انتقادات التحليل النفسي: هل يُعدّ علما زائفا؟

14
إن كنت شخصا غير مهتم بعلم النفس فقد يبدو لك السؤال غريبا لأن أول ما سيخطر ببالك عند ذكر علم النفس هو فرويد والكنبة وسؤال: "كيف كانت طفولتك؟", لكن الواقع مغاير لأن التحليل النفسي ليس إلا مدرسة من بين عدة مدارسة نفسية.
كنا قد تحدثنا فيما سبق عن أهم نظريات التحليل النفسي بشكل عام ومقتضب: فرويد, أدلر, إريكسون ويونغ.
والآن حان وقت الحديث عن الانتقادات التي وُجّهت لهم ولكل من نهج نهجهم.. وقد سبق وأكدت أن الانتقادات العلمية لا تعني مجرد تهجم مزاجي على النظرية وصاحبها ولكنها محاولات للفهم وإظهار لمكامن الضعف والخلل بالنظرية قصد المزيد من التطور من طرف علماء نفس آخرين.
سأعرض هنا بعضا من أهم الانتقادات مع المصادر إن كنت تود التوسع في الموضوع, لأنني لم أستطع عرض كل شيء لكي لا يصير المقال طويلا ومملا, ولأن البعض يتعلق بالنظريات بشكل عاطفي فبحاجة لمصادر للانتقادات...تذكر أن كل المدارس النفسية تعرضت للانتقاد, وأن العلم يتطور كل ساعة بشكل حرفي.

1- قابلية الدحض والتفنيذ:
إن ألقيت نظرة على لائحة العلوم المزيفة بويكيبيديا (Pseudosciences) فإنك ستجد التحليل النفسي قابعا هناك.
لما سُئل نعوم تشومسكي عن ما إذا كان محللا نفسيا أجاب: "أعتقد أن التحليل النفسي لا يستند على أي أساس علمي, إذا كنا غير قادرين على تحديد لماذا استدار صرصور ما نحو اليسار, إذن كيف لنا أن نشرح قرار إنسان ما اتخذه؟" [1]
أولا لنعرّف المنهج العلمي, هو بكل بساطة ما سبق لك ودرسته بالمدرسة لمراحل البحث العلمي: أ-وضع فرضية, ب-إجراء تجربة, ت-مشاهدة, ج-استنتاج...إلخ.
إن هذه المراحل المتسلسلة لا تنطبق على نظريات التحليل النفسي لأنها توقفت في مرحلة الفرضية ولم تقم بإجراء أي تجارب ولا مشاهدات ولم تُقدّم أي إحْصاءات أو مُعطَيات.
عندما بعث كارل بوبر حالة طفل لألفرد أدلر يخبره فيها أنها لا تنطبق عليها نظريته "عقدة النقص" قام ألفرد بتفسيرها بكل سهولة تحت ضوء نظريته, وقد صَدم هذا كارل بوبر كون أدلر لم يُكلّف نفسه حتى عناء معاينة الطفل عن كثب, وعندما سأله بوبر: ّكيف يمكنك أن تكون واثقا لهذه الدرجة؟ لقد عاينت بنفسي ألف حالة" فما كان من أدلر إلا أن يرد عليه بكل ثقة:"إذن خِبْرتُك قد صارت الآن ألفا وواحدا"

حينها أدرك بوبر أن أي حالة يُمكن تفسيرها بهذا الشكل عن طريق نظرية أدلر أو فرويد, لأنه لا توجد تجارب تُؤكّد أو تنفي صحة النظريتين, ورغم أن بوبر كان يتحدث في مقالته عن أدلر وفرويد حصرا إلا أن هذا يطال بقية نظريات التحليل النفسي, وكمثال أعطاه بوبر رجلا قتل طفلا, وآخر أنقذ طفلا من الغرق, يمكن أن يُفسّر سلوك الرجلين على أن القاتل يشعر بعقدة النقص فقتل الطفل ليثبت أنه قادر على ارتكاب جريمة ويمكن تفسير سلوك الرجل المنقذ على أنه ألقى بنفسه في البحر لإنقاذ الطفل لشعوره بعقدة النقص, وكذا التفسير في سياق نظرية فرويد أن الرجل المجرم كان يعاني من الكبت في مرحلة من مراحله العمرية كعقدة أوديب, والرجل الثاني حقق التعالي والسمو النفسي. إذن يمكن تفسير أي حالة في ضوء هكذا نظريات وستجعلك كل حالة تُصادفها في حياتك تُؤكد لك صحة النظرية التي تعتقد بصحتها مسبقا بلا أي دليل علمي.

