض نفسه فعلا بابتلاع مواد سامة أو جرح نفسه أو خلق كسور بجسده ومن تم زيارة المستشفى والأطباء بشكل متكرر وهو دائم البحث عن أعراض الأمراض لاختلاق أعراض مشابهة سواء له أو لأبنائه.

ينتشر الاضطراب بشكل كبير جدا بالولايات المتحدة الأمريكية وهو منتشر بين صفوف الأمهات, وكثيرا ما يتم تجسيده بالأفلام, حيث تعمد الأم على إمراض ابنها لجلب الانتباه والشفقة إليها من طرف العاملين بقطاع الصحة أو من طرف المحيطين بها, وكثيرا ما تقود هذه المحاولات لموت الطفل.
 آخر القصص المثيرة أن فتاة كانت تجبرها أمها طوال عشر سنوات على استخدام الكرسي المتحرك وتناول أدوية أدت لتدهور صحتها ولتساقط أسنانها وحلق شعرها كي توهم الآخرين أنها مصابة بسرطان الدم, حتى لصارت تبدو عجوزا وهي بسن المراهقة فأقدمت الفتاة بمساعدة صديقها على قتل أمها, وانتهى بها الأمر بالسجن طبعا.

بالعالم العربي لا وجود لاحصاءات لهذا الاضطراب لأنه محاط بالجهل المطبق ولأنه يصعب تقبل فكرة أن الشخص يمرض نفسه أو فلذة كبده دون أن تكون أعراض ذهانية بادية على محياه, فالناس اعتادوا أن يكون الاضطراب النفسي (جنونا) أي أن يكلم الشخص نفسه وبملابس متسخة ويقوم بتصرفات غريبة (أعراض الفصام), يستحيل عليهم تصديق أن أما حنونا طيبة ومحبة لجيرانها وأسرتها تعمد على إمراض ابنها بنفسها, كما أن المصاب نادرا ما يلجأ للعلاج النفسي.

طبعا المصاب مسؤول عن أفعاله كامل المسؤولية فهو يفعل ذلك بإرادته التامة وبالتالي فهو يقع تحت طائلة للعقوبات الجاري بها العمل إذا تبث تعريضه لحياة أو صحة شخص ما للخطر.

علاج اضطرابات الجسدنة:
يتركز العلاج بالتقويم السلوكي المعرفي, إذ لا تنفع الأدوية إلا في حالة مرافقة الاضطرابات لأعراض القلق أو الاكتئاب, التي تفيد كثيرا في التخفيف من أعراض الجسدنة في حين يعالج افتعال الأمراض بالعلاج السلوكي المعرفي وهو يتطلب مواكبة طويلة الأمد لأن المصاب قد لا يستجيب وقد يستمر في محاولاته للفت الانتباه بأذية نفسه أو غيره.

الاستسقاط, باريدوليا والتحيز التأكيدي: روابط من العدم

6
الاستسقاط (apophenia) هي رؤية وصنع روابط بين أمور لا رابط حقيقي فيما بينها, وهي ظاهرة يفعلها الجميع بتفاوت.
صاغ المصطلح عالم النفس الألماني كلاوس كونراد أثناء وصفه أعراض السكيزوفرينيا حيث اعتبر الاستسقاط من ضمن الأعراض الأولية لمرضى الفصام (السكيزوفرينيا) فمرضى الفصام يميلون للمبالغة في الاستسقاط.

ما هو الاستسقاط؟
صنع الروابط مهمة جد ضرورية لنا كبشر للبقاء على قيد الحياة, فالأم مثلا التي تسمع بكاء رضيعها قد تربط بكاءه بجوعه لأنها لم تطعمه, والشخص الذي يدلف إلى منزله فيرى النافذة مفتوحة وبعض الأغراض ناقصة فهو سيربط ما يراه باحتمال تعرضه للسرقة ويأخذ حذره من اللص الذي قد يكون ما يزال بالمنزل.
إذن نحن نقوم بصنع روابط بشكل جد طبيعي ويومي سواء في حياتنا اليومية الروتينية أو في الأمور الأكثر تعقيدا كحل التمارين بالمدرسة أو العمل أو نسج النظريات العلمية أو الاختراعات التكنولوجية...إلخ.

