انتقادات المدرسة السلوكية: هل تُفسر فعلا السلوك البشري؟

8
 
كنا قد رأينا فيما سبق انتقادات مدرسة التحليل النفسي والتي كانت جميعها تناقش مسألة أن علم النفس التحليلي ليس علما أصلا بل مجرد مجموعة من الأفكار الميتافيزيقية والفلسفية التي لا يوجد أي دليل على صحتها من خطئها.
لكن انتقلنا لمدرسة السلوكيين التجريبيين والذين اعتمدوا أسلوب التجربة والملاحظة منهجا لاستنتاجاتهم, وهكذا دخل علم النفس من باب العلوم وصار مع السلوكيين علما وليس مجرد فلسفة وفكرا إنسانيا.
إذن الانتقادات للمدرسة السلوكية ستختلف عن تلك لمدرسة التحليل النفسي, نحن لن نناقش مدى صحة التجارب لأنها متبثة ولكن هل تكفي لتفسير سلوك البشر المعقد؟ هل نحن والحيوانات سيان؟ ما مدى قدرة السلوكيين على تفسير السلوك البشري؟
هنا جزء يسير ومختصر للانتقادات الموجهة لهذا المذهب.

1- المبالغة في تأثير دور البيئة على السلوك:
 بالغ واتسون ومن بعده سكينر في تضخيم دور البيئة على السلوك البشري واعتبرا وبقية السلوكيين المتطرفين أنه ليس بيدنا أي قرار من قراراتنا فنحن لا نخطط لحياتنا ولكننا نتيجة الإشراطات الكلاسيكية والإجرائية أي أن ما نعتبره تخطيطا من عند أنفسنا هو في حقيقة الأمر ما تعلمناه في حياتنا, فسكينر وواتسون يريان أنه من الممكن تشكيل الطفل وتنشئته ليصير أي شيء نريده (طبيبا مهندسا مجرما, مريضا نفسيا إلخ.... ) وبالتالي فالإنسان مسلوب الإرادة ومسير غير مخير, فما نعتقده خيارات لنا في واقع الأمر ليست إلا ما اكتسبناه من تعلم في سنواتنا الماضية.
لا يوافق العلماء من المدارس الأخرى هذا الطرح ويرون فيه تسطيحا وتفسيرا قاصرا للسلوك البشري, فكارل روجرز عالم النفس الإنساني -والذي سنتحدث عنه عندما يحين دوره- يرى أن للإنسان شيئا من الحرية في اتخاذ قراراته بعيدا عن الإشراطات, فنحن كبشر شخصياتنا وسلوكاتنا ليست صنيعة الإشراطات وحدها, كما أنه يرفض الأسلوب التجريبي المتبع من طرف السلوكيين, فحسب روجرز فإن شخصياتنا وسلوكاتنا أعقد من اختزالها في تجربة بمختبر تحت شروط مصطنعة لا تتوافق مع الشروط البيئية الحقيقية المعقدة.
فمثلا بواقعنا المعاش إن أردت أن تطبق قوانين التعلم على الأطفال فإنها لن تأتي دائما بنتائج جيدة, هناك ذلك الطفل الذي مهما عاقبته سيكرر صنيعه, وهناك من الأطفال مهما قدمت له من هدايا ومكافآت لن ينجز أي شيء تطلبه منه.
كما أن العامل الوراثي مستبعد بالنسبة للسلوكيين في حين أنه يلعب دورا جد محوري في تشكيل الشخصية والسلوك, فنحن نرى أطفالا يتصرفون تماما كما كان يتصرف آباؤهم بالصغر وهذا غير راجع لقوانين التعلم بل للعامل الوراثي, فالطفل لا يرث من جينات أبيه وأمه الجسد فقط بل قد يرث بعضا من السلوك والشخصية أيضا.

