التعاطف العاطفي والتعاطف المعرفي

10
كثيرا ما نردد عبارات من قبيل أنا مدرك لشعورك, أنا أفهم جيدا ما تمر به...وغيرها من العبارات, وفي أحيان أخرى قد نشعر بالحزن والأسى من مصاب شخص, أو نفرح لفرحه, وكلها حالات تدل على تعاطفنا وتقمصنا الوجداني.
التعاطف هو قدرة الإنسان على الشعور وإدراك مختلف الحالات العاطفية التي يمر بها الغير من حزن وأسى وغضب وفرح في مختلف المواقف, للتعاطف أهمية كبيرة جدا في حياتنا فنحن كبشر كائنات اجتماعية نحتاج بعضنا البعض, لذا يلعب التعاطف دورا جد محوري في التعايش فيما بيننا.

إن كُسرت ساق أحدهم ووقع أرضا أمامك يصرخ ويتلوى ألما فإنه لو سبق ومررت بتجربة كسر العظم ستشعر بألمه وكأن تجربة الكسر تمر بها مجددا وأنت تشاهده يتألم, لكن لو لم يسبق لك أن تعرضت للكسر فإنك رغم ذلك ستفهم أن هذا الشخص على الأرض يشعر بألم شديد, أنت حينها لن تشعر بألمه حقيقة ولاتعرف إحساسه لأنه لم يسبق لك أن اختبرته لكنك مع ذلك قادر على فهمه وتقديره.
وبالتالي التعاطف أو ما قد يسمى أيضا التقمص الوجداني نوعان: تعاطف عاطفي كما بالحالة االأولى وتعاطف معرفي كما بالحالة الثانية.

 التعاطف العاطفي:  أن تشعر بشعور الآخر, أنت ستحس بالألم أو الفرحة أو الغضب الذي يشعر به الطرف الآخر لأنك ستتقمصه عاطفيا وستتخيل نفسك مكانه وتشعر بشعوره.

التعاطف المعرفي: أن تدرك وتتفهم ما يمر به الشخص وبالتالي تتعاطف معه معرفيا, أنت لم يسبق وأن مررت بالتجربة كما أنك غير قادر على الشعور بشعوره.

غالبا ما نتعاطف عاطفيا مع من يشبهنا, ولنضع مثالا كلاسيكيا نصادفه كل مرة وهو صراع الزوج والزوجة, فلو أن زوجة قتلت زوجها بسبب المشاكل ستتعاطف النساء مع المجرمة وسيتوقعن أن الزوج كان سيئا معها مما دفعها لقتله, هن إذن تعاطفن معها لأنها امرأة مثلهن, في حين لو أن زوجا قتل زوجته بسبب المشاكل سيتعاطف الرجال مع المجرم وسيعتبرون صنيعه نتيجة تنكيد الزوجة عليه عيشه وإفقاده صوابه.

يتعاطف الإنسان بشكل أكبر مع من يشبهه سواء الجنس (تعاطف النساء مع النساء والرجال مع الرجال) أو مع عرقه وديانته ومجموعته بشكل عام, فأنت لو رأيت إنسانا غربيا أشقر يتعرض للتعذيب ستتعاطف معه بشكل أقل من تعاطفك مع إنسان عربي بملابس عربية يتعرض للتعذيب لأنه من نفس جماعتك ويذكرك بنفسك وأهلك.
وكملاحظة مهمة  فإنه وإن كان لا يد لنا في تحديد مقدار تعاطفنا العاطفي مع الآخرين, إلا أنه يمكننا التحكم في ردات فعلنا وأحكامنا المسبقة.
إفتقار التعاطف:
يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا بالذكاء العاطفي.
لا نتعاطف مع الآخرين جميعا بنفس المستوى, قد يحزنك بشدة مصاب أحدهم وقد يشعر شخص غيرك بحزن بسيط في حين قد لا يشعر آخر بالحزن مطلقا, لذا تم تطوير عدة اختبارات لتحديد مقدار التعاطف العاطفي, والجدول بالأسفل مجرد مثال يحتوي عينة من أسئلة أحد الاختبارات التي تضم 60 سؤالا:

الأسئلة
تعاطف
افتقار للتعاطف
1- أجد من السهولة وضع نفسي مكان الآخر
نعم
لا
2- أنا جيد في توقع كيف سيشعر الآخر
نعم
لا
3- أكتشف بسهولة ما إذا كان فرد من أفراد المجموعة يشعر بعدم الارتياح بيننا
نعم
لا
4- يخبرني الآخرون أنني جيد في فهم مشاعرهم وكيف يفكرون
نعم
لا
5- أجد صعوبة في معرفة التصرف الصحيح بالمواقف الاجتماعية
لا
نعم
6- من الصعب أن أدرك لماذا بعض الأمور تجعل الآخرين غاضبين
لا
نعم
7- أحيانا أجد صعوبة في اكتشاف ما إذا كان تصرف ما قليل الأدب أم حسن
لا
نعم
8-  أحيانا يخبرني الآخرون أنني بلا مشاعر, ولا أعرف لماذا
لا
نعم

  
يعد افتقار التعاطف سبب العنصرية والتنمر والعديد من الجرائم والتعذيب والاغتصاب...
في احدى الدراسات تم قياس التعاطف لدى الأمهات اللائي قمن بتعنيف أبنائهن فتبين أن 80 بالمائة منهن يفتقرن للتعاطف, ولقد كان فيما مضى يتم ربط تعنيف الأمهات لأبنائهن بالقلق والتوتر والضغط النفسي, لأن تصريحاتهن وتبريرهن للتعنيف دائما كان يدور حول أن الطفل مشاغب جدا ويسبب لهن ضغطا نفسيا, في حين أنه ليس بمبرر بالنسبة للأمهات ذوات مستوى التعاطف الطبيعي.
لذا عد افتقار التعاطف مؤشرا جد مهم لتوقع تعنيف الأطفال من قبل آبائهم مستقبلا.

بعض الاضطرابات النفسية تتميز بافتقار شديد في التعاطف مما يجعل أصحابها قادرين على أذية الآخرين كاضطراب الشخصية النرجسية والشخصية المضادة للمجتمع ومصابي اضطراب الشخصية الحدية...وغيرها من الاضطرابات النفسية.
الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات النفسية بالطفولة يكبرون ليصيروا أقل تعاطفا مع الآخرين لأن عقلهم يركز على الذات أكثر من تركيزه على الآخر من أجل حماية صاحبه من صدمات مجددة, فيقوم بإخماد التعاطف معهم.
أيضا يتم رصد افتقار التعاطف لدى بعض مرضى التوحد.
العاملون في مجالات الرعاية, كدور الحضانة والصحة ودور رعاية المسنين وغيرها من المجالات, يصابون بإرهاق عاطفي جراء عطائهم العاطفي المستمر لذا يقوم العقل بإخماد التعاطف, فكثيرا ما يصف الناس بعض الممرضين أوالأطباء بالقسوة, هم ليسوا قساة ولكن من المستحيل أن يتعاطف الإنسان مع عشرات الحالات التي يصادفها بشكل يومي, لذا قد يبدو للمريض أن الطبيب أو الممرض يتصرف معه كحالة وليس كإنسان يرغب بالتواصل والتعاطف.
نحن نطور التعاطف في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر التطوير إلى غاية النضج الكامل لذا يتميز المراهقون بافتقار التعاطف مقارنة بالشباب لأنهم بمرحلة تطوير شخصياتهم, فتركيزهم منصب حول ذواتهم, وهذا سبب يدفع عددا كبيرا من الأطفال والمراهقين لأذية زملائهم بالمدارس.
وإن كانت هذه الأسباب وغيرها تؤدي لافتقار التعاطف إلا أنها لا تبرر أذية الآخرين بالتأكيد.

هل يمكن تغذية التعاطف؟
يعد التعاطف العاطفي أهم من التعاطف المعرفي, وهو ما يتم قياسه بالاختبارات إذ أن التعاطف العاطفي هو الدافع والحافز للفرد في مساعدة الآخر وعدم أذيته بالفعل والقول, قد لا يفتقر الشخص المضاد للمجتمع للتعاطف المعرفي ومع ذلك سيعمل على أذية الآخرين لأنه لا يشعر حقيقة بمشاعرهم بل يدركها فقط.
ومع ذلك لا يجب الاستهانة بالتعاطف المعرفي كونه يمكن اكتسابه بسهولة ويمكن للفرد السوي تفهم مختلف الحالات التي تتطلب تعاطفا, ولنضرب مثال مريض الاكتئاب فإن البعض قد لا يتعاطفون معه بسبب عدم قدرتهم على تفهم حالته, إلا أن الملم بمرض الاكتئاب قادر على إدراك حالته جيدا وتفهمها ومن تم التعاطف معه معرفيا...قد يقود التعاطف المعرفي للتعاطف العاطفي.

بسبب الأهمية العظمى للتعاطف بالمجتمع فإن بعض الدول المتقدمة تقوم بتغذية التعاطف لدى الأطفال بالمدارس, إذ يمكن أن يكتسب الإنسان التعاطف.
سنجد مثلا بالأديان وبالدين الاسلامي خصوصا تأكيد وحث على التعاطف مع الآخرين, يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا مع الأخلاق, نبذ العنصرية والتمييز وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه", هو حديث يصب ضمن خانة التعاطف.

الإلحاد أو اللادينية, أنواع الملحدين

6
مما لاشك فيه أن ظاهرة الإلحاد صارت جلية بمجتمعاتنا العربية مع التقدم التكنولوجي الحاصل وتوفر المعلومة حيث صار من الممكن رصد الظاهرة التي كانت متخفية قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات فصار من الممكن للملحدين التعبير عن أفكارهم بكل أريحية تحت أسمائهم الحقيقية أو المستعارة, وخلق تجمعات افتراضية لهم.

ليس هناك إحصاءات رسمية لمدى انتشار هذه الظاهرة بالعالم العربي لأنها محاطة بالكتمان من طرف أصحابها عكس بقية المجتمعات التي يسهل فيها الإحاطة بالظاهرة, وبالتالي فإن أغلب الأرقام التي تخرج بها بعض المنظمات هنا وهناك عن هذا البلد العربي أو ذاك تكون غير واقعية وغير دقيقة, كما أن إجراء الاحصاءات عن طريق الانترنت غير موثوق لأنك دائما ستخرج بعينة اختيارية غير حقيقية.