إلا أن الاستسقاط يمثل المبالغة في ممارسة خلق الروابط ورؤيتها في أمور لا رابط بينها, وهو خطأ نقع فيه جميعا بشكل طبيعي, وأحيانا إن كان جد مبالغ فيه فهو قد ينبؤنا بشخصية ذهانية تعاني من الفصام أو اضطراب الشخصية الشبه فصامية مثلا أو غيرها...
 للاستسقاط أنواع عديدة تندرج تحت مسماه, دعونا نتعرف على بعضها:

باريدوليا Pareidolia:
الباريدوليا هي رؤية معاني في أشياء لا تحمل أي معنى كرؤية الوجوه في الجمادات والصور والسحب.
هل يمكنك رؤية الوجوه بهذه الصور؟
أغلب البشر يمكنهم رؤية الوجوه بهذه الصور, وإن كنت تذكر صورة الوجه بالمريخ فقد أثارت ضجة بين العامة, رغم أن الصور الملتقطة من زاوية أخرى لهذه التكتلات لا تظهر وجها بالمطلق.
نحن خلقنا لنتعرف على الوجوه, كبقية الكائنات لدينا تلفيف بالمخ مسؤول على التعرف على الوجوه إذ أننا لا نتعلم أن هذا الذي نراه وجها بل ندركه غريزيا, الرضيع سينظر إلى عينيك مباشرة دون أن تخبره أنهما عينيك, سترى حيوانا أول مرة في حياتك ولكنك ستتعرف على وجهه والحيوان سيتعرف على وجهك أيضا وستراه ينظر في عينيك مباشرة...قد تصاب هذه المنطقة بالمخ فيستحيل على المصاب التعرف على الوجوه ويصير لديه ما يسمى "عمى تعرف الوجوه"
الدماغ لدينا يشتغل كآلة لذا هو إن بدا له ما يشبه الوجه سيمدك بمعلومة أنه وجه تماما كما بالصور بالأعلى, بل إن أبسط تفصيل كخط ودائرتين سيخبرك دماغك أنه وجه 0_0

الأمر ذاته بالنسبة لرؤية أمور ألفناها, كصور بعض الحيوانات بالأشجار أو لفظة الجلالة "الله" بالخضر والفواكه أو اسم "محمد" بالأحذية والزرابي, هي رسوم كتابية اعتدنا رؤيتها وصارت جد مؤلوفة لنا ولها حمولة دينية مهيبة بأنفسنا لذا فدماغنا مستعد لرؤيتها في كل شيء.
يقع العديد من الناس في هذا الفخ فتراه ينشر صورة ما يشبه الوجه بشجرة مرفوقة بعبارة "سبحان الله!" طبعا سبحان الله دائما وأبدا ولكن ما تراه بالشجرة مجرد خطوط عشوائية ألف دماغك على أن يتعرف فيها على الوجوه, ونفس الشيء بلفظ الجلالة "الله" واسم "محمد" عليه الصلاة والسلام وصورة المسيح أو العذراء مريم بالنسبة لأتباع الديانة المسيحية الذين يرون صور المسيح والعذراء عليهما السلام في كل شيء نظرا لأنهم اعتادوا على الصور والتماثيل المجسدة لهما, فنحن كمسلمين لن نرى صور المسيح أو العذراء بالخضر والفواكه وهم كمسيحيين لن يروا لفظ الجلالة "الله" واسم "محمد" بالخضر والفواكه والأحذية.
الانحياز التأكيدي:
الانحياز التأكيدي هو نوع من أنواع الانحيازيات المعرفية وكما يشير اسمه فالمقصود به أن الشخص ينحاز لمعتقد يؤمن بصحته مسبقا فيبحث فقط عما يؤكد صحته مع إهمال البحث عما يعارضه.
يؤدي الانحياز التأكيدي للوقوع بالاستسقاط حيث يبدأ الفرد بصنع روابط بالمعطيات المتوفرة لديه لتأكيد صحة معتقده.
مثلا قد تفكر في شخص فيصادف أن يتصل بك في حينه, وهي حالة كثيرا ما تحدث لنا إلا أن هناك من يتوقف عندها طويلا كظاهرة غريبة...في واقع الأمر أن عدد المرات التي تفكر فيها بذلك الشخص فلا يتصل أبدا كثيرة جدا ولكنك تنسى الأمر برمته فأنت لن تتساءل بينك وبين نفسك: لقد فكرت فيه ولم يتصل! كما أن عدد المرات التي يتصل فيها بك كثيرة أيضا دون أن يسبق ذلك تفكير فيه, إلا أن تلك المرات القليلة التي "يصادف" أنك تفكر فيه فيتصل ستتوقف عندها كظاهرة غريبة رغم أنها مجرد صدفة.
وبالتالي فالشخص قد يبحث عما يؤكد صحة هذه الظاهرة فيحصي لك عدد المرات التي فكر فيها بشخص فاتصل به, لكنه أبدا لن يحصي لك المرات التي فكر فيها بشخص فلم يتصل أو اتصل دون أن يفكر فيه وهي أضعاف مضاعفة, لأنه منحاز تأكيديا.