2- اكتساب اللغة:
فسر سكينر اكتسابنا للغة ونحن أطفال بمبدأ الإشراط الإجرائي, أي بالتعزيز الايجابي والسلبي والعقاب, فالطفل إذا ما نطق كلمة غير صحيحة فإن والداه سينظران إليه بوجه عبوس في حين سيبتسمان في وجهه إن نطق الكلمة بشكل صحيح, وهذا يعزز اكتسابه اللغة بقواعدها المناسبة.
لقد كان نعوم تشومسكي بالمرصاد فنشر انتقادا لهذه النظرية التي لا تبدو مقنعة بالنسبة له.  تشومسكي بيّن كيف أن الأطفال في مختلف أنحاء العالم وبمختلف الثقافات والطبقات الاجتماعية يكتسبون اللغة بشكل تلقائي, وفي واقع الأمر ليس للآباء أي دور في اكتساب الأطفال للغة وإلا كنا رأينا طفلا لا يجيد الكلام لأن والداه لم يمارسا التعزيز الايجابي لتعليمه الكلام, حسب تشومسكي فإنه لدينا استعداد بيولوجي لاكتساب اللغة فالطفل سيتعلم الكلام دون حاجتك لتلقينه أي شيء, أو تصحيح أخطائه, مكافأته أو عقابه, سيتعلم من تلقاء نفسه عن طريق السماع وهذا يدل على أن السلوك البشري ليس دائما حصيلة قوانين التعلم والإشراطات.
كما أنه وحسب تشومسكي دائما فإن اكتسابنا للغة هو في سن جد مبكرة ما بين ثلاث وسبع سنوات, وبعد السبع سنوات يصير من الصعب تعلم اللغة بشكل تلقائي في ظرف وجيز, وهذا ما لم يُفسر سببه سكينر, وكان دليلا بالنسبة لتشومسكي على أن البيولوجيا تلعب دورا في تعلمنا اللغة ولسنا كبقية الحيوانات نصدر أصواتا طورناها بالتعلم لتتحول لغة وإنما هو شيء بجيناتنا وبتركيب دماغنا المستعد لاكتساب اللغة.
3- لا نشبه الحيوان في سلوكنا دائما:
من المؤكد أن السلوكيين يعتمدون على الحيوانات في تجاربهم التي يبنون من خلالها قانونا يعممونه على البشر أيضا, لكن هل دائما سلوك الحيوان ينطبق على البشر؟ أو ينطبق حتى على بقية الأجناس الأخرى؟
لنأخذ كمثال تجربة سكينر المثيرة للحمام الخرافي.
وضع سكينر حماما في علبة فارغة تماما ودون طعام, وكان يقدم لهم طعاما كل حين, فصار الحمام يقوم بتصرفات غريبة من أجل جلب الطعام كتحريك جناحيه أو نقر أركان العلبة إلخ... فكلما شعر الحمام بالجوع قام بذلك التصرف الغريب.
فسر سكينر ذلك على أنها طقوس من الحمام لجلب الطعام, فالحمام لا يدري ماذا يجب عليه أن يفعل من أجل طلب الطعام فيقوم بحركات عشوائية... فاستخرج سكينر من هذا نظرية الحمام الخرافي والتي حاول من خلالها تفسير سلوك البشر اللامنطقي أحيانا ومعتقداته الخرافية, فالمقامر مثلا قد يقوم بتصرفات لامنطقية يعتبرها جالبة للحظ, إذ أنه لا يدري متى سيحصل على المكافآة تماما كالحمام بالعلبة لذا قد تراه لا يُقامر إلا بقميص أحمر مثلا لأنه لما كان يرتدي ذلك القميص في يوم من الأيام فاز بالقمار, أو يحك رأسه لأنه صادف أن حك رأسه يوما ففاز بالقمار.
إن النظرية وإن كانت تبدو شيقة إلا أن بعض الدراسات الحديثة بينت أن سلوك الحمام يقتصر على الحمام وحده, إذ لو وضعت حيوانا آخر غير الحمام بالعلبة فإنه لن يقوم بحركات عشوائية طلبا للطعام كما يفعل الحمام.
إن سلوك الحيوانات لا يمكن تعميمه دائما على كل الأجناس, لأنه سيبقى في آخر المطاف سلوكا يخص كل جنس على حدة ولا يمكن اعتماده قانونا يشمل كل الأجناس, وبالتالي ليس هناك رابط جد قوي بين الحمام الخرافي وسلوك البشر الخرافي.

خلاصة:
لقد كان هذا شيئا جد يسير من الانتقادات الغرض منها أن تفهم مكمن الخلل بالمذهب السلوكي المتطرف, توجد انتقادات أخرى عديدة وكلها تصب في نفس الاتجاه حول التطرف في دراسة السلوك واهمال بقية المعايير المحددة له, بالإضافة لتسطيح النظرة وتبسيط الإنسان وجعله مجرد آلة يمكن برمجتها إن توفرت الوسائل لذلك, في حين أن الواقع أعقد من ذلك بكثير.
لكن هذا لا يمنع أن المذهب السلوكي من أهم المذاهب النفسية إن لم يكن أهمها على الاطلاق.
وهكذا ختمنا مذهب السلوكيين وسننتقل إن شاء الله لعلماء آخرين.