قد يحدث لك كمؤمن أن تراودك الشكوك وتؤرقك التساؤلات حول بعض الأمور المتعلقة بصحة الدين ووجود الله, وهذا أمر جدا طبيعي, وتعدّ جزء لا يتجزء من الطبيعة البشرية, فحتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعظمه ففي صحيح مسلم أن أبا هريرة قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه : إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, فقال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم, قال: ذاك صريح الإيمان... وفي الصحيحين عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته. 

اقرأ عن اضطرابات الوسواس القهري

أسباب الإلحاد من الناحية الاجتماعية جدا متعددة ومتشعبة كالواقع السياسي للدول العربية, والحروب والتطرف الديني إذ عرف العالم ظهور فلسفات إلحادية على مر العصور نتيجة الحروب وتردي الأوضاع كالوجودية إبان الحرب العالمية الثانية...
 يلعب الانترنت وسهولة الحصول على المعلومات دورا محوريا في انتشار الظاهرة, فأغلب الملحدين هم من الشباب الذكور إذ تشير الإحصاءات الغربية أن ثلثي الملحدين هم ذكور من الذين يتميزون بمستوى ذكائي وثقافي مرتفع فإلحادهم "غالبا وليس دائما" هو حصيلة الاطلاع المستمر على الكتب والبحث المستمر, وقد يستهجن البعض كلامي معتبرين الإلحاد "غباء".
 تزوير الحقائق والإحصاءات يريح أعصابهم ويطمئنهم بأن معتقدهم صحيح مادام الآخر يطلق عليه لقب غبي, حتى لو كان عبقريا...

لا علاقة للمنطق بما يدخل ضمن نطاق الإيمانيات والروحانيات, فالأمر مرتبط بنهج أسلوب تفكير مختلف والذي لا يكون بالضرورة صائبا, فلو افترضنا أن مجتمعا كل أفراده من الملحدين فإن المواليد الجدد سينشؤون على الإلحاد أيضا وسيكون الكل ملحدا سواء بذكاء مرتفع أو منخفض أو بتخلف عقلي, ولكن بضعة أفراد من هذا الوسط سيبذلون جهدا فكريا ويطلعون على الكتب ويعتنقون دينا ما, هم إذن أشخاص بذكاء جيد لأنهم بذلوا مجهودا فكريا ونبذوا إلحاد آبائهم, ولن نرى أبدا في هذا الوسط المتخيّل شخصا بذكاء منخفض يبذل مجهودا فكريا ويطرح تساؤلات فلسفية ليخرج بنتيجة ما صائبة كانت أو خاطئة...لايهمنا هنا النتائج لأن الذكاء غير مرتبط بفعل الصواب بهذا الخصوص...وكمثال فحتى القتلة المتسلسلين يتميزون بذكاء عال مقارنة مع الناس الأسوياء, وهذا لا يعني أن سلوكهم صائب.
طبعا هذا مجرد مثال ولا أساوي بين الملحد والمجرم.
لنتعرف الآن على ما يُطلق عليه الجميع إلحادا, والذي في واقع الأمر يتخذ أشكالا عدة, فلكل شخص تجاربه ومعتقداته ومنطقه الخاص الذي يختلف عن الآخرين, إلا أن القاسم المشترك بينهم جميعا أنهم "لادينيون".
أنواع اللادينيين عديدة بتعدد معتقدات البشر:

-الربوبية Deism: هي فلسفة يؤمن أصحابها بوجود إله خالق للكون ولكنه لا يتدخل أبدا في شؤون الكون الذي خلقه, هم لا دينيون يرفضون الأديان قاطبة هم يؤمنون فقط بوجود إله للكون ولا يؤمنون بأي شيء آخر, ولا بكون هذا الخالق يحتاج لأن يُعبد.
ينتشر الربوبيون في العالم العربي بشكل كبير ويتم إطلاق لقب ملحد عليهم, ويعتبر البعض أنهم يدّعون إيمانهم بالله فقط تقية ولكنهم في واقع الأمر يرفضون الأديان ولا ينكرون وجود خالق, إذن هم ليسوا بمسلمين ولا مسيحيين ولا يهود ولا أتباع أي دين آخر..

- الشكوكية Skepticism: هم أشخاص أقل منزلة من الربوبيين من ناحية الإيمان بخالق للكون فهم بين الإلحاد والإيمان, يسعون للتفكير والتشكيك في وجود الله من أجل الوصول للحقيقة حسب اعتقادهم, قد يكون الشكوكي مؤمنا فعلا وقد يكون غير مؤمن ولكنه يترك الباب مواربا لطرح مختلف التساؤلات التي يفسّرها الجميع على أنها إلحاد, وهي قد تكون إلحادا فعلا ولكنها بالنسبة لأصحابها قد تكون غير ذلك.

- اللاأدرية Agnostic: بمعنى "لا أدري" ويمكن القول أنه اتجاه فلسفي عكس الشكوكية قد حسم مسألة الإيمان بالله بعبارة "لا أدري" حسب اعتقادهم لا يمكن إثبات أو نفي وجود إله ولا سبيل لتأكيد وجوده أو نفي وجوده وبالتالي فالإنسان لا يدري, وحسب اعتقادهم أيضا أنه لربما قد يتوصل الإنسان لإجابة بالمستقبل ويثبت أو ينفي وجود إله.
حسب اعتقادي الشخصي فإنني أزعم أن وجود اللاأدريين بالعالم العربي ضعيف, لأن هذا النمط من التفكير عموما في شتى المجالات وليس فقط في الدين غائب بالمجتمعات العربية.

- الإلحاد Atheism: المستوى الأعلى من اللادينية وهي تضم الأشخاص الذين ينكرون وجود خالق للكون بالمطلق, هم لا يؤمنون بوجود إله.

هذه إذن أهم أنماط اللادينية والتي قد تصادفها والآن لنفصل سلوك هؤلاء الأنماط بالمجتمعات العربية.

في واقع الأمر فإن الملحد قد يكون أخا أو صديقا أو جارا ولكن لا أحد يعلم بحقيقة معتقده لأنه يحتفظ به لنفسه كي لا يقع في مواجهة مع أسرته وأصدقائه, قد يلجأ البعض لتجمعات مصغرة تضم مختلف الملحدين أو أن يلجؤوا للانترنت للتعبير عن أفكارهم.
سلوك الملحد العربي يختلف عن الملحد الغربي أو الآسيوي, لأن الثقافة التي ينشأ فيها الفرد تلعب دورا في بلورة الاعتقاد والسلوك, لذا بشكل عام لا يحترم الملحدون العرب معتقدات الآخرين عكس الملحدين بثقافات أخرى, نحن بلدان متخلفة سواء كان العربي مسلما أو ملحدا يغلب عليه طبع عدم احترام معتقد الآخر والسخرية منه, أحيانا نرى مفكرين عرب لادينيين يسخرون من المتدينين ويصمونهم بالتخلف والرجعية في كتاباتهم التي تكون شبه خالية من الأفكار, في حين أن المفكر الغربي الملحد يدرس مسألة التدين بموضوعية وبعلمية ويكون كتابه غنيا ومفيدا للجميع سواء وافقه أو لم يوافقه...
عموما فإن حوارات الملحدين العرب تكون عنيفة من كلا الطرفين: المؤمن والملحد, وتكون عبارة عن تبادل للشتائم بدل تبادل للفكر.

سأقوم بتصنيف هؤلاء الملحدين العرب حسب تجربتي الشخصية وحسب ما لمسته, سواء بحياتي الواقعية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

- لاديني إنساني: هو صنف تجده ينادي بالحب وفعل الخير ومحارب لكل أشكال التمييز فيدعوا للمساواة بين الجنسين وحفظ حقوق المثليين وتراه نشيطا في الأعمال الخيرية والإنسانية, إلحاد هذا النوع يكون بالعادة نتيجة اعتقاده أن الأديان "ظالمة" لذا تجده في الغالب "ربوبيا" يؤمن بإله محب لا يعذب أحدا, ويمكنك لمس هذا بشكل جلي في حواراته التي تركز على ما يراه "ظلما" بالدين حسب اعتقاده, ويكون أسلوبه في الحوار عادة مباشرا دون لف أو دوران.

- لاديني علمي: صنف نبذ الأديان نتيجة إقتناعه الشديد بأن العلم يجيب على كل التساؤلات وأن الأديان حسب اعتقاده "لامنطقية" وتعارض العلم, هذا الصنف يكون مستوى ذكائه جيدا بالغالب, فهو قادر على الالمام بمختلف أنواع العلوم والاطلاع على مختلف النظريات, ويكون بالعادة "ملحدا" لا يؤمن بخالق مطلقا أو "شكوكيا" ويتميز في حواراته بتسفيه "الأديان" والسخرية من معتقدات المؤمنين.

- لاديني فلسفي: وأحيانا متحزب كأن يكون شيوعيا ملحدا, أو ليبراليا أو عدميا أو أيا كان الفلسفة أو الايديولوجيا التي يحملها, يكون في العادة إلحاده نابعا عن قناعاته الشخصية وفلسفاته الذاتية ويتميز إلحاده بالشكوكية وتراه يطرح أفكارا تدعوا للتساؤل والتشكيك في المعتقدات والتشريعات ووجود الله, يتميز أسلوب حواره باللف والدوران فهو غير مباشر في التعبير عن وجهات نظره بل يحاول أن يجعلك تشكّ في معتقدك, وهذا نابع من اعتقاده أن ما يثير شكوكه هو, سيثير شكوكك بالضرورة.

- لاديني غير مكثرت: هو لاديني ينبذ الأديان لأنه وببساطة لا توافق هواه, قد يقدّم نفسه أحيانا على أنه "مسلم" لكنه سيرفض أي شيء يصنّف على أنه من الدين, فهو سيطلب منك أن تتوقف عن تلاوة الخرافات إن كنت تقرأ القرآن الكريم مثلا, أو أن يطلب منك عدم إضاعة الوقت في الصلاة ... لا يبذل جهدا في التفكير حول صحة الأديان من عدمها, قد تراه يزين سيارته بآية الكرسي, أو قد لايصوم رمضان لكنه سيحتفل بالعيد لأن أجواءه تروقه, هو غير مهتم بالجانب الفلسفي أو العلمي, هو سيتصرف ويؤمن بما يتوافق مع هواه.