قد يحذرك البعض من زيارة بلد ما لكثرة السرقة هناك, أنت عند زيارتك لذلك البلد إن شهدت حادث سرقة فإنه سيتأكد لك كلام من حذرك في حين أنه حادث واحد فقط مقابل حوادث عدة شهدتها في بلدك, فلأنك منحاز تأكيديا فأنت تريد تأكيد فكرة مسبقة ومعتقدا منسوجا بذهنك حول السرقة بهذا البلد.

الانحياز التأكيدي فخ يقع فيه العلماء بكثرة, فمدرسة علم النفس التحليلي الكلاسيكية مثلا تعج بالأمثلة, كنظرية يونغ للتزامنية والتي تعد مثالا واضحا للباريدوليا, فيونغ يفسر الصدف على أنها محملة بالمعاني التي علينا اتباعها... الأمر ذاته بالنسبة لزلات أو منزلقات فرويد والتي يُحمّل فيها زلات اللسان معاني لاواعية عديدة, وكثيرة هي اختبارات علم النفس التحليلي المبنية على الاستسقاط كتحليل النصوص والرسوم ورؤية المعاني خلفها, في حين أنها قد لا تحمل أي معنى بالمطلق كأمثلة على تأثير الباريدوليا والانحياز التأكيدي.
الأمر ليس مقتصرا على مدرسة علم النفس التحليلي بل يتعداه لشتى المجالات, فكثير من العلماء ينحازون تأكيديا لنظرية من النظريات يبحثون عما يؤكد صحتها.
أنت إن اعتقدت بصحة نظرية ما فستبحث عما يؤكدها ولن تبحث عما ينفيها, وسترسخ كل يوم صحتها بذهنك, تماما كمثال البلد الذي تكثر به السرقة, لأن عددا كبيرا من الأشخاص يعتقدون بصحة النظريات إما لأنها تروقهم أو تجيب بعضا من التساؤلات التي تؤرقهم, فقد يدافع ويحامي بعض من الملحدين نظرية التطور ليس كنظرية علمية بل لأنها تجيب سؤالا مطروحا في أذهانهم, الأمر ذاته ينطبق على المعتقدات الدينية, فالذي يعتقد بصحة دينه سيقرؤ كتبا تؤكد له صحة معتقده تماما كالملحد الذي سيقرأ الكتب التي تؤكد صحة عدم وجود إله.

الانحياز الاختياري:
هو خطأ يقع فيه البعض أحيانا عند إجراء مقارنات إحصائية, أي أن أجري إحصاءات قد تبدو صحيحة ظاهريا لكنها خاطئة من حيث أن العينة تكون اختيارية وغير عشوائية سواء بقصد تحت تأثير الانحياز التأكيدي أو دون قصد.
مثلا أريد أن أجري دراسة إحصائية للمقارنة بين الرجل والمرأة, فأذهب للمستشفى جناح مرضى القلب وأطلب من بعض الرجال هناك أن يقوموا ببعض الحركات الرياضية, ثم بعد ذلك أذهب لناد رياضي نسائي وأطلب من الرياضيات هناك أن يقمن بنفس الحركات الرياضية التي طلبتها من مرضى القلب, ثم أخرج بالاحصاءات كالتالي: 100 رجل و100 امرأة تمكن رجلان من إتمام الحركات الرياضية في حين تمكنت كل النساء من إتمام الحركات الرياضية إذن قوة تحمل المرأة أكبر من قوة تحمل الرجل.

أو كمثال آخر أجري فيه دراسة حول أعداد الأميين بالبلد فأذهب للجامعة وأوزع الاستمارات على الطلاب أسألهم فيها: هل تجيد القراءة والكتابة؟ لأحصل على نسبة مائة بالمائة.

قد تبدو لك الأمثلة ساذجة ومضحكة ويمكن تجنبها إلا أنني تعمدت التطرف قصد التفسير فكثيرا ما يقع المرء في فخ الانحياز الاختياري دون أن يدري, لأنه يصعب اختيار عينة عشوائية فيبدأ بصنع الروابط والاستنتاجات من قاعدة بيانات مغلوطة من الأساس.

خلاصة:
إذن هل سبق ووقعت في فخ الاستسقاط؟ لابد وأنك فعلت ذلك مسبقا فجميعنا بشر ويصعب علينا التحكم في أدمغتنا التي تقودنا كآلات مبرمجة.
الهدف هو التقليص قدر المستطاع من الانجراف خلف تأثير الاستسقاط سواء الباريدوليا أو الانحياز التأكيدي, ليصير حكمك على الأفكار والمعتقدات ذو أساس متين.