نظرية العجز المتعلم, كيف نكتسب اليأس

5
نظرية العجز المتعلم أو المكتسب واحدة من النظريات المهمة بعلم النفس والتي سلطت الضوء على ظاهرة نفسية خطيرة ألا وهو اكتساب العجز عن طريق التعلم, إذ يصاب الكائن بالعجز ويستسلم أمام محفز مزعج أو مؤلم دون محاولة التخلص منه.
اكتشف هذه الظاهر عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان (ولد عام 1942) في ستينيات القرن الماضي عن طريق الصدفة, إذ كان الشاب سليجمان حينها يحاول محاكاة إشراط بافلوف الكلاسيكي على الكلاب فأحضر بضعة كلاب ربطها كي لا تهرب ووضع أمامها
مصباحا كلما استنار صعقهم تيار كهربائي مؤلم, وذلك قصد تعليم الكلاب الهرب كلما استنار أمامهم المصباح لاحقا.
بعد ذلك وضع سليجمان هذه الكلاب بدون رباط في ما يشبه القفص به جانبان أحدهما به تيار كهربائي والآخر بدون تيار فكان ينير المصباح معلما الكلب أن الصعقة قادمة قصد الهرب للجهة الأخرى الآمنة
ولكن هذا لم يحدث إذ أن الكلب كان ينبطح أرضا في استسلام تام كلما رأى المصباح يستنير ويبدأ بالأنين من آلام الصعقة الكهربائية منتظرا زوالها.
استغرب سليجمان من تصرف الكلاب, فأحضر كلابا أخرى لم يسبق أن صعقها بأي تيار كهربائي ووضعها في القفص وعند تسليط الصعقة الكهربائية أخذت الكلاب تعوي وتئن وتتبول على نفسها من الفزع باحثة عن مهرب ومن تم تقفز للجانب الآخر من القفص لتنجو من الصعقة.
استنتج سليجمان حينها أن الكلاب التي قام بربطها بداية مسلطا عليها الصعقة الكهربائية تعلمت أنه مهما حاولت الهرب والافلات من الصعقة فإنه لافائدة ترجى من المحاولات بسبب الرباط وحتى بعد إزالة الرباط لم تحاول أبدا الكلاب الهرب رغم أن الحل موجود أمامها وما عليها إلا الخطو خطوة واحدة للتخلص من الآلام, أي أن الكلاب تعلمت العجز.
التجربة على البشر:
بعد مضي بضعة أعوام قرر سليجمان تكرار التجربة وهذه المرة على البشر وبالتأكيد ليس عن طريق الصعقات الكهربائية بل بالضجيج.
حيث أحضر مجموعة من المتطوعين وأفهمهم أنه سيسلط عليهم ضجيجا مزعجا وعليهم إيقاف الضجيج عن طريق الضغط على مجموعة من الأزرار فيما يشبه  حل لغز فإذا قاموا بحل اللغز اختفى الضجيج.
قسم سليجمان المتطوعين لمجموعيتن إحداهما كان يسلط على أفرادها الضجيج باستمرار مهما ضغطوا من أزرار, والمجموعة الأخرى كان الضجيج يتوقف كلما ضغطوا الأزرار بشكل صحيح.
قام بعد ذلك بمراقبة سلوك المجموعتين لاحقا,فلاحظ أن المجموعة التي سلط عليها الضجيج باستمرار توقف أغلب أفرادها عن تجريب ضغط الأزرار وجلسوا منزعجين من الضجيج منتظرين زواله كما فعلت الكلاب, في حين استمرت المجموعة الأخرى في الضغط على الأزرار كلما أتى الضجيج.
أي أن نتيجة التجربة على البشر كانت مماثلة لتلك التي تخص الكلاب.

مؤثرات العجز المتعلم:
 بعد اكتشافه للظاهرة صاغ سليجمان بمساعدة  زملائه نظرية العجز المتعلم والتي فسر فيها آلية حدوثها وذلك بتفصيل ثلاث مؤثرات أساسية:
1- التأثيرات التحفيزية: أي كائن يقوم بمحاولة ما أيا كان هدفها فهو يكون مدفوعا من توقعاته المنتظرة بالحصول على النتيجة المرجوة, بمعنى أن الكلاب لما صعقت بالكهرباء وهي مربوطة فقد كانت تقوم بمحاولات للتخلص من الكهرباء, والبشر الذين كانوا يضغطون الأزرار فلأجل التخلص من الضجيج أي أن الذي يحفزهم على العمل وتكرار المحاولة هو توقع الحصول على النتيجة المنتظرة, وبالتالي فعدم حصولهم على نتائجهم المرجوة يضعف الحافز لديهم للاستمرار في المحاولات.

2- التأثيرات المعرفية: بسبب المحاولات الفاشلة لوضعية غير متحكم بها كالصعقات الكهربائية والضجيج فإن الكائن يتعلم أن هناك انفصالا بين محاولاته وتوقف الضرر, أي أن دماغ الكائن سيحدد المعادلة (أ) لا تؤدي إلى (ب) وسيتوقف عن القيام ب(أ) وينتظر حدوث (ب) التي لا يعرف كيف ومتى تحدث, أي أن عجزا معرفيا يحدث للكائن, فالكلاب والبشر بالتجربة لا يعرفون ما هو الإجراء الذي يجب القيام به للحصول على النتيجة ولا الفعل الذي يؤدي لتوقف الصعقة والضجيج.
هذا العجز المعرفي يبقى ملازما للكائن, فحتى عندما وضعت الكلاب في صندوق يمكنهم الهرب من الصعقات عن طريق خطوة واحدة فضلوا الانبطاح وانتظار زوال الصعقة, وكذا فعل البشر مع الضجيج الذين لم يجربوا أبدا مجددا الضغط على الأزرار حتى وإن كان الضغط هذه المرة سيجعل الضجيج يزول, أي صار لديهم ما يشبه القصور المعرفي, والخطير بالموضوع أن الكائن يتعلم بسرعة فائقة العجز ويصعب تغيير هذا التعلم, حيث أن الكلاب التي تعلمت العجز استغرقت مدة طويلة جدا كي تقتنع مجددا بأن خطو خطوة واحدة سيبعدها عن الصعقة وكذا البشر.
 

3- التأثيرات العاطفية: عند وضع كائن ما في حالة مشابهة بتسليط محفز كريه مؤلم أو مزعج غير قادر على التحكم به فإن هذا الكائن سيختبر بالتأكيد عواطف سلبية من غضب وخوف وقلق وغيرها من العواطف السلبية, وستتطور حالته العاطفية إلى الرضوخ التام والاستسلام للأمر الواقع فيصير متقبلا بوضعه الحالي كما حصل مع الكلاب التي انبطحت منتظرة الصعقة لتتألم وهي مستكينة صابرة عكس الكلاب التي صعقت أول مرة والتي فزعت وتبولت ونطت من مكان لآخر قصد التخلص من التيار الكهربائي.