إذن هذه تصنيفات حسب تجربتي الشخصية وحسب الأفراد الذين صادفتهم بحياتي وقد لا ينطبق هذا التصنيف إلا على فئة قليلة صادفتها أنا, ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم هذا التصنيف على الجميع, فهناك لاديني علمي ويحترم معتقدات الآخرين ولاديني فلسفي وصريح في عرض أفكاره...إلخ

الجانب النفسي:
لربما لاحظت عزيزي القارئ أن الشخص الأكبر سنا يركز على الدين بشكل أكبر مقارنة مع الشاب الأصغر سنا, بل قد يميل عدد من الشباب الملحدين المتشددين للروحانيات بعد تقدمهم بالسن, فهل هذا صحيح؟
تشير احدى الدراسات التي أجرت استقصاء لما يفوق 700 ألف شخص على مدى ثلاثين عاما في 80 دولة مختلفة ولمختلف الشرائح المجتمعية, أن الإنسان يميل لأن يكون أقل روحانية وتمسكا بالدين بسنوات شبابه في حين يركزعلى الدين بعد تقدمه بالسن, وقد رصد هذا الاختلاف في المجتمعات الغربية بشكل أكبر حيث تعج الكنائس بالآحاد بالمتقدمين بالسن وقد كان يفسّر الأمر على أن هؤلاء العجزة ترعرعوا منذ البداية في فترة زمنية كان الدين فيها مايزال ذا شأن, فظلوا محافظين على التزاماتهم الدينية, إلا أن الدراسة بينت أن البعض فعلا يصير أكثر روحانية بتقدمه بالسن ويفسّر العلماء السبب على أنه تمهيد للنفس البشرية على العبور من الحياة إلى الموت بسلام, حيث يصير أمله أكبر في عيش حياة أخرى بعد الممات.

ولتفسير هذه الروحانية علميا, اعتبر العلماء على مر السنوات وجود منطقة بالدماغ البشري مسؤولة عن الجانب الروحاني وقد أطلق على هذه المنطقة "God Spot" حيث انكبت الأبحاث حول محاولة تحديد هذه المنطقة بدقة بالدماغ, إلا أن أبحاثا أخرى اقترحت عدم وجود نقطة محددة مسؤولة على الجانب الروحاني بل أن الأمر جد معقد ومتداخل تلعب فيه كل فصوص الدماغ دورا, قام جونستون بدراسة حالة 20 شخصا مصابا بالفص الجداري الأيمن من الدماغ تبين أن الجانب الروحاني لديهم قد تنمّى وصاروا أكثر روحانية, وقد فُسّر الأمر على أن الجانب الأيمن من الدماغ مرتبط بالتوجه نحو الذات في حين أن الجانب الأيسر مرتبط بالتوجه نحو الآخرين, وكلما انخفض نشاط الجانب الأيمن كلما صار الشخص أقل تركيزا نحو ذاته وبالتالي روحانيا, كما حدث بالمصابين الذين ازدادت روحانيتهم...وقد قال جونستون المشرف على الدراسة "وبما أن أبحاثنا تبين أن الأشخاص الذين يعانون من قصور بالفص الجداري الأيمن هم أكثر روحانية، فهذا يشير إذن إلى أن التجارب الروحية ترتبط بانخفاض التركيز على الذات, وهذا يتفق مع العديد من النصوص الدينية التي تنصح الناس على أن يركزوا أكثر على رفاه الآخرين وليس على أنفسهم".

إذن بشكل عام سواء وُجدت منطقة God spot أم لم توجد, فإننا كبشر نُعدّ كائنات روحانية بالفطرة, يرتبط الجانب الروحاني لدينا ارتباطا وثيقا بالصحة النفسية, لذا ينصح البعض الملحدين بممارسة اليوغا لخلق التوازن, بل إنك ترى انصراف عدد كبير منهم نحو فلسفات الشرق الأدنى, أو الارتباط بالأرض كما جاء بدراسة جونستون, أو نحو الصوفية بالعالم الاسلامي, للحاجة لملئ فراغ وهوة بالنفس.

أزمة الهوية ومراحل تطور الهوية

13
أزمة الهوية مصطلح يتكرر كل حين في وسائل الإعلام ولابد وأنك سمعت أو قرأت عنه هنا وهناك.
هو مصطلح صاغه عالم النفس إريك إريكسون حيث اعتبره تحديا من تحديات مرحلة المراهقة ويعدها من بين أهم مراحل حياة الإنسان التي يحاول فيها اكتشاف أناه وذاته وهدفه من الحياة.

ما هي الهوية؟
عمل عالم النفس جيمس مارسيا على إتمام عمل إريكسون وذلك بالتركيز أكثر على مرحلة المراهقة وأزمة الهوية وتفصيلها بشكل أدق.
يعرّف مارسيا الهوية على أنها بناء داخلي يشيّد من طرف الشخص ذاته وتمثل مجموع المعتقدات والقدرات والدوافع وتاريخ الفرد, وكلما كان هذا البناء متينا كلما كان الفرد أكثر وعيا بأوجه التفرّد والتشابه مع الآخرين, كذا نقاط قوته وضعفه في شق طريق حياته بهذا العالم...في حين كلما كان هذا البناء ضعيف التشييد كلما كان الفرد مشوشا حول ما يميزه عن الآخرين وكلما صار أكثر اعتمادا على مصادر خارجية لتقييم ذاته واكتشافها.
يرى مارسيا أن بناء الهوية ديناميكي وغير تابث فهو يتغير كل حين في مراحل حياتية شتى, فتضاف عناصر جديدة لهذه الهوية وتُزال أخرى, فالإنسان دائم البحث والاكتشاف.
إلا أنها تتحدد معالمها الكبرى بسن المراهقة كونها مرحلة عمرية فاصلة بين الطفولة وسن الرشد وهي تعرف تقلبات مزاجية وهرمونية تمهيدا لمرحلة الشباب والمسؤولية والاكتمال الجسدي والنفسي, لذا هي تعرف أسئلة وجودية يطرحها المراهق باستمرار على نفسه لتحديد أناه وهويته, وتعرف مرحلة المراهقة المتأخرة أو سنوات الشباب الأولى تقريبا حوالي 18 سنة إلى 22 سنة ذروة الاكتمال لهذه الهوية.

تطور الهوية:
لدراسة مراحل تطور الهوية ابتكر مارسيا مقابلة شخصية لتحديد هوية هؤلاء الشباب الذين من المفترض أن يعيشوا ذروة اكتمال هوياتهم وأزماتها محاكيا بذلك نموذج إريكسون وقد قسم مراحل الهوية لأربع مستويات هي (تحقق الهوية, تأجيل الهوية, إعاقة الهوية, تشتت الهوية) يعتمد فيهما على بعدين اثنين هما: الاستكشاف والالتزام. حيث يمثل الاستكشاف الأسئلة التي يطرحها الشاب على نفسه حول هويته وماهيتها في حين يمثل الالتزام الاختيارات التي ينهجها الشاب في شتى المجالات, في كل قسم من الأقسام الأربع يعرف المراهق أو الشاب أزمة هوية ويحاول تجاوزها.

1- تحقق الهوية Identity achievement: تمثل أعلى مستويات الاستكشاف والالتزام معا حيث تكون للشاب رؤية واضحة عن هويته وأهدافه والقيم والمبادئ التي يحملها فهو سيتحدث عن معتقدات دينية كجزء من هويته أيا كانت هذه المعتقدات, سيكون لديه توجه سياسي مثلا وإنتماء فكري أو فلسفي...هو تمكن من استكشاف ذاته وصارت له ذاته وأناه التي تميزه كفرد بالمجتمع مستقل بكيانه, سيتمكن من تعريف ذاته وتوجهاته بكل ثقة... كما أنه ملتزم بخياراته وأهدافه الواضحة والتي قد تكون متعددة.
هو إذن يعرف من يكون ويعرف ما يريد. 

مثال: أحمد شاب مسلم مقتنع بمعتقده له جنسية عربية يعتز بها, كما أنه سياسيا ذو توجه رأسمالي ويدعم هذا الخيار, هو يعبر عن اهتمامه بدراسة الاقتصاد والتجارة بالجامعة لأنه يرغب في إدارة عمله الخاص, كما أنه يحمل أفكار فلسفية وقيما ذاتية يحاول تطويرها كل حين.
مثال آخر: كريستين فتاة لا دينية فهي مقتنعة بأن ليس هناك دين يجب إتباع تعاليمه كما أنها تحمل جنسية أوربية تعتز بها وإنتمائها لها, هي ناشطة بيئية وتنتخب المرشح الذي برنامجه يدافع عن البيئة أيا كان توجهه السياسي, تود دراسة علوم البيئة كما أنها نباتية وتحمل قيما وفلسفات منبثقة من توجهها البيئي.

إذن كانت هذه مجرد أمثلة تعبر عن تحقق الهوية سواء وافقت أم لم توافق توجه أحمد وكريستين, لأن تحقق الهوية ليست حول ما الصحيح وما الخاطئ, بل حول هل لك هوية أم لا, هما قد اكتشفا هويتيهما والتزما بها وبالتالي فهما يعرفان ما يودانه في حياتهما. الوصول لهذا المستوى ليس بالأمر الهين بل هو نتيجة الاستكشاف المقترن بأزمة بالهوية التي مر بها الفرد.

2- إعاقة تكوين الهوية Foreclosure: تمثل مستوى ضعيفا في الاستكشاف وعاليا في الالتزام حيث أن الشاب يسلك منحى سلبيا في استكشاف ذاته, فهويته مكتسبة من وسطه العائلي ومجتمعه المحيط به كما أنه ملتزم بهذه الهوية المكتسبة, فهو يدين بدين أسرته ومحيطه الاجتماعي ويمارس نفس الطقوس الدينية, وإن سألته لماذا يفعل هذا أو ذاك فإنه سيجيبك أن هذا ما يجب فعله وأن الكل يفعله أي أن قناعته ليست نابعة من ذاته, كما أنه سياسيا قد يتبع ما هو سائد وما يراه واجبا عليه اتباعه, وقد يحدد له وسطه العائلي مساره الدراسي, وبقية القيم والمبادئ التي تكون مكتسبة من الوسط الخارجي لا من قناعاته الذاتية, وهو رغم ذلك فهو ملتزم بها, أي أنه لا يواجه أزمة هوية, ولم يمر بها.

مثال: كريم شاب مسلم اعتاد توزيع الصدقات كل يوم جمعة كما هو دأب أفراد أسرته على مر عقود, كما أنه سياسيا يدعم حزبا اشتراكيا لأن جده كان من بين رجالاته, هو يود أن يصير طبيبا لأن هذا حلم والدته ولأنها المهنة الأفضل بمجتمعه.

إذن كريم يعاني من إعاقة في تكوين هويته الذاتية المستقلة عن محيطه الخارجي, وهو ملتزم بهوية مكتسبة لم يستكشفها بنفسه, ولا يواجه أي أزمة هوية.