في حين أن نظرية علمية حقيقية كنظرية أينشتاين مثلا التي تقول أن الضوء يُجتذب للأجسام الضخمة كالشمس, أثبتت صحتها عن طريق مراقبة ضوء النجوم القريبة من الشمس أثناء الكسوف تارة وأثناء مغيب الشمس تارة أخرى, أي أنه سيسهل تفنيذ نظرية أينشتاين ودحضها إذا خرجت المشاهدات بنتائج معاكسة لما توقعه أينشتاين, بخلاف نظريات التحليل النفسي التي لا يُمكن لنا لا دحضها ولا تأكيد صحتها, وبالتالي فهي حسب بوبر تبقى مجرد أفكار أقرب للخرافة منها والأسطورة للنظرية, أي إما أن تُؤْمن بصحتها كما جاء بها أصحابها كأي معتقد أو أسطورة أو لا...وهكذا فإن بوبر ميّز بين ما هو علمي وما هو غير ذلك بقابليته للدحض والتفنيذ. [2]
2-الإيغال في اللاوعي:
 إن التحليل النفسي جميعا بكل مشاربه مستند على مفهوم يُعتبر أساس التحليل النفسي ألا وهو اللاوعي, إلا أن ما يعيبه البعض على التحليل النفسي هو المبالغة في هذا اللاوعي واعتباره المحرك الأساس للسلوك البشري, فقد روى عالم النفس غوردون ألبورت صاحب نظرية السمات المثيرة أنه التقى بعد تخرجه بفرويد وقد جلسا برهة من الزمن لا يتحدّثان, فلِكَسْر حاجز الصمت بادر ألبورت بالتحدث عن رحلته عبر القطار في طريقه لملاقاة فرويد وبأنه رأى طفلا كان يحرص أشد الحرص على نظافته ولا يرغب الجلوس قرب شخص متسخ ويبدو وكأنه اكتسب هذا الوسواس من أمه, فسأله فرويد:"هل كان هذا الطفل أنت؟", لقد خمّن فرويد في أن ألبورت ربما يروي عن نفسه بشكل لاواع وقد رأى ألبورت أن هذه مبالغة من فرويد, لأن ألبورت كان يَقُص عليه قصة الطفل لكسر حاجز الصمت لا غير, أي أن تحليل فرويد لهذا اللاوعي هو عن طريق الحدس وليس عن طريق منهجية علمية. [3]

 إن الأمر ليس أفضل حالا بالنسبة لبقية النظريات ولو أخذنا على سبيل المثال نظرية يونغ التي أظنك تعرفها عن الوظائف المعرفية فإنه ابتداء من كونها بلا أي أساس علمي كما صرح يونغ ذات نفسه, إذ قال أن تصنيفه لا يُعد تصنيفا صارما بل مجرد ملاحظات شخصية, أي أنه لم يقدم دليلا علميا أو نتائج تجارب أومشاهدات وإحصاءات وما سبق وتحدثنا عنه كمنهج علمي, نجد أن اختبار MBTI الذي قام على نظرية يونغ يُحاول أن يصل لهذا اللاوعي عن طريق طرح أسئلة تجيب عليها بوعيك, إذ أن يونغ يقسم الوظائف المعرفية اللاواعية إلى أربع: فكر, شعور, حس وحدس... وهي وظائف فسّرها على أنها لاواعية ويقوم الشخص عن طريق وظيفة من هذه الوظائف باكتشاف العالم تلقائيا بلاوعي منه, أي أنك تميل لاستخدام وظيفة من الوظائف دون إرادتك, أنت شعوري لأنك شعوري بشكل لاواع ولا تستطيع تغيير هذا فكيف لأسئلة تُطرح عليك بشكل مباشر على وعيك أن تُحدِّد الطريقة التي استخدمت فيها وظيفتك؟ أضف أن الشخص حسب التحليل النفسي يستخدم آليات الدفاع النفسي حتى بينه وبين نفسه ولن يُصارح نفسه ويصل للاوعيه... [4]