العجز المتعلم بالحياة:
الآن عزيزي القارئ لابد وأنك تفكر في نماذج حياتية للعجز المتعلم, بالتأكيد قام سليجمان وزملاؤه بدراسة العجز المتعلم في حياتنا اليومية, ودعنا نخمن في بعض النماذج ولنبدأ بالمدرسة, فإن الأستاذ الذي يعطي طلابه اختبارات صعبة كل حين سيكسبهم العجز فيتعلمون أنه مهما درسوا مادة هذا الأستاذ فإن مصيرهم الفشل وبالتالي حتى وإن كان اختبار الأستاذ سهلا فإن النتائج لن تكون كنتائج من يختبر تلك المادة لأول مرة دون المرور بتجارب فاشلة.
قد نرى بعض الأفراد الذين يعيشون عنفا أسريا غير قادرين على التخلص من الحالة التي يعيشون فيها حتى وإن بدا الحل بالنسبة للملاحظ سهلا لأنهم عاشوا العجز طوال سنوات عديدة فحتى عند توفر الحل فإنهم لا يلجؤون إليه.
هذا ما يحدث مع الاغتصاب أيضا حيث يعتاد الطفل الذي يتعرض لاعتداء جنسي على أن محاولاته للتخلص من المغتصب تبوء دائما بالفشل كونه طفلا, فيصير عاجزا مستسلما حتى بعد بلوغه سنا يمكنه من التخلص من المعتدي, فيتساءل الناس بعدها ... ولكن لماذا لم يقاوم المعتدي بعد أن كبر بالسن؟
الأسوء من ذلك أن الشخص الذي يتعرض للتعنيف في صغره قد يبدي عجزا لاحقا في مجالات عديدة, فلو افترضنا أن طفلا تعرض للتعنيف من والديه باستمرار لأسباب لا يتم شرحها للطفل مسبقا, فإن الطفل سيتعلم العجز لأنه غير مدرك لمكمن الخلل الذي يؤدي به للعقاب وقد يصير عاجزا فاشلا حتى في أمور حياته كالعمل والزواج وغيرها, فلا يلجأ لتغيير حياته للأفضل بالشكل المطلوب لأنه تعلم منذ صغره أن المحاولات لا ترتبط بالنتائج.

وعلى أي فإنه لا يكون هذا هو الحال دائما فمهما كان الأمر نبقى بشرا نختلف بتركيبتنا المعقدة عن بقية الكائنات, فقد يمر الإنسان بظروف يحصل فيها عجز ولكنه يتجاوز هذا العجز أو لا يتوقف عن الاستمرار بالمحاولات قصد التغيير للأفضل, ومسألة الاستسلام تتفاوت من فرد لآخر بتدخل معايير أخرى عديدة.
وبالتالي لا يمكنك توقع سلوك كل فرد من البشر على حدة بعد اختباره لحالة العجز, ولكننا نستطيع على الأقل تفسير جانب منه.

انتقادات المدرسة السلوكية: هل تُفسر فعلا السلوك البشري؟

8
 
كنا قد رأينا فيما سبق انتقادات مدرسة التحليل النفسي والتي كانت جميعها تناقش مسألة أن علم النفس التحليلي ليس علما أصلا بل مجرد مجموعة من الأفكار الميتافيزيقية والفلسفية التي لا يوجد أي دليل على صحتها من خطئها.
لكن انتقلنا لمدرسة السلوكيين التجريبيين والذين اعتمدوا أسلوب التجربة والملاحظة منهجا لاستنتاجاتهم, وهكذا دخل علم النفس من باب العلوم وصار مع السلوكيين علما وليس مجرد فلسفة وفكرا إنسانيا.
إذن الانتقادات للمدرسة السلوكية ستختلف عن تلك لمدرسة التحليل النفسي, نحن لن نناقش مدى صحة التجارب لأنها متبثة ولكن هل تكفي لتفسير سلوك البشر المعقد؟ هل نحن والحيوانات سيان؟ ما مدى قدرة السلوكيين على تفسير السلوك البشري؟
هنا جزء يسير ومختصر للانتقادات الموجهة لهذا المذهب.

1- المبالغة في تأثير دور البيئة على السلوك:
 بالغ واتسون ومن بعده سكينر في تضخيم دور البيئة على السلوك البشري واعتبرا وبقية السلوكيين المتطرفين أنه ليس بيدنا أي قرار من قراراتنا فنحن لا نخطط لحياتنا ولكننا نتيجة الإشراطات الكلاسيكية والإجرائية أي أن ما نعتبره تخطيطا من عند أنفسنا هو في حقيقة الأمر ما تعلمناه في حياتنا, فسكينر وواتسون يريان أنه من الممكن تشكيل الطفل وتنشئته ليصير أي شيء نريده (طبيبا مهندسا مجرما, مريضا نفسيا إلخ.... ) وبالتالي فالإنسان مسلوب الإرادة ومسير غير مخير, فما نعتقده خيارات لنا في واقع الأمر ليست إلا ما اكتسبناه من تعلم في سنواتنا الماضية.
لا يوافق العلماء من المدارس الأخرى هذا الطرح ويرون فيه تسطيحا وتفسيرا قاصرا للسلوك البشري, فكارل روجرز عالم النفس الإنساني -والذي سنتحدث عنه عندما يحين دوره- يرى أن للإنسان شيئا من الحرية في اتخاذ قراراته بعيدا عن الإشراطات, فنحن كبشر شخصياتنا وسلوكاتنا ليست صنيعة الإشراطات وحدها, كما أنه يرفض الأسلوب التجريبي المتبع من طرف السلوكيين, فحسب روجرز فإن شخصياتنا وسلوكاتنا أعقد من اختزالها في تجربة بمختبر تحت شروط مصطنعة لا تتوافق مع الشروط البيئية الحقيقية المعقدة.
فمثلا بواقعنا المعاش إن أردت أن تطبق قوانين التعلم على الأطفال فإنها لن تأتي دائما بنتائج جيدة, هناك ذلك الطفل الذي مهما عاقبته سيكرر صنيعه, وهناك من الأطفال مهما قدمت له من هدايا ومكافآت لن ينجز أي شيء تطلبه منه.
كما أن العامل الوراثي مستبعد بالنسبة للسلوكيين في حين أنه يلعب دورا جد محوري في تشكيل الشخصية والسلوك, فنحن نرى أطفالا يتصرفون تماما كما كان يتصرف آباؤهم بالصغر وهذا غير راجع لقوانين التعلم بل للعامل الوراثي, فالطفل لا يرث من جينات أبيه وأمه الجسد فقط بل قد يرث بعضا من السلوك والشخصية أيضا.