مصادر للتوسع:
 تسجيل صوتي لمناظرة روجرز وسكينر (انجليزي)
انتقاد نعوم تشومسكي لنظرية سكينر اللغوية (انجليزي)
نظرة شاملة لنظريات سكينر والحمام الخرافي (انجليزي)

قوانين التعلم, نظرية ثورندايك

21
إدوارد لي ثورندايك (1874- 1949) عالم أمريكي آخر من علماء نظريات التعلم و علم النفس السلوكي, تُعد مساهماته العلمية جد مهمة ودقيقة من ناحية المنهج التجريبي, فعلى نهج بافلوف سار ثورندايك باستخدام الحيوانات في تجاربه وخصوصا القطط ليستخرج منها احدى أهم نظريات التعلم التي ساعدت لاحقا في تأسيس علم النفس التربوي.
يُطلق على نظرية ثورندايك اسم الترابطية Connectionism فهو يرى أن عملية التعلم هي حاصل الربط بين المثير والاستجابة, تتقوى وتضعف بمدى قوة هذا الترابط.
إليك الشرح الأوفى عبر هذه التجربة:

صندوق متاهة القطة:
أحضر ثورندايك قططا جائعة وصندوقا حديديا لا يُفتح إلا عن طريق سحابة على الحيوان أن يسحبها ليُفتح له الباب ويتمكن من الخروج, وقد وضع ثورندايك طعاما خارج الصندوق لحث القط على الخروج ونيل الطعام.
تتمكن القطط من الخروج بعد عدة محاولات فاشلة, وكان ثورندايك يعيد القطة مجددا للصندوق لتكرر نفس العملية وتخرج من الصندوق ثم يعيدها للصندوق وهكذا, وقد خط مبيانا موضحا تطور أداء القطة الذي يتحسن بعد 117 محاولة على مدى أسبوع, فتتقلص المدة الزمنية التي تستغرقها القطة لفتح الصندوق.

التجريب والخطأ:
استخرج ثورندايك من تجربته عدة شروط لنجاح عملية التعلم لدى القطة ومنها:

1- التعلم عن طريق التجربة والخطأ تصاعدي حيث يتحسن أداء القطة بعد عدة محاولات فاشلة, فكما هو موضح بالمبيان فإن محاولاتهما الأولى كانت تستغرق زمنا طويلا في حين أنه في المحاولات الأخيرة تحسن الأداء وصارت تفتح القطة الباب في ظرف وجيز.

2- من أجل التعلم لابد من حافز, حيث كان الحافز للقطة الطعام الذي يمكنها رؤيته من خلال فتحات الصندوق...وهذا شرط مهم لأن القطة قد لا ترغب في الخروج من الصندوق إن لم يكن هناك حافز وهدف لخروجها, كأن يكون الصندوق بدون فتحات مطلقا يمكنها من رؤية الطعام أو أن تكون غير جائعة.

3- تبدأ القطة فور ولوجها الصندوق بمحاولات عشوائية للبحث عن وسيلة للخروج...حيث أن محاولات القطة الأولى للخروج من الصندوق تتسم بالعشوائية فهي تبدأ باكتشاف الصندوق والسحابة وتجربة عدة طرق لفتح الباب قبل أن تفلح في فتحه بالسحابة.

4- المحاولة الناجحة الأولى للقطة في فتح الباب تأتي بمحض الصدفة...فالقطة لا تعلم أن السحابة ستفتح الباب, هي فقط تجرب كل الطرق ومن بينها السحابة التي تفتح لها الباب.

5- يتعلم الحيوان أخيرا بعد عدة محاولات الطريقة الصحيحة لفتح الصندوق بشكل مباشر دون القيام بمحاولات عشوائية أخرى وبالتالي فتحه في ظرف وجيز...إذ أن القطة بعد أن يضعها ثورندايك مرة أخرى بالصندوق بعد محاولتها الأولى الناجحة لن تسحب السحابة مباشرة بل تبدأ بالتجريب العشوائي مجددا, فالحيوان لا يعلم أن السحابة هي الحل من خلال أول تجربة ناجحة له, ولكن بعد عشرات المرات وبتكرار العملية كل مرة يتبّث الحيوان الحل وعندما يعيد ثورندايك القطة للصندوق للمرة السبعين أو المائة فإنها ستسحب السحابة مباشرة.

قوانين التعلم:
من خلال تجربة صندوق متاهة القطة دائما استنتج ثورندايك قوانين للتعلم وتُعد هذه القوانين هي أساس عمليات التعلم لدى البشر أيضا بالمدرسة.

