نظرية الهوية الاجتماعية

8
كنت قد تحدثت سابقا عن الهوية الذاتية, وكيف أن الإنسان يمر بمراحل عديدة في حياته بحثا عن هويته الذاتية, الآن سنتحدث عن الهوية الاجتماعية والتي تمثل جزء مهما من الهوية الذاتية.

ما هي الهوية الاجتماعية؟
اقترح هنري تاجفيل (1919 - 1982) عالم النفس الاجتماعي البولندي أننا نقوم بتصنيف أنفسنا والآخرين في عدة مجموعات, حيث تشكل مجموعاتنا مصدر فخر لنا وجزء لا يتجزء من هويتنا (جنسية, عقيدة دينية, عرق, قبيلة, عائلة....), وقد يؤدي هذا التصنيف لما يسمى بالمحاباة أو التحيز لأفراد الجماعة, من خلال شعور (نحن vs هم).
يرى تاجفيل أن مفهوم الشخص لذاته ينبثق من إنتمائه للمجموعات, إذ ليس للإنسان هوية واحدة بل هويات متعددة بتعدد المجموعات التي ينتمي لها, وبالتالي فهو سيتصرف بشكل مختلف في كل مجموعة بناء على ما تتطلبه.

مثلا: أحمد رجل (مجموعة الرجال) شاب (مجموعة الشباب) عربي (مجموعة العرب) مسلم (مجموعة المسلمين) يلعب كرة القدم في احدى الأندية (مجموعة لاعبي كرة القدم + ناديه) أعسر (مجموعة مستخدمي اليد اليسرى) ....إلخ
بمعنى أنه يمكننا تصنيف أي شخص وتصنيف أنفسنا لما لا نهاية لها من المجموعة, نحن نعدد مجموعات لا متناهية, وكل شخص يتصرف داخل مجموعته على هذا الأساس.
وإن أردت أن تصنف نفسك للمجموعات الاجتماعية التي تنتمي لها واحترت في أمرك فما عليك إلا أن تطرح عليك أسئلة من قبيل: هل إذا أهان شخص مجموعتي سأتضايق وأشعر أنني معني بالأمر؟
مثلا لنثير ضيق أحمد الذي بالمثال واستفزازه لنضع مقولات لشخصيات متخيلة من مجموعات لا ينتمي لها:
- منى (مجموعة النساء) قالت أن الرجال تافهين.
- كريم (مجموعة لاعبي التنس) قال أن التنس أفضل من كرة القدم.
- جون (مجموعة اليهود) قال أن المسلمين متخلفين.
هذه المقولات المتخيلة ستستفز أحمد لأنها صادرة من مجموعات مختلفة لا ينتمي لها وتنال من مجموعاته, وقد يكون رده على هذه الشخصيات مشابها بالنيل من مجموعاتهم قصد الرفع من مجموعته.

كيف يصنف البشر أنفسهم في مجموعات؟
رأى تاجفيل وزميله عالم النفس الاجتماعي ترونر أن عملية تصنيف البشر تنطوي على ثلاث عمليات ذهنية:
 
1- التصنيف الاجتماعي: نحن في مسار حياتنا لا نتوقف عن تصنيف البشر لمجموعات وذلك قصد فهم المحيط الاجتماعي لكل مجموعة وفهم سلوك أفرادها وكيفية التعامل معهم, والأهم من ذلك أننا بتصنيف البشر نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن المجموعات التي ننتمي لها, كمثال (أحمد) فوق.
نحن نقوم بهذا التصنيف بشكل تلقائي, أي أننا ولدنا بخاصية تصنيف البشر للتمكن من التفاعل بشكل أفضل في المحيط الاجتماعي.

2- تحديد الهوية الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا فنحن سنتبنى هوية مجموعاتنا التي ننتمي لها وسنتصرف كما يتصرف منتموا كل مجموعة ونتبنى مجموع الأفكار والحمولة الاجتماعية التي تحملها كل مجموعة, بمعنى لو أخذنا مثال أحمد فكونه رجلا يدعوه لأن يتصرف كما يحدده له مجتمع الرجال, ابتداء من نوع الملابس والمهام الموكولة له ونظرته لنفسه, وكونه مسلما يجعله يسلك سلوك المسلمين, كما أنه لاعب كرة قدم بناد معين مما يجعله يتبنى مبادئ وقيم وأخلاق لاعبي كرة القدم وناديه.