3- توقيف أو تأجيل الهوية Moratorium:  عكس إعاقة تكوين الهوية فإن توقيف الهوية تمثل مستوى عاليا في الاستكشاف وضعيفا في الالتزام وهي تعبر عن مرحلة يمر فيها الفرد بأزمة الهوية, فالشاب يطرح عدة تساؤلات يتركها مفتوحة بلا إجابة سعيا للاستكشاف, هو غير ملتزم بهوية محددة لأنه مازال يبحث مؤجلا هويته, يريد أن يعرف من هو تحديدا ويعيد النظر في معتقداته وإنتماءاته, كما أنه ربما لم يحدد هدفه في هذه الحياة وما يرغب في أن يفعله.

مثال: أسماء غير مقتنعة بعادات وتقاليد أسرتها, هي تحاول استكشاف ما يصلح منها, كما أنها لا تعرف ماذا تود أن تصير بالمستقبل بعد التخرج من الثانوية, لذا تسأل وتبحث عن شتى التخصصات ولم يعجبها ما اختاره لها والداها.

مثال آخر: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الثاني من قصيدة الطلاسم
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!


أسماء بالمثال لديها استكشاف عال لهويتها إلا أنها لم تلتزم بعد بهوية محددة هي تؤجل هويتها لحين التزامها وقد تحصل على مبتغاها وقد تعاني من أزمة بالهوية فلا تلتزم أبدا وتبقى في دوامة الاستكشافات. 
الشاعر بقصيدة الطلاسم يطرح أسئلة وجودية هو يحاول استكشاف ذاته وماهيتها وتاريخها ككائن بشري.
من بين الأمثلة الحية أبناء الجنسيات المختلفة أو الديانات المختلفة الذين يجدون أنفسهم في عزلة ببلد ولدوا فيه, فيكون إنتماؤهم مشوشا ألبلدهم الأم أم لبلدهم الذي ولدوا فيه أم لكلاهما مع اختلاف الثقافات, فالقيم التي يتلقونها بالبيت ليست هي القيم التي يصطدمون بها  بالشارع.

4- تشتت الهوية Identity diffusion: طبعا هي تمثل مستوى ضعيفا بالاستكشاف وضعيفا بالالتزام أيضا, فالشاب في هذا المستوى يعاني من هوية مشتتة هو لا يحاول استكشاف ذاته ولا معتقداته ولا أهداف محددة له, يعيش اللحظة وحسب, سلوكه بالحياة سلبي, فهو يدرس لأن عليه أن يدرس وليس له تخصص محدد يود دراسته بالجامعة, قد يكون بديانة ما لمجرد أنها ديانة ولد بها, ليس له رأي محدد في كثير من جوانب الحياة المهمة, يعيش فقط لأنه حي يرزق.

مثال: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الأول من قصيدة الطلاسم
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

الشاعر بالمقطع الأول من قصيدة الطلاسم يعبر عن حالة من العدمية التي قد تمثل بشكل أو بآخر عن تشتت الهوية, فهو يعيش ولا يعلم شيئا عن هدفه من الحياة ولا من وجوده ويسير في طريق أبصره أمامه وحسب لا هو سعى إليه ولا اختاره.
وهذا مجرد مثال للتوضيح وحسب فلا تأخذ شعر إليا أبو ماضي على أنه فعلا يمثل حالة تشتت الهوية.

في أي مستوى أنت؟
 حسب مارسيا فقد يمر المراهق بهذه المراحل الأربع جميعا أو مرحلتين فقط أو قد لا يمر بأي مرحلة من هذه المراحل, وتمثل مرحلة تحقق الهوية هي المرحلة الأكثر نضجا والتي يجب على الشاب السعي للوصول لها.
والآن ماذا عنك؟
في أي مرحلة تجد نفسك؟

اضطرابات الجسدنة: آلام جسدية, شلل وعمى وهمي

2
لوحة للفنان الروسي فازيلي بولينوف بعنوان المرأة المريضة عام 1886

تتمحور اضطرابات الجسدنة حول أعراض جسدية يشعر بها المصاب دون أن يكون لها أي أصل بيلوجي, إذ تظهر التحاليل والفحوصات السريرية أنه خال تماما من الأمراض العضوية التي قد تؤدي لتلك الأعراض, إذن هي أعراض ذات أصل نفسي, قد تصيب عضوا أو أكثر بالجسد وتكون مصاحبة بالقلق, الجهل المطبق بهذا الاضطراب يقود المصابين وأهليهم للاعتقاد أن ما يعاني منه المصاب سحر أو عين.

تندرج عدة اضطرابات تحت مسمى اضطراب الجسدنة ولكل منها أعراضها الخاصة ويمكن تقسيمها لفئتين:

1- اضطرابات بأعراض جسدية حقيقية بالنسبة للمريض:

اضطراب الجسدنة:
اضطراب يتميز باختبار المصاب لعرض أو عدة أعراض جسدية تكون معيقة للحياة وتستحوذ على تفكيره وتصيبه بالقلق بشأنها وهو ينتشر بشكل أكبر بين الطبقات الفقيرة التي تعاني من أزمات اجتماعية واقتصادية كما أنه يصيب بشكل أكبر النساء ذوات التعليم المنخفض أو الغير متعلمات وتظهر الأعراض مبكرا بسن المراهقة والشباب وتبقى مرافقة للمصاب طول الوقت.
قد يطال الألم أي عضو بالجسد وقد يرافق المريض عرض واحد فقط أو عدة أعراض:
- آلام بالصدر, خفقان بالقلب, ضيق بالتنفس
- آلام بالذراعين أو الساقين
- صداع بالرأس
- نزيف حاد أثناء فترة الطمث بالنسبة للنساء أو عدم انتظام الدورة الشهرية
- آلام بالأمعاء, إمساك أو إسهال
- غثيان
- وهن عام بالجسد أو آلام بشتى أنحاء الجسد

يلجأ المريض للأطباء للكشف عن حالته إلا أن الجميع يؤكد له أن التحاليل والفحوصات تؤكد سلامته الجسدية وأن ما يعاني منه لا أصل له, إلا أن المريض لا يتقبل هذه الحقيقة لأن الألم الذي يشعر به حقيقي ويكون شديدا عليه, أو أن الاسهال مزمن أو النزيف كثيف بالنسبة للمرأة المصابة, ويكون مصاحبا بقلق شديد اتجاه الصحة, مما يجعل عددا كبيرا يفسر الأمر على أنه سحر, وأحيانا يتم اتهام المريض بالكذب واختلاق الأعراض من طرف الأهل خصوصا إن كان المصاب مراهقا.

اضطراب التحويل أو الهستيريا التحولية:
الهستيريا التحولية هو اضطراب من اضطرابات الجسدنة حيث يتمحور حول الجسد أيضا والمقصود أن الاضطراب النفسي يتحول لاضطراب جسدي, إلا أنه يختلف عن اضطرابات الجسدنة كونه يصيب الجهاز الحسي أو الحركي للمصاب فيصيبه بالعجز, وعلى غرار اضطراب الجسدنة فهو يكثر بصفوف الطبقات الفقيرة ذات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وبين صفوف النساء ذوات التعليم المنخفض خصوصا الشابات.
تتميز أعراضه أن الشخص يصاب إما بشلل باحدى ساقيه أو ذراعيه أو كلاهما بحيث يصير عاجزا جزئيا أو تماما عن تحريكهما أو أن يصاب في احدى حواسه كالعمى أو الصمم أو فقدان حاسة الذوق أو حاسة الشم, أو صعوبة بالكلام أو فقدان النطق, أو أن يصاب بحالات صرع وتشنج دون أن يكون لأعراضه أي أصل بيلوجي فالطبيب سيؤكد سلامة الأعصاب الحركية والحسية وسلامة العضو, فطبعا يلجأ الأهل للعلاج الروحاني سواء الرقية الشرعية أو حتى الشعوذة لأنه بالغالب يكون اضطرابا منتشرا بين صفوف الفئات الغير متعلمة والفقيرة والتي ليس لها إمكانية دفع تكاليف العلاج السلوكي المعرفي للأسف, وتكرس بعض وسائل الإعلام الجهل بهذا الاضطراب بإظهار حالات على أنها شفيت بالشعوذة والطلاسم.
الأسباب:
تبقى الأسباب مجهولة إلا أن للصدمات النفسية ولسوء البيئة التي ينشأ بها الطفل أثرا بالغا في تطوير الاضطراب بسن المراهقة بسبب الأجواء المشحونة والقلق المستمر حيث يتم تفسير الاضطراب على أن العقل يقوم بتصدير الآلام النفسية التي يشعر بها نحو الجسد فتصير آلاما جسدية, هو يواجه ضغطا كبيرا وقلقا ومعيشة سيئة لذا يشتد الألم النفسي فيتحول لجسدي.
وكثيرا ما يكون الاضطراب مصحوبا باضطراب تفارقي.

لا يجب الخلط بين اضطراب الجسدنة والاضطرابات النفسية الأخرى كنوبات الهلع مثلا, لأن هذا الأخير أعراضه حادة جدا وتستمر بضع ثوان أو دقائق, يشعر فيها المصاب أنه يموت, إلا أن اضطراب الجسدنة هو حالة جسدية تستمر طول الوقت لأشهر عديدة أو حتى سنوات بشكل أقل حدة.

2- اضطرابات جسدية غير حقيقية ومختلقة:

اضطراب القلق من المرض:
عكس الجسدنة فإن اضطراب القلق من المرض لا يشعر فيه المريض بأي ألم أو أي أعراض جسدية حقيقة إلا أنه يصاب بقلق شديد حيال صحته ويبالغ في أي عرض بسيط يصيبه بشكل معيق للحياة اليومية ومزعج لمحيطه, فهو قد ينظر للمرآة فيرى بثرة بوجهه فيهوّل منها ويزور الطبيب بشأنها, هو مهووس طول الوقت بصحته ويحاول أن يؤكد للآخرين أنه مريض فعلا, قد يشعر بألم خفيف ببطنه فيصير طريح الفراش, أو يلجأ للطبيب ليؤكد له أنه مريض, رافضا فكرة أنه يعاني من اضطراب نفسي,  لذا هو غالبا ما يلقى تجاهلا من طرف أسرته وأصدقائه نتيجة هذه الشكوى المستمرة من أعراض طفيفة حيث يصير مصدر إزعاج بالنسبة لهم.