وكملاحظة مهمة فإن الاختبارات التي تجتازها عبر مواقع الانترنت ليست هي نفسها اختبار MBTI الأصل, بل مجرد اختبارات تحدد سلوكك الواعي وليس وظيفتك اللاواعية كما حددها يونغ, فموقع كيرسي يقول أنه حدد الاختبار بناء على مراقبة سلوك الأفراد, فهي تسألك عن سلوكك في موقف ما أو تقديرك الواعي للأمور, ومن تم يضعونك ضمن خانة وظيفة من الوظائف المعرفية اللاواعية التي عرّفها يونغ, دون أي سند علمي يفسر كيف للأسئلة أن ترتبط وتُفسر الوظائف المعرفية كما عرّفها يونغ... أي لو أردنا تطبيق مفهوم العلم لبوبر على نظرية يونغ فإننا لن نستطيع لا دحض النظرية أو تفنيذها ولا تأكيد صحتها. [5]

3-الخلفيات الدينية والروحانية:
يقول يونغ: "من يريد استكشاف النفس البشرية لن يتعلم شيئا من تجارب علم النفس. سيكون من الأفضل له أن يُهمل العلوم الحقة, يضع جانبا شهاداته, ويُودع دراساته, ومن تم يتساءل بقلبه حول هذا العالم".[6]

رغم أن فرويد كان ملحدا إلا أن بعضا من نظرياته كانت ذات خلفيات دينية مستمدة من معتقدات دينه السابق اليهودية.

اقرأ موضوع فرويد والكابالا اليهودية.

 الأمر ذاته ينطبق بشكل جد واضح على ألفرد أدلر الذي تخلى عن الديانة اليهودية ليعتنق المسيحية وينسج نظريات من وحي العقيدة المسيحية الخالصة بشكل مثالي بعيدا عن أي منهج علمي, لقد كان أدلر أقرب لمُبشر منه لعالم نفس, مما جعل منه عالم نفس يُحتدى به من طرف المسيحيين المتدينين, أما يونغ فقد تمادى في روحانياته المستمدة من فلسفات الشرق الأدنى حتى لصارت بعض من أفكاره تبدو كهراء محض لا يمت لعلم النفس بصلة كنظريته للتزامنية والتي يمكنك القراءة عنها وقصة الخنفساء وحلم مريضته بويكيبيديا.[7]

 4-اتهامات بالنصب والاحتيال:
يعد هانز آيزنك عالم نفس مثير للجدل من نفس توجه ألبورت, هاجم في كتابه بشكل تقريعي شديد اللهجة فرويد وأتباعه وقد تجاهل أدلر ويونغ في كتابه بدعوى أن نظرياتهما لاعقلانية أصلا ولا تستحق الرد.
عارض آيزنك زميله بوبر في كون نظريات التحليل النفسي غير قابلة للتجريب وبالتالي لا يمكن تصديقها أو تكذيبها, بل بيّن أنه من الممكن ابتداع تجارب لمعاينة صحة النظريات كما هو الحال في نظرية عقدة أوديب إذ أن فرويد قد طرح نظرية عقدة أوديب انطلاقا من مراقبة طفل واحد فقط أطلق عليه اسم "الصغير هانز" بل أن المراقبة لم تكن من طرفه  شخصيا بل من طرف والده الذي كان يتراسل مع فرويد, في حين أنه تم معاينة مجموعة من الأطفال فتبين أنهم يميلون للأم بحكم الارتباط الأول بها سواء ذكورا كانوا أم إناثا ثم بعد ذلك للأب لأنه يخلق جوا من المرح بين أطفاله...لم يُحدد فرويد معيارا لكيفية معرفته عقدة أوديب أو قلق الإخصاء أو غيرة البنات من القضيب, قد يكون سلوك الأطفال ناتجا عن خلل في التنشئة أو أن قلق الإخصاء ناتج من مشاهدات الطفل لعمليات الختان التي كانت تُجرى بالمجتمع اليهودي أو لتخويف الطفل إن هو تصرف بسلوك مشين أن يقصوا قضيبه.