2- اكتساب اللغة:
فسر سكينر اكتسابنا للغة ونحن أطفال بمبدأ الإشراط الإجرائي, أي بالتعزيز الايجابي والسلبي والعقاب, فالطفل إذا ما نطق كلمة غير صحيحة فإن والداه سينظران إليه بوجه عبوس في حين سيبتسمان في وجهه إن نطق الكلمة بشكل صحيح, وهذا يعزز اكتسابه اللغة بقواعدها المناسبة.
لقد كان نعوم تشومسكي بالمرصاد فنشر انتقادا لهذه النظرية التي لا تبدو مقنعة بالنسبة له.  تشومسكي بيّن كيف أن الأطفال في مختلف أنحاء العالم وبمختلف الثقافات والطبقات الاجتماعية يكتسبون اللغة بشكل تلقائي, وفي واقع الأمر ليس للآباء أي دور في اكتساب الأطفال للغة وإلا كنا رأينا طفلا لا يجيد الكلام لأن والداه لم يمارسا التعزيز الايجابي لتعليمه الكلام, حسب تشومسكي فإنه لدينا استعداد بيولوجي لاكتساب اللغة فالطفل سيتعلم الكلام دون حاجتك لتلقينه أي شيء, أو تصحيح أخطائه, مكافأته أو عقابه, سيتعلم من تلقاء نفسه عن طريق السماع وهذا يدل على أن السلوك البشري ليس دائما حصيلة قوانين التعلم والإشراطات.
كما أنه وحسب تشومسكي دائما فإن اكتسابنا للغة هو في سن جد مبكرة ما بين ثلاث وسبع سنوات, وبعد السبع سنوات يصير من الصعب تعلم اللغة بشكل تلقائي في ظرف وجيز, وهذا ما لم يُفسر سببه سكينر, وكان دليلا بالنسبة لتشومسكي على أن البيولوجيا تلعب دورا في تعلمنا اللغة ولسنا كبقية الحيوانات نصدر أصواتا طورناها بالتعلم لتتحول لغة وإنما هو شيء بجيناتنا وبتركيب دماغنا المستعد لاكتساب اللغة.
3- لا نشبه الحيوان في سلوكنا دائما:
من المؤكد أن السلوكيين يعتمدون على الحيوانات في تجاربهم التي يبنون من خلالها قانونا يعممونه على البشر أيضا, لكن هل دائما سلوك الحيوان ينطبق على البشر؟ أو ينطبق حتى على بقية الأجناس الأخرى؟
لنأخذ كمثال تجربة سكينر المثيرة للحمام الخرافي.
وضع سكينر حماما في علبة فارغة تماما ودون طعام, وكان يقدم لهم طعاما كل حين, فصار الحمام يقوم بتصرفات غريبة من أجل جلب الطعام كتحريك جناحيه أو نقر أركان العلبة إلخ... فكلما شعر الحمام بالجوع قام بذلك التصرف الغريب.
فسر سكينر ذلك على أنها طقوس من الحمام لجلب الطعام, فالحمام لا يدري ماذا يجب عليه أن يفعل من أجل طلب الطعام فيقوم بحركات عشوائية... فاستخرج سكينر من هذا نظرية الحمام الخرافي والتي حاول من خلالها تفسير سلوك البشر اللامنطقي أحيانا ومعتقداته الخرافية, فالمقامر مثلا قد يقوم بتصرفات لامنطقية يعتبرها جالبة للحظ, إذ أنه لا يدري متى سيحصل على المكافآة تماما كالحمام بالعلبة لذا قد تراه لا يُقامر إلا بقميص أحمر مثلا لأنه لما كان يرتدي ذلك القميص في يوم من الأيام فاز بالقمار, أو يحك رأسه لأنه صادف أن حك رأسه يوما ففاز بالقمار.
إن النظرية وإن كانت تبدو شيقة إلا أن بعض الدراسات الحديثة بينت أن سلوك الحمام يقتصر على الحمام وحده, إذ لو وضعت حيوانا آخر غير الحمام بالعلبة فإنه لن يقوم بحركات عشوائية طلبا للطعام كما يفعل الحمام.
إن سلوك الحيوانات لا يمكن تعميمه دائما على كل الأجناس, لأنه سيبقى في آخر المطاف سلوكا يخص كل جنس على حدة ولا يمكن اعتماده قانونا يشمل كل الأجناس, وبالتالي ليس هناك رابط جد قوي بين الحمام الخرافي وسلوك البشر الخرافي.

خلاصة:
لقد كان هذا شيئا جد يسير من الانتقادات الغرض منها أن تفهم مكمن الخلل بالمذهب السلوكي المتطرف, توجد انتقادات أخرى عديدة وكلها تصب في نفس الاتجاه حول التطرف في دراسة السلوك واهمال بقية المعايير المحددة له, بالإضافة لتسطيح النظرة وتبسيط الإنسان وجعله مجرد آلة يمكن برمجتها إن توفرت الوسائل لذلك, في حين أن الواقع أعقد من ذلك بكثير.
لكن هذا لا يمنع أن المذهب السلوكي من أهم المذاهب النفسية إن لم يكن أهمها على الاطلاق.
وهكذا ختمنا مذهب السلوكيين وسننتقل إن شاء الله لعلماء آخرين.

مصادر للتوسع:
 تسجيل صوتي لمناظرة روجرز وسكينر (انجليزي)
انتقاد نعوم تشومسكي لنظرية سكينر اللغوية (انجليزي)
نظرة شاملة لنظريات سكينر والحمام الخرافي (انجليزي)

نظرية سكنر, الإشراط الإجرائي

10
بورهوس فريدريك سكنر (1904- 1990)  عالم نفس سلوكي مرموق, صنفته الجمعية الأمريكية لعلم النفس على رأس قائمة أشهر علماء القرن العشرين متفوقا على فرويد, ويعود الفضل في شهرته لكمّ المؤلفات الهائل التي ألفها طوال حياته ولتجاربه المبتكرة العديدة التي جعلت إسهاماته مرجعا أساسيا لعلم النفس.
يعد سكينر مؤسس المدرسة السلوكية المتطرفة  Radical Behaviorism بمعنى أنه مثل واتسون يرفض أن يعتمد علم النفس على دراسة أي شيء آخر غير السلوك لأنه وحده الذي يمكن دراسته, لكنه ليس بتطرف واتسون الذي رأى أنه ليس للإنسان ذهن وأننا مجرد آلات نولد صفحة بيضاء تماما, فسكينر يؤمن أن للإنسان عقلا لكنه معقد بشكل يصعب دراسته بالإمكانيات المتاحة.

الإشراط الإجرائي:
استلهم سكينر من تجارب من سبقه من سلوكيين خصوصا ثورندايك لاختراع تجارب مشابهة واستخراج قوانين جديدة.
رأى أن الإشراط الكلاسيكي جد مبسط ولا يفسر السلوك بشكله المعقد لذا اخترع تجارب أكثر تعقيدا لمراقبة أسباب السلوك ونتائجه وهذا ما أسماه بالإشراط الإجرائي.
لهذه الغاية اخترع علبة بها قضبان حديدية يمر عبرها تيار كهربائي خفيف وبها مكبس ومصباح وفتحة للطعام كما بالصورة بالأعلى, ثم وضع جرذا جائعا بداخلها ليختبر عدة حالات.