لايجب الخلط بين هذا الاضطراب وبين الوسواس القهري, إذا أن المصاب بالوسواس يقلق من أن يصاب بالمرض مستقبلا, هو يقصد الطبيب خوفا من أن يكون ما يشعر به مرضا خطيرا فيطمئنه الطبيب فيشعر بالراحة مؤقتا, هو يريد أن يطمئن للأبد, عكس مصاب اضطراب القلق من المرض الذي يحاول إقناع الطبيب ومحيطه أنه مريض فعلا ويحتاج لعلاج.
عكس اضطرابات الجسدنة ينتشر هذا الاضطراب بين النساء والرجال على حد سواء بتفاوت بسيط.

اضطراب المرض الافتعالي:
ويعرف أيضا بمتلازمة مونخهاوزن اضطراب يعد أحيانا خطيرا على صحة المصاب أو أسرته, حيث أنه يختلق ويكذب بشأن صحته, فقد يضع الضماد على يده أو يشتري عكازا ليوهم الآخرين أنه مريض لإثارة انتباههم وشفقتهم, أو أن يزور شهادات طبية أو أن يتظاهر بالمرض, وهو يفعل ذلك بشكل متكرر بحيث يعرف الجميع أنه مريض بشكل مزمن أو يعاني كسورا وجروحا بشكل متكرر.
أحيانا يعمد المصاب لإثارة شفقة الآخرين وانتباههم عن طريق أحد أفراد أسرته, ويعرف في هذه الحالة باضطراب المرض الافتعالي بالوكالة, فيجبر ابنه على وضع الضماد أو البقاء طريح الفراش والتغيب عن المدرسة.
 أحيانا يبلغ الاضطراب مبالغ جد حادة حيث يبدأ المصاب بإمراض نفسه فعلا بابتلاع مواد سامة أو جرح نفسه أو خلق كسور بجسده ومن تم زيارة المستشفى والأطباء بشكل متكرر وهو دائم البحث عن أعراض الأمراض لاختلاق أعراض مشابهة سواء له أو لأبنائه.

ينتشر الاضطراب بشكل كبير جدا بالولايات المتحدة الأمريكية وهو منتشر بين صفوف الأمهات, وكثيرا ما يتم تجسيده بالأفلام, حيث تعمد الأم على إمراض ابنها لجلب الانتباه والشفقة إليها من طرف العاملين بقطاع الصحة أو من طرف المحيطين بها, وكثيرا ما تقود هذه المحاولات لموت الطفل.
 آخر القصص المثيرة أن فتاة كانت تجبرها أمها طوال عشر سنوات على استخدام الكرسي المتحرك وتناول أدوية أدت لتدهور صحتها ولتساقط أسنانها وحلق شعرها كي توهم الآخرين أنها مصابة بسرطان الدم, حتى لصارت تبدو عجوزا وهي بسن المراهقة فأقدمت الفتاة بمساعدة صديقها على قتل أمها, وانتهى بها الأمر بالسجن طبعا.

بالعالم العربي لا وجود لاحصاءات لهذا الاضطراب لأنه محاط بالجهل المطبق ولأنه يصعب تقبل فكرة أن الشخص يمرض نفسه أو فلذة كبده دون أن تكون أعراض ذهانية بادية على محياه, فالناس اعتادوا أن يكون الاضطراب النفسي (جنونا) أي أن يكلم الشخص نفسه وبملابس متسخة ويقوم بتصرفات غريبة (أعراض الفصام), يستحيل عليهم تصديق أن أما حنونا طيبة ومحبة لجيرانها وأسرتها تعمد على إمراض ابنها بنفسها, كما أن المصاب نادرا ما يلجأ للعلاج النفسي.

طبعا المصاب مسؤول عن أفعاله كامل المسؤولية فهو يفعل ذلك بإرادته التامة وبالتالي فهو يقع تحت طائلة للعقوبات الجاري بها العمل إذا تبث تعريضه لحياة أو صحة شخص ما للخطر.

علاج اضطرابات الجسدنة:
يتركز العلاج بالتقويم السلوكي المعرفي, إذ لا تنفع الأدوية إلا في حالة مرافقة الاضطرابات لأعراض القلق أو الاكتئاب, التي تفيد كثيرا في التخفيف من أعراض الجسدنة في حين يعالج افتعال الأمراض بالعلاج السلوكي المعرفي وهو يتطلب مواكبة طويلة الأمد لأن المصاب قد لا يستجيب وقد يستمر في محاولاته للفت الانتباه بأذية نفسه أو غيره.

الاستسقاط, باريدوليا والتحيز التأكيدي: روابط من العدم

6
الاستسقاط (apophenia) هي رؤية وصنع روابط بين أمور لا رابط حقيقي فيما بينها, وهي ظاهرة يفعلها الجميع بتفاوت.
صاغ المصطلح عالم النفس الألماني كلاوس كونراد أثناء وصفه أعراض السكيزوفرينيا حيث اعتبر الاستسقاط من ضمن الأعراض الأولية لمرضى الفصام (السكيزوفرينيا) فمرضى الفصام يميلون للمبالغة في الاستسقاط.

ما هو الاستسقاط؟
صنع الروابط مهمة جد ضرورية لنا كبشر للبقاء على قيد الحياة, فالأم مثلا التي تسمع بكاء رضيعها قد تربط بكاءه بجوعه لأنها لم تطعمه, والشخص الذي يدلف إلى منزله فيرى النافذة مفتوحة وبعض الأغراض ناقصة فهو سيربط ما يراه باحتمال تعرضه للسرقة ويأخذ حذره من اللص الذي قد يكون ما يزال بالمنزل.
إذن نحن نقوم بصنع روابط بشكل جد طبيعي ويومي سواء في حياتنا اليومية الروتينية أو في الأمور الأكثر تعقيدا كحل التمارين بالمدرسة أو العمل أو نسج النظريات العلمية أو الاختراعات التكنولوجية...إلخ.

إلا أن الاستسقاط يمثل المبالغة في ممارسة خلق الروابط ورؤيتها في أمور لا رابط بينها, وهو خطأ نقع فيه جميعا بشكل طبيعي, وأحيانا إن كان جد مبالغ فيه فهو قد ينبؤنا بشخصية ذهانية تعاني من الفصام أو اضطراب الشخصية الشبه فصامية مثلا أو غيرها...
 للاستسقاط أنواع عديدة تندرج تحت مسماه, دعونا نتعرف على بعضها:

باريدوليا Pareidolia:
الباريدوليا هي رؤية معاني في أشياء لا تحمل أي معنى كرؤية الوجوه في الجمادات والصور والسحب.
هل يمكنك رؤية الوجوه بهذه الصور؟
أغلب البشر يمكنهم رؤية الوجوه بهذه الصور, وإن كنت تذكر صورة الوجه بالمريخ فقد أثارت ضجة بين العامة, رغم أن الصور الملتقطة من زاوية أخرى لهذه التكتلات لا تظهر وجها بالمطلق.
نحن خلقنا لنتعرف على الوجوه, كبقية الكائنات لدينا تلفيف بالمخ مسؤول على التعرف على الوجوه إذ أننا لا نتعلم أن هذا الذي نراه وجها بل ندركه غريزيا, الرضيع سينظر إلى عينيك مباشرة دون أن تخبره أنهما عينيك, سترى حيوانا أول مرة في حياتك ولكنك ستتعرف على وجهه والحيوان سيتعرف على وجهك أيضا وستراه ينظر في عينيك مباشرة...قد تصاب هذه المنطقة بالمخ فيستحيل على المصاب التعرف على الوجوه ويصير لديه ما يسمى "عمى تعرف الوجوه"
الدماغ لدينا يشتغل كآلة لذا هو إن بدا له ما يشبه الوجه سيمدك بمعلومة أنه وجه تماما كما بالصور بالأعلى, بل إن أبسط تفصيل كخط ودائرتين سيخبرك دماغك أنه وجه 0_0

الأمر ذاته بالنسبة لرؤية أمور ألفناها, كصور بعض الحيوانات بالأشجار أو لفظة الجلالة "الله" بالخضر والفواكه أو اسم "محمد" بالأحذية والزرابي, هي رسوم كتابية اعتدنا رؤيتها وصارت جد مؤلوفة لنا ولها حمولة دينية مهيبة بأنفسنا لذا فدماغنا مستعد لرؤيتها في كل شيء.
يقع العديد من الناس في هذا الفخ فتراه ينشر صورة ما يشبه الوجه بشجرة مرفوقة بعبارة "سبحان الله!" طبعا سبحان الله دائما وأبدا ولكن ما تراه بالشجرة مجرد خطوط عشوائية ألف دماغك على أن يتعرف فيها على الوجوه, ونفس الشيء بلفظ الجلالة "الله" واسم "محمد" عليه الصلاة والسلام وصورة المسيح أو العذراء مريم بالنسبة لأتباع الديانة المسيحية الذين يرون صور المسيح والعذراء عليهما السلام في كل شيء نظرا لأنهم اعتادوا على الصور والتماثيل المجسدة لهما, فنحن كمسلمين لن نرى صور المسيح أو العذراء بالخضر والفواكه وهم كمسيحيين لن يروا لفظ الجلالة "الله" واسم "محمد" بالخضر والفواكه والأحذية.
الانحياز التأكيدي:
الانحياز التأكيدي هو نوع من أنواع الانحيازيات المعرفية وكما يشير اسمه فالمقصود به أن الشخص ينحاز لمعتقد يؤمن بصحته مسبقا فيبحث فقط عما يؤكد صحته مع إهمال البحث عما يعارضه.
يؤدي الانحياز التأكيدي للوقوع بالاستسقاط حيث يبدأ الفرد بصنع روابط بالمعطيات المتوفرة لديه لتأكيد صحة معتقده.
مثلا قد تفكر في شخص فيصادف أن يتصل بك في حينه, وهي حالة كثيرا ما تحدث لنا إلا أن هناك من يتوقف عندها طويلا كظاهرة غريبة...في واقع الأمر أن عدد المرات التي تفكر فيها بذلك الشخص فلا يتصل أبدا كثيرة جدا ولكنك تنسى الأمر برمته فأنت لن تتساءل بينك وبين نفسك: لقد فكرت فيه ولم يتصل! كما أن عدد المرات التي يتصل فيها بك كثيرة أيضا دون أن يسبق ذلك تفكير فيه, إلا أن تلك المرات القليلة التي "يصادف" أنك تفكر فيه فيتصل ستتوقف عندها كظاهرة غريبة رغم أنها مجرد صدفة.
وبالتالي فالشخص قد يبحث عما يؤكد صحة هذه الظاهرة فيحصي لك عدد المرات التي فكر فيها بشخص فاتصل به, لكنه أبدا لن يحصي لك المرات التي فكر فيها بشخص فلم يتصل أو اتصل دون أن يفكر فيه وهي أضعاف مضاعفة, لأنه منحاز تأكيديا.

