مصاص الطاقة: دراكولا من نوع خاص

5
من هو مصاص الطاقة؟
هو ليس شخصية من شخصيات كتب الخيال العلمي التي كانت تصدر بالتسعينات, ولا شخصية من شخصيات مسلسلات المراهقين التي لا يتابعها أحد.
إنه شخص يتابعك أنت ويلاحقك حتى في منامك, يزورك في أعثى كوابيسك, ويتعقبك ليل نهار لامتصاص طاقتك وروحك كمشروب طاقة لا يمنحه أي "جوانيح".

هذا الشخص لا تخرج من فمه جملة الحمد لله أبدا, وإذا قالها فبعد تنهيدة طويلة وكأنه يحتج على الله سبحانه...مضطر لقولها فقط لدواع إيمانية وكعادة اجتماعية.
إذا التقيته مصادفة فإنه سيسترسل في الشكوى دون توقف محاولا بجهد أن يرسم ملامح بائسة مصطنعة لإثارة شفقتك, يشبه المتسولين النصابين الذين لا تقنعك توسلاتهم ..يعشق الظهور بمظهر المثير للشفقة باستمرار, ويلعب دور الضحية وأحيانا الأضحية, فإذا عايدته بالعيد فإنه سيحول لك المعايدة تعزية ويوهمك أنه تم التضحية به بدلا عن الخروف قربانا لله.
هو شخص تتجنب سؤاله كيف الحال لأنك حفظت إجابته عن ظهر قلب, ولأنه لا يفهم أن سؤالا مثل كيف الحال ليس الغرض منه سرد قصة حياته عليك.

-أهلا بك يا صديقي, لم أرك منذ مدة طويلة.
-أجل كما ترى حالي, أنا لم أقابل أحدا منذ مدة.
-كيف حالك؟
-ماذا عساي أقول لك, (تنهيدة طويلة جدا) الحمد لله على كل حال.
-خير إن شاء الله؟ هل هناك أمر ما؟
-أجل, أنا أعاني من آلام المفاصل وغير قادر حتى على تحريك يدي بشكل جيد, وغير قادر على العمل ولكنني مضطر لأنه ليس باليد من حيلة, لقد تعبت كثيرا من مشاكل البيت والعمل...أحتاج للتحدث قليلا عن مشاكل البيت معك تعال للمقهى نتحدث عن مشاكلي فأنا أحب التحدث كثيرا عن مشاكلي.

هناك بالمقهى ستحاول جاهدا الرفع من معنوياته بحسن نية, وهو غير قادر على أن يبتسم في وجهك ولا أن يقدّر مجهودك في رفع معنوياته, سيستمر بالشكوى..
يرتدي عدسات لاصقة سوداء قاتمة تحجب عن عينيه رؤية كل ما هو عادي, فبالأحرى ما هو جميل.
لا يرى إلا السواد, ويصر على أن عدساته شفافة تعكس الواقع كما هو... سيخوض معك حرب استنزاف يستنزف فيها كل طاقتك ويودعك وأنت تشعر بالغبن مهزوما وخارجا من معركتك معه تجر أذيال التشاؤم واليأس بألم, حتى لإنه قد ينقل لك عدوى آلام المفاصل كمعجزة طبية محيرة..وهكذا الأمر كل مرة تقابله فيها, بل ستجده يبعث لك رسائل بنفس المحتوى وسيتصل بك ليروي لك مشاكله, آهاته وعناته والتي كثير منها مجرد أوهام متخيلة, مع العلم أنه لا يسأل عن حالك أبدا, فمهمتك بالنسبة له هو حل مشاكله والانصات لشكاويه التي لا تنتهي, أما أنت وحالك ومشاكلك فآخر ما قد يهمه.
يريد منك أن تحل مشاكله دائما, وفي نفس الوقت يضع العصا في العجلة, فأي اقتراح منك لحل مشكلة ما تخصه سينتقده وسيستخرج منه العشر أسباب لعدم تمكنه من حل المشكل, وإذا سألته بغضب عما يريد؟ فإنه سيتنهد ويخبرك أنه يعاني وأنه لا حل في الواقع لمشاكله.

هذا الشخص مضيعة للجهدك والوقت والطاقة, دراكولا هذا لا يبحث عن حلول لمشاكله ولا يحاول تحسين معيشته التي ليس فيها ما يعيب أصلا, هو فقط يجد متعة ولذة في لعب دور الضحية, إنه ملك الدراما بامتياز.
أضف أنه شخص حسود, ولا يتوقف عن التحذيق إلى ما بيد الآخرين وإنجازاتهم, فإذا نجحت أنت في حياتك فإنه بدل تهنئتك سيبدأ بندب حظه السيء, سيخبرك أنك محظوظ أكثر منه ثم إنه ياااا لسعادتك!! ويااا لحظك الرائع!! سيقولها بنبرة حسد جد مفضوحة..
عليك يا عزيزي القارئ قراءة المعوذتين لاتقاء شره, فمن المحتمل أن تعود للبيت وتجد أن نجاحك قد تحول لفشل ذريع بسبب متابعة هذا الشخص لتفاصيل حياتك, فهو لا يريد منك أن تنجح بل يود لو تبقى دائما تعاني مثله, هو يريد للجميع المعاناة مثلما يعاني من الوهم والخيال.
وإذا فشلت فعلا فإنه سيتصل بك ليواسيك بكلمات أقرب للشماتة منها للمواساة, سيخبرك أن الأمر كان متوقعا لأن الحياة سيئة ولأنك لم ترد أن تقتنع بوجهات نظره المتشائمة, ثم يحول الحديث عن نفسه ليبدأ مجددا تشغيل أسطوانته المشروخة عن آلامه ومشاكله وأنه لا يجرأ أبدا لفعل ما فعلت.

من الصعب التخلص من هذا الشخص لأنه موجود في كل مكان, تقابله في مقهاك المفضل, وحتى إذا غيرت مقهاك ستجده هناك بالمقهى الجديد, الهاتف يرن عليك ثلاث مرات باليوم بعد أو قبل كل وجبة تتناولها ليحدثك عن مشاكله بجرعات زائدة تسمم لك جسدك وتجعل اللقمة تعلق غصة في حلقك, لا يجد حرجا في الاتصال بك وأنت نائم, أما بالنت فمتصل بشكل دائم, في حين أن ذلك الشخص الآخر العزيز على قلبك جدا لا يتصل بالنت إلا نادرا, وهكذا تسير الأمور دائما لا أدري لما؟
إذا شغلت المذياع أثناء القيادة ستسمع صوت صديقك مصاص الطاقة, لا أبدا إنها ليست هلوسات إنه صوته هو فعلا يتصل ببرناج "مشاكل لا تحل" وهو يحاور المذيع ويحدثه عن مشاكله, والمذيع يهمهم له متظاهرا أنه جد مهتم بمشاكله ملحا عليه في سرد المزيد من التفاصيل كي يبقيه على الخط أطول فترة ممكنة, وهذا يريح مصاص الطاقة.

مصاص الطاقة مع الوقت ستكتشف أنه يحاول أن ينصب عليك ويوهمك أنه يعاني كي يبقيك دائما إلى جانبه يصدع رأسك بمشاكله, فإذا حدث وكنتما في عرس ونهض مصاص الطاقة هذا يرقص ويقفز هنا وهناك ويلوح بيديه وهو يصرخ كالمخبول, فإنه بعد انتهاء العرس سيتوجه إليك مباشرة ليخبرك أنه لم يكن سعيدا بتاتا وهو يرقص كان فقط يحاول أن يواكب الحفل وحسب, وكأنه يخشى أن تعتقد بأنه سعيد, هو لا يريد منك أن تعتقد أنه سعيد أبدا.

وإذا حدثت لك حادثة بالسيارة لا سامح الله ودخلت غرفة العمليات فإنك في تجربة الاقتراب من الموت سترى مصاص الطاقة هذا يخبر أهلك خارجا أنه لا فائدة من الدعاء لك بالشفاء وأنك ستموت لا محالة والأولى الدعاء لك بالرحمة, وسيبكي عليك بحرقة لأنه سيفتقد مصدرا مهما من مصادر الطاقات المتجددة, ستود لو باستطاعتك النهوض لخنقه كخاتمة لأعمالك قبل الموت.
بعد نقلك للعناية المركزة ستجده أمامك وأنت بالتنفس الاصطناعي يعوقك عن الكلام تنظر إليه نظرات ترجي وتوسل أن يدعك في حالك, ولكنه سيجلس يشكو لك وهو يمسك بيدك مشاكله, وسيخبرك أن حياته من دونك ستظلم أكثر فأكثر, وسيخبرك أن حالك هذه ليست أفضل من حاله فهو أيضا مازال يعاني من آلام المفاصل وانضافت الشقيقة أيضا له, وقد أخبره الطبيب أن عليه إجراء بعض الفحوصات فلربما يعاني من التهاب المفاصل الروماتويدي, وسيطيل الشكوى إلى أن ينتبه لنبضات قلبك قد بدأت تضطرب معلنة التوقف, فيتدخل المنعشون لإنقاذ روحك التي كاد أن يزهقها مصاص الطاقة, سيمنحونك بعض الطاقة بجهاز الصعقات الكهربائية فتعود إليك حياتك من جديد...لعل وعسى تعتبر من حادثتك وتخرج ببعض العبر.

عزيزي القارئ من فضلك لا تدع هذا السيناريو يتحقق معك, سارع لمصاص الطاقة وقل له أنك مشغول ولا تود التحدث إليه, لا تخجل من فضلك أعلم أنك طيب ولا تريد أن تخسره, لكنك ستدفع الثمن غاليا فهو لا يستحي كما أنه ليس بحاجة لنصائحك لأنها بلا أي جدوى صدقني.