1- التعزيز الإيجابي: يبدأ الجرذ يحوم بالعلبة باحثا عن الطعام فيضغط على المكبس صدفة لينزل الطعام بالفتحة فيأكله ويكرر الجرذ العملية فيتعلم ضغط المكبس كل حين طلبا للطعام, وهذا ما يسمى التعزيز الإيجابي أي أن الجرذ يقوم بعمل وينال عنه مكافآة.
وكمثال بالنسبة للبشر فإن الطفل أو الشخص بشكل عام إن قام بعمل نال عنه مكافأة فإنه سيكرره, والطالب بالمدرسة الذي ينال إشادة من أستاذه بالفصل لإنجازه تمارينه فإنه سيكرر العمل مستقبلا وينجز التمارين.

2- التعزيز السلبي: هذه المرة مرر سكينر تيارا كهربائيا بالقضبان أزعج الجرذ فأخذ يحوم بالعلبة باحثا عن ما يبعد عنه هذا التيار الكهربائي وعند لمسه المكبس صدفة يزول التيار الكهربائي, فيتعلم الجرذ إزالة التيار الكهربائي كلما شعر به بالضغط على المكبس, وقد أضاف سكينر ضوء المصباح ليعلم الجرذ أن التيار الكهربائي قادم, إذ ينير المصباح أولا ثم بعد ذلك يطلق التيار الكهربائي ثانيا, فالجرذ كلما يرى المصباح يستنير يسرع بالضغط على المكبس قبل قدوم التيار الكهربائي لتجنبه قبل حدوثه.
 بالنسبة للبشر يمكن أخذ مثال الطالب دائما أو الموظف أو أي شخص وأي حالة تتمثل في القيام بالعمل لتجنب السوء, كأن ينجز الطالب فروضه ليتجنب عقاب الأستاذ أو الموظف ينجز مهامه ليتجنب إهانة المدير وهكذا..

3- العقاب: العقاب عكس التعزيز ولا يجب خلطه مع التعزيز السلبي, إذ أن التعزيز السلبي هدفه تعزيز العمل وحثك على القيام بسلوك ما في حين أن العقاب يحثك على عدم القيام بسلوك ما, وذلك كأن يصعق الجرذ بالكهرباء كلما لمس المكبس فيتوقف عن لمسه نهائيا. الهدف من العقاب إذن هو إضعاف السلوك وعدم تكراره.
 العقاب يمارس بشدة على الأطفال سواء بالمدرسة أو البيت ويعتمد أشكالا متنوعة كالضرب أو الإهانة أو غيره ويمارس على الكبار أيضا كالدخول للسجن مثلا وغيره...
إلا أن العقاب يختلف عن التعزيز من ناحية التأثير فهو لا يزيل السلوك نهائيا وإنما يكبته فترة من الزمن, ويعاود الشخص أو الحيوان القيام بنفس السلوك لاحقا عندما يغيب العقاب.
فالطفل الذي تضربه لأنه أكل الحلوى فوق الطاولة سيكرر نفس العمل خلسة في غيابك والحيوان الذي تضربه كي يبتعد عن المكان سيعود مجددا في غيابك.
أحيانا يسبب العقاب تعميما كما حدث للصغير ألبرت -إن كنت تذكره- الذي صار يخاف من كل شيء به فرو, فالطفل الذي يتعرض للعقاب بالمدرسة من طرف أستاذه سيكره المدرسة ككل ولن يرغب الذهاب حتى لو غادر ذلك الأستاذ المدرسة بصفة نهائية.
قد ينمي العقاب أيضا صفات سلبية كالغضب والعنف لدى الطفل أو الحيوان, فالحيوان الذي يتعرض للعقاب قد يصير عنيفا.
وفي حين كان التعزيز مرتبطا بالسلوك بشكل مباشر فيكرر الشخص العمل لنيل المكافأة فإن العقاب ليس له نفس المتانة في الربط بينه وبين السلوك, لأن التعزيز يخبرك ماذا يجب أن تفعل في حين أن العقاب يخبرك ما الذي يجب ألا تفعله وهنا مكمن الضعف. كما وأنه  في كثير من الأحيان يكون من الصعب التمييز بين التعزيز السلبي والعقاب في الحياة العملية كالطفل الذي يُضرب بسبب إهماله لتمارينه كتعزيز سلبي يعمل عمل العقاب فتكون نتائجه كنتائج  العقاب.
لذا وجب التقليص من استخدام العقاب لأقصى حد ممكن مع الأطفال واستبداله بالتعزيز السلبي.



أنواع التعزيز:
للتعزيز أنواع, وقد حدد سكينر مدى قابلية الكائن للاستمرار في السلوك ومدى قوة ارتباط السلوك بالمثير.
حيث اختبر سلوك الجرذ وذلك بحساب عدد مرات ضغطه للمكبس (قوة السلوك) ومتى يتوقف الجرذ عن الضغط على المكبس عندما لا يجد طعاما (التوقف عن السلوك).

 1- التعزيز المستمر: يعني أن الطعام يُقدّم للجرذ كل مرة يضغط فيها على المكبس بشكل مستمر, في هذه الحالة التوقف عن تقديم الطعام عند ضغط المكبس سيجعل الجرذ يتوقف أيضا بعد مدة عن الضغط على المكبس.
في هذه الحالة قوة السلوك ضعيفة والتوقف سريع.
فالشخص الذي يقوم بعمل يتلقى عنه أجرا سيتوقف عنه فورا إن لم يتلقى عليه أجرا بالتأكيد.
والطفل الذي تقدم له مكافأة كلما راجع دروسه فإنه سيتوقف فورا إذا لم تقدم له مكافأة, أي أن قوة سلوكه ضعيفة.

2- التعزيز المحدد : وهو أن يتم مد الطعام للجرذ بعد دقائق محددة عند ضغطه المكبس مثلا كل عشر دقائق, أو أن يعطى له الطعام بعد ضغطه المكبس عددا محددا مثلا خمس مرات.
في هذه الحالة الاستجابة متوسطة والتوقف متوسط.
كالموظف الذي يأخذ مرتبه آخر الشهر, أو الطفل الذي تحدد له عددا من الدروس التي يراجعها لنيل المكافأة.

