سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الأول)

3
لا يعد إنتماء فرويد لليهودية والخلفية الدينية لنظرياته سرا من الأسرار إذ سال مداد كثير حول هذا الموضوع منذ عقود مضت وألفت كتب ونشرت مقالات لكتّاب يهود وغير يهود حتى لكان يطلق على علم النفس الفرويدي في ألمانيا النازية لقب "العلم اليهودي".
وأحرق النازيون مؤلفاته وفر فرويد إبانها لبريطانيا.
إلا أنني لاحظت في المقالات العربية نوعان إما دفاع مستميت وتبجيل حد القدسية للعالم أو تهويل وحس مؤامراتي حول الخلفية اليهودية له, فيما تنذر الكتابات المحايدة, لذا بدا لي أن أتناول الموضوع في جزئين بشيء من الواقعية, بعيدا عن التهويل والتبجيل.

ولابد بداية وفي هذه التدوينة من شرح بعض من أفكار الكابالا اليهودية التي استوحى فرويد منها لصياغة أهم نظرياته, وإن كنت عزيزي القارئ ملما بنظريات فرويد فإنه سيتجلى لك أوجه الشبه بين علم النفس التحليلي والكبالا بكل سهولة.

ما هي الكابالا؟
الكابالا أو القبالا من الاستقبال ويمكن ترجمتها بالتقاليد, مدرسة فكرية تمثل الجانب الروحاني الباطني من الديانة اليهودية (صوفية), تتمحور حول ما يطلقون عليه أسرار الخالق والخلق والكون, نضجت أفكارها على مر الزمن بين يهود أوربا بالقرون الوسطى خصوصا يهود الأندلس, حيث كان الأحبار يضيفون كل حين أفكار وتعاليم جديدة يتناقلونها بسرية من جيل لجيل شفهيا حيث جرت التقاليد ألا يدرس الكابالا إلا الرجال اليهود الذين بلغوا سن الأربعين من العمر من دون النساء, إلا أنها صارت حاليا بمتناول الجميع.

وللكابالا عدة كتب أهمها على الاطلاق كتاب "الزوهار" تعني الضياء, والذي ظهر بالقرن الثالث عشر ميلادي بالأندلس على يد الحبر موشي بن شيم حيث ادعى أنه عثر على النصوص الأصلية التي ألفها الحبر شمعون بن يوحاي بالقرن الثاني قبل الميلاد, أملاه عليه أحد أنبياء بني إسرائيل طوال اثني عشر عاما, أثناء إختفائه بالسرداب قصد شرح المعاني الباطنية للتوراة, في حين يرى بعض المؤرخين اليهود غير الكباليين أن موشي هو مؤلفه الحقيقي ضمّنه أفكار السابقين وأن ادعاءاته بالعثور على النصوص الأصلية باطلة, وأن الزوهار ما هو إلا كتاب منحول.
طبعا لا يؤمن كل اليهود بالكابالا, ويمكننا أن نشبه المسألة بالصوفية والعرفان في الإسلام, حيث لا يهتم كل المسلمون بهما.
علي أي فإن الزوهار يتكون من عدة أقسام تتناول شرح معاني التوراة الخفية حسب المعتقد ومواضيع روحانية من قبيل الله وصفاته وشرح معاني أسمائه اليهودية وتجلياته, والكون, والروح والخير والشر إلى آخره من الموضوعات التي تناقشها مختلف العقائد الدينية عموما...ويهدف الزوهار حسب معتنقي الكابالا لاستكشاف الذات للوصول لأعلى درجات الروحانية.
تنقسم مجالات دراسة الكابالا إلى ثلاث مجالات:
1- كابالا نظرية: تتطرق للمجال الفلسفي الروحاني وتناقش مختلف المواضيع كما بكتاب الزوهار.
2- كابالا تأملية: وهو المجال الذي يتطرق للممارسات التأملية التي يكون الغرض منها التوحد مع الله من خلال التأمل والوصول لأعلى مراتب الروحانية, وهناك عدة رواد لعدة طرق (صوفية) يهودية.
3- كابالا عملية: وهو المجال الذي يتطرق للطقوس العملية السحرية, والذي يكون عبارة عن طلاسم وتعويذات وطقوس لجلب الحظ والثروة والحب ونحوه, ويرفض عدد من الكباليين التطرق لهذا المجال. (يمكن تشبيه الأمر بكتاب شمس المعارف الكبرى)

وسأتناول المجال الفلسفي الذي يهمنا طبعا:

مفهوم الله في الكابالا:
بالنسبة للكباليين فإن للذات الالهية جانبا ظاهريا وباطنيا خفيا, فالجانب الظاهر هو الجانب الذي تتناوله التوراة بشكل مباشر عن علاقة الله بمخلوقاته, في حين أن الجانب الخفي الذي تتعرض له الكبالا هو الذات الالهية بحد ذاتها وجوهرها ويطلقون على هذا الجوهر "عين سوف" والتي تعني اللامتناهي الأزلي الخارج عن حدود الزمان والمكان, ولا يمكن للعقل استيعابه ولا فهمه, وينزه الكباليون عين سوف من أي لقب أو اسم أو صفة, ويتجلى عين سوف للكون بانبثاقات عشر يطلق عيها "سفيروت", وهي سمات إلهية تتفاعل فيما بينها بالكون, وهي أساس الخلق.

كابالا
1- تاج (كيتير بالعبرية): أول انبثاق من نور عين سوف ولُقب بالتاج لأنه يقع فوق الرأس رمزا لما هو فوق وخارج نطاق العقل... نقطة الخلق الأولى ويمثل الوعي الخالص لاتصاله بنور عين سوف (الإله)... ويُشار إليه بالأب بمعنى الأصل.
2- حكمة (حوخما): انبثاق ينهل من التاج وهو أولى بذرات الوجود الحقيقي بالعالم, ويمثل الحكمة الإلهية والبصيرة والحدس الذي يومض من الوعي الصافي والذي يسبق التفكير والتحليل,  ينهل من الوعي الخالص "التاج"...سمة ذكورية يُشار إليها بالابن بمعنى البذرة.
3- فهم (بينا): ثالث انبثاق واعي يتسلم مشعل نور الحكمة وهو الاستقرار والهدوء الذي يغذي بذرة الحكمة وينميها, فومضات حدس وبصيرة الحكمة تُستوعب وتحلل بانبثاق الفهم...سمة أنثوية يشار إليها بالأم بمعنى الحاضنة لبذرة الحكمة.
0- معرفة (داث): ليتميز الكباليون اليهود عن ثالوث المسيحية أضافوا المعرفة بوسط الرسم التخطيطي وهي لا تمثل انبثاقا وإنما انعكاسا لكل الانبثاقات, والنتيجة النهائية لتفاعلها وهي صورة لاواعية من التاج الواعي.
4- رحمة (حيسيد): انبثاق ينشأ من تدفق الثالوث الواعي (تاج- حكمة- فهم) وهو أول انبثاق بالعالم المحسوس العاطفي ويمثل الخير اللامحدود كالعدل والحب والكرم وغيرها من سمات الخير... وهي سمة ذكورية.
5- شدة (غيفورا): انبثاق من العالم المحسوس العاطفي يلي الرحمة ويمثل القوة والشجاعة والدفاع عن الحدود, هي القوة التي تسعى للتغلب على القيود والخصوم, ومعاقبتهم والانتقام منهم وتتضمن بذرة من الشر...وهي سمة أنثوية.
6- جمال (تيفيريت): جمال أو تناغم أو تناسق انبثاق يدمج بين (رحمة - شدة) وهي التي تعطي الانسجام والتوازن بين مختلف الانبثاقات لذا هي تتوسط الرسم البياني لأنها تكوّن أناة الإنسان التي تناغم بين الرحمة والشدة.
7- نصر (نيتساح): مكان العواطف والمشاعر التي تحفز الإبداع والعمل, إذ يتلقى انبثاق النصر من نور انبثاق الجمال لتبدأ المرحلة العملية بالنسبة للإنسان والتعبير عن أناه التي تكونت في انبثاق الجمال...سمة ذكورية.
8- مجد (هود): انبثاق يعمل إلى جانب النصر بالتحكم به وإعطائه دفعة أكثر عملية للعمل بشكل متوازن نحو تحقيق الأهداف والمجد...سمة أنثوية.

9- أساس (ياسوود): تمر كل الانبثاقات الثمان في الأساس ليعطيها قالبا ماديا ويدفع بها للملكوث, فهو يعطي الإنسان قدرة على التواصل مع بقية الانبثاقات وترجمتها, طاقة خفية تعمل على تحفيز الأجسام المادية والطاقة الجنسية, وهو يرتبط بالقضيب الذكري.

10- ملكوت (ملخوت): هو العالم المادي الذي يعيشه الإنسان والذي تتمظهر فيه بقية الانبثاقات.
أنواع الروح الإنسانية بالكابالا:
تنقسم الروح عند الكباليين إلى خمسة أقسام:
1- نفس (نفيش): هي النفس الدنيا الحيوانية, والمستوى الخفيض من الوعي وتمثل الإدراك بالعالم المادي المحسوس الحاضن لمختلف الغرائز والشهوات الحيوانية, وبهذا المستوى من الروح يدرك الإنسان ويعي فقط لاحتياجاته التي يشترك فيها مع الحيوان.
2- روح (راوخ): هي الروح الإنسانية والمستوى الأعلى من (النفس)  والتي تمثل عالم العواطف والأفكار وبالروح تبنى الأنا لدى الإنسان الذي تميزه عن بقية الكائنات, وبهذا المستوى يدرك الإنسان أن له هدفا من وجوده.
3- نسمة (نشامة): مقر الأفكار العليا ومستوى أعلى من (الروح) ووعي جد مرتفع يمكنه من استخلاص جوهر الأمور والتركيز على المفاهيم الإلهية والحكم من الوجود.
4- حياة (خياه): مستوى أعلى مجددا من الوعي ويمثل الوعي الصافي بالأنا.
5- وحدة (يهيدا): المستوى النهائي والذي يتوحد فيه الإنسان مع الله.

حسب  كتاب الزوهار فإن المستوى الأول (نفس) يتواجد عند الحيوان أيضا, والمستويين الثاني والثالث (روح - نسمة) يتوافران لدى جميع البشر ولكن يتطوران أكثر عند من يتلقى نوره من الله, في حين أن المستويين الأخيرين لا يمكن أن يصلهما إلا من تلقى أعلى درجات الوعي الروحاني من الكباليين اليهود والأنبياء.
منهجية تفسير التوراة بالكابالا:
اعتمد الكباليون في تفسير التوراة على منهجية الأولين لاستنباط المعاني الخفية له حسب اعتقادهم, فقد أخذوا من أدبيات "المدراش" وهي إنتاجات الأحبار الذين سبقوا الكباليين في تفسير التوراة واستخلاص الأحكام  منه (مثل كتب الفقه والتفسير عند المسلمين).
يحتوي التوراة على قصص وأحكام متناقضة المعاني وأخرى بمعاني غير واضحة, فعمد الأحبار على محاولة التوفيق فيما بينها واستخلاص العبر الموحدة من النصوص المقدسة عبر منهجية مقسمة لثلاثة أقسام:
1- إعادة صياغة النص: وهي إعادة لصياغة النصوص المقدسة بلغة مختلفة تغير المعنى الظاهر.
2- التنبؤ: وهي قراءة استشرافية مستقبلية للنص المقدس على أساس أن أحداثه ليست بنفس الزمن الوارد بالنص.
3- الرمز: تأويل النص أو الكلمات الواردة بالنص المقدس على غير ظاهرها وبأنها رموز لمعاني خفية أخرى.

كانت هذه نبذة مختصرة عن الكبالا يتخبطها بعض الارتباك طبعا لأنني لست ملما بها, ولكنها تعطي فكرة عنها خصوصا ما أود مقارنته مع نظريات فرويد.
و بالجزء الثاني نقارن أوجه الشبه مع إنتاجات فرويد الفكرية. 

التفكير الرغبوي وتأثير الأمنيات في التفكير المنطقي

1
يدعي الجميع منا بأننا ننساق خلف ما يقوله المنطق والحقائق المجردة, فترى النقاشات الساخنة تحتدم بقوة بين حاملي مختلف الأفكار والكل يرفع شعار الموضوعية, في حين لو أمعنت النظر في هذه النقاشات ستتمكن من تحديد خلفيات ودوافع كل فرد يناقش الفكرة وستتمكن بكل سهولة من تحديد العديد من المعلومات الشخصية كالجنسية, الجنس, الديانة, التوجهه السياسي, النادي الرياضي الذي يشجعه إذا كان الموضوع رياضيا كرويا.
ففي نقاش عن من سينال لقب أفضل لاعب مثلا, ستدرك على الفور نادي كل شخص وجنسيته لأن تقييمه لا يكون على أساس موضوعي بل على أساس رغبته في أن يكون فلان أو علان أفضل لاعب لأنه ينتمي لناديه الذي يشجعه أو لبلده أو لديانته أو لتسريحة شعره...

ما هو التفكير الرغبوي؟
التفكير بالتمني هو بكل بساطة فكرة أن ما يرغب الناس في أن يكون صحيحا يؤثر على ما يعتقدون أنه صحيح, فيميلون لإظهار أمنياتهم ورغباتهم أثناء عرضهم ما يعتقدون أنه حقيقة حاصلة, وهذا تفكير نقع فيه جميعا من حين لآخر كبشر أثناء استشرافنا للأحداث المستقبلية أو المخفية, أي أنه نوع من أنواع التفاؤل اللاعقلاني.

يمكن اعتبار عدد كبير من أنواع الانحيازات والمغالطات تمثيلا أو نتيجة للتفكير الرغبوي كالتنافر المعرفي, والانحياز التأكيدي ووهم التفوق , والانحياز للمصالح الذاتية وهو انحياز يعزو فيه الشخص لأي أمر طيب يحصل له على أنه من اجتهاده ومن ذكائه وحسن تصرفه في حين أن كل ظرف سيء هو ناتج عن عوامل خارجية وليس نابعا من غبائه وسوء تقديره.
"فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ"
"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ"
"وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ"

وقبل أن أقلب الموضوع لكتاب فقه وتفسير, فإن التفكير الرغبوي يتجلى بشكل جد واضح في توقعات الفرد المستقبلية حول نتائج المسائل الاقتصادية والسياسية, لذا سترى كيف أن المصطلح يستخدم بكثرة في هذه المواضيع.
لأن هذان المجالان بالنسبة للعامة من الناس غامضان ومفتوحان أمام كل التوقعات ويؤثران على معيشة الفرد بشكل مباشر, فحتى أثناء التحليل الموضوعي قد يقع الشخص فريسة الرغبة وهو ينسج توقعاته المستقبلية.

عندما يخطط شخص ما لمشروع اقتصادي صغيرا كان أم كبيرا فإنه يبالغ في توقع النجاح والأرباح, ويرى المحيطون به جليا كيف أن توقعاته مبالغ فيها, لأنها ناتجة من رغبته في النجاح والكسب وليس من الواقع.
قد يقوده التفكير الرغبوي للانحياز التأكيدي فتراه يبحث فقط عما يدعم وجهة نظره من دراسات ويؤكد صحة توقعاته في النجاح بعيدا عن بقية الدراسات التي تعدد المخاطر ونسب الفشل.
لتحليل ظاهرة التفكير الرغبوي قام أحد الاقتصاديين بجامعة اكسفورد بإجراء اختبار على مجموعة من المزارعين والخبازين.
حيث طلب باحث الاقتصاد من الخبازين والمزارعين توقع سعر القمح لهذه السنة, مقابل تقديم تحفيز مادي لمن يكون توقعه أقرب للسعر الحقيقي.
فكانت النتيجة أن توقعات المزارعين لسعر القمح أكثر ارتفاعا مقارنة مع توقعات الخبازين.

السبب يكمن في أن المزارعين يرغبون في أن يكون سعر القمح مرتفعا كي يكسبوا مالا أوفر من محصولهم من القمح, في حين يتمنى الخبازون أن ينخفض سعر القمح لهذه السنة لأن ثمن الخبز والحلويات التي يبيعونها تابث لا يتغير فلو انخفض سعر القمح سيكسبون الفارق.

أي حتى أثناء التوقع لسعر القمح وبوجود جائزة لصاحب التوقع الأقرب للحقيقة وقع المزارعون والخبازون تحت تأثير التفكير الرغبوي, وقد سأل صاحب التجربة هؤلاء المزارعين والخبازين في ما إذا كانوا مدركين لوقوعهم تحت تأثير الأمنيات وهم يحددون سعر القمح, فأجاب بعضهم بالإيجاب.

التفكير الرغبوي عقلاني أم لاعقلاني؟
 إن نحن نظرنا للتفكير الرغبوي ظاهرا فإنه سيبدو لنا سلوكا لا عقلانيا يمكن أن يؤدي لتوقعات تدفع الشخص للمخاطرة والتخطيط لمشاريع غير متوقعة النتائج, هو إذن كبقية المغالطات والتحيزات التي يقع بها المرء, إلا أن هذه التحيزات والمغالطات لم توجد بالطبيعة البشرية عبثا فلو نظرنا لعمق الظواهر والحكمة من وراء وجودها فإننا سندرك أن لكل تحيز وظيفة مهمة بحياتنا.

بمعنى لو افترضنا أنني أريد إنشاء معمل شكلاطة بنكهة ما وبدأت بالعمل على المشروع, فإنه ليس لدي المعلومات الكافية حول المستقبل وما ستصير إليه أسعار المواد الأولية, وما إذا كانت الدولة سترفع رسوم استيراد بعض المواد الضرورية للمشروع مستقبلا, وسلوك المستهلكين وما إذا كانت الشكلاطة ستعجبهم, وما إذا كان سيظهر منافسون جدد, وغيرها من المخاطر غير المتوقعة التي قد تؤدي بي للفشل والإفلاس, ومع ذلك سأبدأ بالتبجح حول النجاح الباهر الذي سيحققه المشروع, في واقع الأمر فإن المشروع الافتراضي قد ينجح وقد يفلس بنسب ما لا أعلمها.

يرى بعض العلماء أن التفكير الرغبوي استراتيجية عقلانية مقارنة بالمعلومات والموارد التي يتوفر عليها البشر, إذ يتطلب تحديد أفضل قرار في حالة معينة كما بمشروع معمل الشكلاطة الافتراضي النظر في جميع النتائج المحتملة وعواقبها طويلة المدى. وبالتأكيد فإن النظر في كل هذه الاحتمالات كما بالمثال والأخذ بها لأمر يستعصي على أغلب حاملي المشاريع لأن لا أحد يعلم المستقبل أو لنقل يصعب ويكاد يستحيل دراسة مستقبلية استشرافية لكل خطوة نخطوها, لذا قد يساعد التفكير الطموح المتفائل الرغبوي في التعويض عن حقيقة أننا لا نستطيع تقييم النتائج طويلة المدى بشكل كامل.
 ولإتباث أن التفكير الرغبوي استراتيجية عقلانية في المسائل مجهولة التوقعات, لجأ بعض العلماء لمراقبة سلوك مجموعة من الأشخاص بتفكير رغبوي حول مستقبلهم المهني, تبين أن التفكير الرغبوي أدى لتحسن الأداء لديهم, وقد استخدم لدراسة الاحتماليات العمليات الرياضية التصادفية (قرارات عملية ماركوف) التي وفر من خلالها عالم الرياضيات الروسي ماركوف إطارا رياضيا لنماذج صنع القرار التي يكون فيها جزء من النتائج عشوائيا غير معلوم وجزء آخر متحكم فيه.
(تستخدم قرارات عملية ماركوف في مجالات عدة كالطب والإدارة والاقتصاد...)

لتبسيط المسألة أكثر بعيدا عن سلاسل ماركوف لنفترض أن مائة فرد جميعهم خططوا لمشروع معمل شكلاطة, لنقسمهم لمجموعتين:
 1- خمسون فردا بتفكير رغبوي لاعقلاني حول توقع نجاحهم.
2- خمسون فردا بتفكير لارغبوي عقلاني يتوقعون الفشل بنسب تساوي نسب توقعهم للنجاح.
إن أصحاب التفكير الرغبوي سيلجؤون للمخاطرة والذهاب بعيدا في توسيع النشاط ونحوه, لأن الفشل غير حاضر نصب أعينهم, في حين أن عددا كبيرا من أصحاب التفكير اللارغبوي لن يخاطروا لأن احتمالات النجاح غير مضمونة.

النتيجة إذن ستكون في مجموعة العقلانيين سلبية لأنهم لن يوسعوا نشاطهم وقد يتراجع كثير منهم في المضي قدما بالمشروع لأن احتمالات النجاح غير معلومة, ولن يرغبوا في خسارة رأس مالهم, ويكون نسبة من أتمم المشروع ونجح منهم هي خمسة أشخاص فقط كمثال في حين فشل وأفلس عشرة أشخاص بينما تراجع البقية عن المخاطرة وباعوا الفكرة.
أما أصحاب التفكير الرغبوي فقد ركبوا المخاطر جميعا لأنهم جميعا يدفعهم التفاؤل والتفكير اللاعقلاني في توقعهم للنجاح وإغفال الفشل, فيفشل عدد كبير منهم فعلا لنقل ثلاثين شخصا مثلا نالوا الإفلاس والتقريع من أفراد أسرهم والسخرية من أصدقائهم الذين نعتوهم بالأغبياء والبلهاء, في حين نجح العشرون الباقون وهو عدد يفوق الناجحين ضمن مجموعة التفكير اللارغبوي.
أي بالنتيجة الاجمالية لو نظرنا لكلا المجموعتين ومن ناحية الصالح العام فإن التفكير الرغبوي مفيد للبشر عموما لأنه يدفع عددا كبيرا نحو النجاح.

إذن كخلاصة فإننا لو نظرنا من أعلى فإن التفكير الرغبوي مفيد للبشر يدفعهم للعمل وتوقع الأفضل لتستمر الحياة, ولكنه في ذات الوقت مدمر لعدد كبير من البشر أيضا.
كلنا نقع ضحية التفكير الرغبوي ويقودنا أحيانا للأفضل وأحيانا للأسوء, هل تذكر عزيزي القارئ بعض المواقف التي كنت تفكر فيها برغبوية سواء بخصوص الدراسة أو العمل أو الرياضة أو نحوه؟

يجب على الفقير والمعاق عدم الإنجاب

6
الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هو امتعاض أحد أصدقائي من إنجاب رجل فقير لطفل, صراحة لا أعرف لما ومتى وكيف صرنا أصدقاء, أظن أنني كنت قد تعاطيت نوعا قويا من المخدرات أول مرة قابلته فيها, من يدري!

كل الكائنات الحية تصارع من أجل بقائها وتكاثرها, غريزة التكاثر من الغرائز الجد قوية, وهي لدى الحيوانات تترجم في الرغبة الجنسية المؤدية للتزاوج ومن تم التكاثر, فالحيوان لا يفكر ويخطط للإنجاب قبليا بل يخضع لسلسلة آليات بيولوجية محضة...
بالنسبة للبشر فالأمر أكثر تعقيدا إذ لا يقتصر فقط على تفريغ الرغبات الجنسية المؤدية لسلسلة بيولوجية تنتهي بالإنجاب بل تتعداها لإدراك عقلي لحقيقة أنه يجب أن يكون لنا نسل, يرافق هذا الإدراك مشاعر وأحاسيس, فلأغلب البشر رغبات مسبقة بالإنجاب, حتى لدى من يعاني من غياب الرغبة الجنسية.

ما أود قوله باختصار من هذه المقدمة المملة وبالعربي الفصيح أن التكاثر غريزة وفطرة وسنة من سنن الحياة حتى الحيوان يمارسها.
إلا أننا ابتلينا بفئة نصبت نفسها آلهة على المجتمع, تملي على بقية البشر من خلق الله قراراتها المقدسة في من يجب أن يستمر نسله ومن يجب أن ينقطع.
لسان حالهم هو لسان حال أحد الشخصيات السلطوية الفاشلة بالهند الذي قام بالسبعينات بتدبير حيواني من قبيل جر أزيد من ستة ملايين رجل فقير لعمليات تعقيم قسرية في ظرف عام واحد فقط أدت لوفاة المئات منهم, تماما كما يتم تعقيم قطط وكلاب الشارع.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن سكان الوطن العربي المتطور جدا يعاني عدد كبير منهم من وباء الشخصية السلطوية البابوية كما هو حال صديقي, فبدل البحث عن حلول لمشاكل الناس أو على الأقل التعاطف معهم وتفهم وضعهم يفضلون إملاء أوامر عليا عليهم ولعنهم وآباءهم على ما هم فيه, مع العلم أنهم هم ذات أنفسهم ماكانوا ليطبقوا تلك الأوامر لو وضعوا مكانهم.
فسبحان من خلقهم!

هل إنجاب الفقير لطفل أنانية؟
لا يمكننا أن نحكم على الناس من خلال نمط عيشنا نحن ونتخذه معيارا للآخرين, لأننا سنجد دائما من هو أغنى منا ومن هو أفقر منا, ومتطلبات الحياة بالنسبة لنا ليست هي متطلبات الحياة بالنسبة لمن هم أغنى منا ولا بالنسبة لمن هم أفقر منا, وكلنا في آخر المطاف نعيش صعوبات وتحديات سواء مادية, صحية, نفسية, اجتماعية... هذه هي الحياة طبعا! لا يمكن أن نطلب من فرد ما التوقف عن عيش أبسط حقوقه واعتزالها لأنه مريض أو ليس في نفس مستوانا المعيشي...
ولو عدنا قليلا للخلف سنجد أن أجدادنا عاشوا حياة صعبة وفقرا مدقعا وأبسط الأمراض بعصرنا الحالي كانت تقضي عليهم, وقد كانت الجدات في الماضي ينجبن إلى غاية ثلاثة عشر طفلا يتوفى أغلبهم رضيعا, ولولى إنجابهن لهذا الكم الهائل لانقرضت البشرية.

عدد كبير من الفقراء لا يستطيع توفير ثمن الحفاظات لأطفاله مما يثير حنق الشخصيات السلطوية التي منّ عليها الله من فضله, فيلومون هذا الفقير على زواجه, مع العلم أن الحفاظات لم يكن لها وجود بالماضي وكان آباؤنا وأجدادنا يرتدون الخرق وهم رضع.
كما أن الحفاظات أنواع عدة وقد يجد الشخص السلطوي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة شخصا سلطويا آخر أغنى منه يلومه على زواجه لأنه يستخدم حفاظات أقل جودة.
وبهذا المنطق فإن على البشرية إخصاء شعوب بأكملها لأنها تعيش فقرا لا نعيشه نحن ولا تستخدم الحفاظات مطلقا ولا تشتري حليب الأطفال من الصيدليات, فحسب البنك الدولي فإن عُشر سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر.
سأطلب من صديقي أن يبعث للبنك الدولي اقتراحه بإخصاء هؤلاء الفقراء للقضاء على الفقر ولكي نعيش في سلام من دون فقراء.
وإن بدا لك الاقتراح مثيرا للسخرية فعليك أن تعلم عزيزي القارئ أن أحد السياسيين الكنديين صرح أن البنك الدولي هو من قدم توصية للهند بالسبعينات بإجراء عمليات تعقيم قسرية على الرجال الفقراء للحد من الانفجار السكاني.
ايه والله!

شخصيا أرى من المتقبل أن ينصح الأهل والأصدقاء العاطل عن العمل مثلا بالتريث قبل الزواج, لأنها نصائح نابعة عن حب ورغبة في أن يحيى قريبهم أو صديقهم أفضل حياة, ولكن لا يجب أن تكون الفكرة مبدأ تابثا معمما بمعنى أن يضع المرء فكرة تابثة مفادها أن على الفقير عدم الزواج.
وليس بالمسألة أي تناقض, وكمثال فقد ينصح الأبوان ابنهما بعدم الزواج من مضيفة طيران لأن حياتها غير مستقرة, ولكن ليس لهاذين الأبوين أي اعتراض على زواج بقية الخلق من مضيفات الطيران, لأن ما يرغبانه هو عيش ابنهم حياة أفضل من منظورهما وهذا أمر طبيعي تماما.
من يجب أن نلوم؟
في واقع الأمر فإنه ليس من الضروري أن نلوم وننتقد طول الوقت يمكننا أن نمضي قدما دون إبداء آرائنا بشأن حياة الآخرين دون أن تتوقف الحياة... لكن بالنسبة لمن يهوى ممارسة رياضة لوم الآخرين على اختياراتهم الحياتية وعيش أبسط حقوقهم بدل الاهتمام بحياته هو, فإن الحل موجود وهو لوم 1% من سكان العالم الذين تتركز بيدهم ثلثي ثروة الكرة الأرضية, في حين الثلث الباقي الذي يقل كل عام نقتسمه التسعة والتسعون بالمائة جميعا وبإجحاف.
يمكن أيضا لوم الدول الفاشلة التي لا توفر لمواطنيها الحد الأدنى من ضروريات العيش, والتي تؤدي ببعض المواطنين للهجرة الجماعية  كما حدث مؤخرا بأمريكا الوسطى. (أنت تعلم مسبقا عزيزي القارئ لماذا أعطي أمثلة لدول غير عربية)
من الغريب كيف أن المريض لما يسافر طلبا للعلاج فإن الطبيب لا يلوم أباه وأمه على إنجابه ببلد لا يتوفر على علاج لمرضه.

لماذا ينجب الفقراء عددا كبيرا من الأطفال مقارنة بالأغنياء؟
في واقع الأمر فإن المسألة ليست مرتبطة بالفقر بشكل مباشر بل بالجهل ونقص الوعي, ولأن الجهل والفقر مترابطان فإنه يظهر للناس أن الفقراء ينجبون عددا كبيرا من الأطفال فيبدؤون بلومهم على صنيعهم.الفقر يؤدي للجهل لأنه وبشكل عام الفقير لا يحظى بفرص تعليم كغيره, بسبب تكاليف المعيشة والدراسة, مما يدفع الأطفال لترك المدرسة للعمل أو بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي يعيشونه وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة المدرسية.
الجهل يؤدي للفقر لأن الإنسان غير المتعلم لا يحظى بفرص عديدة لتحقيق عيش كريم, أغلب الأبواب موصدة بوجهه ولا يكون أمامه خيارات عديدة لجني المال والعلم الكافي لخوض غمار الحياة العصرية المعقدة.

وبالتالي فنحن نرى إنجاب عدد كبير من الأطفال بأوساط الفقراء غير المتعلمين, فالمرأة الفقيرة الواعية المثقفة لن تنجب عددا كبيرا من الأطفال, في حين سيصعب عليك إقناع امرأة غير متعلمة باستخدام حبوب منع الحمل بشكل مواضب والتخطيط لأي حمل مستقبلي, وتوفير الموارد له.
أنت لو جلست مع امرأة غير متعلمة أو بتعليم بسيط وبدأت بإقناعها بأهمية الحبوب فإنها ستقتنع وستقدم لها الحبوب مجانا وستتناولها من بين يدك وتتناول حبة أمامك, ثم تنصرف ولا تداوم عليها مطلقا بسبب "نقص الوعي" لأن الأشخاص بهذه الوضعية يكون أسلوب تفكيرهم بسيطا, محدودا ولا يميل للتخطيط.

تشير تقارير وإحصاءات صادرة عن منظمات دولية أن تعليم المرأة من عدمه هو العامل الأول للخصوبة عند البشر, حيث أنه كلما ارتفع تعليم المرأة والشهادات المحصل عليها كلما قل عدد الأطفال الذين تنجبهم, لذا يوصي البنك الدولي الدول النامية التي تعاني من انفجار ديموغرافي بتسهيل تدريس الفتيات, وتخصيص برامج خاصة بهن للحد من النمو الديموغرافي.
على الأقل لم يعد البنك الدولي يوصي اليوم الحكومات بإخصاء مواطنيها ولله الحمد.

 فقير
كثيرا ما نرى امرأة تعاني رفقة زوج عاطل عن العمل ومع ذلك بسبعة أطفال وحامل أيضا. فتتساءل بقية النسوة السلطويات عن غباء هذه المرأة وعن سبب إغراق البلاد والعباد بالأطفال وهي تعيش هذه الوضعية الصعبة.
السر إذن يكمن في أنها حرمت من نيل فرصة تعليم مناسبة ترفع وعيها.
يصعب على بعض المتعلمين والمتعلمات "بتوع مدارس" استيعاب المشاكل التي يسببها نقص التعليم والوعي, فيعتقدون بسذاجة أن المشكل سيحل فقط ببعض الحملات التوعوية الموسمية حول حبوب منع الحمل, كما هو صاحب هذا الكاريكاتير بالأعلى -مع احتراماتي له-, الذي يحاول إيصال رسالة بها شيء من الاستعلاء, لأن المرأة الفقيرة بهذه الوضعية المزرية لن تحل حبة منع الحمل مشاكلها لأنها مجرد هرمونات وليست حبة بركة وثراء ووعي وذكاء, كما أنها وهذا هو الأهم لن تستوعب كاريكاتيره هذا إن كان لديها انترنت وجهاز ذكي تجيد استخدامه أصلا, أي أن رسالته الضائعة لن تصل للفئة المستهدفة للأسف أو لحسن الحظ بالأحرى.

لو جالست عزيزي القارئ هذه الفئة من الناس وتبادلت معها أطراف الحديث في مواضيع مختلفة ستدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه يستحيل لومها على ما هي عليه للنقص الفادح في مستوى الوعي.

تفسير بيولوجي لإنجاب الفقراء لعدد كبير من الأطفال.
في محاولة لصياغة توليفة بين البيولوجيا وعلم الاجتماع في ما يسمى علم الاجتماع الحيوي, قام مجموعة من العلماء التطوريين بإسقاط نظريات تفسير سلوك الإنجاب الحيواني على سلوك البشر.
حيث يرى عالم الأحياء الأمريكي "إدوارد أوسبورن ويلسون" أن هناك نوعين من الانتقاء الجيني.
الاستراتيجية R: ترمز لسلوك الكائنات التي تتهددها العديد من الأخطار كالثديات الصغيرة والحشرات فلكي لا تنقرض تلد أعدادا كبيرة من الصغار تنمو بوتيرة سريعة وتستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية قليلة من الموارد.
الاستراتيجية K: ترمز لسلوك الكائنات التي لا تتهددها المخاطر كالكائنات الضخمة من فيلة وحيتان حيث تلد عددا قليلا من الصغار تنمو بوتيرة بطيئة ولا تستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية كبيرة من الموارد في حياتها.

إذن قام بعض علماء النفس والاجتماع بإسقاط هاتين الاستراتيجيتين على السلوك البشري, فقاموا بتقسيم المجتمعات لقسمين تماما كما لدى الحيوان.
المجتمع الفقير: يسلك الاستراتيجية R لأنه يعاني بحياته من مشاكل عدة قد تؤدي به للموت المبكر من مرض وسوء تغذية وحروب أو كوارث طبيعية كانت سببا لفقره فيلد الفرد عددا كبيرا من الصغار يستقلون عن آبائهم مبكرا فيتزوجون مبكرا ويعملون مبكرا ويستهلكون كمية قليلة من الموارد. (تكاثر سريع)

المجتمع الغني: يسلك الاستراتيجية K لأنه يعيش الرفاه تدفعه لإنجاب عدد قليل من الصغار يستهلك لتنشئتهم موارد عديدة, لا يستقلون عن آبائهم مبكرا ولا يتزوجون مبكرا (تكاثر بطيء)

أي حسب هذا التفسير فإن التجمعات البشرية تلجأ للاستراتيجية R للتكاثر السريع لكي لا ينقرض مجتمعها إذا كانت تعيش ظروفا صعبة ترفع من نسب الوفايات كالفقر, في حين تلجأ للاستراتيجية K في حالة الرفاه بالتكاثر البطيء لأنها لو تكاثرت بنفس الوتيرة السريعة وهي تعيش البدخ ونسبة الوفايات ضعيفة سيؤدي هذا للانفجار الديموغرافي.
وكل هذا بلاوعي منه, كما تتكاثر التجمعات الحيوانية بلا وعي منها, (يمكنك تسميتها حكمة إلهية إن شئت)
بالتأكيد تعرضت هذه النظريات لانتقادات لاذعة للثغرات التي تحملها ولتفسيرها الذي يراه منتقدوها سطحيا وبسيطا, فالمسألة أشد تعقيدا, ولن أضيع وقتك عزيزي القارئ أكثر في عرض الانتقادات لربما قد تكون واضحة بالنسبة لك.
على أي لقد طرحت النظرية لإعمال العقل حول هذا الموضوع ولتبيان تعقيده ومدى قدرتنا على مناقشته على أكثر من مستوى.

زوجوه ليعقل:
جملة تتردد في أرجاء الوطن العربي, خصوصا لمن يعاني اضطرابات نفسية.
الموضوع هنا مختلف قليلا لأنه يمس الشخص بشكل مباشر في سلوكه اتجاه أسرته المستقبلية, لا يمكن تزويج حاملي الاضطرابات النفسية الذهانية الشديدة, لا أحد سيقبل على أي حال الزواج من شخص متخلف عقليا أو ذهاني, كما أنه مس بحقوقهم لأنهم فاقدون للإدراك وعاجزين عن اتخاذ القرارات, فكيف يمكن تزويج شخص لا يعي ويستوعب ما يجري ويدور حوله؟

أغلب الاضطرابات النفسية وراثية خصوصا الخطيرة منها كالفصام وثنائي القطب, أي أنه يمكن للمريض أن يورث الجينة الممرضة لأبنائه كاحتمال غير حتمي.
شخصيا أحمل اضطرابا وراثيا وقد اتخذت قرارا بعدم الانجاب مطلقا, وهذا لا يجعلني بطلا لأنه لا رغبة لدي في الأطفال أصلا.
وبالتالي لا يمكنني أن أحكم على الآخرين بأنهم أنانيين فقط لأنه لا رغبة لدي, غيري لديه رغبة ملحة يمكنني تفهمها والتعاطف مع حاملها.

ماذا عن المعاقين؟
لكي لا أكرر كلامي السابق فإن ما ينطبق على الفقير ينطبق على من يعاني من إعاقة جسدية, إلا أن لبعض الشخصيات السلطوية رأيا آخر, ففي القرن الماضي كانت تعمد دول كأمريكا وسويسرا وألمانيا والسويد و اليابان وغيرها من الدول "المتطورة جدا" على تعقيم ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى النفسيين ومن يعاني من أمراض وراثية بل حتى الأطفال بالميتم بداعي "تحسين النسل البشري" كما يتم تحسين نسل الغنم والبقر.
ظلت اليابان تمارس التعقيم القسري إلى غاية 1996.

كدول وحكومات يمكنني تفهم الإجراءات البقرية لأن الحكومات تنظر للمواطنين نظرة قطيع يحتاج للتحسين من أجل بلد أكثر تطورا.
ولكن الذي لا يمكنني تفهمه هم الأفراد الذين يحملون مثل هذه الأفكار فيصمون المعاق الذي يتزوج وينجب بالأنانية وكأنه ليس بشرا, فيقررون أنه يجب أن يولد الإنسان كاملا مكتملا وإلا فلا داعي لأن يولد.
المسألة فلسفية أخلاقية يطول فيها الحديث كثيرا, ولكن باختصار فإننا جميعا بشر في آخر المطاف نحمل نقائص عديدة تعوق حياتنا إن لم تكن جسدية فقد تكون نقائص من نوع آخر, وقد يحيى المنقوص جسديا حياة أفضل من عدد كبير جدا ممن هو مكتمل بدنيا, وبالتالي فإن الحكم بشقاء ورفاه فرد من الأفراد قبل أن يولد لأنه لا يملك يدا أو رجلا أو لا يرى أو يسمع إنما هو اختصاص إلهي على ما أعتقد.
إن أردنا التدخل السافر ولعب دور الإله فإننا لن نبقي من البشر أحدا إلا نحن حتى وإن كنا نحمل عيوب الدنيا والدين قاطبة.

العنف الجسدي المنزلي

9
عدت إليكم من جديد وهذه المرة بموضوع عنيف.
يستخدم لفظ العنف عادة للإشارة إلى نوع من السلوك المرتبط بالاعتداء الجسدي, إلا أنه مع تطور القيم الإنسانية توسع مفهوم العنف وصارت اللفظة تشير لسلوكات وظواهر عدة تصب كلها في إطار أذية الغير حتى وإن لم تكن جسدية.
سأتحدث في تدوينات مستقلة عن مختلف أنواع العنف والسلوك العدواني, لأنني أطيل من الكلام الفارغ كثيرا ولأنني أحب العنف.

لنركز اليوم على العنف الجسدي المنزلي فهو آفة تقض مضجع وتماسك المجتمعات, حيث يعاني عدد كبير من البشر حول العالم من العنف الأسري في صمت مطبق لعدة اعتبارات ثقافية واجتماعية, إذ يصعب للضحية التخلص من العنف الممارس عليها للرابط الاجتماعي والمادي الذي يربطها بمعنفها.

من يعنف من؟
نحن نعيش في مجتمع بسلم تراتبي, حيث يتربع قمة السلم الأقوياء اجتماعيا واقتصاديا وجسديا وذهنيا وفي القاعدة الضعفاء الذين يمارس عليهم العنف.
بمعنى أن الأقوى جسديا سيعنف الأضعف جسديا كقاعدة بديهية, وبالإضافة للقوة الجسدية هناك عدة اعتبارات أخرى كالمكانة الاجتماعية التي تسمح لفئة من الناس بتعنيف فئة أخرى بغض النظر عن القوة الجسدية, حيث يتقبل المجتمع مبدئيا أن تقوم بعض الشرائح ممارسة العنف على شرائح أخرى تربطها علاقات اجتماعية ما.
أيضا يمكن للضحية أن تتعرض للعنف الجسدي وتلتزم الصمت بسبب القوة الاقتصادية المالية بيد المعنف, حيث يكون المعيل الوحيد للضحية فتصبر على التعنيف كي لا تتعرض للفقر والتشرد.
كذلك القدرات العقلية التي تسمح للأصحاء بتعنيف أصحاب الإعاقات الذهنية والاضطرابات النفسية الذهانية أو كبار السن الذين بدأت قدراتهم العقلية بالتدهور.

كلما كان المجتمع متخلفا وبدائيا كلما كانت التراتبية صارمة والهوة بين شرائح المجتمع واسعة, وكلما كان متقدما تقلصت الهوة وأعطيت الأولوية للشرائح الأضعف.
 نجد مثلا ببعض الأوساط الفقيرة المضطربة يتساوى لدى الناس المريض العقلي بالحيوان, فيعامل معاملة هذا الأخير.

العوامل المؤدية للعنف الجسدي:
1- قلة الوعي وضعف التعليم: يلجأ أصحاب التعليم المتواضع والوعي المنخفض لحل مشاكلهم عن طريق العنف الجسدي أكثر من غيرهم, لأنهم يفتقرون لوسائل التواصل والنجاعة في التعامل مع الآخر, حيث يضرب الآباء أبناءهم بعنف كروتين يومي قصد التربية, ورغم أنه سلوك تعده مجتمعات جريمة يدخل على إثرها الأبوان السجن كما هو الحال بالقارة العجوز, إلا أنه في مجتمعاتنا النامية سلوك متقبل نسبيا من طرف أفراد المجتمع, والقوانين العربية تعاقب الآباء فقط في حال دخول الطفل المستشفى بين الحياة والموت جراء التأديب - التعذيب لا أدري...
على أي, لا يقع كل اللوم على عاتق الآباء بل على دولهم التي لا توفر تعليما مناسبا وبرامج تدريبية عن كيفية التعامل مع الأطفال وتربيتهم, فيرى بعض الآباء أن من الاستحالة تربية الأطفال بدون ضرب, ويبررون ذلك بكونهم هم أنفسهم تربوا عن طريق الضرب بالبيت والمدرسة والشارع, وهذا صحيح تماما, فالضرب هو أسلوب بدائي في التربية مارسته البشرية منذ الأزل, ولتغيير معتقداتهم أنت بحاجة لمدهم بالبديل الناجع, إذ أنهم يفتقرون لمهارات التعامل مع الأطفال وفهم نفسياتهم ودوافع سلوكاتهم, لذا إذا كانت الدول لا توفر تعليما وتكوينا لأفراد المجتمع عن كيفية التعامل مع الوضع فلا يجب أن نلوم الآباء على لجوئهم لطرق بدائية تمارسها البشرية منذ قديم الزمان, هذا يشبه لوم شخص يتداوى بالأعشاب في حين لم توفر له الدولة مستشفى وأدوية, أو لوم فلاح يحرث الأرض بمحراث يجره ثور.
 بمعنى آخر.. لا أحد يستمتع بضرب أبنائه إلا إن كان يعاني خللا, لذا التفلسف النظري من خلف الشاشات لا يغير الواقع على ما بلغني هذا والله أعلم.
ولا تفهم من كلامي عزيزي القارئ أنه تشجيع على ضرب الأطفال بل هو تفسير لحال المجتمع
2- التعرض للعنف بالصغر: وعودة لعبارة "هكذا ربانا آباؤنا الأولون" فإن من عوامل لجوء الشخص للعنف هو تعرضه هو ذاته للعنف, فالإنسان الذي تعرض للإساءة بالصغر يميل أكثر من غيره للعدوانية وممارسة العنف هو الآخر بالكبر, لأن هذا ما تعلمه كأسلوب في التواصل وقضاء الحاجات.
فالأطفال أبناء بيئتهم يتعلمون السلوك من الآباء والمحيطين بهم ويكتسبون المعارف ويكونون المعتقدات من هذا المحيط.
إذ أن مختلف الدراسات رصدت أن الطفل الذي يرى أباه يضرب أمه احتمال أن يعنف زوجته المستقبلية يزيد, والطفل الذي يتعرض للتعنيف احتمال أن يعنف أبناءه المستقبليين يزيد.
وبالمقابل فإن الطفل الذي يشهد العنف أو يمارس عليه العنف يتقبل مستقبلا أن يمارس عليه العنف, فالطفلة التي ترى أمها تعنف تتقبل أكثر من غيرها تعنيف زوجها المستقبلي لها, والطفل الذي ينشأ ببيت تحكمه أم متسلطة عنيفة يتقبل بالمستقبل أكثر من غيره زوجة مستقبلية عنيفة ومتسلطة...وهكذا.

اقرأ عن تعلم اليأس

3- أعراف اجتماعية:  تعد مكانة المرأة الاجتماعية بشكل عام أقل من مكانة الرجل بالأوساط النامية, فيضرب الزوج زوجته لتقاعسها في تحضير الشاي, أو حتى دون سبب مطلقا نتيجة بعض المعتقدات التي توصي الزوج بضرب زوجته من حين لآخر تعبيرا عن الحب إذ يقول المثل الروسي القديم "إذا ضربك زوجك فهذا يعني أنه يحبك" أو من أجل فرض الهيمنة والاحترام أو من أجل تأديب الزوجة, وقد تتقبل الزوجة الأمر بطيب خاطر وتوصي ابنها بتغطية جسد زوجته بالكدمات هي الأخرى كما فعل بها والده, وهذه المعتقدات منتشرة في بعض الأوساط العربية بالتأكيد, ولا يتدخل القانون في هذه الحالات لأن لا أحد بكى أو شكى, اللهم إلا إن توفيت الزوجة على يد زوجها حينها لن يشرح الزوج للقاضي أن المرحومة كانت راضية لأن هذا لن ينفع في الذوذ عنه.

يقوم بعض الرجال الذين يمارسون العنف ضد زوجاتهم بتبرير ذلك بأنهم يأتمرون بما ذكر بالقرآن الكريم, فحتى لو كان الرجل لا يصلي ولا يصوم إلا أنه قد يبرر تكسير عظام زوجته ب "واضربوهن" وقد يكتب هذه الكلمة مرصعة بالأحجار الكريمة ويعلقها ببهو المنزل للزينة, أما "واهجروهن في المضاجع" فلا يحفظها على ما أعتقد.
في واقع الأمر ليس للآية الكريمة أي علاقة بارتفاع أو انخفاض نسبة العنف, بل يتخذها البعض مبررا لسلوكهم العدواني وكآلية دفاع نفسي, مما يوحي لنا أن سبب العنف هو تطبيق مغلوط للآية, فنسب تعنيف الزوجات لا تختلف في البلدان العربية عن أي دولة غير إسلامية نامية, بل تفوق بعض الدول غير الإسلامية في نسبة تعنيف الزوجات, ففي تقرير لعام 2006 صادر عن الهند حول العنف المنزلي ضد المرأة شمل إحصائيات مختلف الطوائف الدينية بالهند تبين أن أعلى نسبة نساء معنفات كانت بين الطائفة البوذية بنسبة 41 بالمائة تليها المسلمين والهندوس بحوالي 34 و33 بالمائة, رغم أن أصل تعاليم بوذا هو نبذ العنف إلا أن البوذيين بالهند يعانون العنف المنزلي أكثر من غيرهم من الطوائف كمفارقة عجيبة, لأن البشر يقومون بتوظيف الأديان حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وسنتحدث عن هذا في موضوع آخر بإذن الله...باختصار كلما عم الجهل كلما انتشر الفقر والعنف بمختلف أشكاله وتلاوينه.

عزيزي القارئ دعني أخبرك أنه قد تغير الزمن واقتحمت المرأة مجال العنف أيضا كما هو اقتحامها لبقية المجالات وصارت الزوجات يضربن أزواجهن في العديد من بقاع البلدان العربية, احدى الدول العربية نشرت إحصائية خرافية عن كون نسبة مرعبة من النساء يضربن أزواجهن وهذا واقع قد يراه البعض طريفا أومثيرا للسخرية, مما يجعله غالبا في طي الكتمان لحساسيته بالنسبة للرجل المعنف, فبعض الرجال بسبب ضعف شخصياتهم واضطرابها أو سلميتهم السلبية أو غيرها من الأسباب قد يتعرضون للتعنيف من طرف زوجاتهم الأمازونيات, بالعادة الرجل لا يعاني الكدمات أو الجروح من تعنيف زوجته, بل يعاني آلاما نفسية تفوق أحيانا الآلام النفسية التي قد تعانيها المرأة المعنفة بسبب زعزعة هويته وكيانه كرجل بمجتمع يعلي مكانة الرجل, كما أن شكواه قد تعرضه للسخرية واللوم, عكس المرأة التي تشكي وتبكي طول الوقت دون أن تثير سخرية أحد, وسيردد المجتمع عبارات من قبيل "يستحق! ليس رجلا! ضعيف شخصية! عار على الرجال..." وغيرها من العبارات رغم أن ضعف الشخصية والسلبية في التعامل ليستا جرما يستحق عليه الإنسان الإهانة والتعنيف.

اقرأ عن  ثقافة لوم الضحية

على كل حال تبقى نسبة الرجال المعنفين ضعيفة مقارنة بالنساء المعنفات.

4- سلوكات الضحية: أحيانا يكون العنف نتيجة سلوك الضحية المثير لنوبات الغضب, فنرى بعض الأمهات لا يضربن إلا ابنا واحدا بسبب تصرفاته, أو رجلا كان يضرب زوجته الأولى التي طلقها بسبب نكدها المستمر ولا يضرب زوجته الثانية.
كما أن المرأة التي تعنف زوجها قد يكون نتيجة عطالته ونومه بالبيت طول اليوم.
ولا يجب عزيزي القارئ أن تفهم من كلامي أنه تبرير للعنف بل هو مجرد تفسير للأسباب كما هي بالمجتمع, فلا يجب أن نردد عبارات "يستحق" أو "تستحق" لأن العنف ليس حلا لأي مشكل, ولا يستحق أي إنسان أن يمارس عليه العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس.

5- الضعف الاقتصادي: تتقبل الضحية أحيانا العنف الممارس ضدها نتيجة القوة الاقتصادية بيد المعنف, فأغلب النساء اللائي يتعرضن للتعنيف باستمرار لا يحبذن الطلاق لأنه سيعرضهن للضياع والفقر برفقة أطفالهن خصوصا إن كن ربات بيوت فقط.
لذا تكون للمرأة ذات المدخول المادي المستقل عن زوجها خيارات أوسع مقارنة بالمرأة التي لا معيل لها غير زوجها.
بجل الدول العربية الحل غالبا يكون في خروج المرأة للعمل الشاق بعد الطلاق, أما بالدول المتقدمة يتم تخصيص مدخول قار للعاطلين والنساء الحاضنات بالإضافة لمدخول للأطفال والقاصرين يدفع للآباء يكفيهم للعيش بكرامة على الأقل حتى دون توفر وظيفة.
في حين بالبلدان الفقيرة والنامية لا خيار للمرأة المعنفة إلا الخروج للعمل الشاق بمداخل زهيدة ومن تم الطلاق, وإن تعذر عليها ذلك فهي تبقى صابرة مخافة التشرد.
الأمر ذاته بالنسبة لكبار السن, لأنه بمجتمعاتنا العربية يعيش أغلب كبار السن تحت رعاية الأبناء الذكور ولا يتوفر عدد كبير من هؤلاء المسنين على مدخول مادي مطلقا أو على مدخول (معاش التقاعد) لا يكفي حاجياتهم ومتطلبات فترتهم العمرية من أدوية وتحاليل مكلفة وغيرها من الحاجيات. فلا يكون لديهم أي بديل إذا ما تعرضوا للتعنيف من طرف أبنائهم أو زوجات أبنائهم...ومجددا توفر الدول التي تحترم نفسها مدخولا لكبار السن وأنظمة رعاية صحية ونحوه...

6- الاضطرابات النفسية: من بين أهم الأسباب التي تقود للعنف هو تعاطي المخدرات والكحوليات التي تطمس العقل وتغير السلوك, وبالإضافة للمواد المخدرة يتميز حاملوا بعض الاضطرابات النفسية بالعنف وضعف التعاطف, كالشخصية السيكوباثية والشخصية الشكاكة والحدية والنرجسية وأصحاب نوبات الغضب الجامح وبعض الاضطرابات الذهانية التي تؤدي للغيرة المرضية وغيرها...

وبالمقابل يعاني حاملوا بعض الاضطرابات النفسية والإعاقات الذهنية من ممارسة العنف عليهم من طرف أفراد أسرهم الذين يشعرون بالعجز في كبح جماحهم وسلوكاتهم اللامعقولة, فيتعرض المرضى للضرب والتكبيل والتجويع وغيرها من الممارسات العنيفة.

أهمية القوانين والأنظمة في كبح العنف:
بدون أنظمة وقوانين فإننا كحيوانات ناطقة سيأكل القوي فينا الضعيف, القوانين وجدت أصلا لحماية الضعفاء وهي تعمل على التخفيف من التراتبية الصارمة بالمجتمع, وكلما كان المجتمع متطورا كلما خفت قوة هذه التراتبية.

بالمجتمعات الغربية مثلا قاموا عن طريق سن القوانين بقلب السلم التراتبي, فالاهتمام الأكبر ينصب أولا على الحيوان, الطفل, ذوي الاحتياجات الخاصة, كبار السن, المرأة ثم الرجل في آخر المطاف.
حيث تعطي تلك المجتمعات اهتماما أكبر وأولوية للفئات الأضعف فالأقل ضعفا...
فلو قام رجل ببعض دول أوربا الغربية بالتبليغ عن ضرب زوجته له فإنه قد يتعرض هو للإيقاف والتحقيق ظلما وجورا بسبب شكوك كون الزوجة قد لجأت للضرب دفاعا عن نفسها, حيث ينظر للمرأة على أنها ضحية أغلب الأوقات وتُعطى لها الأولوية الحمائية, وتعطى الأولوية للطفل قبل المرأة, فتعتقل الأم إذا بلغ عنها طفلها المدلل أنها ضربته.
وهذا ينطبق على بقية الشرائح الاجتماعية الضعيفة, و قريبا ستتحول حياة الحيوان بأوربا أهم من حياة الإنسان أو ربما قد صارت كذلك وأنا لا أدري.

على أي نجحت هذه القوانين من تقليص العنف الجسدي الممارس بالبيوت, لكنها لم تتمكن من إيقافه تماما لأن القوانين لا يمكنها التدخل في البيولوجيا والسيكولوجيا, فالرجل لازال أقوى جسديا من المرأة التي لازالت تغتصب وتضرب حتى الموت بأوربا وبغير أوربا, كما أن هذه القوانين الخلابة عملت على تدمير بنية الأسرة ببعض الدول الأوربية لطبيعة نمط الحياة هناك.
تراجعت روسيا مؤخرا عن قانون مهم يخص العنف الممارس على الزوجة أو الحبيبة أو الصديقة سمها ما شئت.
إذ أن القانون بروسيا لم يقلص من العنف الممارس ضد المرأة, بل كل ما فعله هو إدخال عدد كبير من الرجال السجون, فالرجال الروس لا يهابون السجون كما وأن المرأة الروسية تهرع لتبلغ الشرطة عند أول صفعة, فما كان من الروس إلا العودة للجاهلية الأولى وإخراج قانون أطلق عليه "قانون الصفع" ينص على عدم معاقبة أي رجل ضرب شريكة حياته بالسجن حتى وإن دخلت مخفر الشرطة تبكي وتولول بالروسية, حيث تقتصر العقوبة فقط على غرامة مالية إن كانت فعلة الرجل الأولى مادام لم يتسبب بتكسير عظامها والله المستعان.

ما يجب أن تدركه جيدا عزيزي القارئ أنه لا وجود لثنائية الأسود والأبيض بالحياة, بمعنى أنك قد تضع قانونا رائعا يعطي نتائج مبهرة من جهة في حين يكون مدمرا من جهة أخرى, كما ولا يمكن إسقاط تجربة مجتمع على مجتمع آخر بثقافة مغايرة.
فوضع قانون ضد العنف على المرأة بالعالم العربي لن يدخل الرجال السجون كما بروسيا, لأن النساء العربيات لن يقفن طوابير أمام مخفر الشرطة لإدخال أزواجهن السجون عند أول صفعة كما هو حال الروسيات فالمرأة العربية تحكمها قواعد مجتمعية وعادات وتقاليد وإكراهات عديدة, بالإضافة لعدم استعظام الضرب غير المؤذي مقارنة بالمرأة الغربية.
كما أن الرجل العربي لا يتناول الفودكا يوميا فيذهب عقله, ولا يشعر بالغيرة من رؤية خليلته ترقص مع خليله رقصا خليعا بالخمارات لأن هذا النمط من الحياة لا نعيشه بالمجتمعات العربية.

انسجام مع الأنا وعدم انسجام مع الأنا

8
انسجام الأنا وعدم انسجام الأنا مصطلحان من مصطلحات علم النفس التحليلي الفرويدي الذي حاول فرويد من خلالهما تفسير حالة الصراع الداخلي و الانسجام التام لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية كالنرجسية.
قسم فرويد النفس البشرية إلى ثلاثة أجزاء هي الهو (Id) والتي تعبر عن الجانب الحيواني فينا وتمثل مختلف الغرائز والرغبات والعواطف الطبيعية, والأنا الأعلى (Super Ego) الذي يمثل مجموع القيم العليا والمبادئ والأخلاق التي نكتسبها في مراحل حياتنا, بينما يعتبر الأنا (Ego) مزاوجة بين الهو والأنا الأعلى وبالتالي فالأنا يعكس الهوية وشخصية الإنسان التي توازن بين الهو والأنا الأعلى.

ما هو الانسجام مع الأنا و عدم الانسجام مع الأنا؟ 
يرى فرويد أن مفتاح الصحة العقلية والنفسية هو الوعي بمختلف الدفاعات النفسية والمحفزات والصراعات التي تدور بين الهو والأنا الأعلى, والتي تمثلها وتعكسها الأنا, لذا يتمحور علم النفس التحليلي الفرويدي على الغوص في أعماق النفس البشرية والبحث عن هذه المحفزات والصراعات والدفاعات لتفسيرها للفرد قصد علاج اضطراباته النفسية.
جميعنا لدينا قيم ومبادئ ورغبات ودوافع ومحفزات إلى نحو ذلك, وفي بعض الأحيان نجد أن بعض المشاعر والأفكار تنسجم تمام الانسجام مع ذواتنا في حين تنتابنا أفكار ومشاعر لا تنسجم مع الأنا فنحاربها رغبة في التخلص منها.

- يقصد بانسجام الأنا أن الشخص يكون في توافق وتناغم مع مفاهيم أناه وذاته متقبلا لمشاعره وسلوكاته وأفكاره وشخصيته وهي بالتأكيد أمر ايجابي إن كانت هذه الأفكار والمشاعر تعكس الواقع  وكانت ذات طبيعة إيجابية, كأن يكون الشخص انطوائيا وهو يعلم أنه انطوائي ولا يجد أي إشكال في كونه انطوائيا, إنه لأمر جيد إذن.

- يقصد بعدم الانسجام مع الأنا أن الشخص يشعر بغربة أفكاره أو مشاعره عنه ولا يتوافق معها ويرغب في إخمادها وتغييرها, كأن يكون الشخص انطوائيا ولكنه دائم البحث عن وصفات بالنت تزيد من قدراته التواصلية ويود لو أنه شخص أكثر اجتماعية وإقداما على محادثة الآخرين.

لكن الانسجام مع الأنا لا يكون ايجابيا في كل الحالات كذا لا يكون عدم الانسجام مع الأنا سلبيا دائما...تخيل معي الآن أن شخصا حسودا ومتناغما مع مشاعره وأفكاره أخبرك أنه يحسد فلانا ويتمنى زوال النعمة عنه, وإذا حاولت أن تناقشه حول كون الحسد مذموما أخبرك أنه لا يجد إشكالا في كونه حسودا.
هذا شخص إذن لديه انسجام تام مع الأنا ومتسامح مع مشاعر الحسد لديه وبالتالي يصعب تغيير رؤيته, وهذا سينطبق حتى على من يستخدم آلية الدفاع النفسي كالحسود الذي ينكر أنه يشعر بالحسد, إذ لو أخبرت شخصا أن يتوقف عن حسد الناس واستحقار إنجازاتهم فإنه على الأرجح سيخبرك أنه لا يشعر مطلقا بالحسد وأنه ينتقد انتقادا موضوعيا لإنجازات الآخرين وأن كلامه منطقي ويمثل الحقيقة, وسيصعب عليك إقناعه بأن كلامه نابع من مشاعر الحسد لأنه يعيش حالة إنكار وكذب على الذات, فالأنا الأعلى لديه تذم الحسد وهو يشعر بالحسد فما كان منه إلا أن كذب على نفسه وأقنعها أنه لا يشعر بالحسد بل يتحدث من منطلق الواقع.

اقرأ عن التنافر المعرفي.

والآن تصور شخصا شعر بالحسد من نجاح زميل له فانتابه عدم انسجام مع هذه المشاعر ولام نفسه على مشاعره وحاول كبتها وإخمادها واعترف بنجاح زميله وهنأه على عمله الدؤوب, إذن عدم الانسجام مع المشاعر السلبية أدى لمحاربتها لدى هذا الشخص.
اضطرابات الانسجام مع الأنا.
لاحظ فرويد في مساره المهني وبعد محاولة علاج عدة حالات  أنها أحيانا تعيش عدم انسجام مع ما يعتريها من مشاعر وأفكار في حين لا ترى حالات أخرى أي مشكل في مشاعرها وأفكارها, بل تلقي باللائمة على محيطها والآخرين.
 وقد انتبه كيف أن حاملي بعض اضطرابات الشخصية يعيشون انسجاما تاما مع الأنا وإنكارا لحقيقة شخصيتهم وأفكارهم غير السوية فهم عاجزون تماما عن لمس مكمن الخلل في شخصياتهم.
ركز فرويد في هذا الشأن على حامل الشخصية النرجسية, إذ ينكر النرجسي أنه نرجسي ويطلق على عجرفته مسمى ثقة عالية بالنفس, واستخفافه واحتقاره للآخرين مسمى قوة وصرامة إذ يحيط النرجسي نفسه بدفاعات نفسية عالية ينكر من خلالها واقع وحقيقة اضطراب شخصيته, لذا وجد فرويد أنه من الصعب ويكاد يستحيل علاج أصحاب الاضطرابات المنسجمة مع الأنا, لأن التركيز يجب أن ينصب حول إقناع المريض أنه مريض أولا قبل علاجه.

من بين اضطرابات الأنا المنسجمة سنجد اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية شبه الفصامية الذي لا يرى صاحبها أن أفكاره غريبة ومنفصلة عن الواقع, واضطراب الشخصية الوسواسية الذي قد يضيق الخناق على أفراد أسرته وأصدقائه بدعوى الحرص والنظام وهو لا يعلم كون تصرفاته وأفكاره وسواسية, واضطراب الشخصية الشكاكة التي يشك ويرتاب حاملوها من المحيطين بهم وهم على اقتناع تام بمنطقية أفكارهم.
اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع (سيكوباثي وسوسيوباثي) شخص لا يشعر بأي مشاعر بالذنب أو المسؤولية اتجاه تصرفاته وقد يسيء للآخرين وهو مدرك لحجم الأذية التي يسببها لهم ولكنه لا يبالي مطلقا لأنه منسجم مع ذاته.

قد يقع صاحب السلوك الادماني في انسجام مع الأنا فيجلس الشاب أمام لعبة الفيديو يقضي ساعات طوالا من اللعب منكرا كونه مدمنا مدعيا أنه قادر على التوقف عن اللعب متى شاء, في حين أنه لا يفعل أي شيء آخر غير اللعب مهملا حياته وواجباته.
كذا المقامر الذي ينكر حقيقة إدمانه على القمار, وغيرها من السلوكات الادمانية, بل حتى متعاطوا المواد المخدرة يعيشون في حالة انسجام مع الأنا أحيانا وينكرون حقيقة إدمانهم وبالتالي يصعب ويستحيل إقناعهم بالعلاج لأنهم لا يرون أنفسهم مدمنين أصلا.

اضطرابات الأكل, كفقدان الشهية العصابي الذي تمتنع فيه المراهقات عن تناول الطعام بسبب اعتقاد راسخ بأنهن بدينات واللائي يتحولن لهيكل عظمي, هو اضطراب جد منتشر بين مراهقات وشابات العالم الغربي, فالفتاة لا ترى أنها هيكل عظمي مطلقا بل تعتقد أنها تبدو رائعة بمظهرها المرعب, وتصر على أنها تتناول الطعام باعتدال في حين أنها لا تتناول الطعام إلا نادرا, ويكون مصير عدد كبير جدا منهن الموت المحقق, هن منسجمات مع سلوكهن وعاجزات عن رؤية مكمن الخلل بتصرفاتهن وأجسادهن.

انسجام الأنا بهذه الاضطرابات وغيرها يجعل من مهمة الأهل والأصدقاء إقناع الشخص بضرورة العلاج صعبة وحتى أثناء العلاج تكون الاستجابة جدا ضعيفة وفي الغالب لا يستمر المضطرب بتلقي العلاجات لأنه لا يقتنع أبدا بأنه مريض.
ويكون الضحية في الغالب هم المحيطون بالمضطرب الذين يعانون من تصرفاته, في حين تتدمر حياة المضطرب شيئا فشيئا وهو لا يدري أنه السبب بل يلقي باللائمة على الآخرين والظروف.

اضطرابات عدم الانسجام مع الأنا.
بعض الاضطرابات النفسية يعاني أصحابها من غربة أفكارهم وعدم انسجام مع صورة ذواتهم كما هو الحال مع الشخصية التجنبية التي يعاني منها حاملها من مشاعر القلق والخجل من تفاعله مع الآخرين, وهو يرغب في التخلص من مشاعره وأفكاره دون جدوى, أيضا حاملوا اضطرابات الوسواس القهري وعلى عكس أصحاب اضطراب الشخصية الوسواسية (سنتحدث عنه لاحقا) يعانون من وسواسهم ويرغبون في التخلص منه وهم غير منسجمون مطلقا مع مشاعرهم وأفكارهم, في حين اضطراب الشخصية الوسواسية وهو اضطراب آخر لا يرى حامله أنه يوسوس ويبالغ في حرصه ونظامه.

أصحاب بعض السلوكات الادمانية يعانون أيضا من إدمانهم ويرغبون في التخلص من إدمانهم ويعيشون عدم انسجام مع الأنا, فقد يدمن الشاب على ألعاب الفيديو كما بالمثال السابق ولكنه يعلم أنه يضيع ساعات طوالا أمام الشاشة ويرغب في التخلص من إدمانه وحد ساعات لعبه ولكنه يعجز عن ذلك فيقع في دوامة تأنيب الضمير.
وهذا ينطبق على بقية السلوكات الادمانية, فكما قد ينسجم البعض مع إدمانهم يشعر البعض الآخر بعدم انسجام.

حاملوا اضطرابات القلق والفوبيات أيضا يشعرون بأن قلقهم ومخاوفهم غير مبررة ويرغبون في التخلص منها ولكنهم عاجزون عن ذلك.
وغيرها الكثير من الاضطرابات.

وبشكل عام فإن حاملي اضطرابات عدم الانسجام مع الأنا أكثر قابلية للجوء للعلاج ومحاربة أفكارهم ومشاعرهم المزعجة, كما أنهم يعانون في حياتهم أكثر من حاملي اضطرابات الانسجام مع الأنا, لأن الصراع النفسي لديهم شديد وهم في حرب يومية مع اضطرابهم.

ماذا عنك؟
والآن عزيزي القارئ هل لديك أفكار ومشاعر لا تنسجم مع ذاتك والأنا لديك؟ هل يمكنك جرد هذه المشاعر والأفكار؟
هل لديك أفكار ومشاعر سلبية مدمرة وأنت منسجم معها؟ هل سبق وأخبرك الآخرون أن سلوكات أو مشاعر أو أفكار صادرة منك بها خلل وأنكرت أنت ذلك؟
طبعا لا يمكنك رصدها أو تذكرها لأنك منسجم معها ولا ترى خللا فيها, ولكنها تبقى موجودة لدينا جميعا, لا نرصدها نحن بل يرصدها الآخرون فينا ونجد نحن لها مبررات ومسميات أخرى.

أنماط الانطوائيين

7
لازال علماء النفس يبحثون في أغوار النفس البشرية وسلوكها ومزاجها ويحاول كل عالم إضافة تفاصيل ونسج نظريات حول الشخصية الإنسانية, وتحظى سمة الانطوائية والاجتماعية بدراسات عديدة كونها مازالت عصية عن الفهم والإحاطة الشاملة لمختلف جوانبها.

كان أول من فصل في هاتين السمتين هو عالم النفس التحليلي كارل يونغ والذي كان انطوائيا هو ذات نفسه, إلا أن تعريفه للانطوائية والاجتماعية كان نابعا من ذاته ومشاعره الشخصية ولم يكن قد صاغ نظريته بتجرد بعيدا عن ذاته, إذ ليس كل انطوائي كما وصف وليس كل اجتماعي أيضا كما وصف, لعل الصفات التي ساقها كانت تنطبق على شخصه هو فعممها على الجميع.
أتى بعد ذلك عدة علماء نفس للشخصية ومن بينهم عالم النفس آيزنك الذي أعطى تعريفا مختلفا عن تعريف يونغ ولكن تعريفه ظل يتطرق لجانب واحد من جوانب السمة الانطوائية والاجتماعية.

اقرأ عن نظرية يونغ للانبساطي والانطوائي

اقرأ عن تعريف آيزنك للانبساطي والانطوائي

سأحاول اليوم عرض نموذج وتصنيف حديث للانطوائية غير شهير ولا يحظى باهتمام بالغ ولكنه يبقى مفيدا.

الصورة النمطية للانطوائي:
لاحظ جوناتان تشيك وهو بروفيسور أمريكي في علم النفس يدرّس حاليا باحدى جامعات أمريكا أن المفاهيم التي خصصها العلماء للانطوائية متعددة بشكل كبير وتختلف فيما بينها مما يجعل السمة يعتريها الغموض إذ لا وجود لتعريف حالي متفق عليه للانطوائية والاجتماعية, بالإضافة لكون تعريف الانطوائية بمختلف الأعمال والنظريات ومن بينها سمات الشخصية الخمس الكبرى تعريف مبني على مقارنة الانطوائية بالانبساطية, بمعنى أن العلماء جعلوا الانطواء هو مقابل للاجتماعية في مختلف نظرياتهم (انطوائي VS اجتماعي) وهذا ما يراه تشيك غير صحيح بالضرورة.
 بناء على هذا عمد تشيك على محاولة صياغة تعريف أكثر دقة للانطوائية وذلك بدراسة السمة في معزل عن بقية السمات كخاصية إنسانية متفردة بعيدة عن كونها مجرد مقابل للاجتماعية, وتأتّي له ذلك عن طريق العودة لأعمال العلماء الذين سبقوه وأخذ مقاييسهم المختلفة والتي تحدد مختلف جوانب الشخصية (مقياس الاجتماعية, مقياس الخجل, مقياس الانفتاح بسمات الشخصية الخمس, مقياس الحساسية, مقياس النرجسية...وغيرها الكثير من المقاييس) وطرح أسئلة مختلف المقاييس على عينة ضخمة من المتطوعين قصد استخلاص العوامل والفوارق بين مختلف الانطوائيين. فخرج أخيرا تشيك في دراسته بأربعة أنماط للانطوائية.
1- الانطوائية الاجتماعية:
 هذا هو المفهوم الشائع بين البشر لمفهوم الانطوائية, وهو نمط من الانطوائيين لا يتفاعل مع عدد كبير من البشر فهو شخصية تفضل أن تكون دائرة معارفها ضيقة, وقد يفضل أصحاب الانطوائية الاجتماعية الشديدة الوحدة بدلا عن التفاعل مع الآخرين.
يمكن القول أن صاحب الشخصية ذات الانطوائية الاجتماعية هو فعلا مقابل لصاحب الشخصية الاجتماعية.
يحبذون قضاء وقت مع أنفسهم بالمنزل في أنشطتهم الشخصية كعالم الانترنت أو القراءة أو اللعب أو مشاهدة التلفاز أو أي نشاط يزاولونه بمفردهم في عزلة عن الآخرين ويجدون متعة في البقاء بمفردهم أكثر من أنهم يشاركون أنشطتهم الآخرين.
يفضل أصحاب الانطوائية الاجتماعية المعتدلة التفاعل مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء والأقارب ويرحبون بحضور الحفلات التي لا تحتوي على عدد كبير من الغرباء, ولكنهم سرعان ما يشعرون بالإرهاق بعد كل حفلة ومناسبة اجتماعية.
انطوائيتهم ليست بسبب الخجل أو القلق أو كره للبشر ولكنه مجرد تفضيل للعزلة وإيجاد متعة وراحة بقضاء الوقت مع أقل عدد من المعارف.
يشعر بالغالب الانطوائيون اجتماعيا بأن الآخرين يسيئون فهمهم وينعتونهم بصفات لا تمثل واقعهم "كالخجل, الأنانية, العقد..." بسبب تكتمهم وعدم حديثهم عن ذواتهم, هم لا يتعمدون عدم الحديث عن أنفسهم ولكنهم لا يجدون ما يقولونه ولا يشعرون أن هناك ما يمكن قوله بهذا الخصوص, بل أحيانا يشعرون وكأن ذهنهم صار عبارة عن ورقة بيضاء إذا ما طلب منهم الحديث في موضوع ما يخصهم, وقد يبذلون مجهودا في تجميع الأفكار, هم لا يشعرون بالريبة من البشر أو القلق هم فقط يفضلون قضاء الوقت مع أنفسهم أكثر من الآخرين.

2- الانطوائية القلقة:
عكس الانطوائية الاجتماعية فإن هؤلاء الأفراد يلجؤون للانطواء بسبب القلق, هم يجدون صعوبة في التفاعل مع الآخرين بسبب وعيهم الذاتي الشديد, قد ينعتون أنفسهم على أنهم سيئون من ناحية المهارات الاجتماعية أو لا يجيدون الكلام أو التصرف أمام الآخرين أويعانون من الخجل من الغرباء, هم يشعرون بانزعاج مستمر من أنفسهم لذا يفضلون الانطواء والبقاء في عزلة وتجنب المناسبات أو اللقاءات الاجتماعية كي لا يتعرضوا لمشاعر القلق والخجل, إذا دخلوا قاعة مليئة بالبشر فقد تضايقهم الأعين المحذقة ويشعرون وكأنهم محط أنظار الجميع.
ورغم تفضيلهم للعزلة إلا أنها لا توفر لهم الراحة لأنهم يجترون أحداث اليوم في تفكير مستمر ومزعج, فيلومون أنفسهم على كلام قالوه ما كان يجب أن يُقال أو تصرف ماكان يجب أن يتصرفوه أو يفكرون في معاني وخلفيات كلام الآخرين الموجه لهم أو موقف محرج تعرضوا له, يصابون بالإرهاق الشديد من التفاعل حتى مع أصدقائهم المقربين, فلا يتصرفون على سجيتهم معهم وقد يتكلفون معهم أو يظهرون شخصية لا تمثل واقع شخصيتهم ولا يبوحون بأفكارهم ومشاعرهم لأصدقائهم لأن هذا يضايقهم بشدة, وكثيرا ما يصرحون أن أصدقاءهم والمحيطين بهم لا يعرفون شيئا عنهم, وعكس الانطوائي الاجتماعي الذي لا يقصد إخفاء حقيقته فإن الانطوائي القلق يسعى لإخفاء حقيقته لأن إظهارها محرج ومزعج ومقلق بالنسبة له, وقد يلوم نفسه ويندم لاحقا إن باح لصديق له بمكنوناته.

3- الانطوائية التفكيرية:
هي انطوائية يتمتع أصحابها بخيال واسع وتفكير مستمر في قضايا عديدة وكثيرا ما يضيعون وسط خضم أفكارهم المتزاحمة, يتمتعون بوعي بمشاعرهم ودواخلهم ويفكرون كثيرا في ما يدور بعوالمهم الداخلية, هم لا يعانون من القلق أمام الآخرين ولا ينفرون التجمعات الكبيرة كما بالانطوائية الاجتماعية أو الانطوائية القلقة, قد يكون للشخص دائرة واسعة من المعارف حتى, هم فقط يعيشون في عالمهم الخاص, فقد يظهرون أمام الآخرين بمظهر الانطوائي لأنهم مشغولون بالتفكير في أحلامهم والقضايا التي تشغل بالهم وربما مشاركتها الآخرين من حين لآخر, ولكنهم بشكل عام لا يجدون أي مشكل أو إرهاق في التفاعل مع الآخرين وقد يرحبون بحضور الحفلات من حين لآخر ولكنك سرعان ما تراهم شاردين منزوين في ركن بالحفل تائهين في أفكارهم.
إذا قرأ أحدهم كتابا أو شاهد فيلما مثيرا قد يتخيل نفسه مكان شخصيات القصة, قد يتخيل نفسه في المستقبل أحلام يقظة, ويحب تحليل ذاته ومشاعره, يميل هذا الشخص للانطواء والانزواء بذاته فقط للغوص في أحلام يقظته وعيش عالمه الخاص.

4- الانطوائية المقيدة:
وهو آخر نوع من الانطوائية عند تشيك وهم الأشخاص الانطوائيون ليس لأنهم يفضلون التفاعل مع مجموعة صغيرة بل قد يكونوا عكس ذلك يحبون قضاء الوقت وسط التجمعات الكبيرة من حين لآخر ولا يعانون من القلق كما أنهم لا يتيهون وسط أفكارهم هم بكل بساطة بطيئون في حركتهم وفي تفكيرهم وردات فعلهم.
هم يفكرون مليا قبل البدء بالحديث لإبداء آرائهم, يتحدثون بوتيرة بطيئة وتكون نبرة صوتهم بالعادة منخفضة, وحتى أثناء سيرهم تكون خطواتهم بطيئة وقد يستغرقون مدة طويلة للقيام بعمل واحد, مما يجعلهم يقعون في خانة الانطوائية بسبب هذا البطء.
إذا استيقظوا مكثوا في أسرتهم مدة قبل أن يتحركوا, قد يجلس الواحد منهم مدة طويلة قبل أن ينهض وكأنه يشحن نفسه بالطاقة, لا يندفعون أبدا للقيام بأمر ما وليد اللحظة بل تجدهم يفكرون مليا في ما يجب عمله, طاقتهم منخفضة ويتمتعون بالاسترخاء ويميلون لحب الاسترخاء وعدم شغل أنفسهم أو إرهاقها بالعمل غير الضروري.

ماذا عنك؟
قد تكون عزيزي القارئ قد وجدت أن لديك شيئا من كل نمط وهذا صحيح فحتى لو كنت اجتماعيا قد تجد أن بعضا من الصفات تنطبق عليك سواء المتعلقة بالقلق أو البطء أو التفكير ولكنها تبقى بنسب ضئيلة مقارنة مع الانطوائيين.
أنت كشخص انطوائي قد تتوفر على نسب من كل نمط بتفاوت فمثلا هذا نموذج لفرد بانطواء قلق غالب وانطوائية اجتماعية غالبة أيضا.
 قام تشيك رفقة تلميذاته بتطوير مقياس خاص (اختبار) بالانطوائية لمساعدة الفرد على معرفة نوع الانطواء الأكثر هيمنة في شخصيته وقد ترجمته ولكن حدث خطأ وضاع مني بعد جهد ووقت ضائع فكسلت إعادة كتابته مجددا, وعلى كل حال فهو اختبار غير دقيق.

اقرأ عن قصة الثعلب والعنب الحامض


مقارنة نموذج تشيك ببقية نماذج نظريات الشخصية:
لابد وأنك لاحظت تشابها بين نموذج تشيك ونماذج للشخصية أخرى كنموذج يونغ وآيزنك وغيرهما, وهذا صحيح لأن تشيك لم يأتي صراحة بالجديد بل عمد على مدنا بخلاصة مختلف النظريات بعد تجميعها لدراسة سمة الانطوائية, حيث أن لكل عالم تعريفه الخاص بالانطوائية وقد حاول تشيك وتلميذاته التفصيل في أجزاء كل تعريف ومن تم استخلاص أربعة أنماط للانطوائية.

نظرية العجز المتعلم, كيف نكتسب اليأس

5
نظرية العجز المتعلم أو المكتسب واحدة من النظريات المهمة بعلم النفس والتي سلطت الضوء على ظاهرة نفسية خطيرة ألا وهو اكتساب العجز عن طريق التعلم, إذ يصاب الكائن بالعجز ويستسلم أمام محفز مزعج أو مؤلم دون محاولة التخلص منه.
اكتشف هذه الظاهر عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان (ولد عام 1942) في ستينيات القرن الماضي عن طريق الصدفة, إذ كان الشاب سليجمان حينها يحاول محاكاة إشراط بافلوف الكلاسيكي على الكلاب فأحضر بضعة كلاب ربطها كي لا تهرب ووضع أمامها
مصباحا كلما استنار صعقهم تيار كهربائي مؤلم, وذلك قصد تعليم الكلاب الهرب كلما استنار أمامهم المصباح لاحقا.
بعد ذلك وضع سليجمان هذه الكلاب بدون رباط في ما يشبه القفص به جانبان أحدهما به تيار كهربائي والآخر بدون تيار فكان ينير المصباح معلما الكلب أن الصعقة قادمة قصد الهرب للجهة الأخرى الآمنة
ولكن هذا لم يحدث إذ أن الكلب كان ينبطح أرضا في استسلام تام كلما رأى المصباح يستنير ويبدأ بالأنين من آلام الصعقة الكهربائية منتظرا زوالها.
استغرب سليجمان من تصرف الكلاب, فأحضر كلابا أخرى لم يسبق أن صعقها بأي تيار كهربائي ووضعها في القفص وعند تسليط الصعقة الكهربائية أخذت الكلاب تعوي وتئن وتتبول على نفسها من الفزع باحثة عن مهرب ومن تم تقفز للجانب الآخر من القفص لتنجو من الصعقة.
استنتج سليجمان حينها أن الكلاب التي قام بربطها بداية مسلطا عليها الصعقة الكهربائية تعلمت أنه مهما حاولت الهرب والافلات من الصعقة فإنه لافائدة ترجى من المحاولات بسبب الرباط وحتى بعد إزالة الرباط لم تحاول أبدا الكلاب الهرب رغم أن الحل موجود أمامها وما عليها إلا الخطو خطوة واحدة للتخلص من الآلام, أي أن الكلاب تعلمت العجز.
التجربة على البشر:
بعد مضي بضعة أعوام قرر سليجمان تكرار التجربة وهذه المرة على البشر وبالتأكيد ليس عن طريق الصعقات الكهربائية بل بالضجيج.
حيث أحضر مجموعة من المتطوعين وأفهمهم أنه سيسلط عليهم ضجيجا مزعجا وعليهم إيقاف الضجيج عن طريق الضغط على مجموعة من الأزرار فيما يشبه  حل لغز فإذا قاموا بحل اللغز اختفى الضجيج.
قسم سليجمان المتطوعين لمجموعيتن إحداهما كان يسلط على أفرادها الضجيج باستمرار مهما ضغطوا من أزرار, والمجموعة الأخرى كان الضجيج يتوقف كلما ضغطوا الأزرار بشكل صحيح.
قام بعد ذلك بمراقبة سلوك المجموعتين لاحقا,فلاحظ أن المجموعة التي سلط عليها الضجيج باستمرار توقف أغلب أفرادها عن تجريب ضغط الأزرار وجلسوا منزعجين من الضجيج منتظرين زواله كما فعلت الكلاب, في حين استمرت المجموعة الأخرى في الضغط على الأزرار كلما أتى الضجيج.
أي أن نتيجة التجربة على البشر كانت مماثلة لتلك التي تخص الكلاب.

مؤثرات العجز المتعلم:
 بعد اكتشافه للظاهرة صاغ سليجمان بمساعدة  زملائه نظرية العجز المتعلم والتي فسر فيها آلية حدوثها وذلك بتفصيل ثلاث مؤثرات أساسية:
1- التأثيرات التحفيزية: أي كائن يقوم بمحاولة ما أيا كان هدفها فهو يكون مدفوعا من توقعاته المنتظرة بالحصول على النتيجة المرجوة, بمعنى أن الكلاب لما صعقت بالكهرباء وهي مربوطة فقد كانت تقوم بمحاولات للتخلص من الكهرباء, والبشر الذين كانوا يضغطون الأزرار فلأجل التخلص من الضجيج أي أن الذي يحفزهم على العمل وتكرار المحاولة هو توقع الحصول على النتيجة المنتظرة, وبالتالي فعدم حصولهم على نتائجهم المرجوة يضعف الحافز لديهم للاستمرار في المحاولات.

2- التأثيرات المعرفية: بسبب المحاولات الفاشلة لوضعية غير متحكم بها كالصعقات الكهربائية والضجيج فإن الكائن يتعلم أن هناك انفصالا بين محاولاته وتوقف الضرر, أي أن دماغ الكائن سيحدد المعادلة (أ) لا تؤدي إلى (ب) وسيتوقف عن القيام ب(أ) وينتظر حدوث (ب) التي لا يعرف كيف ومتى تحدث, أي أن عجزا معرفيا يحدث للكائن, فالكلاب والبشر بالتجربة لا يعرفون ما هو الإجراء الذي يجب القيام به للحصول على النتيجة ولا الفعل الذي يؤدي لتوقف الصعقة والضجيج.
هذا العجز المعرفي يبقى ملازما للكائن, فحتى عندما وضعت الكلاب في صندوق يمكنهم الهرب من الصعقات عن طريق خطوة واحدة فضلوا الانبطاح وانتظار زوال الصعقة, وكذا فعل البشر مع الضجيج الذين لم يجربوا أبدا مجددا الضغط على الأزرار حتى وإن كان الضغط هذه المرة سيجعل الضجيج يزول, أي صار لديهم ما يشبه القصور المعرفي, والخطير بالموضوع أن الكائن يتعلم بسرعة فائقة العجز ويصعب تغيير هذا التعلم, حيث أن الكلاب التي تعلمت العجز استغرقت مدة طويلة جدا كي تقتنع مجددا بأن خطو خطوة واحدة سيبعدها عن الصعقة وكذا البشر.
 

3- التأثيرات العاطفية: عند وضع كائن ما في حالة مشابهة بتسليط محفز كريه مؤلم أو مزعج غير قادر على التحكم به فإن هذا الكائن سيختبر بالتأكيد عواطف سلبية من غضب وخوف وقلق وغيرها من العواطف السلبية, وستتطور حالته العاطفية إلى الرضوخ التام والاستسلام للأمر الواقع فيصير متقبلا بوضعه الحالي كما حصل مع الكلاب التي انبطحت منتظرة الصعقة لتتألم وهي مستكينة صابرة عكس الكلاب التي صعقت أول مرة والتي فزعت وتبولت ونطت من مكان لآخر قصد التخلص من التيار الكهربائي.

العجز المتعلم بالحياة:
الآن عزيزي القارئ لابد وأنك تفكر في نماذج حياتية للعجز المتعلم, بالتأكيد قام سليجمان وزملاؤه بدراسة العجز المتعلم في حياتنا اليومية, ودعنا نخمن في بعض النماذج ولنبدأ بالمدرسة, فإن الأستاذ الذي يعطي طلابه اختبارات صعبة كل حين سيكسبهم العجز فيتعلمون أنه مهما درسوا مادة هذا الأستاذ فإن مصيرهم الفشل وبالتالي حتى وإن كان اختبار الأستاذ سهلا فإن النتائج لن تكون كنتائج من يختبر تلك المادة لأول مرة دون المرور بتجارب فاشلة.
قد نرى بعض الأفراد الذين يعيشون عنفا أسريا غير قادرين على التخلص من الحالة التي يعيشون فيها حتى وإن بدا الحل بالنسبة للملاحظ سهلا لأنهم عاشوا العجز طوال سنوات عديدة فحتى عند توفر الحل فإنهم لا يلجؤون إليه.
هذا ما يحدث مع الاغتصاب أيضا حيث يعتاد الطفل الذي يتعرض لاعتداء جنسي على أن محاولاته للتخلص من المغتصب تبوء دائما بالفشل كونه طفلا, فيصير عاجزا مستسلما حتى بعد بلوغه سنا يمكنه من التخلص من المعتدي, فيتساءل الناس بعدها ... ولكن لماذا لم يقاوم المعتدي بعد أن كبر بالسن؟
الأسوء من ذلك أن الشخص الذي يتعرض للتعنيف في صغره قد يبدي عجزا لاحقا في مجالات عديدة, فلو افترضنا أن طفلا تعرض للتعنيف من والديه باستمرار لأسباب لا يتم شرحها للطفل مسبقا, فإن الطفل سيتعلم العجز لأنه غير مدرك لمكمن الخلل الذي يؤدي به للعقاب وقد يصير عاجزا فاشلا حتى في أمور حياته كالعمل والزواج وغيرها, فلا يلجأ لتغيير حياته للأفضل بالشكل المطلوب لأنه تعلم منذ صغره أن المحاولات لا ترتبط بالنتائج.

وعلى أي فإنه لا يكون هذا هو الحال دائما فمهما كان الأمر نبقى بشرا نختلف بتركيبتنا المعقدة عن بقية الكائنات, فقد يمر الإنسان بظروف يحصل فيها عجز ولكنه يتجاوز هذا العجز أو لا يتوقف عن الاستمرار بالمحاولات قصد التغيير للأفضل, ومسألة الاستسلام تتفاوت من فرد لآخر بتدخل معايير أخرى عديدة.
وبالتالي لا يمكنك توقع سلوك كل فرد من البشر على حدة بعد اختباره لحالة العجز, ولكننا نستطيع على الأقل تفسير جانب منه.

الميثومانيا أو الكذب المرضي

7
الكذب سمة إنسانية طبيعية وفطرية ننميها بطفولتنا بمرحلة تطور شخصياتنا ومهاراتنا الاجتماعية, حيث يختلق الأطفال العديد من الأكاذيب لتجنب العقاب أو نيل الأهداف أو حتى دون سبب.

هل يبدو لك كلامي غريبا؟
لا أدافع هنا عن الكذب بل أفسره.
الكذب نوع من الخداع المتمثل بمد الآخر بمعلومات مغلوطة عن قصد, وهو سلوك تمارسه بعض أنواع الحيوانات أيضا التي قد تتظاهر بأنها ميتة أو أن تحفر حفرة متظاهرة أنها تخفي فيها طعامها في حين أنها تخفيه في مكان آخر لإبعاد المنافسين وغيرها من الأساليب التي تبقيها على قيد الحياة, ولأن الإنسان كائن كبقية الكائنات فهو يطور أيضا في طفولته مهارة الكذب للبقاء على قيد الحياة في المواقف التي تتطلب تغيير الحقائق للنجاة أو نيل الأهداف وللتفاعل السليم مع المجتمع.
قد يزعج الآباء لجوء طفلهم للكذب, وقد يعتبرون الأمر انتكاسة أخلاقية خصوصا إن أكثر الطفل من اختلاق الأكاذيب, لذا إن كان طفلك أو أحد أقاربك من الأطفال يكذب فاطمئن لأن حاله سيتغير مع مرور السنين, ما عليك إلا تبيان سوء صنيعه باللين.
ويمكنك مشاهدة هذا الفيديو الذي يمثل تجربة وضع فيها الأطفال لكبح رغباتهم وعدم لمس قطعة الحلوى, إلا أن ثلاثة أطفال من أصل أربع لجؤوا للكذب بخصوص عدم لمسهم للحلوى بشكل مقنع تماما للسائل, وقد بينت التجارب كيف أن أكثر من ثلثي الأطفال يكذبون لنيل أهدافهم أو هربا من التوبيخ.

الطفل ليس بريئا: 
يبعث الأطفال كل سنة عددا كبيرا من الآباء والأقرباء والغرباء للسجون ظلما بسبب إختلاق قصص اعتداء وسوء معاملة أو ادعاء مشاهدة جريمة لم تحدث حيث تعتد بعض القوانين حول العالم بشهادة الأطفال, يلجأ الأطفال للكذب للتخلص من سطوة آبائهم أو إخوانهم أو كنوع من العقاب لعدم تلبية رغباتهم, وقد يكذبون دون سبب حول حادث لم يشهدوه مطلقا.
لا تعتد بشهادة الأطفال في القوانين العربية إلا إن رافقتها الأدلة, فيفلت عدد كبير من المعتدين على الأطفال من العقاب للأسف.
هي مشكلة إذن تحتاج لمعالجة, كي لا يظلم أحد.
الكذب في المعتقدات الدينية: 
لا يطور البشر سمة الكذب بالطفولة عبثا, فهي كغيرها الكثير من السمات الضرورية التي تحتاج لتأطير.
بشكل عام فإن الكذب يعد بالإسلام وكما بغالبية الأديان إثما من الآثام, إلا أنه مباح في مواضع ثلاث, الحروب وإصلاح ذات البين والكذب بين الزوجين لتوطيد العلاقة بينهما من قبيل الغزل ونحوه, وكل ما دخل في نطاق هذه الحالات كإجازة بعض الفقهاء الكذب على المريض بخصوص حالته الصحية لرفع معنوياته (شخصيا لا أوافق هذا) أو الكذب على من يهدد حياة الشخص وممتلكاته وذلك للإفلات منه والنجاة... 
في معتقدات أخرى دعوة للتجنب المطلق للكذب مهما كان غرضه ساميا حتى لو تهددت حياة الإنسان, في حين لم تتطرق بعض المعتقدات الدينية للكذب مطلقا.
وفي أديان أخرى والتي عاش معتنقوها على مر العصور كأقليات وبسبب الاضطهاد الذي عانوا منه من طرف الأغلبية التي كانوا يعيشون في كنفها, عمد الكهان والأحبار على تطوير معتقداتهم على مر الزمن لتبيح الكذب بإطلاق على غير معتنقي نفس ديانتهم.

متى نكذب؟
بعيدا عن المثالية فإن أغلب البشر يكذبون لنيل أهداف بعيدة عن كونها حالات حرجة أو ذات نوايا حسنة, فحسب بعض الإحصاءات فإن الإنسان الطبيعي الغربي قد يكذب بمتوسط خمس كذبات باليوم (تزيد أو تقل) ولا أظن الأمر مختلفا عن الإنسان العربي إلا من رحم ربي.
الصورة مترجمة من مقال بمجلة ناشيونال جيوغرافيك تحتوي متوسط النسب المئوية لأنواع الكذب لدى الإنسان الطبيعي السوي.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن الإنسان الطبيعي السوي ليس مثاليا, وبالتأكيد فإن النسب تتغير من فرد لآخر حسب شخصيته والظروف التي يعيشها وخلفيته الثقافية.

الكذب كمرض:
الأن لننتقل لموضوعنا الأساس الكذب المرضي, والذي يقصد به الإفراط في الكذب بمعدل يفوق المتوسط ولأهداف غير واضحة, فكما نرى بالصورة فإن الإنسان السوي يكذب لأهداف واضحة ونادرا ما يكون كذبه بلا أي معنى مجهول الأسباب.
فالإنسان على أي حال يرتكب في حياته العديد من الآثام لأغراضه الشخصية.
بالنسبة للكذب المرضي فإن الشخص يكذب كذبا غير واضح الأسباب غالبا, أو بأهداف غير مقنعة لا يجد الإنسان السوي داعيا لها, وبشكل مزمن متكرر.

لا يصنف الكذب المرضي مرضا بحد ذاته بل عرضا مرافقا لبعض الاضطرابات النفسية كاضطرابات الشخصية: النرجسية, المضادة للمجتمع, الحدية, الدرامية...
- الشخصية المضادة للمجتمع: يعاني صاحب هذا الاضطراب من ضعف حاد في الشعور بالذنب والمسؤولية لذا يقدم على الكذب والخداع لنيل أهدافه أيا كانت أو طلبا للمتعة, فيتنوع كذب الشخص المضاد للمجتمع ليشمل كل مناحي حياته, لنيل المآرب ولأذية الآخرين وللمتعة ولغيرها الكثير...

- الشخصية النرجسية والدرامية: يشترك صاحب اضطراب الشخصية النرجسية مع اضطراب الشخصية الدرامية في كونهما يعشقان لفت الانتباه والتقدير, لذا يتمحور كذب هاتين الشخصيتن عادة في الأمور المرتبطة بتحسين صورة الذات كادعاء الحصول على شهادات عليا أو وظائف مرموقة أو عيش قصة حب عارمة, أو نيل جوائز ونحوه من الأكاذيب التي تعلي من شأن المضطرب....

- الشخصية الحدية: بسبب عدم وضوح الهوية وضبابية الأنا وعدم السيطرة على الاندفاعات فإن صاحب اضطراب الشخصية الحدية يلجأ للكذب بشكل اندفاعي دون أن يكون لكذبه أهداف واضحة.

- اضطرابات الجهاز العصبي: قد يفرط في الكذب بعض مرضى الصرع بسبب تأثر جهازهم العصبي, كذا من تعرضوا لإصابات بالدماغ أو عدوى بالجهاز العصبي.

- اضطرابات الجسدنة: بعض أنواع اضطرابات الجسدنة تتمحور أكاذيبهم حول صحتهم أو صحة مقربيهم فيدعون المرض للفت انتباه وشفقة الآخرين.

الميثومانيا أو الكذب المبهر:
في بعض الأحيان يرصد الكذب المرضي لدى أشخاص لا يعانون من أي اضطرابات نفسية, وهذا فتح باب الجدل بين العلماء في كون اعتبار الكذب المرضي اضطرابا نفسيا قائما بذاته وليس مجرد عرض مرافق لاضطرابات أخرى.
يكذب البعض بشكل اندفاعي ومستمر في أمور لا معنى لها, ويكون كذبهم عادة غرضه إبهار السامع...
وربما عزيزي القارئ سبق وصادفت شخصا كذلك, يروي عن نفسه قصصا عارية عن الصحة, فيكذب بخصوص كل شيء بحياته, ابتداء من تاريخ ميلاده ومكان ازدياده ليوهمك أنه أصغر سنا ومن أسرة مرموقة إنتهاء بتزوير شهاداته...ويروي أحداثا يدعي أنها حصلت له لم تحصل فعلا كنجاته من انفجار أو اعتراض عصابة سبيله, أو مشاهدته لوقائع لم تقع أو لم يكن شاهدا عليها...سيروي بالتفاصيل المملة عن العصابة المزعومة, سيدعي التقاءه بشخصيات لم يلتقي بها, أو علاقته الغرامية مع شخص لم يسبق أن تحدث إليه, وأنه نجى من حادث مميت وأنه بطل في رياضة لم يسبق أن زاولها وغيرها من الأكاذيب المبهرة التي يكون الغرض منها تحسين صورته وإبهار المستمع وإدهاشه بكذبه.

يتمتع من يعاني من الميثومانيا عادة بذكاء لغوي إذ يجيد التحدث والتواصل ورواية القصص المختلقة بكل ثقة ودون أن يرمش له جفن, وعادة ما يصدق الآخرون قصصه لأنه هو ذاته يصدق كذبه ويقتنع به وقد يبلغ به التصديق مبلغ الوهم, فيصعب إقناعه هو ذاته أنه يكذب, لذا لا يعرف العلماء ما إذا كان مصاب الميثومانيا مدركا حقيقة لكذبه أم لا, كونه قد يقدم على إبلاغ الشرطة على حادث وهمي حصل له ويضع نفسه في المشاكل القانونية وقد ينتهي به المطاف في السجن بسبب كذبه بخصوص معلوماته الشخصية وشهاداته الدراسية أو انتحال صفة.

لا يعرف سبب علمي يؤدي بالأفراد للكذب المبهر...وعادة ما يرصد الأهل بسن مبكر كذب ابنهم المستمر, ولكن لا يمكن الحكم على الطفل إلا بعد بلوغه سن الرشد.
يصعب ويكاد يستحيل علاج صاحب الميثومانيا للتخلص من كذبه لأنه نمط حياة متكامل بالنسبة له فهو غير قادر على العيش إلا في خضم الأوهام, ولكن هذا لا يمنع تحمله لمسؤولية كذبه ولا يبرر أبدا لجوءه للكذب خصوصا إن كان مؤذيا للغير كفتح عيادة طبية مثلا دون دراسة الطب أو اتهام الغير زورا بجرائم لم يرتكبوها.

نظرية فرويد الجنسية

10
كنا قد تحدثتنا في موضوع سابق عن تقسيم فرويد لمكونات النفس البشرية.
اقرأ عن الأنا والأنا الأعلى والهو
الآن سنتحدث عن الجزء الذي يفسر حسب فرويد كل شيء.
إنها نظرية مراحل النمو الجنسي النفسي للإنسان, والتي من خلالها يعتقد فرويد أنها أصل المشاكل النفسية قاطبة.
ولابد من التأكيد هنا كالعادة أن هذه النظرية هي نظرة فرويد الشخصية للأمور وليست نظرية علمية جاري بها العمل, لأنها صارت متجاوزة حاليا.
وأيا كان الأمر فإن الإطلاع على نظرية فرويد جد ضروري لأنها جزء مهم من تاريخ علم النفس المعاصر.

ربما لعب المجتمع الذي كان يعاصره فرويد دورا كبيرا في تطويره للنظرية, إذ لا ننسى أن فرويد عاصر القرن التاسع عشر حيث كان الجنس يمثل "طابو" لا يمكن الحديث عنه بتلك السهولة, خصوصا في المجتمع اليهودي المحافظ الذي كان ينتمي له فرويد مما يفسر ظهور مرضى كثر بعقد ذات أصل جنسي عاينهم فرويد.

إن مفهوم الجنس عند فرويد جد موسع ولا يقتصر على العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة, إذ يعتبر أن النشوة التي يقدمها لنا الجلد كالدغدغة مثلا يدخل في إطار "الجنس".

قام فرويد بملاحظة نمو الأطفال وتطور نشأتهم وسلوكهم, وقد اعتمد على مراسلاته مع والد الطفل "هانز" الذي كان يرتعب من الأحصنة نتيجة شهوده حادث انقلاب عربة يجرها حصان, إلا أن فرويد فسر رعب الطفل في كتابه أنه ناتج عن رؤيته لقضيب الحصان الضخم.

قسم فرويد مراحل نمو الأطفال لخمسة مراحل:
1- المرحلة الفموية: وهي تبدأ من الولادة إلى غاية سنتين من عمر الرضيع وفيها يكون تركيز الرضيع على فمه لاكتشاف العالم, فهو سيرضع أولا من أمه, وسيجد متعة في عض ومص أي شيء تقع عليه يداه, من ألعاب وغيره.

2- المرحلة الشرجية: وهي تبدأ من سنتين إلى غاية أربع سنوات تقريبا, وفيها يتعلم الطفل التحكم في عملية الإخراج والذهاب للحمام, وحينها سيجد الطفل متعة في عملية الإخراج.

3- المرحلة القضيبية: من ثلاث سنوات أو أربع إلى غاية سبع سنوات تقريبا وحينها يكتشف الطفل عضوه التناسلي وقد يجد متعة في العبث به.

4- مرحلة الكمون: من ست سنوات أو سبع إلى غاية سن البلوغ, وحينها يدخل الطفل مرحلة الكمون الجنسي.

5- المرحلة التناسلية: عند البلوغ يدخل الطفل مرحلة عمرية جديدة وتصير لديه مشاعر جنسية, ويصير جسمه قادرا على إقامة علاقة جنسية متكاملة.

عقدة أوديب:
 لابد وأن هذا المصطلح قد سبق ومر عليك, ولكن ما المقصود بعقدة أوديب؟
حسب فرويد فإن في كل مرحلة من المراحل الخمس يواجه الطفل تحديا للانتقال للمرحلة الموالية, فهو في المرحلة الفموية سيواجه تحدي الفطام, وفي المرحلة الشرجية سيواجه تحدي تعلم الحمام وفي المرحلة القضيبية سيواجه عقدة أوديب.
أوديب هو شخصية من شخصيات الأسطورة اليونانية والذي قتل أباه وتزوج أمه دون أن يدري.
حسب فرويد فإن الطفل يكون في بداية حياته متعلقا بأمه بشكل كامل وتمثل هذه الأم حبه الأول, لذا فالطفل يريد أمه حتى بالمفهوم الجنسي...وكما سبق وأشرت فإن مفهوم الجنس عند فرويد جد واسع ولا يقتصر على الجماع.
إذن هذا الطفل لن يرغب في أن يشاركه أمه أحد, لذا سيُكوّن عقدة أوديب وسيشعر بمشاعر الكراهية اتجاه أبيه, أي بمعنى آخر فإن الطفل سيغار على أمه من أبيه.
في هذه المرحلة القضيبية أيضا سيشعر الطفل بأهمية عضوه التناسلي وسيدرك أنه يختلف عن الإناث وعن أمه التي ليس لها عضو ذكري وهكذا سيخاف الطفل الذكر على قضيبه كثيرا وسيُطور ما أسماه فرويد بقلق الإخصاء, إذ أن الطفل الذكر سيخاف من كل ما هو حاد من سكاكين ومقص وغيره...
في حين أن الطفلة الأنثى ولأنها بدون قضيب ستدرك أيضا أنها ليست كالذكر وستشعر بالامتعاض من هذه الحقيقة لأن العضو الذكري رمز القوة والهيمنة, وبالتالي ستُطور ما أطلق عليه فرويد بالحسد القضيبي أي أنها ستغار من الذكور وسترغب في أن يكون لديها قضيب أيضا وهكذا تُظهر ولعاً اتجاه أي شيء يشبه القضيب كالأشياء البارزة.
إلا أن الطفلة التي تحب أيضا أمها في بداية علاقتها بها أيام كانت رضيعة لن تُطور قلق الإخصاء كما الذكر لأنه ليس لديها قضيب وبالتالي فحسب فرويد فإن الجنس عند المرأة ليس جد صارم التوجه من حيث الميل للرجل, كما هو عند الذكر الذي يميل بشكل صارم لأمه, فالأنثى تميل لأمها ثم بعد ذلك لأبيها لاحقا...كما أن الأنا الأعلى عند المرأة أضعف منه عند الرجل أي أنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
وأعود وأكرر أن هذا حسب ما يعتقده فرويد.
المشاكل النفسية المرتبطة بكل مرحلة:
 مشاكل في المرحلة الفموية نوعان سلبي وعنيف, السلبي متمثل في أن تقوم الأم بفطم رضيعها مبكرا قبل أن يشبع مرحلته الفموية, قد يُؤدي بالطفل لاضطرابات في الشخصية عندما يكبر فيصير مرتبطا أكثر بالآخرين ويبدأ بالقيام بنشاطات متعلقة بهذه المرحلة كإدمان تناول الطعام أو التدخين, في حين أن العنيف يتعلق بفطم الرضيع المبكر بعد أن تنمو له أسنان فيبدأ بعض حلمات أمه, فيكبر ليُطور سلوكات عصبية كعض القلم أو مضغ العلكة وعض الأشياء.

مشاكل المرحلة الشرجية أيضا نوعان سلبي وعنيف, فالطفل الذي كان يتعرض للعقاب من طرف والديه في مرحلة تعلم الحمام فإنه قد يتحول عندما يكبر لشخص جد محافظ ومرتب وعنيد وربما بوسواس نظافة..في حين أن الطفل الذي كان يستعطفه والداه كي يقضي حاجته بالحمام ويكافئانه كلما فعل ذلك بشكل صحيح فإنه سيكبر ليصير غير مرتب ومستهتر.

مشاكل المرحلة القضيبية: إذا تعرض الطفل الذكر للإهمال بهذه المرحلة من طرف أمه في حين كان يتعامل فقط مع والده فإنه سيكبر ليصير ضعيف الشخصية وبمشاكل جنسية وقد ينغلق على نفسه وينصرف للتركيز على التحصيل العلمي أو أن يتحول لمخنث.
أما الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف والدها والاهتمام من طرف أمها فإنها أيضا ستكبر بشخصية ضعيفة وستصير فتاة جد مؤنثة.
والعكس إن تعرض الطفل بهذه المرحلة للإهمال من طرف والده و الاهتمام من طرف والدته فقط, فإنه سيكبر ليصير باعتقاد راسخ أن لا أحد يحبه بهذا الكون مثل أمه وسيصير "ابن ماما" في حين أن الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف أمها والاهتمام من طرف أبيها فإنها قد تصير مسترجلة.

حسن الآن أدركت ملامح نظرية فرويد الجنسية.
يمكنك القراءة عن الانتقادات الموجهة ضد فرويد: انتقادات التحليل النفسي

كتاب نظرية الذكاءات المتعددة و MBTI - تأليفي

14
أهلا بك عزيزي القارئ
بعد مضي عام على كتيب إلكتروني ألفته حول نظرية يونغ للوظائف المعرفية, بدا لي أن علي تأليف كتيب آخر حول أنماط الشخصية مقترنة بنظرية الذكاءات المتعددة, وهذا بعد أن لمست إقبالا على تحميل الكتاب السابق بالمئات رغم أن طريقة التحميل معقدة وتتطلب الايمايل والمقدمة حوله كانت ساخرة ومستنقصة....-هو ليس استنقاصا بل وسيلة جذب حقيقة-.
أشكر كل من وثق وقام بتحميل الكتاب السابق.
كنت أرغب في إصدار هذا الكتيب قبل أسابيع ولكن وعكة صحية حالت دون ذلك وأخرتني كثيرا, لذا أعتذر من كل من راسلني ولم أرد عليه.
على كل فإن هذا الكتاب قد لا يكون كسابقه فبه بعض التعقيد وقد لا يروق الأشخاص غير المهتمين بالعلوم, لكنه بالنسبة لي أفضل من سابقه وغني بالأفكار وتنوع المصادر.
أما لماذا مجددا نظرية MBTI؟
فهي كما تعلم عزيزي القارئ وسيلة جذب ممتازة للقراء, إذ كنت بداية أود تأليف الكتاب حول نظرية الذكاءات منفردة ولكن قد لا يحظى الكتاب بعدد القراءات المرجوة لذا أضفت فيه فصلا للمقارنة بين النظريتين لعشاق MBTI.
أما إن لم تكن مهتما بMBTI أو لا تعرف ما هي وترغب فقط في القراءة عن نظرية الذكاءات المتعددة فلن يخيب ظنك لأنني اعتمدت الفصول ويمكنك تجاوز الفصل الذي أتحدث فيه عن MBTI
 لن أطلب الايمايل كما بالسابق كي يقرأ أكبر عدد ممكن.

تحميل الكتاب

نظرية الهوية الاجتماعية

9
كنت قد تحدثت سابقا عن الهوية الذاتية, وكيف أن الإنسان يمر بمراحل عديدة في حياته بحثا عن هويته الذاتية, الآن سنتحدث عن الهوية الاجتماعية والتي تمثل جزء مهما من الهوية الذاتية.

ما هي الهوية الاجتماعية؟
اقترح هنري تاجفيل (1919 - 1982) عالم النفس الاجتماعي البولندي أننا نقوم بتصنيف أنفسنا والآخرين في عدة مجموعات, حيث تشكل مجموعاتنا مصدر فخر لنا وجزء لا يتجزء من هويتنا (جنسية, عقيدة دينية, عرق, قبيلة, عائلة....), وقد يؤدي هذا التصنيف لما يسمى بالمحاباة أو التحيز لأفراد الجماعة, من خلال شعور (نحن vs هم).
يرى تاجفيل أن مفهوم الشخص لذاته ينبثق من إنتمائه للمجموعات, إذ ليس للإنسان هوية واحدة بل هويات متعددة بتعدد المجموعات التي ينتمي لها, وبالتالي فهو سيتصرف بشكل مختلف في كل مجموعة بناء على ما تتطلبه.

مثلا: أحمد رجل (مجموعة الرجال) شاب (مجموعة الشباب) عربي (مجموعة العرب) مسلم (مجموعة المسلمين) يلعب كرة القدم في احدى الأندية (مجموعة لاعبي كرة القدم + ناديه) أعسر (مجموعة مستخدمي اليد اليسرى) ....إلخ
بمعنى أنه يمكننا تصنيف أي شخص وتصنيف أنفسنا لما لا نهاية لها من المجموعة, نحن نعدد مجموعات لا متناهية, وكل شخص يتصرف داخل مجموعته على هذا الأساس.
وإن أردت أن تصنف نفسك للمجموعات الاجتماعية التي تنتمي لها واحترت في أمرك فما عليك إلا أن تطرح عليك أسئلة من قبيل: هل إذا أهان شخص مجموعتي سأتضايق وأشعر أنني معني بالأمر؟
مثلا لنثير ضيق أحمد الذي بالمثال واستفزازه لنضع مقولات لشخصيات متخيلة من مجموعات لا ينتمي لها:
- منى (مجموعة النساء) قالت أن الرجال تافهين.
- كريم (مجموعة لاعبي التنس) قال أن التنس أفضل من كرة القدم.
- جون (مجموعة اليهود) قال أن المسلمين متخلفين.
هذه المقولات المتخيلة ستستفز أحمد لأنها صادرة من مجموعات مختلفة لا ينتمي لها وتنال من مجموعاته, وقد يكون رده على هذه الشخصيات مشابها بالنيل من مجموعاتهم قصد الرفع من مجموعته.

كيف يصنف البشر أنفسهم في مجموعات؟
رأى تاجفيل وزميله عالم النفس الاجتماعي ترونر أن عملية تصنيف البشر تنطوي على ثلاث عمليات ذهنية:
 
1- التصنيف الاجتماعي: نحن في مسار حياتنا لا نتوقف عن تصنيف البشر لمجموعات وذلك قصد فهم المحيط الاجتماعي لكل مجموعة وفهم سلوك أفرادها وكيفية التعامل معهم, والأهم من ذلك أننا بتصنيف البشر نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن المجموعات التي ننتمي لها, كمثال (أحمد) فوق.
نحن نقوم بهذا التصنيف بشكل تلقائي, أي أننا ولدنا بخاصية تصنيف البشر للتمكن من التفاعل بشكل أفضل في المحيط الاجتماعي.

2- تحديد الهوية الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا فنحن سنتبنى هوية مجموعاتنا التي ننتمي لها وسنتصرف كما يتصرف منتموا كل مجموعة ونتبنى مجموع الأفكار والحمولة الاجتماعية التي تحملها كل مجموعة, بمعنى لو أخذنا مثال أحمد فكونه رجلا يدعوه لأن يتصرف كما يحدده له مجتمع الرجال, ابتداء من نوع الملابس والمهام الموكولة له ونظرته لنفسه, وكونه مسلما يجعله يسلك سلوك المسلمين, كما أنه لاعب كرة قدم بناد معين مما يجعله يتبنى مبادئ وقيم وأخلاق لاعبي كرة القدم وناديه.

إلا أن رأيا آخر عرف الهوية الاجتماعية كبنية معرفية إدراكية لا ترتبط بالضرورة بأي سلوك أو تبني لقيم وأهداف المجموعة, حيث أن السلوكات حسب هذا الرأي لا تعد إلا نتائج هذه المعرفة الإدراكية.
وكمثال: كريم رجل (مجموعة الرجال) ويصنف نفسه رجلا مثلي الجنس (شاذ جنسيا) يضع زينة نسائية وليست لديه اهتمامات الرجال.
أو أحمد يصنف نفسه رجلا مسلما (مجموعة المسلمين) لكنه لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ولديه العديد من الخليلات.
إذن من خلال المثالين فإن كريم وأحمد لا يسلكان سلوكات مجموعتهما ولا يتبنيان قيمهما وأهدافهما ولكنهما مع ذلك يصنفان نفسيهما ضمن هاتين المجموعتين لأنهما مرتبطان نفسيا بها معرفيا وإدراكيا.

3- المقارنة الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن مختلف المجموعات وبعد أن نحدد الهوية الاجتماعية لكل مجموعة ننتمي لها, فإننا سنبدأ بخلق مقارنات مع باقي المجموعات, وهذه المقارنات تكون غالبا في صالح مجموعتنا حيث نفضل مجموعتنا في أكثر الأحيان وذلك لما يمنحه التفضيل من رفع بالثقة بالنفس والفخر.
هذا التفضيل يتمظهر في شكلين مختلفين: مقارنة بالرفع من مجموعتنا على حساب المجموعة الثانية, ومقارنة بالحط من المجموعة الأخرى.
فلكي يشعر الشخص بالثقة بالنفس والفخر فإنه إما سيمدح مجموعته أو يحط من قدر المجموعة الأخرى.

الهوية الاجتماعية والعنصرية:
المقارنات هي الدافع نحو التحيز الذي يقود للتمييز والعنصرية.
 فأصحاب الجنسيات المختلفة يتبادلون المقارنات فيما بينهم بتفضيل كل شخص لجنسيته وأرضه ووطنه, والرجال والنساء في صراع دائم وكل جنس يحاول أن يعري مساوئ الجنس الآخر, وأصحاب الأديان المختلفة في صراع عقائدي وأصحاب الطوائف من نفس الديانة وأصحاب المذاهب المختلفة من نفس الطائفة, وعشاق كل رياضة ومشجعي مختلف الأندية من نفس الرياضة...إلى آخره من الأمثلة التي لا تنتهي, بل أن البشر في خلق مستمر لمجموعات جديدة كل حين للشعور بالانتماء والفخر والتميز.