قد يحذرك البعض من زيارة بلد ما لكثرة السرقة هناك, أنت عند زيارتك لذلك البلد إن شهدت حادث سرقة فإنه سيتأكد لك كلام من حذرك في حين أنه حادث واحد فقط مقابل حوادث عدة شهدتها في بلدك, فلأنك منحاز تأكيديا فأنت تريد تأكيد فكرة مسبقة ومعتقدا منسوجا بذهنك حول السرقة بهذا البلد.

الانحياز التأكيدي فخ يقع فيه العلماء بكثرة, فمدرسة علم النفس التحليلي الكلاسيكية مثلا تعج بالأمثلة, كنظرية يونغ للتزامنية والتي تعد مثالا واضحا للباريدوليا, فيونغ يفسر الصدف على أنها محملة بالمعاني التي علينا اتباعها... الأمر ذاته بالنسبة لزلات أو منزلقات فرويد والتي يُحمّل فيها زلات اللسان معاني لاواعية عديدة, وكثيرة هي اختبارات علم النفس التحليلي المبنية على الاستسقاط كتحليل النصوص والرسوم ورؤية المعاني خلفها, في حين أنها قد لا تحمل أي معنى بالمطلق كأمثلة على تأثير الباريدوليا والانحياز التأكيدي.
الأمر ليس مقتصرا على مدرسة علم النفس التحليلي بل يتعداه لشتى المجالات, فكثير من العلماء ينحازون تأكيديا لنظرية من النظريات يبحثون عما يؤكد صحتها.
أنت إن اعتقدت بصحة نظرية ما فستبحث عما يؤكدها ولن تبحث عما ينفيها, وسترسخ كل يوم صحتها بذهنك, تماما كمثال البلد الذي تكثر به السرقة, لأن عددا كبيرا من الأشخاص يعتقدون بصحة النظريات إما لأنها تروقهم أو تجيب بعضا من التساؤلات التي تؤرقهم, فقد يدافع ويحامي بعض من الملحدين نظرية التطور ليس كنظرية علمية بل لأنها تجيب سؤالا مطروحا في أذهانهم, الأمر ذاته ينطبق على المعتقدات الدينية, فالذي يعتقد بصحة دينه سيقرؤ كتبا تؤكد له صحة معتقده تماما كالملحد الذي سيقرأ الكتب التي تؤكد صحة عدم وجود إله.

الانحياز الاختياري:
هو خطأ يقع فيه البعض أحيانا عند إجراء مقارنات إحصائية, أي أن أجري إحصاءات قد تبدو صحيحة ظاهريا لكنها خاطئة من حيث أن العينة تكون اختيارية وغير عشوائية سواء بقصد تحت تأثير الانحياز التأكيدي أو دون قصد.
مثلا أريد أن أجري دراسة إحصائية للمقارنة بين الرجل والمرأة, فأذهب للمستشفى جناح مرضى القلب وأطلب من بعض الرجال هناك أن يقوموا ببعض الحركات الرياضية, ثم بعد ذلك أذهب لناد رياضي نسائي وأطلب من الرياضيات هناك أن يقمن بنفس الحركات الرياضية التي طلبتها من مرضى القلب, ثم أخرج بالاحصاءات كالتالي: 100 رجل و100 امرأة تمكن رجلان من إتمام الحركات الرياضية في حين تمكنت كل النساء من إتمام الحركات الرياضية إذن قوة تحمل المرأة أكبر من قوة تحمل الرجل.

أو كمثال آخر أجري فيه دراسة حول أعداد الأميين بالبلد فأذهب للجامعة وأوزع الاستمارات على الطلاب أسألهم فيها: هل تجيد القراءة والكتابة؟ لأحصل على نسبة مائة بالمائة.

قد تبدو لك الأمثلة ساذجة ومضحكة ويمكن تجنبها إلا أنني تعمدت التطرف قصد التفسير فكثيرا ما يقع المرء في فخ الانحياز الاختياري دون أن يدري, لأنه يصعب اختيار عينة عشوائية فيبدأ بصنع الروابط والاستنتاجات من قاعدة بيانات مغلوطة من الأساس.

خلاصة:
إذن هل سبق ووقعت في فخ الاستسقاط؟ لابد وأنك فعلت ذلك مسبقا فجميعنا بشر ويصعب علينا التحكم في أدمغتنا التي تقودنا كآلات مبرمجة.
الهدف هو التقليص قدر المستطاع من الانجراف خلف تأثير الاستسقاط سواء الباريدوليا أو الانحياز التأكيدي, ليصير حكمك على الأفكار والمعتقدات ذو أساس متين.

ثقافة لوم الضحية

4
ثقافة لوم الضحية, ثقافة منتشرة في كافة أرجاء العالم بحيث لا يختلف الأمر كثيرا بين شعوب دول العالم الثالث وشعوب العالم المتقدم.
يفضل البعض إلقاء اللائمة على الضحية إن كان ما حدث لها من جرم يمكن على حسب تقديرهم الاحتياط منه, هم في واقع الأمر يضعون أنفسهم مكان الضحية لأنها تشبههم, بمعنى أن رجلا ترك سيارته مفتوحة سيلقي عليه الجميع باللائمة على تعرضه للسرقة لأنهم يحرصون دائما على إقفال سياراتهم, في حين أن هذا الرجل أهمل ممارسة روتين يومي ممارس من طرفهم وارتكب ما يجعله "يستحق" السرقة.
هم لا يلومون السارق لأنه بنظرهم سارق ومجرم وبالتالي لومه لا معنى له, كما أنه لا يشبههم فهو شخص شاذ عن قواعد المجتمع وبالتالي لا يمكن توجيه خطاب اللوم إليه.

ولتفصيل الموضوع أكثر ومحاولة فهمه سأقسمه لأجزاء قد لا تتعلق بشكل مباشر بظاهرة لوم الضحايا, لكنها حسب تقديري من الضروري إقحامها هنا بدل تخصيص موضوع مستقل بشأنها, لذا سأنثرها بشكل عشوائي.

1- لوم الفرد عند وقوعه بمشكل بدل البحث عن حل:
لوم الطرف الذي وقع بمشكل أسلوب ينتهجه الأهل بشكل كبير جدا لدرجة تنفّر الأبناء من التواصل مع آبائهم وأهلهم بشكل عام, فعند وقوع الابن بمشكل فهو يفضل التكتم عليه أو طلب مساعدة أصدقائه كي لا ينال التوبيخ واللوم من الأهل على ما حصل له.

وكمثال فقد يطلب الأهل من ابنهم عدم الزواج من فتاة ما فيرفض طلبهم ويقع بعدها في مشاكل معها, هو لن يستشير والديه بشأن هذه المشاكل لأنهم سيرددون عبارات من قبيل: أرأيت؟ أنت لم تسمع الكلام!
المشكلة تكمن في أن الأهل قد يعملون فعلا على حل مشكلة ابنهم ولكنهم سيرددون كل حين أنهم كانوا على صواب وهو على خطأ, وهذا ليس له أي فائدة بالمطلق سوى تأزيم الوضع وإضعاف أواصر المودة والتقارب, فالابن يعلم أنهم كانوا على حق وقد نال درسا تعلم منه وبالتالي هو ليس بحاجة لسماع التوبيخ واللوم, لأن من طبيعة الإنسان أن يبحث عن مبررات للدفاع عن نفسه عندما يتعرض لهجوم من طرف الآخرين, هو سيحاول إقناع نفسه هو ذاته أنه لم يكن مخطئا, أي أن مفعول اللوم في هذه الحالة عكسي.

إذن كنصيحة, إن استشارك أحد المقربين أو الأصدقاء في حل مشكل أنت تعلم أنه كان من الممكن له تجنبه فلا تلمه مطلقا وبدل التركيز على المشكل وكيفية حصوله وطرح أسئلة من قبيل: ومتى حصل هذا؟ وأين كان عقلك حينها؟
ركز في حل المشكل وقل له: حسن دعنا نحاول إيجاد حل لهذه المشكلة.
لأن وقوعه بالمشكلة درس بحد ذاته وهو لا ينتظر منك أن تقدم له دروسا إضافية لأنها لن تفيده في شيء بل ستجعله ينفر منك واللجوء للغرباء لحل مشكلته.

2- لوم الضحية على حدوث جريمة:
يركز الأفراد عادة على الضحية أكثر من تركيزهم على الجريمة والمجرم, فهم سيلومون الضحية على ما حصل لها تماما كما بالأمثلة السابقة التي يلوم فيها الأهل والأصدقاء مقربيهم على وقوعهم في المشاكل.
فلو قرت خبرا من قبيل أن رجلا ترك باب منزله مفتوحا ليلا ثم نام فتعرض منزله للسرقة فإنك على الأرجح ستلوم الرجل على ترك باب منزله مفتوحا وسيردد عدد كبير من القراء عبارات من قبيل "يستحق".
رغم أن الجرم هنا ليس جرم الضحية بل جرم السارق ولا أحد يستحق أن يُرتكب جرم بحقه لأنه لم يحمي نفسه بالشكل الكافي من المجرمين.
الرجل أخطأ بترك باب منزله مفتوحا من ناحية تقصيره في حماية ممتلكاته ونفسه, ولكن تقصيره ليس جرما يستحق نيله للعقاب.
3- الخلط بين حدثين منفصلين:
كثيرا ما يلوم الأفراد الضحية على ما حصل لها نتيجة ارتكابها لخطئ لا علاقة له بالجرم, فبدل التركيز على الجريمة يتم التركيز على وقائع يربطها البعض بالجريمة.
كخبر فتاة كذبت على أهلها وأخبرتهم أنها ذاهبة لمقابلة صديقتها في حين أنها ذهبت لتقابل صديقها وفي طريقها إليه اعترض سبيلها مجرم واعتدى عليها.
هنا سيلوم قراء الخبر الضحية لأنها كذبت وذهبت لتقابل صديقها رغم أنه لا علاقة لهذه التفاصيل بالحادث الذي وقع لها, إذ أن المجرم سيعترض سبيلها حتى لو كانت ذاهبة للتسوق.
خطأ الفتاة منفصل تماما ويشكل موضوعا آخر لا يمكن إقرانه بالجريمة التي وقعت لها.