3- التعزيز النسبي: وهو أن يعطى الطعام للجرذ بعد ضغط المكبس عددا من المرات غير محدد, فيبدأ الجرذ بالضغط دون توقف إلى أن ينزل له الطعام.
السلوك في هذه الحالة قوي والتوقف بطيء.
فالجرذ لا يتوقف عن الضغط على المكبس لأنه لا يعلم متى سينزل الطعام.
وهذا أخطر أنواع التعزيز وهو أصل الإدمان على القمار ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من السلوكات التي يُدمن عليها الإنسان, فالمقامر لا يدري متى ينال المكافأة وهذا ما يجعله يستمر في القمار واستجابته تكون سريعة وسلوكه صعب التوقف, وكذا مدمن المواقع التواصلية فهو ينال المكافأة على شكل (إعجابات, تعليقات, مشاركات....) بشكل غير متوقع إذ أنه لا يدري كم ومتى سيحصل على الاعجابات والتعليقات لذا سيتفقد حساباته كل دقيقة.
لذا كانت مكافأة الطفل من حين لآخر كلما قام بسلوك جيد تريده أن يستمر عليه كترتيب غرفته مثلا أو مراجعة دروسه أفضل من مكافأته كل مرة يقوم فيها بالعمل, لأنه لن يتوقع متى ستعطيه المكافأة وسيستمر على السلوك عكس التعزيز المستمر الذي قد يجعل الطفل يتوقف بسرعة إن لم تعطه مكافأة عودته عليها بشكل دائم كلما قام بذلك السلوك.

مازال هناك الكثير للتحدث عنه بالنسبة لنظريات سكينر لكن أكتفي بهذا القدر لأنك مللت بالتأكيد وبما أنك وصلت إلى هذه الأسطر الأخيرة  فأنا أحيي فيك روح المثابرة, على أمل ألا تكون قد قرأت سطرا وقفزت عشرا.
وهكذا سأختم المذهب السلوكي المتطرف وسأنتقل إن شاء الله لمذهب آخر عن نظريات الشخصية التي تروقك طبعا والتي لا تروقني, قبل أن أعود مجددا للسلوكيين بحلتهم الجديدة ونظريات تعلم أكثر إثارة لأفقع مرارتك بهم.

قوانين التعلم, نظرية ثورندايك

20
إدوارد لي ثورندايك (1874- 1949) عالم أمريكي آخر من علماء نظريات التعلم و علم النفس السلوكي, تُعد مساهماته العلمية جد مهمة ودقيقة من ناحية المنهج التجريبي, فعلى نهج بافلوف سار ثورندايك باستخدام الحيوانات في تجاربه وخصوصا القطط ليستخرج منها احدى أهم نظريات التعلم التي ساعدت لاحقا في تأسيس علم النفس التربوي.
يُطلق على نظرية ثورندايك اسم الترابطية Connectionism فهو يرى أن عملية التعلم هي حاصل الربط بين المثير والاستجابة, تتقوى وتضعف بمدى قوة هذا الترابط.
إليك الشرح الأوفى عبر هذه التجربة:

صندوق متاهة القطة:
أحضر ثورندايك قططا جائعة وصندوقا حديديا لا يُفتح إلا عن طريق سحابة على الحيوان أن يسحبها ليُفتح له الباب ويتمكن من الخروج, وقد وضع ثورندايك طعاما خارج الصندوق لحث القط على الخروج ونيل الطعام.
تتمكن القطط من الخروج بعد عدة محاولات فاشلة, وكان ثورندايك يعيد القطة مجددا للصندوق لتكرر نفس العملية وتخرج من الصندوق ثم يعيدها للصندوق وهكذا, وقد خط مبيانا موضحا تطور أداء القطة الذي يتحسن بعد 117 محاولة على مدى أسبوع, فتتقلص المدة الزمنية التي تستغرقها القطة لفتح الصندوق.

التجريب والخطأ:
استخرج ثورندايك من تجربته عدة شروط لنجاح عملية التعلم لدى القطة ومنها:

1- التعلم عن طريق التجربة والخطأ تصاعدي حيث يتحسن أداء القطة بعد عدة محاولات فاشلة, فكما هو موضح بالمبيان فإن محاولاتهما الأولى كانت تستغرق زمنا طويلا في حين أنه في المحاولات الأخيرة تحسن الأداء وصارت تفتح القطة الباب في ظرف وجيز.

2- من أجل التعلم لابد من حافز, حيث كان الحافز للقطة الطعام الذي يمكنها رؤيته من خلال فتحات الصندوق...وهذا شرط مهم لأن القطة قد لا ترغب في الخروج من الصندوق إن لم يكن هناك حافز وهدف لخروجها, كأن يكون الصندوق بدون فتحات مطلقا يمكنها من رؤية الطعام أو أن تكون غير جائعة.

3- تبدأ القطة فور ولوجها الصندوق بمحاولات عشوائية للبحث عن وسيلة للخروج...حيث أن محاولات القطة الأولى للخروج من الصندوق تتسم بالعشوائية فهي تبدأ باكتشاف الصندوق والسحابة وتجربة عدة طرق لفتح الباب قبل أن تفلح في فتحه بالسحابة.

4- المحاولة الناجحة الأولى للقطة في فتح الباب تأتي بمحض الصدفة...فالقطة لا تعلم أن السحابة ستفتح الباب, هي فقط تجرب كل الطرق ومن بينها السحابة التي تفتح لها الباب.

5- يتعلم الحيوان أخيرا بعد عدة محاولات الطريقة الصحيحة لفتح الصندوق بشكل مباشر دون القيام بمحاولات عشوائية أخرى وبالتالي فتحه في ظرف وجيز...إذ أن القطة بعد أن يضعها ثورندايك مرة أخرى بالصندوق بعد محاولتها الأولى الناجحة لن تسحب السحابة مباشرة بل تبدأ بالتجريب العشوائي مجددا, فالحيوان لا يعلم أن السحابة هي الحل من خلال أول تجربة ناجحة له, ولكن بعد عشرات المرات وبتكرار العملية كل مرة يتبّث الحيوان الحل وعندما يعيد ثورندايك القطة للصندوق للمرة السبعين أو المائة فإنها ستسحب السحابة مباشرة.

قوانين التعلم:
من خلال تجربة صندوق متاهة القطة دائما استنتج ثورندايك قوانين للتعلم وتُعد هذه القوانين هي أساس عمليات التعلم لدى البشر أيضا بالمدرسة.

1- قانون الاستعداد: هذا القانون يعني أنه لابد من وجود استعداد للتعلم, القطة لن تبادر بأي محاولات للخروج إن لم تكن مهتمة ومستعدة للقيام بذلك كأن تكون غير جائعة مثلا ففي هذه الحالة لا يعمل الطعام كمحفز لها للخروج من الصندوق, والرابط بين المحفز والاستجابة غير موجود.

2- قانون الأثر: ويقصد به أن العملية المصحوبة بالاشباع سيتم تكرارها, فالقطة الجائعة عندما تحصل على الطعام بعد فتحها الصندوق ستكرر نفس العملية لكي تحصل مجددا على الطعام ومن تم الشعور بالرضا والارتياح, أما إن لم يكن هناك طعام فإنها قد لا تفتح الصندوق, وبالتالي لكمال العملية لابد من: حافز (الطعام) لتقوية الترابط العصبي بين المثير الذي هو الطعام في حال القطة والاستجابة وهي محاولة فتح الصندوق.
وهذا ما نراه بالسيرك, فمدربوا الحيوانات يقدمون جائزة للحيوان كلما أفلح في القيام بمهمة موكولة إليه عبارة عن قطعة صغيرة من الطعام تعمل كمحفز للحيوان للاستمرار بالقيام بنفس الحركات في كل عرض.

3-قانون الممارسة: يعني أن التمرين والممارسة المستمرة لنفس العمل يؤدي لتقوية ارتباط المثير بالاستجابة والمثير بالتجربة طبعا هو الطعام والاستجابة هي فتح الصندوق, أي أن القطة ستتعلم بالتكرار المستمر, إلا أن الإهمال لمدة من الزمن كفيل بإضعاف هذا الارتباط بين المثير والاستجابة لدى القطة حيث لن تتمكن من فتح الصندوق إن لم تستمر بممارس العملية مدة طويلة من الزمن.

تطبيقات قوانين التعلم لدى البشر:
ربما وأنت تقرأ القوانين كنت تفكر في أنها تطبق على البشر أيضا وهذا صحيح.  فإن الطلاب بالمدرسة لن ينجزوا أي شيء إن لم يكن هناك استعداد من طرفهم ودافع يجعلهم ينخرطون في عملية التعلم, (قانون الاستعداد) فلو اعتبرنا أن طالبا يدرس تخصصا ما وهو يرى أنه لا طائل من دراسته فإن هذا سيؤثر على عملية التعلم لديه, لذا كان لزاما من الأستاذ أن يحضّر الدرس بشكل يجذب الانتباه للطلاب ويجعلهم على استعداد للتعلم كتبيين الآفاق ومنحهم هدفا للتعلم.

الطلاب الذين يحصلون على مكافأة عند عملية التعلم سيعملون بجد أكبر المرة القادمة, قد تكون المكافأة عبارة عن علامات جيدة أو كلاما طيبا وتشجيعا من طرف الأستاذ أو أي شكل من أشكال الاشباع الذي يقود للتكرار من أجل الحصول على المزيد من المكافآت, (قانون الأثر) قد تكون المكافأة من طرف الأهل كأن يقول الأب لابنه: إن نجحت هذه السنة بتفوق سأشتري لك دراجة نارية.
ثم بعد النجاح لا يشتري الأب شيئا لابنه طبعا, أليس كذلك؟
 

العملية التعلمية تكون أجدى بالتمرين والممارسة, فالطالب لن يتمكن من التعلم إن لم يكرر ويتمرن على ما طُلب منه, فأستاذ اللغات قد يمنح الطالب كلمة جديدة أو قاعدة لغوية جديدة ثم يطلب منه أن يكوّن ثلاث جمل أو أكثر تحتوي على هذه الكلمة (قانون الممارسة), وهذا تكرار مجدي يعتمد على التمرين فالتكرار الغير مجدي هو أن يطلب الأستاذ من الطلاب كتابة القاعدة ثلاث مرات كما هي أو حفظها وهذا ما نرى بعض الأساتذة يفعلونه بشكل خاطئ كارثي, لقد كان بعض معلمينا بحسن نية يطلبون منا نسخ القاعدة عدة مرات لتذكرها وفي واقع الأمر هذا لا علاقة له بعملية التعلم بتاتا, فحسب نظرية ثورندايك فالقطة كانت تتمرن كل حين بنفسها تحاول فتح الصندوق ولم يكن يضع احدى أطرافها على السحابة بشكل متكرر لفتحها لأنها أبدا لن تتعلم بالتكرار الغير المجدي.

وأخيرا أتركك مع فيديو تمثيلي لتجربة ثورندايك:

نظرية واتسون, صناعة الفوبيا بالمختبر

8
 جون برودوس واتسون (1878-1958) عالم نفس أمريكي ومؤسس مدرسة علم النفس السلوكي أو ما يُطلق عليه بنظريات التعلم.
لم يكن واتسون مقتنعا بممارسات علم النفس السائد في ذلك العصر وقد كان يسعى لإدراج علم النفس ضمن لائحة العلوم الحقة من بيولوجيا وفزياء وغيرهما من العلوم, فنبذ دراسة الذهن  المبنية على تصريحات الناس من مرضى وأصحاء حول مشاعرهم التي قد لا تُعبّر عن الحقيقة وركز على دراسة السلوك الإنساني فقط الذي يُمكن رصده وتسجيله كمعطى قابل للدراسة العلمية, فالذهن صندوق أسود لا يُمكن دراسته بشكل مباشر حسب واتسون..كما اعتبر التفكير وما يدور بالخلد بحد ذاته ليس شيئا آخر غير سلوك خفي, إننا إذ نُفكر فنحن نُفكر انطلاقا مما تعلمناه سابقا في حياتنا عبر محيطنا.

الفرق بين التعلم والتذكر:
في علم النفس السلوكي التعلم لا يعني التذكر والحفظ والأنشطة التي يزاولها الإنسان بالمدرسة أو بالبيت أو في أي مكان آخر من محاولات لإتقان الشيء وتذكره.. التعلم في علم النفس السلوكي هو عملية إشراطية وقد كنا رأينا كيف علّم بافلوف الكلاب على الجرس كمثير إشراطي, (يمكنك قراءة موضوع الإشراط الكلاسيكي وتجربة بافلوف بهذا الرابط).
وللاختصار فقد كان بافلوف يدق الجرس للكلاب قبل تقديم الطعام لها, وبالاستمرار على ذلك صار لعاب الكلاب يسيل بمجرد سماع رنين الجرس بشكل لا إرادي لأنها تعلمت أن رنين الجرس يعني حضور الطعام.

إننا نولد بغرائز أولية ككائنات بيولوجية نرثها جينيا كالأكل والشرب والجنس والنوم إلخ... لكننا نتعلم عبر الزمن بالمثيرات التي بهذا العالم فنختبر انفعالات جديدة, فأنت تتعلم بالتجربة مذاق مختلف الأطعمة فيصير رؤية طعام بحد ذاته مثيرا للجوع والرغبة في الأكل في حين سيثير فيك نوع آخر من الأطعمة الشعور بالغثيان والنفور, أنت لم تولد بغريزة حب هذا الطعام وكره ذاك ولكنك تعلمت بالتجربة والاختبار أن هذا الطعام لذيذ وذاك سيء, فالطفل قد يضع أي شيء بفمه لتذوقه حتى وإن لم يكن طعاما من الأساس.