إلا أن رأيا آخر عرف الهوية الاجتماعية كبنية معرفية إدراكية لا ترتبط بالضرورة بأي سلوك أو تبني لقيم وأهداف المجموعة, حيث أن السلوكات حسب هذا الرأي لا تعد إلا نتائج هذه المعرفة الإدراكية.
وكمثال: كريم رجل (مجموعة الرجال) ويصنف نفسه رجلا مثلي الجنس (شاذ جنسيا) يضع زينة نسائية وليست لديه اهتمامات الرجال.
أو أحمد يصنف نفسه رجلا مسلما (مجموعة المسلمين) لكنه لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ولديه العديد من الخليلات.
إذن من خلال المثالين فإن كريم وأحمد لا يسلكان سلوكات مجموعتهما ولا يتبنيان قيمهما وأهدافهما ولكنهما مع ذلك يصنفان نفسيهما ضمن هاتين المجموعتين لأنهما مرتبطان نفسيا بها معرفيا وإدراكيا.

3- المقارنة الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن مختلف المجموعات وبعد أن نحدد الهوية الاجتماعية لكل مجموعة ننتمي لها, فإننا سنبدأ بخلق مقارنات مع باقي المجموعات, وهذه المقارنات تكون غالبا في صالح مجموعتنا حيث نفضل مجموعتنا في أكثر الأحيان وذلك لما يمنحه التفضيل من رفع بالثقة بالنفس والفخر.
هذا التفضيل يتمظهر في شكلين مختلفين: مقارنة بالرفع من مجموعتنا على حساب المجموعة الثانية, ومقارنة بالحط من المجموعة الأخرى.
فلكي يشعر الشخص بالثقة بالنفس والفخر فإنه إما سيمدح مجموعته أو يحط من قدر المجموعة الأخرى.

الهوية الاجتماعية والعنصرية:
المقارنات هي الدافع نحو التحيز الذي يقود للتمييز والعنصرية.
 فأصحاب الجنسيات المختلفة يتبادلون المقارنات فيما بينهم بتفضيل كل شخص لجنسيته وأرضه ووطنه, والرجال والنساء في صراع دائم وكل جنس يحاول أن يعري مساوئ الجنس الآخر, وأصحاب الأديان المختلفة في صراع عقائدي وأصحاب الطوائف من نفس الديانة وأصحاب المذاهب المختلفة من نفس الطائفة, وعشاق كل رياضة ومشجعي مختلف الأندية من نفس الرياضة...إلى آخره من الأمثلة التي لا تنتهي, بل أن البشر في خلق مستمر لمجموعات جديدة كل حين للشعور بالانتماء والفخر والتميز.

نظرية التنافر المعرفي

2
تعد نظرية التنافر المعرفي واحدة من بين أهم نظريات علم النفس الاجتماعي والتي أتبثت حقيقة كيف أننا كبشر نميل لعقلنة اللامعقول للشعور بالرضى عند حدوث تنافر بين معتقداتنا وتصرفاتنا, بل أننا ننتهج هذا السلوك لاشعوريا في حياتنا اليومية.
صاغ النظرية عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر (1919 - 1989) بخمسينيات القرن الماضي, ولاتباث صحة نظريته ابتكر تجربة مثيرة أجراها على بعض الطلبة تفاصيلها كالتالي:

 قسم مجموعة من الطلبة لثلاث مجموعات طلب منهم إجراء مهمة جد مملة تمتد ساعة من الزمن, حيث على الطالب أن يدير بعض الأعمدة باتجاه عقارب الساعة, ولم يكن الطالب يعرف الهدف من هذه التجربة مما زاد من مللها.
بعد إتمام المهمة طلب من المجموعة الأولى أن يتجهوا لاحدى الغرف لملئ استمارة بها أسئلة حول المهمة التي أنجزوها, في حين طلب من المجموعة الثانية أن يكذبوا على بقية زملائهم الطلبة بقاعة الانتظار وإخبارهم أن التجربة جد ممتعة مقابل مدهم بدولار واحد (دولار بذلك الزمان يعادل حوالي 8 دولارات بزماننا هذا), أما آخر مجموعة فقد طُلب منهم الكذب على زملائهم وإخبارهم أن التجربة ممتعة مقابل 20 دولارا (حوالي 160 دولارا).
 بعد الإنتهاء من كل التجربة تم إجراء مقابلة مع الطلبة من كل مجموعة من طرف الأستاذ وطرح أسئلة حول مدى استمتاعهم بالمهمة ومدى اعتقادهم أنها تخدم العلم, وذلك بوضع علامة من 5 إلى -5 حيث أعلى درجة تمثل الاستمتاع الكامل بالتجربة, في حين أدنى درجة تمثل أقصى درجات الملل, فكانت نتائج المقابلة كالتالي:

مجموعة 20 دولار
مجموعة 1 دولار
المجموعة الأولى
الأسئلة بالمقابلة
مملة
ممتعة
مملة جدا
ما مدى استمتاعك بالمهمة؟
مهمة
مهمة جدا
مهمة
ما مدى أهمية التجربة علميا؟
أبدا
أجل
أبدا
هل تود المشاركة  في تجربة أخرى مشابهة؟

ماذا لاحظت في نتائج المقابلة؟ ألا يبدو لك أن نتائجها عزيزي القارئ نوعا ما غريبة؟ لماذا صرّحت مجموعة دولار واحد بأن التجربة ممتعة ومهمة للعلم في حين أن مجموعة عشرين دولارا صرّحت نفس تصريحات المجموعة التي لم تنل شيئا بأن التجربة مملة؟
بالنسبة لفستنغر وفريقه فإن النتائج كانت متوقعة, ذلك أن المجموعة الأولى والتي لم تنل شيئا هي مجموعة شاهدة يمكن قياس النتائج عن طريقها فهي الأصدق بين الثلاث لأنها لم تكسب شيئا وبالتالي فهي تجيب إجابة صريحة بأن التجربة مملة, في حين أن مجموعة الدولار الواحد اضطرت للكذب على الزملاء مقابل دولار واحد فقط وهذا بالنسبة لها غير مبرر للكذب على بقية الطلبة, لذا تولد ضغط نفسي وتنافر لدى هذه المجموعة لأن الكذب سلوك مذموم فاضطروا لتغيير معتقدهم بأن التجربة غير مملة بل ممتعة لكي يشعروا بالارتياح وأنهم لم يكذبوا على الطلبة بل قالوا لهم الحقيقة, أي أن مجموعة الدولار الواحد في واقع الأمر يكذبون على أنفسهم لاشعوريا ويقنعون أنفسهم أن التجربة ممتعة... بينما مجموعة العشرين دولارا لها مبرر قوي للكذب ألا وهو المال الوفير وبالتالي بالنسبة لهم الكذب على زملائهم مبرر مقابل عشرين دولارا, ولم تكن لديهم حاجة للكذب على أنفسهم بأن التجربة ممتعة بل هي بالنسبة لهم تبقى مملة.
بنى فستنغر نظرية التنافر المعرفي على ثلاث قواعد أساسية والمتبثة من خلال التجربة ألا وهي:
1- البشر جد حساسون اتجاه التناقض بين السلوك والمعتقد:
يمكننا إدراك التناقض الذي يحدث في حياتنا بين معتقداتنا وسلوكنا بسهولة, والتمييز بين ما نعتقده صوابا وبالتالي حدوث تناقض يؤدي لتنافر معرفي وانزعاج وعدم ارتياح, فنسعى لاشعوريا للموازنة بين السلوك والمعتقد لإزالة التنافر.

2- إدراك التناقض يؤدي للتنافر ومحاولة إيجاد حل لهذا التنافر:
نعيش في حياتنا تناقضات عدة بين معتقادتنا وسلوكاتنا, قد يدخن الإنسان وهو مدرك أن التدخين مضر للصحة مثلا, أو يسهر الليل وهو يعلم مضار السهر, أو غيرها من الأمثلة...
نحاول طول الوقت إيجاد حلول لهذه التنافرات المعرفية لنشعر بالارتياح, لذا قد يكذب ساهر الليل على نفسه ويخبرها أن الساهرين ليلا أشد ذكاء, وأن سهره هو نتيجة عبقريته الفذة, أو غيرها من الأكاذيب لحل معضلة التنافر المعرفي...

3- نحن نلجأ لثلاث مستويات لحل هذا التنافر:
- تغيير المعتقد: وهي أسهل طريقة لحل التنافر, فإذا كان الشخص بوسط اجتماعي يحرم الموسيقى في حين ينصت هو لها فقد يطمئن للتفسيرات التي تقول أن الموسيقى ليست حراما, أي أنه سيغير معتقده بما يتناسب وسلوكه...(هذا مجرد مثال ولا ينطبق على كل حالة) نحن نغير معتقداتنا مع مرور الزمن في أمور شتى بما يتناسب وسلوكاتنا, الأمر يطال أتفه التفاصيل, كأن يغير الإنسان اعتقاده بأن السهر مضر مثلا أو إفراط تناول السكريات أو أي معتقد مهما كان...

- تغيير السلوك: وهو أصعب من تغيير المعتقد لارتباط السلوك بالمحفزات التي لا نستطيع مقاومتها, لايمكن للمدخن الاقلاع بسهولة عن التدخين, لايمكن للكسول أن يتحول لمجد, لذا قد يغير معتقده بأن الدراسة أصلا بلا أي فائدة فهذا أسهل من فتح كتاب.

- تغيير الرؤية: أو وجهة النظر أو باختصار المراوغة والكذب على الذات كما حدث بالتجربة, حيث كان أمام مجموعة الدولار الواحد ثلاث اختيارات, إما تغيير معتقدهم بأن الكذب مذموم ويصير الكذب سلوكا رائعا باعتقادهم وهذا مستحيل, أو تغيير السلوك ورفض الدولار مقابل الكذب على الزملاء وقد استحال عليهم الأمر أيضا لأن المال لا يقاوم, لذا بقي أمامهم تغيير رؤيتهم بشكل كلي واعتبار التجربة ممتعة وبالتالي فهم لم يكذبوا على الزملاء منذ البداية لأن التجربة ممتعة.
أليس هذا حلا رائعا؟
المشكلة هنا أننا نفعل هذا لاشعوريا وبلا تفكير!!
أي أن الطلبة مقتنعون أن التجربة ممتعة, وهنا مكمن الخطورة.
لذا تجد شخصا يحب فنانا أو سياسيا قد ينزهه من أي خطئ فإذا سرق السياسي المال, أو لكم الفنان معجبة, قد يبحث له عن مبرر لتصرفه لاشعوريا وعن اقتناع بصحة المبرر.

 نحن جميعنا معرضون للتنافر المعرفي طول الوقت, أنا وأنت عزيزي القارئ يقودنا عقلنا كثيرا لاشعوريا ولا نستطيع معرفة متى يحدث ذلك لأنه يحدث طول الوقت, هل حاولت اكتشاف مرات حدوث ذلك لك؟ صعب جدا.
في واقع الأمر فإن هذا السلوك الذي ننتهجه للحد من التنافر المعرفي وإن كان يبدو مضحكا إلا أنه مهم جدا لنا كي نبقى بصحة نفسية جيدة, فأساس النظرة التفاؤلية هو إيجاد حل للتنافر المعرفي, فيمكن اعتبار مجموعة الدولار الواحد مجموعة متفائلة إن نحن قارناها بالمجموعيتن الأخرتين.

تقابل نظرية التنافر المعرفي بعلم النفس الاجتماعي نظرية ميكانيزمات الدفاع النفسي بعلم النفس التحليلي لدى فرويد.
اقرأ عن آليات الدفاع النفسي.

التعاطف العاطفي والتعاطف المعرفي

10
كثيرا ما نردد عبارات من قبيل أنا مدرك لشعورك, أنا أفهم جيدا ما تمر به...وغيرها من العبارات, وفي أحيان أخرى قد نشعر بالحزن والأسى من مصاب شخص, أو نفرح لفرحه, وكلها حالات تدل على تعاطفنا وتقمصنا الوجداني.
التعاطف هو قدرة الإنسان على الشعور وإدراك مختلف الحالات العاطفية التي يمر بها الغير من حزن وأسى وغضب وفرح في مختلف المواقف, للتعاطف أهمية كبيرة جدا في حياتنا فنحن كبشر كائنات اجتماعية نحتاج بعضنا البعض, لذا يلعب التعاطف دورا جد محوري في التعايش فيما بيننا.

إن كُسرت ساق أحدهم ووقع أرضا أمامك يصرخ ويتلوى ألما فإنه لو سبق ومررت بتجربة كسر العظم ستشعر بألمه وكأن تجربة الكسر تمر بها مجددا وأنت تشاهده يتألم, لكن لو لم يسبق لك أن تعرضت للكسر فإنك رغم ذلك ستفهم أن هذا الشخص على الأرض يشعر بألم شديد, أنت حينها لن تشعر بألمه حقيقة ولاتعرف إحساسه لأنه لم يسبق لك أن اختبرته لكنك مع ذلك قادر على فهمه وتقديره.
وبالتالي التعاطف أو ما قد يسمى أيضا التقمص الوجداني نوعان: تعاطف عاطفي كما بالحالة االأولى وتعاطف معرفي كما بالحالة الثانية.

 التعاطف العاطفي:  أن تشعر بشعور الآخر, أنت ستحس بالألم أو الفرحة أو الغضب الذي يشعر به الطرف الآخر لأنك ستتقمصه عاطفيا وستتخيل نفسك مكانه وتشعر بشعوره.

التعاطف المعرفي: أن تدرك وتتفهم ما يمر به الشخص وبالتالي تتعاطف معه معرفيا, أنت لم يسبق وأن مررت بالتجربة كما أنك غير قادر على الشعور بشعوره.

غالبا ما نتعاطف عاطفيا مع من يشبهنا, ولنضع مثالا كلاسيكيا نصادفه كل مرة وهو صراع الزوج والزوجة, فلو أن زوجة قتلت زوجها بسبب المشاكل ستتعاطف النساء مع المجرمة وسيتوقعن أن الزوج كان سيئا معها مما دفعها لقتله, هن إذن تعاطفن معها لأنها امرأة مثلهن, في حين لو أن زوجا قتل زوجته بسبب المشاكل سيتعاطف الرجال مع المجرم وسيعتبرون صنيعه نتيجة تنكيد الزوجة عليه عيشه وإفقاده صوابه.

يتعاطف الإنسان بشكل أكبر مع من يشبهه سواء الجنس (تعاطف النساء مع النساء والرجال مع الرجال) أو مع عرقه وديانته ومجموعته بشكل عام, فأنت لو رأيت إنسانا غربيا أشقر يتعرض للتعذيب ستتعاطف معه بشكل أقل من تعاطفك مع إنسان عربي بملابس عربية يتعرض للتعذيب لأنه من نفس جماعتك ويذكرك بنفسك وأهلك.
وكملاحظة مهمة  فإنه وإن كان لا يد لنا في تحديد مقدار تعاطفنا العاطفي مع الآخرين, إلا أنه يمكننا التحكم في ردات فعلنا وأحكامنا المسبقة.
إفتقار التعاطف:
يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا بالذكاء العاطفي.
لا نتعاطف مع الآخرين جميعا بنفس المستوى, قد يحزنك بشدة مصاب أحدهم وقد يشعر شخص غيرك بحزن بسيط في حين قد لا يشعر آخر بالحزن مطلقا, لذا تم تطوير عدة اختبارات لتحديد مقدار التعاطف العاطفي, والجدول بالأسفل مجرد مثال يحتوي عينة من أسئلة أحد الاختبارات التي تضم 60 سؤالا:

الأسئلة
تعاطف
افتقار للتعاطف
1- أجد من السهولة وضع نفسي مكان الآخر
نعم
لا
2- أنا جيد في توقع كيف سيشعر الآخر
نعم
لا
3- أكتشف بسهولة ما إذا كان فرد من أفراد المجموعة يشعر بعدم الارتياح بيننا
نعم
لا
4- يخبرني الآخرون أنني جيد في فهم مشاعرهم وكيف يفكرون
نعم
لا
5- أجد صعوبة في معرفة التصرف الصحيح بالمواقف الاجتماعية
لا
نعم
6- من الصعب أن أدرك لماذا بعض الأمور تجعل الآخرين غاضبين
لا
نعم
7- أحيانا أجد صعوبة في اكتشاف ما إذا كان تصرف ما قليل الأدب أم حسن
لا
نعم
8-  أحيانا يخبرني الآخرون أنني بلا مشاعر, ولا أعرف لماذا
لا
نعم

  
يعد افتقار التعاطف سبب العنصرية والتنمر والعديد من الجرائم والتعذيب والاغتصاب...
في احدى الدراسات تم قياس التعاطف لدى الأمهات اللائي قمن بتعنيف أبنائهن فتبين أن 80 بالمائة منهن يفتقرن للتعاطف, ولقد كان فيما مضى يتم ربط تعنيف الأمهات لأبنائهن بالقلق والتوتر والضغط النفسي, لأن تصريحاتهن وتبريرهن للتعنيف دائما كان يدور حول أن الطفل مشاغب جدا ويسبب لهن ضغطا نفسيا, في حين أنه ليس بمبرر بالنسبة للأمهات ذوات مستوى التعاطف الطبيعي.
لذا عد افتقار التعاطف مؤشرا جد مهم لتوقع تعنيف الأطفال من قبل آبائهم مستقبلا.

بعض الاضطرابات النفسية تتميز بافتقار شديد في التعاطف مما يجعل أصحابها قادرين على أذية الآخرين كاضطراب الشخصية النرجسية والشخصية المضادة للمجتمع ومصابي اضطراب الشخصية الحدية...وغيرها من الاضطرابات النفسية.
الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات النفسية بالطفولة يكبرون ليصيروا أقل تعاطفا مع الآخرين لأن عقلهم يركز على الذات أكثر من تركيزه على الآخر من أجل حماية صاحبه من صدمات مجددة, فيقوم بإخماد التعاطف معهم.
أيضا يتم رصد افتقار التعاطف لدى بعض مرضى التوحد.
العاملون في مجالات الرعاية, كدور الحضانة والصحة ودور رعاية المسنين وغيرها من المجالات, يصابون بإرهاق عاطفي جراء عطائهم العاطفي المستمر لذا يقوم العقل بإخماد التعاطف, فكثيرا ما يصف الناس بعض الممرضين أوالأطباء بالقسوة, هم ليسوا قساة ولكن من المستحيل أن يتعاطف الإنسان مع عشرات الحالات التي يصادفها بشكل يومي, لذا قد يبدو للمريض أن الطبيب أو الممرض يتصرف معه كحالة وليس كإنسان يرغب بالتواصل والتعاطف.
نحن نطور التعاطف في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر التطوير إلى غاية النضج الكامل لذا يتميز المراهقون بافتقار التعاطف مقارنة بالشباب لأنهم بمرحلة تطوير شخصياتهم, فتركيزهم منصب حول ذواتهم, وهذا سبب يدفع عددا كبيرا من الأطفال والمراهقين لأذية زملائهم بالمدارس.
وإن كانت هذه الأسباب وغيرها تؤدي لافتقار التعاطف إلا أنها لا تبرر أذية الآخرين بالتأكيد.

هل يمكن تغذية التعاطف؟
يعد التعاطف العاطفي أهم من التعاطف المعرفي, وهو ما يتم قياسه بالاختبارات إذ أن التعاطف العاطفي هو الدافع والحافز للفرد في مساعدة الآخر وعدم أذيته بالفعل والقول, قد لا يفتقر الشخص المضاد للمجتمع للتعاطف المعرفي ومع ذلك سيعمل على أذية الآخرين لأنه لا يشعر حقيقة بمشاعرهم بل يدركها فقط.
ومع ذلك لا يجب الاستهانة بالتعاطف المعرفي كونه يمكن اكتسابه بسهولة ويمكن للفرد السوي تفهم مختلف الحالات التي تتطلب تعاطفا, ولنضرب مثال مريض الاكتئاب فإن البعض قد لا يتعاطفون معه بسبب عدم قدرتهم على تفهم حالته, إلا أن الملم بمرض الاكتئاب قادر على إدراك حالته جيدا وتفهمها ومن تم التعاطف معه معرفيا...قد يقود التعاطف المعرفي للتعاطف العاطفي.

بسبب الأهمية العظمى للتعاطف بالمجتمع فإن بعض الدول المتقدمة تقوم بتغذية التعاطف لدى الأطفال بالمدارس, إذ يمكن أن يكتسب الإنسان التعاطف.
سنجد مثلا بالأديان وبالدين الاسلامي خصوصا تأكيد وحث على التعاطف مع الآخرين, يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا مع الأخلاق, نبذ العنصرية والتمييز وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه", هو حديث يصب ضمن خانة التعاطف.

ثقافة لوم الضحية

4
ثقافة لوم الضحية, ثقافة منتشرة في كافة أرجاء العالم بحيث لا يختلف الأمر كثيرا بين شعوب دول العالم الثالث وشعوب العالم المتقدم.
يفضل البعض إلقاء اللائمة على الضحية إن كان ما حدث لها من جرم يمكن على حسب تقديرهم الاحتياط منه, هم في واقع الأمر يضعون أنفسهم مكان الضحية لأنها تشبههم, بمعنى أن رجلا ترك سيارته مفتوحة سيلقي عليه الجميع باللائمة على تعرضه للسرقة لأنهم يحرصون دائما على إقفال سياراتهم, في حين أن هذا الرجل أهمل ممارسة روتين يومي ممارس من طرفهم وارتكب ما يجعله "يستحق" السرقة.
هم لا يلومون السارق لأنه بنظرهم سارق ومجرم وبالتالي لومه لا معنى له, كما أنه لا يشبههم فهو شخص شاذ عن قواعد المجتمع وبالتالي لا يمكن توجيه خطاب اللوم إليه.

ولتفصيل الموضوع أكثر ومحاولة فهمه سأقسمه لأجزاء قد لا تتعلق بشكل مباشر بظاهرة لوم الضحايا, لكنها حسب تقديري من الضروري إقحامها هنا بدل تخصيص موضوع مستقل بشأنها, لذا سأنثرها بشكل عشوائي.

1- لوم الفرد عند وقوعه بمشكل بدل البحث عن حل:
لوم الطرف الذي وقع بمشكل أسلوب ينتهجه الأهل بشكل كبير جدا لدرجة تنفّر الأبناء من التواصل مع آبائهم وأهلهم بشكل عام, فعند وقوع الابن بمشكل فهو يفضل التكتم عليه أو طلب مساعدة أصدقائه كي لا ينال التوبيخ واللوم من الأهل على ما حصل له.

وكمثال فقد يطلب الأهل من ابنهم عدم الزواج من فتاة ما فيرفض طلبهم ويقع بعدها في مشاكل معها, هو لن يستشير والديه بشأن هذه المشاكل لأنهم سيرددون عبارات من قبيل: أرأيت؟ أنت لم تسمع الكلام!
المشكلة تكمن في أن الأهل قد يعملون فعلا على حل مشكلة ابنهم ولكنهم سيرددون كل حين أنهم كانوا على صواب وهو على خطأ, وهذا ليس له أي فائدة بالمطلق سوى تأزيم الوضع وإضعاف أواصر المودة والتقارب, فالابن يعلم أنهم كانوا على حق وقد نال درسا تعلم منه وبالتالي هو ليس بحاجة لسماع التوبيخ واللوم, لأن من طبيعة الإنسان أن يبحث عن مبررات للدفاع عن نفسه عندما يتعرض لهجوم من طرف الآخرين, هو سيحاول إقناع نفسه هو ذاته أنه لم يكن مخطئا, أي أن مفعول اللوم في هذه الحالة عكسي.

إذن كنصيحة, إن استشارك أحد المقربين أو الأصدقاء في حل مشكل أنت تعلم أنه كان من الممكن له تجنبه فلا تلمه مطلقا وبدل التركيز على المشكل وكيفية حصوله وطرح أسئلة من قبيل: ومتى حصل هذا؟ وأين كان عقلك حينها؟
ركز في حل المشكل وقل له: حسن دعنا نحاول إيجاد حل لهذه المشكلة.
لأن وقوعه بالمشكلة درس بحد ذاته وهو لا ينتظر منك أن تقدم له دروسا إضافية لأنها لن تفيده في شيء بل ستجعله ينفر منك واللجوء للغرباء لحل مشكلته.

2- لوم الضحية على حدوث جريمة:
يركز الأفراد عادة على الضحية أكثر من تركيزهم على الجريمة والمجرم, فهم سيلومون الضحية على ما حصل لها تماما كما بالأمثلة السابقة التي يلوم فيها الأهل والأصدقاء مقربيهم على وقوعهم في المشاكل.
فلو قرت خبرا من قبيل أن رجلا ترك باب منزله مفتوحا ليلا ثم نام فتعرض منزله للسرقة فإنك على الأرجح ستلوم الرجل على ترك باب منزله مفتوحا وسيردد عدد كبير من القراء عبارات من قبيل "يستحق".
رغم أن الجرم هنا ليس جرم الضحية بل جرم السارق ولا أحد يستحق أن يُرتكب جرم بحقه لأنه لم يحمي نفسه بالشكل الكافي من المجرمين.
الرجل أخطأ بترك باب منزله مفتوحا من ناحية تقصيره في حماية ممتلكاته ونفسه, ولكن تقصيره ليس جرما يستحق نيله للعقاب.
3- الخلط بين حدثين منفصلين:
كثيرا ما يلوم الأفراد الضحية على ما حصل لها نتيجة ارتكابها لخطئ لا علاقة له بالجرم, فبدل التركيز على الجريمة يتم التركيز على وقائع يربطها البعض بالجريمة.
كخبر فتاة كذبت على أهلها وأخبرتهم أنها ذاهبة لمقابلة صديقتها في حين أنها ذهبت لتقابل صديقها وفي طريقها إليه اعترض سبيلها مجرم واعتدى عليها.
هنا سيلوم قراء الخبر الضحية لأنها كذبت وذهبت لتقابل صديقها رغم أنه لا علاقة لهذه التفاصيل بالحادث الذي وقع لها, إذ أن المجرم سيعترض سبيلها حتى لو كانت ذاهبة للتسوق.
خطأ الفتاة منفصل تماما ويشكل موضوعا آخر لا يمكن إقرانه بالجريمة التي وقعت لها.

4- الخلط بين ما هو مشكل اجتماعي وفردي:
أحيانا يتم الخلط بين المشاكل الاجتماعية والمشاكل الفردية, إذ عند تحليل مشكل ما اجتماعيا يتم إلقاء اللائمة على الظروف والبيئة والمسؤولين الغير مباشرين في إنماء هذه الظاهرة والذين فعلا يلعبون دورا في تغذية المشكل.
كمثال: تفشي الإجرام بين الطبقات الغير متعلمة, أو إنجاب عدد كبير من الأطفال بوسط فقير.
على المستوى الاجتماعي فإننا عند إلقاء نظرة عامة على مجتمع ما فنرى أن هناك إجراما متفشيا, ونتحدث حينها عن أن السبب كامن في فشل منظومة التعليم بالبلد وتكريس الجهل من قبل مسؤوليه, قد يجادل أحدهم ويخبرك أنه يعرف أناسا كثرا غير متعلمين لكنهم واعين ومتحضرين, وبالتالي فإنه لا علاقة بين التعليم والإجرام.
هذا خلط بين دراسة مشكل اجتماعي وأسبابه وبين مشاكل الأفراد التي يستحقون عليها العقاب, فنحن عندما نقول أن فشل التعليم بهذا البلد هو سبب تفشي الإجرام فنحن لا نبرر لهؤلاء المجرمين جرمهم بل نشرح أسباب ظاهرة إجتماعية, أي أنه لو تم إلقاء القبض على مجرم ما فإنه سيعاقب على جرمه ولن يبرر صنيعه للقاضي على أنه ضحية فشل منظومة التعليم.

بالمقابل هناك من يلوم الأفراد على مشكل اجتماعي, كإنجاب عدد كبير من الأطفال بوسط فقير, والتي تعد ظاهرة مجتمعية معروفة بكل بقاع العالم, كلما كان البلد أكثر تحضرا كلما انخفض النمو الديموغرافي به, في حين كلما كان البلد فقيرا كلما عرف نموا ديمغرافيا متسارعا.
البعض قد تزعجه هذه الظاهرة فيلقي باللائمة على الفرد الفقير الذي أنجب عددا كبيرا من الأفراد, في حين أن لومه لا يجدي نفعا لأن الموضوع مرتبط بالوعي والتعليم الجيد والمستوى المعيشي المرتفع الذي تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها فيه وليس الأفراد.

لماذا لوم الضحية؟
 الآن دعونا نحاول فهم لماذا يلجأ أناس كثر للوم الضحية بدل المجرم, ولنأخذ مثال الرجل الذي ترك باب سيارته مفتوحا والفتاة التي تعرضت للاعتداء.
- الضحية تشبهنا: كما سبق وأشرت في المقدمة فإننا نلوم من يشبهوننا ومن يتصرفون تصرفا نحن نحرص على ألا نتصرفه, لذا سيلوم سائقوا السيارات الرجال الرجل الذي ترك باب سيارته مفتوحا أكثر من النساء في حين ستلوم النساء الفتاة التي خرجت لمقابلة صديقها أكثر من الرجال...وهذا بشكل عام.
فنحن نضع أنفسنا مكان الضحية لاشعوريا ثم نلومه على إهماله واستهتاره.

- التركيز بالخبر على الضحية: يركز راوي الخبر على التفاصيل المرتبطة بالضحية أكثر من المجرم مما يجعل تركيز سامع أو قارئ الخبر يميل للوم الضحية بدل المجرم المجهول, ودعوني هنا أروي خبر الفتاة التي تعرضت لاعتداء بأسلوب مغاير.
(اعتاد شاب منحرف على تعنيف والديه لمده بالمال لشراء المخدرات القوية وقد أقدم في واضحة النهار على اعتراض سبيل فتاة والاعتداء عليها)
إذن الآن وقد ركزت التفاصيل على المجرم بدل الضحية فإنك ستتعاطف مع الضحية وستلوم المجرم على تصرفه, فأنت لا تعرف إلى أين كانت ذاهبة تلك الفتاة وقد لا يهمك مطلقا أن تعرف, فلو طلبت منك أن تتمهل قبل الحكم على المجرم ودعوتك للتعرف إلى أين كانت تلك الضحية ذاهبة فإنك لن تلقي لكلامي بالا لأنه بنظرك تفصيل غير مهم.

نحن نسمع دائما رواية الضحية الذي يروي لنا تفاصيل الاعتداء عليه أو تعرضه للسرقة وبالتالي يكون موجها لفوهة الانتقادات أكثر من المجرم الذي يكون مخفيا عن الأنظار, إذ أننا لا نسمع رواية المجرم أبدا إلا بعد إلقاء القبض عليه.
وهذا ما تفعله الصحف أيضا وهو التركيز على تفاصيل الضحايا, فوسائل الإعلام لا تقتصر على نقل الخبر فقط بل هي في واقع الأمر صانعة للخبر وموجّهة لنا حيث شاءت تسرد لنا الخبر من زاوية تجعلك تتعاطف أو لا تتعاطف مع الضحية حسب رغبة صانع الخبر.
كمثال الرجل الذي نسي باب منزله مفتوحا ليلا وتعرض للسرقة والذي قد يُروى بتفاصيل إضافية تجعلك تتعاطف مع الرجل (تعرض رجل طاعن بالسن ومصاب بالازهايمر للسرقة بعد أن نسي باب منزله مفتوحا ليلا) 

خلاصة:
إذن كخلاصة تذكر دائما أنه عليك استحضار فكرة (لوم الضحية) ومحاولة عدم الوقوع في فخها عند قراءة أو سماع أي خبر, لأن ما حصل قد حصل ولوم الضحية لا يختلف عن التشفي المنهي عنه.