4- الخلط بين ما هو مشكل اجتماعي وفردي:
أحيانا يتم الخلط بين المشاكل الاجتماعية والمشاكل الفردية, إذ عند تحليل مشكل ما اجتماعيا يتم إلقاء اللائمة على الظروف والبيئة والمسؤولين الغير مباشرين في إنماء هذه الظاهرة والذين فعلا يلعبون دورا في تغذية المشكل.
كمثال: تفشي الإجرام بين الطبقات الغير متعلمة, أو إنجاب عدد كبير من الأطفال بوسط فقير.
على المستوى الاجتماعي فإننا عند إلقاء نظرة عامة على مجتمع ما فنرى أن هناك إجراما متفشيا, ونتحدث حينها عن أن السبب كامن في فشل منظومة التعليم بالبلد وتكريس الجهل من قبل مسؤوليه, قد يجادل أحدهم ويخبرك أنه يعرف أناسا كثرا غير متعلمين لكنهم واعين ومتحضرين, وبالتالي فإنه لا علاقة بين التعليم والإجرام.
هذا خلط بين دراسة مشكل اجتماعي وأسبابه وبين مشاكل الأفراد التي يستحقون عليها العقاب, فنحن عندما نقول أن فشل التعليم بهذا البلد هو سبب تفشي الإجرام فنحن لا نبرر لهؤلاء المجرمين جرمهم بل نشرح أسباب ظاهرة إجتماعية, أي أنه لو تم إلقاء القبض على مجرم ما فإنه سيعاقب على جرمه ولن يبرر صنيعه للقاضي على أنه ضحية فشل منظومة التعليم.

بالمقابل هناك من يلوم الأفراد على مشكل اجتماعي, كإنجاب عدد كبير من الأطفال بوسط فقير, والتي تعد ظاهرة مجتمعية معروفة بكل بقاع العالم, كلما كان البلد أكثر تحضرا كلما انخفض النمو الديموغرافي به, في حين كلما كان البلد فقيرا كلما عرف نموا ديمغرافيا متسارعا.
البعض قد تزعجه هذه الظاهرة فيلقي باللائمة على الفرد الفقير الذي أنجب عددا كبيرا من الأفراد, في حين أن لومه لا يجدي نفعا لأن الموضوع مرتبط بالوعي والتعليم الجيد والمستوى المعيشي المرتفع الذي تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها فيه وليس الأفراد.

لماذا لوم الضحية؟
 الآن دعونا نحاول فهم لماذا يلجأ أناس كثر للوم الضحية بدل المجرم, ولنأخذ مثال الرجل الذي ترك باب سيارته مفتوحا والفتاة التي تعرضت للاعتداء.
- الضحية تشبهنا: كما سبق وأشرت في المقدمة فإننا نلوم من يشبهوننا ومن يتصرفون تصرفا نحن نحرص على ألا نتصرفه, لذا سيلوم سائقوا السيارات الرجال الرجل الذي ترك باب سيارته مفتوحا أكثر من النساء في حين ستلوم النساء الفتاة التي خرجت لمقابلة صديقها أكثر من الرجال...وهذا بشكل عام.
فنحن نضع أنفسنا مكان الضحية لاشعوريا ثم نلومه على إهماله واستهتاره.

- التركيز بالخبر على الضحية: يركز راوي الخبر على التفاصيل المرتبطة بالضحية أكثر من المجرم مما يجعل تركيز سامع أو قارئ الخبر يميل للوم الضحية بدل المجرم المجهول, ودعوني هنا أروي خبر الفتاة التي تعرضت لاعتداء بأسلوب مغاير.
(اعتاد شاب منحرف على تعنيف والديه لمده بالمال لشراء المخدرات القوية وقد أقدم في واضحة النهار على اعتراض سبيل فتاة والاعتداء عليها)
إذن الآن وقد ركزت التفاصيل على المجرم بدل الضحية فإنك ستتعاطف مع الضحية وستلوم المجرم على تصرفه, فأنت لا تعرف إلى أين كانت ذاهبة تلك الفتاة وقد لا يهمك مطلقا أن تعرف, فلو طلبت منك أن تتمهل قبل الحكم على المجرم ودعوتك للتعرف إلى أين كانت تلك الضحية ذاهبة فإنك لن تلقي لكلامي بالا لأنه بنظرك تفصيل غير مهم.

نحن نسمع دائما رواية الضحية الذي يروي لنا تفاصيل الاعتداء عليه أو تعرضه للسرقة وبالتالي يكون موجها لفوهة الانتقادات أكثر من المجرم الذي يكون مخفيا عن الأنظار, إذ أننا لا نسمع رواية المجرم أبدا إلا بعد إلقاء القبض عليه.
وهذا ما تفعله الصحف أيضا وهو التركيز على تفاصيل الضحايا, فوسائل الإعلام لا تقتصر على نقل الخبر فقط بل هي في واقع الأمر صانعة للخبر وموجّهة لنا حيث شاءت تسرد لنا الخبر من زاوية تجعلك تتعاطف أو لا تتعاطف مع الضحية حسب رغبة صانع الخبر.
كمثال الرجل الذي نسي باب منزله مفتوحا ليلا وتعرض للسرقة والذي قد يُروى بتفاصيل إضافية تجعلك تتعاطف مع الرجل (تعرض رجل طاعن بالسن ومصاب بالازهايمر للسرقة بعد أن نسي باب منزله مفتوحا ليلا) 

خلاصة:
إذن كخلاصة تذكر دائما أنه عليك استحضار فكرة (لوم الضحية) ومحاولة عدم الوقوع في فخها عند قراءة أو سماع أي خبر, لأن ما حصل قد حصل ولوم الضحية لا يختلف عن التشفي المنهي عنه.

ما الفرق بين السحر والمرض النفسي؟

3
سأتحدث عن موضوع أراه مهما بسبب تخبط ومعاناة عدد كبير من المرضى, لست هنا لأفتي ولا لأتحدث في أمور عقائدية لأن هذا ليس هدفي, بل هدفي هو محاولة فهم بعض المشاكل الصحية المرتبطة بالسحر أو التي يعتقد أصحابها أنها مرتبطة بالسحر ومحاولة حلها.

أنواع السحرة والمشعوذين:
ممارسوا السحر والشعوذة كثر وأغلبهم من الرجال وزبائنهم من النساء, يلجأ بعض الأشخاص لامتهان السحر والشعوذة لما لها من مكاسب مالية طائلة دون أن يكون ما يمارسه سحرا حقيقة.
هناك أشخاص عاديون لا يعرفون شيئا عن السحر ولا يفقهون شيئا عنه, لكنهم يدعون امتلاكهم لقدرات سحرية كأي نصاب بالعالم يريد كسب المال, فالسحر ليس وظيفة مقننة ولا تحتاج لمزاولتها شهادة أكاديمية تتأكد من صحة قدرات حاملها السحرية وبالتالي فليس كل ممتهن للسحر بساحر فعلا, بل هو باب مفتوح لكل من هب ودب من الجشعين الذين يستغلون سذاجة وقلة إيمان بعض النسوة لما تغدقه عليهن من أموال.

أنواع السحر وعلاجه:
اطلعت على فتوى بن عثيمين رحمه الله فوجدت أنه يقسم السحر لنوعين وهذا كلامه باختصار:
"السحر ينقسم إلى قسمين :
الأول: عقد ورقى، أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى الإشراك بالشياطين فيما يريد لضرر المسحور....
الثاني : أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور ، وعقله ، وإرادته ، وميله وهو ما يسمى عندهم بالعطف ، والصرف ، فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء والصرف بالعكس من ذلك ، فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئاً فشيئاً حتى يهلك ، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه."


سنتحدث عن النوع الثاني أولا, حيث تستخدم فيه أدوية وعقاقير لا يتدخل فيها لا جن ولا عفريت ولا أي قوى خارقة وإنما هي مجرد مواد كيميائية تعمل على تسميم الضحية.
أي بشكل أوضح فإن الساحر في هذه الحالة سيمد الضحية بسموم يتناولها أو يستنشقها أو تلمس جلده ليمتصها فتؤثر على وظائف جسده.

أعراض التسمم:
المواد المستخدمة في السحر النوع الثاني -الذي ما هو إلا عملية تسميم- عديدة ولا تعد ولا تحصى فكما علمنا فباب امتهان السحر مفتوح لكل من هب ودب ويمكن لأي ساحر أن يمد الزبون بأي مواد سامة ربما هو ذاته لا يدرك فتكها لجهله بها.
في الغالب تكون سموما عصبية, Neurotoxin ذات مفعول مدمر للجهاز العصبي فتظهر على الضحية أعراض شبيهة بأعراض الاضطرابات النفسية.
يمكن للسموم العصبية أن تأخذ عدة أشكال فنجدها على هيئة معادن كالزئبق والليثيوم وكادميوم وغيرها الكثير.. أو كأعشاب وطحالب أو حشرات وحيوانات أو أي مصادر أخرى...كما يمكن للضحية أن يتسمم عن طريق تناول هذه السموم أو استنشاقها أو احتكاك الجلد بها حسب نوع السم, وقد يحدث التسمم بتعرض المصاب لجرعات صغيرة من المادة بشكل متكرر مدة طويلة من الزمن.

ومن الأعراض الشائعة التي قد تحدثها هذه السموم العصبية نذكر:
- اكتئاب وقلق واضطرابات بالنوم وكوابيس.
- تغير بالسلوك بشكل جد ملاحظ.
- سلوكات قهرية واندفاعية وأفكار وسواسية.
- مشاكل واضطرابات جنسية.
- فقدان الاتزان وفقدان القدرة على معرفة الوقت.
- تساقط الشعر في حالة التسمم ببعض أنواع المعادن مثلا...
- آلام بالعضلات وتعب مزمن.
- صداع مزمن.
- تشوش البصر.
- تشوش الذاكرة وفقدان التركيز.
- قد يحدث تخلف عقلي بسبب التلف الشديد للخلايا العصبية.
- ضيق بالتنفس وعدم انتظام بدقات القلب.

هذه فقط بعض من الأعراض التي تسببها مختلف أنواع السموم العصبية, لكل سم عصبي أعراضه الخاصة وقد تؤدي بعضها للموت المحقق في آخر المطاف.
للأسف لا يمكن للأطباء تشخيص كثير من الحالات لأن الأعراض تشبه أعراض أمراض عديدة وتحتاج لتحاليل مخبرية خاصة قد لا يخطر للطبيب أن المريض مسمم فيفسر الأمر على أنه مجرد اضطراب نفسي فلا تنفع معه الأدوية النفسية, مما يدفع بالمصاب للجوء للرقية ظنا منه أنه يعاني من سحر, خصوصا إن علم أنه فعلا مسحور, وهو وإن كان ما تعرض له يقع تحت مسمى "السحر" إلا أنه في حقيقته سم لا يمكن للرقية إخراج المعدن من جسمه, أو إحياء الخلايا العصبية التالفة بدماغه.
ليس بالضرورة أن يحدث تسمم للمصاب عن طريق سحر فقد يحدث بشكل عرضي كالتسمم بالبطاريات التي يتركها الآباء للأطفال يلهون بها والتي تحتوي على معادن سامة كالكادميوم.
لذا إن كنت تشك في تعرضك أو لأحد أفراد أسرتك لسحر من هذا النوع أو لتسمم بشكل عام فعليك إخبار شكوكك للطبيب وإن كنت تحتفظ بالمادة التي تعتقد أنها السبب كمخلفات الطعام أو عطر أو أي مادة مشكوك في أمرها, فخذها معك لتحويلها للمختبر لدى المختصين بعلم السموم لتحليلها قصد معرفة نوع السم ومن تم إيجاد الترياق والعلاج المناسبين.

أمراض نفسية أم سحر ومس؟
الآن سأعرج للنوع الأول الذي يستخدم فيه الجن, لقد اطلعت على أعراض السحر بالجن أو المس ببعض الكتب ووجدتها تشبه لحد كبير أعراض بعض الاضطرابات النفسية, ودعونا نلقي نظرة على أعراض السحر كما جيئت في كتاب "الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار".
يقول الكاتب أن من أعراض سحر الجنون هي كالتالي:
- الشرود والذهول والنسيان الشديد.
- التخبط في الكلام.
- شخوص البصر وزوغانه.
- عدم الاستقرار في مكان واحد.
- عدم الاستمرار في عمل معين.
- عدم الاهتمام بالمظهر.
- وفي الحالات الشديدة, ينطلق على وجهه لا يدري أين يذهب, وربما نام في الأماكن المهجورة.

ذكر الشيخ في كتابه عددا كبيرا من أنواع السحر, ولكنني سأكتفي بهذا النموذج فقط لشرح الفكرة.
هذه الأعراض المسطورة فوق يمكننا أن نراها في عدة اضطرابات نفسية, دعنا نضع بعض السيناريوهات التي نراها بشكل متكرر والتي يتم تفسيرها على أنها سحر:

- تأتي امرأة لشيخ وهي تتحدث بلسان جني يقول أنه لا يريد أن يخرج من جسدها أو أن عددا كبيرا من الشياطين تقطن جسدها, فيبدأ الشيخ بالأخذ والرد مع الجني الذي قد يكون كافرا أو مسلما أو يسلم لاحقا...المرأة تعاني من انفصام بالشخصية وهي تتحدث بلسان شخصيتها الأخرى التي اختارت لها أن تكون جنيا.

اقرأ عن الاضطراب التفارقي
 
- يسارع الأهل بابنتهم المراهقة للشيخ كونها أصيبت بالعمى أو الصمم أو الشلل في حين أكد لهم الطبيب أنها لا تعاني من أي مشكل صحي وأن عيناها سليمتان تماما ويمكنها الرؤية, أو أن ساقيها طبيعيتين ولا يوجد أي مشكل من شأنه أن يسبب لها عدم القدرة على المشي, فيقرأ الشيخ على المراهقة القرآن فتقع أرضا في حالة صرع, فيتأكد الأهل أن عينا قوية أصابتها, في حين أنها تعاني من الاضطراب التحولي أو ماكان يعرف سابقا بالهستيريا التحولية.

اقرأ عن اضطرابات الجسدنة

- فجأة يتراجع طالب مجد في دراسته ويتحول لشخص شكاك, ويغلق على نفسه الباب ويهمل نظافته وملابسه على غير عادته, ويبدأ يتفوه بكلام غريب وأحيانا يسمعه أهله يتحدث مع شخص ما بغرفته وعندما يفتحون الباب يصمت, وعند سؤاله يخبرهم أنه كان يتحدث مع شيطان, يأخذه الأهل للراقي بسبب أعراض السحر أو المس التي أصابته في حين أنها أعراض بداية مرض الفصام.

اقرأ عن الفصام

الأمثلة عديدة جدا وقد سبق وخصصت لبعض الاضطرابات مقالات منفردة يمكنك الاطلاع عليها ومقارنتها مع بعض الحالات التي تراها فعلا بوسطك أو تلك التي سمعت عنها والتي يتم تفسيرها على أنها سحر أو مس وأغلبها لنسوة لأن أغلب مرضى الاضطرابات التفارقية والاضطرابات التحولية هم نسوة وليس لأن الجن يعشق النساء أكثر من الرجال.

لست هنا لأنفي وجود السحر أو الجن فأنا أسلّم على أننا جميعا مسلمون ومؤمنون بالسحر والجن لذكرهما بالقرآن الكريم والسنة, كما أنني لست مفتيا أو شيخا لأخوض في ماهية السحر أو المس, ولكن الفكرة التي أود إيصالها هي أن عددا كبيرا من المرضى النفسيين يفسرون أمراضهم على أنها سحر أو مس مما يجعلهم يفوتون على أنفسهم علاج أمراضهم في بداياتها حيث أن اضطرابا كالفصام يحتاج لعلاج دوائي في أسرع وقت ممكن قبل تدهور صحة المريض, إلا أن هذا لا يحدث للأسف بسبب لجوء أهل المريض للرقية لاعتقادهم أن المريض مسحور. 

كيف يمكن التمييز بين السحر والمرض النفسي؟
كما رأيت لايمكن التمييز بينهما مما يجعل العالم العربي وبعض الدول النامية الغير اسلامية أيضا تعاني من نسب مهولة من المرضى النفسيين الذين لا يتلقون علاجات بسبب تفسير الأهل الدائم على أنه سحر أو مس أو أرواح شريرة حسب معتقد كل مجتمع.

 لذا أنصحك عزيزي القارئ إن كنت تريد أن تسلك طريق العلوم الشرعية أو إن كنت طالب علم وتمارس الرقية أن تطلع على الأمراض النفسية وأعراض التسمم وتأخذ عنها فكرة عامة حتى إذا ما لجأ إليك شخص يعاني من التسمم أو اضطراب نفسي نصحته بعيادة الطبيب.
لا عيب في أن ينصح الراقي المصاب بزيارة الطبيب, وأنا هنا أقصد الرقاة التقاة وليس من همه جمع المال.

في حالة تعرضه للتسمم كما أسلفنا الذكر فيما ستنفعه الرقية؟ هل ستعود الخلايا للحياة بالقرآن؟ إذا ماتت خلايا الجلد وبدأت بالتقشر هل قراءة القرآن سيجعل القشور تعود للحياة؟ إذا جرحت بسكين هل سيلتئم الجرح بالقرآن؟ إذن لماذا تريد لخلايا الدماغ أن تعود للحياة بالرقية إن كنت تنفي عودة خلايا الجلد للحياة؟
الصورة بالرنين المغناطيسي لدماغ توأمين, على اليسار توأم سليم وعلى اليمين توأم مصاب بالفصام.
والآن أخبرني كيف ستصلح الرقية ما أفسده الفصام؟
 لا داعي لتفسير كل شيء على أنه سحر ومس.

انصحه بالذهاب للطبيب للعلاج وإن لم ينفع معه علاج قم بمداومة الرقية, فلا منكر من زيارة الطبيب.
لماذا لا يلجأ المريض للطبيب وللراقي في ذات الوقت, بما أنه لا يمكن التمييز بين السحر والمرض النفسي والتسمم أو أي مرض آخر الجأ للطبيب إذا شفيت فنعم هي, وإن لم تشف فالجأ للرقية, أو الجأ لهما معا لأن الهدف هو أن يصير المريض بخير سواء بطب أو رقية.

عند اطلاعي على بعض الكتب وعلى المواقع المتخصصة بالسحر والرقية وجدت كوارث عدة, مصائب لا تعد ولا تحصى قرأت حالة امرأة افتض جني غشاء بكارتها, وأدلة على إمكانية حمل المرأة من الجني وحمل الجنية من الرجل.
حمل المرأة من الجني كلام قاله أناس عاشوا زمنا غير زماننا لا هم بأنبياء ولا بمعصومين ولم تتوفر لهم إمكانياتنا ولا العلوم ولا الطب ولا التكنولوجيا المتوفرة لنا اليوم, لذا فلا يعيبهم أنهم قالوه وهم في القرون الوسطى أما أن يفتي بصحته شخص بعصرنا هذا فمصيبة حقيقية!!

هل تنفع الرقية المرضى النفسيين؟
حسب حالة كل مريض, هناك أمراض لا تنفع معها رقية كالفصام وثنائي القطب والاكتئاب المزمن لأنها أمراض كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأي مرض مزمن لا يعالج إلا بالأدوية, أما في حالة بعض الاضطرابات التي لا تكون بحاجة للأدوية فيمكن للرقية أن تكون جد مفيدة للمصاب المؤمن بجدواها لأن القرآن يطمئنه ويريح نفسيته.
فمرضى الاضطراب التفارقي قد تفيدهم الرقية, وفي بعض الحالات يشفى المريض فعلا وفي أخرى تزداد حالته سوء وتتدهور أكثر فأكثر وإن سألتم الرقاة سيخبرونكم عن حالات استعصى فيها الجن عن الخروج من جسد الممسوس في حين أنه ليس بجني بل شخصية من شخصيات مريض انفصام الشخصية.
ذات الأمر بالنسبة لمرضى الاضطراب التحولي قد تفيد الرقية المصاب ويختفي العرض الذي يعاني منه وقد تتدهور حالة المريض أكثر...كذا بعض الموسوسين بالدين والقلقين.

اقرأ عن الوساوس القهرية وعن اضطرابات القلق

السبب راجع لكل فرد على حدة فهذه الحالات لها ارتباط وثيق بالقلق وقد يفيد القرآن في تهدئة نفوس المرضى وقد لا يفيدهم, بسبب الاستعداد النفسي للمريض لتلقي الرقية, قد يلجأ للراقي وهو متلهف ومؤمن أشد الإيمان بجدواها في شفائه فيحدث الشفاء بإذن الله وفي بعض الحالات يذهب المريض وهو جد متخوف أو بشكوك فيبدأ بالمقاومة أو عدم الاستجابة, لذا على الراقي أن يتوقف عن رقية المريض إن رأى أن حالته تسوء أو بدت منه مقاومة.