تطبيق الإشراط الكلاسيكي على البشر:
ألهمت تجربة بافلوف للاشراط الكلاسيكي واتسون لتطبيق نفس النمط من التجارب على البشر, فأجرى تجربة بقيت خالدة في ذاكرة علم النفس سُميت تجربة "الصغير ألبرت".
أحضر واتسون رضيعا بعمر التسعة أشهر يدعى ألبرت للتجربة.
المرحلة الأولى: أحضر واتسون جرذا قَرّبه من ألبرت فلم يخف منه بل وأخذ يلمسه ويلاعبه, ثم أحضر أرنبا وكلبا وقردا فلم يخف ألبرت من أي من هذه الحيوانات.
المرحلة الثانية: وضع واتسون الجرذ أمام ألبرت وكلما لمس الجرذ ألبرت أحدث واتسون ضجيجا جد قوي عن طريق قرع قضيب حديدي بمطرقة يفزع ألبرت الذي ينفجر باكيا.
كرر واتسون العملية عدة مرات طوال عدة أيام, كلما يضع الجرذ أمام ألبرت ويلمسه يقرع القضيب محدثا ضجيجا قويا فيبكي ألبرت من الخوف.
المرحلة الثالثة: بعد أيام صار ألبرت يرتعب من رؤية الجرذ حتى دون سماع الضجيج, فكلما يُوضع الجرذ أمامه يبكي ألبرت ويحاول الابتعاد هاربا منه, أي أن الجرذ صار مثيرا إشراطيا بالنسبة لألبرت.
وقد حدث للرضيع تعميم أيضا كما حدث لكلاب بافلوف إذ أنه صار يخاف من بقية الحيوانات التي كان يُقرّبها واتسون منه, بل إنه صار يخاف من فراء أمه ومن قناع بابا نويل الذي ارتداه واتسون له.
هذا التعميم زال مع الوقت وعاد ألبرت يستطيع لمس الأرنب لكنه ظل يرتعب من الجرذ.
كانت هذه التجربة المثيرة أول تجربة نفسية مُسجلة تُطبق على البشر أتبث واتسون من خلالها أن الفوبيا -والتي تعني الخوف الغير منطقي من شيء غير مخيف- تحدث عن طريق خلق رابط بين ما هو مخيف وما هو غير مخيف, فالذي أخاف ألبرت فعلا هو صوت القرع (المثير الطبيعي الغير إشراطي), ولأنه ارتبط دائما بحضور الجرذ فقد ربط ألبرت الجرذ بالقرع وصار الجرذ مثيرا للرعب أيضا (مثير إشراطي), وهكذا فإن ألبرت تعلم أن الجرذ مخيف بمفهوم علم النفس السلوكي للتعلم.

في حين أن فرويد بمدرسة التحليل النفسي كان قد فسر الفوبيا على أنها ميكانيزما للدفاع النفسي, فهو قد يحيل رعب ألبرت من الجرذان عندما يكبر إلى عقدة أوديب أو عقدة ما مرتبطة بوالدته أو شعر والدته, أو أن الخوف من الجرذان مجرد رمز من الرموز.

طبعا كان من المستحيل تطبيق تجربة كهذه في عصر غير عصر واتسون فالقوانين بذلك الوقت لم تكن تحمي حقوق الأطفال, فلو طبق شخص ما هذه التجربة بعصرنا الحالي فإن مصيره سيكون تناول الفول والعدس بشكل يومي بالسجن وهذا من حسن حظ واتسون وسوء حظ الصغير ألبرت.

إذن ماذا عنك؟ هل تعاني من فوبيا ما؟ هل تخاف من شيء غير مخيف بالعادة حدث وأن ربطته بشيء مخيف؟
هل حدث وأن سمعت أغنية ما فجلبت لك مشاعر السوء لأنها تُذكرك بحادث سيء؟
هل شممت عطرا فجلب لك مشاعر جيدة لأنه ذكرك بشخص تُحبه؟ أو أي شيء من هذا القبيل
حاول أن تستكشف مثل هذه المثيرات من حولك.

الاستجابات الانفعالية:
حسب واتسون دائما فإننا نولد بثلاث انفعالات أساسية هي: الحب, الخوف والغضب...وانطلاقا من هذه الانفعالات الثلاث تتفرع بقية الانفعالات, فالرضيع إذا داعبته فإنه سيظهر لك مشاعر الحب من ضحك وابتهاج, وإن أهملته فإنه سيخاف ويبدأ بالبكاء, وإن أزعجته فهو قد يُظهر لك الغضب, أما بقية الانفعالات فتأتي بالتعلم مع الوقت, فالغيرة مزيج بين الشعور بالحب والخوف, فالطفل الذي يغار من أخ له يصغره يُعتبر تعلما وإدراكا منه بأن أمه مثلا مصدر حب له وعطاء ولأنه يحب أمه فهو يخاف من فقدان هذا الحب فيتكون انفعال الغيرة وهكذا تتفرع الانفعالات بخلق روابط مع انفعالات جديدة.

لذا فنحن مجرد آلات بيولوجية, لا نختلف عن أي حيوان آخر لكننا أكثر تعقيدا, وما قد يبدو لنا عواطف ومشاعر بمفهومهما الفلسفي مجرد وهم لا غير, إذ أننا نتيجة سلسلة طويلة معقدة من الإشراطات والاستجابات للمثيرات المختلفة التي نتعلمها منذ الطفولة في محيطنا وبيئتنا, فالطفل يولد صفحة بيضاء تماما بانفعال الحب والخوف والغضب فقط, فيتعرض للمثيرات ليخلق روابط باستمرار بالاستجابات المتكررة للمثيرات وهكذا تُحدد شخصيته.
ولهذا فقد كان واتسون يرفض مصطلح "مشاعر" لأنها ليست إلا نتاج عمليات إشراطية, أي أن المشاعر ليست إلا انفعالا واستجابة لإشراط يُترجمها الجسم على شكل "شعور".

وقد قال واتسون بكل ثقة: "أعطني اثنا عشر طفلا حديث الولادة وسأختار منهم واحدا فقط بشكل عشوائي وامنحني السيطرة الكلية عليه وسأصنع منه طبيبا أو فنانا أو مهندسا أو لصا أو قاتلا".

وأخيرا تذكر أن ما قرأته مجرد نظرية من نظريات علم النفس السلوكي تخص صاحبها وليست حقيقة مطلقة.

وختاما أتركك مع فيديو تجربة الصغير ألبرت:

إيفان بافلوف والإشراط الكلاسيكي

6

كنا قد تحدثنا عن أهم رواد مدرسة التحليل النفسي ومن تم الانتقادات التي تلقوها من طرف المعارضين, وقد رأينا كيف أن أغلب
الانتقادات تصب في كون أن مدرسة التحليل النفسي غير علمية وتفتقر للتجارب والمعطيات.
الآن سنتناول مدرسة علم نفس مضادة لمدرسة التحليل النفسي أنشئت على يد علماء اتخذوا من البحث العلمي والتجريبي منهجا صارما لا يحيدون عنه رافضين أي نظرية فلسفية لا تحمل إتباثات.. أطلق عليها المدرسة السلوكية أو التعلم.
 كان التأسيس على يد عالم النفس الأمريكي واتسون, وقد بنى نظرياته إنطلاقا من تجارب إيفان بافلوف, لذا قبل التحدث عن مبادئ المدرسة السلوكية وفلسفتها لابد من الحديث عن تجارب بافلوف.

لم يكن الروسي إيفان بافلوف (1849-1936) عالم نفس, وإنما عالم فيسيولوجيا أجرى تجارب عدة وأبحاثا بخصوص الجهاز الهضمي وقد نال جائزة نوبل في هذا المجال.. لكن تجربة مهمة قام بها فيما أسماه الإشراط الكلاسيكي عُدّت من بين الإسهامات الجد مهمة في مجال علم النفس لاحقا, صُنّف بافلوف من خلالها من بين أهم علماء نفس القرن العشرين.

ما هو الإشراط الكلاسيكي؟
كان بافلوف يجري تجاربه الفيسيولوجية على الكلاب وقد لاحظ أنه كلما سمعت الكلاب وقع أقدامه من بعيد يسيل لعابها لأنها كانت تعلم أنه قادم بالطعام إليها, فحذاه هذا لإجراء تجربة.
التجربة كانت كالتالي: يدق الجرس وهو يقدم الطعام للكلب, ومن تم يقيس كمية اللعاب السائل من فم الكلب عبر أنبوب.
أخذ يكرر العملية عدة مرات, كلما يجلب للكلب الطعام يدق الجرس ثم يدفع بالطعام للكلب... وبعد أيام من التكرار دق الجرس دون أن يقدم للكلب شيئا فوجد أن اللعاب سال من فم الكلب عند سماعه لصوت الجرس.
حينها استخرج بافلوف عدة مفاهيم من هذه التجربة:

1- المثير الطبيعي الغير شرطي:
 المثير الغير شرطي هو المحفز الطبيعي الذي يثير الكائن بشكل تلقائي, فالكلاب يسيل لعابها تلقائيا عند رؤيتها للطعام.
إذن الطعام هنا هو المثير الطبيعي الغير مشروط, ليس هناك أي تدخل خارجي في هذه الحالة, وكذا البشر فأنت ستُفرز غددك اللعبية اللعاب بشكل أكبر إذا رأيت طعاما لذيذا وكنت جائعا...أي أن الطعام مثير غريزي لنا كأي كائن آخر.

2- المثير الشرطي:
المثير الشرطي هو المثير الغير طبيعي والغير غريزي, والذي يصير بالتعلم مثيرا أيضا, كما هو الجرس في التجربة الذي تحول بالنسبة للكلب مثيرا وصار لعابه يسيل كلما سمع رنين الجرس, في حين أن الجرس ليس مثيرا غريزيا للكلب فهو لم يولد بهذه الخاصية ولكنه "تعلم" هذا عبر ربط المثير الطبيعي الذي هو الطعام مع المثير الشرطي الذي هو الجرس.

3- الاستجابة الطبيعية والشرطية:
الاستجابة هو رد الفعل الناتج عن الإثارة, في حالة الكلب فسيلان اللعاب هو الاستجابة للمثير الطبيعي أو الشرطي.
أي: مثير طبيعي (الطعام)         ----->     استجابة طبيعية (سيلان اللعاب)
     مثير إشراطي (الجرس)     ----->     استجابة إشراطية (سيلان اللعاب)

4- الفارق الزمني:
يلعب الفارق الزمني بين المثير الطبيعي والمثير الإشراطي دورا مهما في الاستجابة, فمثلا كان بافلوف يقوم بقرع الجرس قبل تقديم الطعام ب10 ثوان ثم 30 ثانية ثم 50 ثانية, فلاحظ أنه كلما كانت الفترة الزمنية أقرب كلما كانت الاستجابة أفضل, فالكلب الذي كان يقرع الجرس قبل تقديم الطعام له ب50 ثانية لم يكن يسيل لعابه بقرع الجرس وحده لأن الكلب لم يربط قرع الجرس بالطعام لطول الفارق الزمني بين قرع الجرس وتقديم الطعام.
5- الاسترجاع التلقائي:
لاحظ بافلوف أن الكلاب التي صارت تستجيب لرنين الجرس لا تبقى تستجيب للجرس دائما إن لم يربط مجددا دق الجرس مع المثير الطبيعي الذي هو الطعام, أي أن بافلوف إن ظل يرن الجرس وحده دون أن يقدم الطعام للكلاب لأيام عديدة فستنسى أن الجرس مرتبط بالطعام ولا تستجيب له ويسيل لعابها...فيدخل المثير الإشراطي الذي هو الجرس في حالة من الخمود لكن قد يحدث ويعود فجأة مثيرا للكلاب بعد أيام دون سابق إنذار حتى وإن لم يربط الجرس مجددا بالمثير الطبيعي, فسمى هذه الحالة بالاسترجاع التلقائي.

وكمثال من الحياة للتفسير لنفترض أنك كنت تنفر من طعام ما لأنه كان قد سبب لك في فترة ما من حياتك تسمما فصرت تكره الأكلة ككل, وكلما تشم رائحتها تشعر بالمرض, لكن أسرتك صاروا يطبخون تلك الأكلة بشكل مستمر فتعودت على رائحتها ولم تعد تسبب لك المرض والشعور بالنفور عندما تشمها, بعدها توقفوا عن تحضير تلك الأكلة مدة من الزمن وفي يوم من الأيام اشتاقوا إليها وقاموا بتحضيرها فشممت رائحتها وهذه المرة شعرت بالغثيان والشعور بالنفور مجددا, أي أن الأكلة عادت كمثير بالنسبة إليك مجددا بشكل تلقائي.

6- التعميم:
 كان بافلوف يجرب على الكلاب أصواتا مشابهة لصوت الجرس ليرى هل تستجيب أيضا فكانت الكلاب تستجيب بسيلان اللعاب حتى وإن كان ذلك الصوت ليس صوت المثير الإشراطي الذي هو الجرس والذي تم ربط صوته بالطعام, أي أنه قد حدث للكلاب تعميم.
لكن هذا التعميم مع الزمن زال وصارت الكلاب تميز بين صوت الجرس وبقية الأصوات.

مثال من الحياة لنفترض أن شخصا عضه كلب ما, فإنه سيخاف من كل الكلاب ولكن خوفه قد يُعمّم فيخاف من القطط أيضا ومن كل الحيوانات المشابهة للكلاب أو من كل الحيوانات بصفة عامة ذات الفرو, لكن خوفه من الكلاب أقوى بكثير من خوفه من بقية الحيوانات.

إذن الآن وقد اكتشفت ما هو الإشراط الكلاسيكي وتطبيقه على الكلاب سنرى بالموضوع القادم إن شاء الله تطبيقه على البشر.
ومبادئ علماء النفس السلوكيين.