ذهب آيزنك في تقريعه لفرويد حد اتهامه بالنصب والاحتيال واختلاق قصص نجاح لم تحدث أبدا, واعتبار أن كثيرا من نظرياته التي نسجها في سنواته الأخيرة كانت من تأثير الكوكايين, إذ أن فرويد قد نصح مرضاه بتعاطي الكوكايين للشفاء من بعض الأوجاع والإدمان من المورفين, لم يكن يعرف فرويد في ذلك الحين خطورة الكوكايين لكنه ادعى رغم ذلك أن الكوكايين شفى مجموعة من الناس وهذا مستحيل حسب العلم الحديث مما جعله آيزنك دليلا على كذب فرويد واختلاقه لقصص شفاء مرضى لم يشفوا أبدا, وقد قال أيزنك أن فرويد أعاد علم النفس خمسين سنة للوراء, لأنه في عهده كان قد قفز علم النفس قفزة نوعية باتجاه العلوم الحقة والتجارب والمنهج العلمي إلا أن فرويد حسب آيزنك ضرب بكل هذا عرض الحائط وأعاد علم النفس للميتافيزيقا مجددا والفلسفة. [8]

خلاصة: 
 إن العلم لا يقف لصالح مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية, تقريبا لم يتبقى من نظريات التحليل النفسي إلا الشيء اليسير الذي لازال بعض من مناصريه يحاولون إثبات صحته عن طريق إجراء تجارب تصب في هذا الاتجاه.
المدارس النفسية الأخرى ليست بأفضل حال طبعا فكلها تعرضت للانتقاد من طرف معارضيها, إلا أن مدرسة التحليل النفسي أخذت حصة الأسد من الانتقادات والتي مست جوهرها ونسفت فعلا بعضا من نظرياتها.

المصادر:
 [1]- حوار نعوم تشومسكي الذي انتقد فيه التحليل النفسي (انجليزي)
 [2]- مقالة كارل بوبر حول نظريات أدلر وفرويد (انجليزي)
 [2]- كتاب منطق البحث العلمي لكارل بوبر (عربي)
 [3]- لقاء ألبورت مع فرويد (انجليزي)
 [4]- انتقادات MBTI على ويكيبيديا (انجليزي)
 [5]- الفرق بين اختبار كيرسي واختبار MBTI (انجليزي)
 [6]- انتقادات نظرية يونغ ولاعلميته مقالة (انجليزي)
 [7]- كتاب نقد التحليل النفسي لبارسيفال بيلي (عربي)
 [8]- كتاب تدهور امبراطورية فرويد وسقوطها لهانز آيزنك (عربي)

مراحل النمو النفسي الاجتماعي, نظرية إريكسون

6
مازلنا في مدرسة التحليل النفسي وهذه المرة مع عالم النفس التطوري إريك إريكسون (1902-1994)
درس إريك نظرية فرويد على يد "آنا" عالمة النفس المرموقة وابنة سيجموند فرويد.
بعدها هاجر إلى نيويورك ليمارس التحليل النفسي الفرويدي وهناك اصطدم بواقع عدم قدرته على تطبيق نظرية فرويد, إذ أنه وعلى عكس ما درسه من النظرية التي تُحيل كل المشاكل النفسية إلى أصل جنسي, اكتشف إريكسون أن مرضاه لا يعانون من أي مشاكل وعقد ومكبوتات جنسية وإنما تمحورت مشاكلهم حول القضايا الاجتماعية والحياتية اليومية, حينها قرر إريكسون أنه قد حان الوقت لترقية نظرية فرويد لتساير المجتمع أكثر ومشاكله فنسج نظريته الخاصة.
وبدل الحديث عن المراحل النفسية الجنسية الخمس كما بنظرية فرويد تحدث إريكسون عن مراحل النمو النفسي الاجتماعي الثمان الملخصة في هذا الجدول:

المرحلة
الأزمة النفسية
العلاقات
النموذج السوسيوسيكولوجي
الفعل الايجابي
حالات الضرر
(0-1) رضيع
الثقة وعدم الثقة
الأم
الأخذ والرد
الأمل والسلام
الهلوسة  وأعراض الانسحاب
(2-3) بدأ المشي
الذاتية مقابل الخجل والشك
الأبوين

التعرف على الأب
التحكم بالتبرز والتبول

الانتظار والإخراج
الإتمام
السلوكات القهرية والاندفاعية
(3-6) ما قبل المدرسة
المبادرة مقابل الشعور بالذنب
العائلة
اللعب
الأهداف والشجاعة
القسوة والكبت
(7-12) الطفولة المدرسية
الإنتاجية مقابل الدونية
الجيران والمدرسة
إتمام المهام والتعاون مع الآخرين
المقدرة
المهارات المحدودة والخمول
(12-18) المراهقة
تعريف الأنا مقابل التشويش في الأدوار
مجموعة الأقران واتخاذ القدوة
اكتشاف الذات ومشاركتها
الإخلاص
التعصب والتمرد
(20-30) الشباب
العلاقات الحميمة مقابل العزلة
الشركاء والأصدقاء
خسران الذات وإيجادها مرة أخرى
الحب
ممارسات الجنس العشوائية والتفرد
(30-50) الكهولة
امتدادية الجيل مقابل الركود
الأسرة وزملاء العمل
الاهتمام بالآخر واتخاذ القرار
العناية
المبالغة في الامتدادية  والرفض
(50 فما فوق) الشيخوخة
التكامل مقابل اليأس
الإنسانية
الوجود, مواجهة الفناء
الحكمة
الافتراض واليأس

المرحلة الأولى: كما عند فرويد فهي مرحلة الرضيع التي سماها المرحلة الفموية الحسية, والمهمة في هذه المرحلة تقتصر على تطوير الثقة دون الإلغاء النهائي لعدم الثقة, وفيها يكون الرضيع مرتبطا بأمه فقط لا يعرف غيرها ويثق بها ثقة كاملة.
إن الإساءة للرضيع في هذه المرحلة تؤذي به لعدم الثقة بالعالم الخارجي, وإن كانت الإساءة جد سيئة له قد يُطور أعراضا انسحابية تتمثل في الاكتئاب والذهان في مراحل عمرية مستقبلية حسب إريكسون
وفي حال سارت الأمور على أحسن ما يرام فإن الرضيع سيبقى مرتبطا بالأمل, فهو يأمل دائما أن يلبي أبواه حاجياته عاجلا أم آجلا فيستمر بالبكاء كنداء لتلبية حاجياته الأساسية.

المرحلة الثانية: المرحلة الشرجية, حيث يتعلم الطفل التحكم بعملية التبرز, وهي ما بين سنة حتى 4 سنوات تقريبا وتكون مهمة الإنسان في هذه المرحلة التمتع بالذاتية بتقليص الخجل والشك واكتشاف العالم.
يرتبط الطفل في هذه المرحلة بكلا والديه فهو يحتاج لأمه وأبيه وهما من يتوليان مهمة تعريف هذا العالم الخارجي للطفل.
إن تعريض الطفل في هذه المرحلة لقواعد صارمة قد يؤذي به للشعور بالخجل كل مرة لم يفلح فيها التصرف بالشكل المطلوب وقد يُطور الطفل في مراحل متقدمة من عمره ما أطلق عليه إريكسون بالسلوك القهري, أي أن الشخص يشك في أن ما قام به غير مكتمل وغير مثالي وقد يُطور وساوس قهرية.
والعكس إذا لم يتم كبح جماح الطفل أبدا في هذه المرحلة ولم يتم تعليمه القواعد بالشكل المطلوب قد يتحول لشخص اندفاعي في مراحل متقدمة من عمره.
المزاوجة بين تعليم الطفل وإشعاره بالخجل من تصرفات غير لائقة مع احترام ذاتيته واستقلاليته في التعلم ستجعل منه شخصا متوازنا يجيد إتمام المهام بلا اندفاعية ولا سلوكات قهرية.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة بدأ حركة الأعضاء الجنسية, وتبدأ من ثلاث سنوات إلى خمس أو ست سنوات تقريبا, كما بنظرية فرويد.
وتعد مرحلة يتعلم فيها الطفل أخذ زمام المبادرة دون الشعور المبالغ فيه بالذنب.
ويُقصد بالمبادرة أن يبادر الطفل باللعب وتولي بعض المسؤوليات كتعلم مهارات جديدة والشعور بأن هناك هدفا من مبادراته, كأن يتعلم تناول الطعام وحده بالملعقة مثلا وهو يدرك أن مهمته إفراغ الصحن دون أن يدلق الطعام على ملابسه وغيرها من المهارات العديدة التي من الممكن أن يتعلمها الطفل بهذه المرحلة...والتي من الممكن أيضا أن يشعر حيالها بالذنب, فلو دلق طفل بعمر السنتين طعامه فإن لا أحد سيحتج, لكن إن فعل ذلك طفل بعمر الأربع أو الخمس سنوات فإنه قد يتعرض للعقاب المعنوي المتمثل بإشعاره بالذنب وأن سلوكه خطأ وكان بإمكانه تحمل المسؤولية وعدم فعل ذلك عكس طفل السنتين.
وبهذه المرحلة يكون الطفل مرتبطا بأسرته ككل فهو إضافة لأبويه سيلعب مع إخوته مثلا أو أعمامه وأخواله وهو يدرك أنهم أفراد من أسرته.
إشعار الطفل بالذنب طول الوقت قد يؤدي به لأن يتحول لإنسان جد سلبي مكبوت فهو لن يُبادر لفعل شيء بالمرة كي لا يتعرض لهذا الشعور المقيت ألا وهو الذنب... في حين أن الطفل الذي  يُترك على هواه يفعل ما يريد دون إشعاره بالذنب قد يتحول لإنسان جد قاس وأحيانا لسوسيوباثي (شخصية مضادة للمجتمع) حسب إريكسون.
الموازنة بين إعطاء الطفل زمام المبادرة وإشعاره بالذنب, سيُطور عنده حس السعي نحو الهدف بشكل صحي.



المرحلة الرابعة:  وهي مرحلة الكمون وتتراوح بين سن السادسة إلى الثانية عشر, وتكون مهمة الطفل بهذه المرحلة هو القدرة على الانتاجية مع تجنب الشعور بالدونية.. فهو في سن المدرسة ومطلوب منه أن ينجز مهامه الموكولة إليه على أكمل وجه وإلا فإنه سيشعر بالدونية.
هو بهذه السن يُكوّن علاقات جديدة وهي علاقات محيطه المدرسي إضافة لأسرته,  بهذه السن يمكنه اتباع القواعد وخلق قواعد أثناء لعبه عكس الأطفال من المرحلة السابقة الذين يتسم لعبهم بالعشوائية.
حسب إريكسون فإن تعريض الطفل بمحيطه للعنصرية أو التمييز قد يؤدي به للشعور بالدونية, وبالتالي ضعف الإنتاجية, فإن تم مثلا التمييز الجنسي ضد الطفلات الإناث فإن هذا سيحد من إنتاجيتهن لأنه بنظرهن لا داعي للاستمرار في عمل دون نتائج, (لا داعي لتدريس الفتيات لأنهن سيتزوجن ويمكثن بالبيت) أو أن يتعرض الطفل للعنصرية التي ستشعره أنه من إثنية أو عرق لا يمكنه نيل النجاح كما الباقين (الأشخاص من هذه الجنسية لا ينالون أي فرص عمل جيدة)
في حين حث الطفل على المزيد من الانتاجية قد تحد من مهاراته, فالطفل الذي يصر محيطه على إنتاجيته سواء في رياضة من الرياضات أو الفن أو مساره الدراسي قد يحقق فعلا نجاحا باهرا لكنه سيكون طفلا بائسا بلا حياة.
أما الخمول فيتولد عندما يُكون الطفل عقدةالنقص كما بنظرية أدلر, فيصير مثلا يكره حصة الرياضيات لأنه جد ضعيف بها فلا يرغب مطلقا بدخول حصة الرياضيات ويتهرب منها.
طبعا الموازنة بين الإنتاجية والدونية الإيجابية تنمي للطفل ما يسمى بالقدرات ويصير شخصا مقتدرا.

المرحلة الخامسة: مرحلة المراهقة والتي تنتهي عادة حوالي 18 سنة أو 20 سنة وحينها تكون مهمة المراهق تحقيق أناه وهويته وتجنب التشويش على اكتشاف مكنون دوره في الحياة... والمقصود بالهوية هنا أن يطرح المراهق على نفسه أسئلة وجودية من قبيل: من أنا؟ وكيف أحقق ذاتي في المجتمع؟
ومن بين نصائح إريكسون للمراهقين هي ما أسماه "التجميد النفسي الاجتماعي" إذ يقترح أن يأخذ المراهق وقتا يخصصه لنفسه بأن يسافر خارج بلده إن أمكن أو يتجول في بلده الذي يعيش فيه وأن يترك المدرسة ويبحث عن عمل أو يترك العمل ويذهب للمدرسة, أو يأخذ إجازة ويستنشق الورود ويجول الأماكن محاولا اكتشاف ذاته ووجوده...
هل أنت مراهق؟ هل راقتك الفكرة؟
إياك أن تطبقها !!
أحيانا يقع المراهق فريسة "البحث عن الهوية"  بشكل مبالغ فيه فيميل لأن يصير متعصبا لتوجهه, فيؤمن بأن طريقته هي أفضل طريقة وأن أسلوب تناوله الأمور وعيشه بشكل عام هو أفضل أسلوب متجاهلا آراء الآخرين. في حين قد يتمرد هذا المراهق على هذه الهوية ويتمرد على هذا العالم الذي ينتمي إليه, فينضم أحيانا لجماعات متمردة على هوية المجتمع كجماعات دينية أو تنظيمات متطرفة في سلوكها أو تمردها.
أما اجتياز مرحلة البحث عن الهوية يؤدي بالمراهق لما أطلق عليه إريكسون بالإخلاص والمقصود به العيش في سلام وتناغم مع المجتمع.

المرحلة السادسة: بعد اجتيازك مرحلة المراهقة ستبدأ مرحلة الشباب التي تبدأ من 18 سنة إلى غاية 30 سنة تقريبا, وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحديد سن الشباب وفصله عن مرحلة المراهقة والكهولة تقريبي فقط ويصعب تحديده عكس مراحل الطفولة. إذ من الممكن أن تتجاوز هذه المرحلة 30 سنة وأحيانا قد تبدأ مبكرا جدا قبل 18 سنة أو بعدها حتى.
اختار إريكسون لهذه المرحلة عنوان الحب, ففي هذه المرحلة يكون الشخص في علاقة مع أصدقائه أكثر من أهله وكذا بشركاء بالحب حسب إريكسون طبعا...فالذي يحدد خط الفصل بين سن المراهقة والشباب هو عدم الخوف من تحمل المسؤولية, فالمراهق يخاف خسارة نفسه ولا يرغب في تحمل المسؤولية في حين أن الشاب ليست له هذه المخاوف, وإن وُجدت فهي دليل على عدم نضج الشاب.
فحسب إريكسون قد يقيم المراهق علاقة غرامية فقط لتحقيق هويته وذاته: أنا كبرت, أنا رجل وأحب هذه الفتاة وهي أيضا تحبني...
لكن الشاب لا يُفكر بهذه الطريقة فهو سيدخل علاقة غرامية وهو مدرك أن له هوية وأن لتلك الفتاة هوية أيضا وسيخطط لأبعد من مجرد علاقة غرامية يتبث بها ذاته.
مشاكل هذه المرحلة تتمثل في أن الشخص قد يدخل في علاقات جنسية عشوائية دون أي عمق حقيقي لمعنى هذه العلاقات, في حين قد يعزل الشاب نفسه ويصبح بلا أصدقاء أو أحباب مطلقا.

المرحلة السابعة: الكهولة أو منتصف العمر وهي مرحلة يصعب فيها تحديد السن بالضبط لأنها ترتبط بالحالة الاجتماعية أكثر منها بالحالة البيولوجية, لذا قد تكون تقريبا بين العشرينيات إلى الخمسينيات, وتتمثل المهمة بهذه المرحلة الموازنة بين الركود وامتدادية الجيل, امتدادية الجيل هي ترجمتي الخاصة لمصطلح إريكسون (generativity) أتمنى أن تتقبلوها مني بصدر رحب فالجود من الموجود, أنا لا أدري كيف ترجمها العرب.
إذن امتدادية الجيل المقصود بها أن الشخص يريد أن يصنع له امتدادا للمستقبل وذلك بالإنجاب, فهو يُفكر في هذا الجيل الصاعد الذي ينشئه, وهي مرحلة "غيرية" يفكر فيها الكهل بغيره من أبنائه وأسرته أكثر من الشاب بالمرحلة السابقة والذي ينصب اهتمامه على ذاته وحسب.
حسب إريكسون لا تقتصر امتدادية الجيل على تنشئة الأطفال قد تتمثل في ممارسة التدريس أو الكتابة أو الفن أو الإختراع أو الأنشطة الاجتماعية, أي بمعنى آخر أي نشاط يلبي حاجة هذا الكهل.
المشاكل التي قد يواجهها الشخص بهذه المرحلة تتمثل في أنه قد يبالغ في نشاط الامتدادية, كأن يجهد نفسه في عدة أنشطة ويمارس عدة مهن أو عدة أعمال.
أحيانا قد يطرح الكهل سؤالا على نفسه ما الذي جنيته من حياتي؟ قد يشعر بالرعب من فكرة أنه تقدم في السن ولم يعش حياته ولم يستمتع بها كما يجب فيتحول لمراهق كبير, ويتغير حاله ويرفض عيشته وقد ترى الرجل المتزوج المحترم الذي قضى حياته من البيت للعمل قد صار يرتدي ملابس الشباب وصار يعاكس الفتيات ويقيم العلاقات.
الموازنة بين الامتدادية والرفض ستجعل الشخص يعيش حياته بالشكل المطلوب المتمثل في العناية بالآخرين وبحياته.

المرحلة الثامنة: وهي المرحلة الأخيرة التي يمر بها الإنسان, مرحلة الشيخوخة وهي أيضا بسن افتراضي يحوم حول الستين فما فوق ربما أٌقل وربما أكثر حسب وضع الشخص.
مهمة الشخص في هذه المرحلة هي تطوير تكاملية الأنا مع تقليص اليأس لأقصى حد ممكن, نظرة المجتمع لهذه المرحلة سلبية فهي مرحلة اللاإنتاجية سواء في العمل إذ أنه سن التقاعد أو في الحياة الأسرية لأنه سن اللاإنجاب أيضا.
يمر الإنسان بهذه المرحلة بتجارب الفناء, فهو سيبدأ بفقد أصدقائه وإخوته وزوجته واحدا تلو الآخر ويمر بحالة يأس من هذه الحياة, وبالتالي كرد فعل على هذا اليأس قد يعيش في الماضي ويصير مشغولا بالذكريات يرويها كل حين, أو قد يُشغل بالأزمات التي سبق ومر بها وفشل القرارات غير الصائبة فيصاب بالاكتئاب وأحيانا بالذهان وأعراض الخرف.
أحيانا يتشرب الشخص بهذه المرحلة الحكمة أكثر مما يجب فيتصرف وهو يتجاهل تحديات واقع سنه ومشاكل هذه المرحلة من أمراض ووقت غير كاف للقيام بعدة أمور. وبالمقابل قد يصاب الشخص باليأس ويعيش فقط منتظرا ساعة رحيله.
أما الموازنة بين هذين المتناقضين يجعل الإنسان بهذه المرحلة أكثر حكمة فيتصرف ويضع خططا تناسب مرحلته العمرية دون أن ينسحب كليا من الحياة ودون أن يتحدى ويتمرد على واقع حاله.

إذن في أي مرحلة اجتماعية أنت؟
تذكر أن هذه رؤية إريكسون الشخصية للأمور وبشكل تقديري, قد تكون في سن المراهقة ومتحمل للمسؤولية, أو أن تكون بسن الكهولة وبلا أي مسؤوليات, قد تكون في سن الشيخوخة ربما ومتحمل لمسؤوليات عديدة ومازلت في طور الانتاج.