1- قانون الاستعداد: هذا القانون يعني أنه لابد من وجود استعداد للتعلم, القطة لن تبادر بأي محاولات للخروج إن لم تكن مهتمة ومستعدة للقيام بذلك كأن تكون غير جائعة مثلا ففي هذه الحالة لا يعمل الطعام كمحفز لها للخروج من الصندوق, والرابط بين المحفز والاستجابة غير موجود.

2- قانون الأثر: ويقصد به أن العملية المصحوبة بالاشباع سيتم تكرارها, فالقطة الجائعة عندما تحصل على الطعام بعد فتحها الصندوق ستكرر نفس العملية لكي تحصل مجددا على الطعام ومن تم الشعور بالرضا والارتياح, أما إن لم يكن هناك طعام فإنها قد لا تفتح الصندوق, وبالتالي لكمال العملية لابد من: حافز (الطعام) لتقوية الترابط العصبي بين المثير الذي هو الطعام في حال القطة والاستجابة وهي محاولة فتح الصندوق.
وهذا ما نراه بالسيرك, فمدربوا الحيوانات يقدمون جائزة للحيوان كلما أفلح في القيام بمهمة موكولة إليه عبارة عن قطعة صغيرة من الطعام تعمل كمحفز للحيوان للاستمرار بالقيام بنفس الحركات في كل عرض.

3-قانون الممارسة: يعني أن التمرين والممارسة المستمرة لنفس العمل يؤدي لتقوية ارتباط المثير بالاستجابة والمثير بالتجربة طبعا هو الطعام والاستجابة هي فتح الصندوق, أي أن القطة ستتعلم بالتكرار المستمر, إلا أن الإهمال لمدة من الزمن كفيل بإضعاف هذا الارتباط بين المثير والاستجابة لدى القطة حيث لن تتمكن من فتح الصندوق إن لم تستمر بممارس العملية مدة طويلة من الزمن.

تطبيقات قوانين التعلم لدى البشر:
ربما وأنت تقرأ القوانين كنت تفكر في أنها تطبق على البشر أيضا وهذا صحيح.  فإن الطلاب بالمدرسة لن ينجزوا أي شيء إن لم يكن هناك استعداد من طرفهم ودافع يجعلهم ينخرطون في عملية التعلم, (قانون الاستعداد) فلو اعتبرنا أن طالبا يدرس تخصصا ما وهو يرى أنه لا طائل من دراسته فإن هذا سيؤثر على عملية التعلم لديه, لذا كان لزاما من الأستاذ أن يحضّر الدرس بشكل يجذب الانتباه للطلاب ويجعلهم على استعداد للتعلم كتبيين الآفاق ومنحهم هدفا للتعلم.

الطلاب الذين يحصلون على مكافأة عند عملية التعلم سيعملون بجد أكبر المرة القادمة, قد تكون المكافأة عبارة عن علامات جيدة أو كلاما طيبا وتشجيعا من طرف الأستاذ أو أي شكل من أشكال الاشباع الذي يقود للتكرار من أجل الحصول على المزيد من المكافآت, (قانون الأثر) قد تكون المكافأة من طرف الأهل كأن يقول الأب لابنه: إن نجحت هذه السنة بتفوق سأشتري لك دراجة نارية.
ثم بعد النجاح لا يشتري الأب شيئا لابنه طبعا, أليس كذلك؟
 

العملية التعلمية تكون أجدى بالتمرين والممارسة, فالطالب لن يتمكن من التعلم إن لم يكرر ويتمرن على ما طُلب منه, فأستاذ اللغات قد يمنح الطالب كلمة جديدة أو قاعدة لغوية جديدة ثم يطلب منه أن يكوّن ثلاث جمل أو أكثر تحتوي على هذه الكلمة (قانون الممارسة), وهذا تكرار مجدي يعتمد على التمرين فالتكرار الغير مجدي هو أن يطلب الأستاذ من الطلاب كتابة القاعدة ثلاث مرات كما هي أو حفظها وهذا ما نرى بعض الأساتذة يفعلونه بشكل خاطئ كارثي, لقد كان بعض معلمينا بحسن نية يطلبون منا نسخ القاعدة عدة مرات لتذكرها وفي واقع الأمر هذا لا علاقة له بعملية التعلم بتاتا, فحسب نظرية ثورندايك فالقطة كانت تتمرن كل حين بنفسها تحاول فتح الصندوق ولم يكن يضع احدى أطرافها على السحابة بشكل متكرر لفتحها لأنها أبدا لن تتعلم بالتكرار الغير المجدي.

وأخيرا أتركك مع فيديو تمثيلي لتجربة ثورندايك: