تأثر أسئلة اختبارات الشخصية MBTI بالخلفية الاجتماعية

4
تستخدم اختبارات الشخصية حول العالم في الشركات لتقييم مدى قابلية الشخص على العمل بوظيفة ما, وهذا يعد تقييما كوميديا من كل المناحي فابتداء من كون الشخص سيبدأ بالإجابة الاجابات المثالية التي تناسب المنصب الوظيفي لسان حاله (أنا رائع بالفطرة), قد يوزع مسؤولوا الشركة الوظائف معتمدين على نظريات تتحدث عن نفسيات البشر بالعموم والتي لا تلامس بالضرورة نفسيات الموظفيين على أرض الواقع لسان حالهم (شهاداتك وتجاربك خلابة ولكنك حسب الدراسات تصلح بوابا للشركة).
وهذا جعل أغلب اختبارات الشخصية نقمة على من يجتازها لأنه يتم قولبته في إطار مطبوخ وجاهز مسبقا, فهي لا تراعي خصوصية وتفرد شخصية ونفسية كل إنسان على حدة فيتم الحكم المسبق على تصرفاته وأفكاره وإرجاعها لهذا التقسيم أو ذاك, تماما كما يتم إرجاع سلوك الشخص المشين لجنسه أو جنسيته أو عرقه.

وأنا هنا أتحدث عن اختبارات الشخصية بشكل عام, وقد وضعت كالعادة MBTI بالعنوان كعامل جذب لا غير, مثلما يتم استغلال أسماء بعض الفنانات الفلتانات لجلب المشاهدات.

1- الهدف من أسئلة اختبارات الشخصية:
تعرف الشخصية على أنها تنظيم لمجموع العمليات النفسية والعاطفية والتي نترجمها على شكل سلوكات, وتبدأ شخصية الإنسان بالتطور من الطفولة والمراهقة لتنضج وتصير أكثر استقرارا بسن الرشد فلا تتغير بعدها عبر مختلف المواقف الحياتية, حيث يكون التغير بالشخصية بعد سن الرشد طفيفا للغاية, فيخلط بين تغير السلوكات نتيجة تغير القناعات مع "الشخصية" التي عادة لا تتغير, إلا إن حصل مشكل بالدماغ.
شخص غير منظم, مستهتر, لامبال وغير مخطط بشبابه سيبقى كذلك طوال حياته لأنه عامل مرتبط بمخه وليس بقناعاته.
والآن إن قمت بصنع اختبار وأردت فيه أن أقيس مدى انتظام الشخص وعدم استهتاره وتماطله فإنني لن أطرح عليه سؤالا من قبيل: "- هل أنت مواكب على الصلاة بالمسجد؟" لأنه سؤال متصل بخلفيتي الاجتماعية التي لن تخبرني أبدا ما إذا كان الشخص فعلا منظما في حياته أم مستهترا لأنه قد يكون مسلما منظما في أمور حياته لكنه تارك تماما للصلاة أو يصلي بعمله ومنزله, أو امرأة تصلي ببيتها, أوقد لا يكون مسلما منذ البداية.

إذن هدف صانع أسئلة الاختبارات هو طرح الأسئلة التي ترتبط ببيولوجيا الكائن البشري والتي لا ترتبط مطلقا ببقية العوامل المشوشة للنتائج, لذا تنسج نظريات الشخصية باستقصاءات ومراقبات لسلوك الأفراد بثقافات مختلفة وذلك لاستخلاص السمات بالشخصية البشرية التي لا علاقة لها بالديانات والتقاليد والخلفيات الاجتماعية.

لكن طرح الأسئلة بشكل مباشر لا يجدي نفعا لأن تقييم الفرد لنفسه لا يكون صحيحا في الغالب, فمن أجل معرفة ما إذا كان الشخص انطوائيا أم اجتماعيا طرح سؤال مباشر من قبيل: "- هل أنت انطوائي أم اجتماعي؟" لن يعطينا الإجابة الصحيحة دائما.
إذن بدل طرح أسئلة مباشرة حول السمات التي يرغب المنظر في استخلاصها, يتم وضع من يجتاز الاختبار في مواقف وحالات متخيلة ليُعرفنا كيف يفكر وكيف يتصرف بمختلف المواقف.
- تفضل الجلوس وحدك بدل مخالطة الناس؟
- تفضل تناول الطعام بمفردك أم مع بقية أفراد العائلة؟

من خلال طرح أسئلة مشابهة حول الانطوائية والاجتماعية سنقرب المختبر أكثر حول ما نود معرفته وسيبدأ بالإجابة عن سلوكه وأسلوب تفكيره بالحياة.
المشكلة هنا تكمن في أن الأسئلة قد تمس الخلفيات الاجتماعية للفرد المختبر فيجيب إجابة نابعة عن تأثير وسطه وليس عن شخصيته الحقيقية.
2- مدى ملاءمة أسئلة الاختبارات خلفية المتلقي الاجتماعية:
أغلب الاختبارات يطورها علماء رجال غربيون بمنتصف العمر, أي أن الأسئلة هي من وجهة نظر هذه الفئة ونمط عيشها وخلفيتها الاجتماعية والثقافية, وحتى وهم يدرسون المجتمع وشخصية الفرد فهم يدرسون سلوك الفرد الغربي ويقيمونه حسب وجهة نظرهم, ثم ينسجون أسئلة لمواقف متخيلة حسب وسطهم الاجتماعي.
لنأخذ مثال "- هل تحب الحفلات؟", هو مصمم بالنسبة للحفلات بالغرب التي يتم فيها تناول المخدرات والكحوليات حد الثمالة والتي كثيرا ما تنتهي بحوادث سير قاتلة أو اغتصابات...
المهم!
في مجتمعنا العربي ولآخذ مثالا مدينتي التي أعيش فيها فلو كان المقصود بالحفلات المناسبات العائلية فلا فرق بينها صراحة وبين الجنائز. و أما إن كان المقصود الحفلات الغنائية العامة, فبمدينتي يعتلي منصة الغناء حمير تنهق على هيئة بشر, وبالتالي سيجيب عدد كبير من الاجتماعيين بمدينتي أنهم لا يطيقون الحفلات, لأن هذا هو مفهوم الحفلات لدينا... 

بأحد الأسئلة التي تقيس مدى توهان الشخص بالأفكار, السؤال التالي: "- كثيرا ما تنسى مفاتيح سيارتك."
بالنسبة لعدد كبير ممن لا يملكون سيارات وبالنسبة لمن تقل أعمارهم عن السن القانوني للسياقة سيكون جوابهم لا أنسى مفاتيح سيارتي لأنه ليس لدي سيارة أصلا كي أنسى مفاتيحها.

تركز الأسئلة أيضا على سلوك المُختبِر بالوسط المهني في حين أن نسبة ضخمة من مجتازي الاختبار طلاب أو طالبات, عاطلون عن العمل أو عاطلات, ربات بيوت... أو حتى أرباب!
كما أن بيئة العمل بالعالم الغربي ليست هي نفسها بيئة العمل بالعوالم الأخرى, كالعالم السفلي الذي أعيش فيه مثلا.
ففي سؤال: "- من السهل عليك كمسؤول بشركة التخلص من موظف مخلص لا يقوم بالعمل على أحسن وجه."
سيكون جوابي: لا أبدا ليس سهلا علي بالمرة لأن الموظف سيكون فردا من أفراد أسرتي على الأرجح وإن طردته ستحدث خصومة عائلية, لأنه بثقافتنا العربية يكون صاحب الشركة مجبرا على توظيف أبناء عمومته وبنات خالاته وجيرانه وأبناء أصدقاء والده وبنات صديقات والدته...وإلا سيتبرأ القوم منه.

كما يصعب على المواطن العربي المسؤول طرد موظف لأن هذا يعني أنه سيشرده وأسرته وسيوصم المسؤول من طرف المجتمع بأنه قاطع للأرزاق مشرد للأطفال والنساء, في حين يمكن للمسؤول الأوربي طرد الموظف بشكل أسهل لأن الرجل المطرود لن تتشرد أسرته بل سيجد عملا آخر بسهولة أكبر وإن لم يجد فلديه تعويض مالي عن العطالة من الدولة.
بالإضافة لكون الثقافة الغربية تعطي قيمة أكبر للعمل والمادة مقارنة بالثقافة العربية التي تعطي قيمة أكبر للعلاقات الاجتماعية.
وبالتالي إن طرح سؤال كهذا قد يدفع عددا أكبر من المواطنين العرب للإجابة بأن مسألة الطرد صعبة مقارنة مع المواطن الأوربي, لأن نمط العيش والظروف الاقتصادية والثقافية لكل بيئة تختلف ولها تأثير على الإجابات.

الأمثلة متعددة التي ستتباين فيها الإجابات من مجتمع إلى آخر والتي قد لا تقيس بشكل صحيح شخصية الفرد الذي لا ينتمي لثقافة ومجتمع من صاغ الأسئلة وبالتالي لن نحصل على نتيجة واقعية.
فرغم أن الأسئلة هي فقط محاولة لوضع الشخص في موقف متخيل ليقيم نفسه بنفسه, إلا أن من يجتاز الاختبار قد لا يدرك الهدف من وراء السؤال, فالشخص الاجتماعي الذي لا يطيق الحفلات بوسطه قد يحب الحفلات بوسط اجتماعي آخر, ولأنه لا يدرك أن المراد من السؤال هو معرفة ما إذا كان يحب المرح بشكل عام رفقة بقية الخلق فسيعطي الإجابة الخاطئة.
كما أن الشخص الذي لا سيارة لديه وتطرح عليه سؤالا من قبيل "هل تنسى مفاتيح سيارتك بشكل مستمر؟" هو لا يدرك أن المراد من السؤال معرفة ما إذا كان فاقدا للتركيز أو غير منظم, لذا قد يتجاوز الإجابة عن السؤال أو يجيب أنه لا ينسى مفاتيح سيارته لأنه ليس لديه سيارة حتى وإن كان كثير النسيان فعلا.

3- تأثير الخلفية الاجتماعية على سلوكات وأسلوب تفكير المتلقي ومن تم تأثر أجوبة أسئلة الاختبارات:
تتباين الخلفية الثقافية والمبادئ والقيم والقواعد المجتمعية المتبعة من فرد لآخر حتى وإن انتموا لنفس المجتمع.
وتتداخل عدة عوامل في التأثير على إجابات الشخص وبالتالي حصول نتائج لا تعكس شخصية الفرد الحقيقية.

1- عامل السن:
تتغير نظرة الإنسان للحياة وسلوكه كلما تقدم بالسن, لا يؤثر التقدم بالسن بالعادة على شخصية الإنسان ومشاعره وأسلوب تفكيره إلا في حالات خاصة وبشكل جزئي, ولكن يحدث أن يحصل الإنسان على نتائج مختلفة تماما باختبارات الشخصية لأن أسئلتها لم تقم بمراعاة عامل السن في صياغة الأسئلة.
في سؤال: "- تفضل ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام على حضور المناسبات الاجتماعية" الغرض من هذا السؤال معرفة مدى انطوائية واجتماعية الشخص.
المرأة أو الرجل الانطوائيان اللذان تجاوزا الخمسين من العمر لن يجيبا بأنهما يفضلان لعبة فيديو على المناسبات الاجتماعية, بالمقابل فإن نسبة كبيرة من الشباب والمراهقين الاجتماعيين سيجيبون بأنهم يفضلون ألعاب الفيديو على المناسبات الاجتماعية.
وهكذا سيحصل الرجل الانطوائي بمنتصف العمر على نقاط بالاجتماعية, في حين سيحصل الشاب الاجتماعي على نقاط بالانطوائية.
يجب أن تراعي الأسئلة خصوصية كل مرحلة عمرية ولا تطرح أسئلة تتباين فيها الأجوبة حسب سن الفرد المُختبِر.
يقضي الشباب والمراهقون عموما ساعات طوالا أمام شاشات الحواسيب والهواتف والتلفاز أكثر من كبار السن, يجب إذن إذا أردنا صياغة سؤال أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار.
وقس على ذلك بقية المعطيات.

2- عامل الجنس:
سلوك الرجل يختلف عن سلوك المرأة واهتمامات الرجل تختلف عن اهتمامات المرأة.
لا تراعي كثير من الأسئلة الاهتمامات والقواعد المجتمعية المتبعة من طرف كل جنس.
كنت أجرب أحد الاختبارات على الانترنت ذات مرة فكان من بين الأسئلة "- أنت تعشق التسوق رفقة الأصدقاء" وقد خمنت في أن صاحبة الاختبار لربما هي امرأة لأن هذا السؤال يرتبط بالعامل الأنثوي بشكل أكبر, تتسوق النساء عادة رفقة بعضهن البعض انطوائيات كن أو اجتماعيات عكس الرجال, وبالتالي طرح سؤال كهذا لمعرفة مدى اجتماعية الفرد غير مجدي, حسب زعمي والله أعلم.
بمدينتي تفوقت أعداد المقاهي فيها على أعداد البشر, لدينا ثقافة الجلوس بالمقاهي وأغلب مرتاديها هم من الرجال, ونجلس بالمقاهي فرادى وجماعات سواء كان الرجل انطوائيا أو اجتماعيا, (أجلس بالمقهى لمراقبة عباد الله غادين ورائحين رفقة أصدقائي أو بمفردي, أحب مراقبة الناس غفر الله لي ولهم). طرح سؤال "- هل تحب الجلوس بالمقهى وحيدا؟" لن يعطيك النتيجة الصحيحة بمدينتي, فالرجال يجلسون بمفردهم حتى وإن كانوا اجتماعيين في حين أن النساء لا يجسلن بمفردهن مطلقا بالمقهى هن يجلسن رفقة أصدقائهن أو أسرهن حتى وإن كن انطوائيات لأن هذه هي الثقافة لدينا.

تقترح بعض الدراسات أن الرجال أكثر انطوائية مقارنة بالنساء, أظن أن من بين العوامل التي أدت لهذا الاستنتاج تركيز أسئلة الاختبارات المبالغ فيه على المناسبات الاجتماعية والعائلية والتي بالعادة ترتبط بالنساء أكثر من ارتباطها بالرجال, فيجيب عدد كبير من الرجال أنهم لا يقومون بتلك السلوكات الاجتماعية ليتم تصنيفهم ضمن الانطوائية, كما تجيب أعداد كبيرة من النساء الانطوائيات بأنهن يقمن ببعض السلوكات برفقة صديقاتهن أو قريباتهن, لأن هذا هو سلوكهن كنسوة بالمجتمع أو ربما بسبب عدم شعورهن بالأمان بمفردهن فيتم تصنيفهن كاجتماعيات.

 3- المعتقدات الشخصية:
 تؤثر المعتقدات الشخصية أيضا عل أجوبة الفرد, فمثلا باختبار الذكاءات المتعددة هناك أسئلة لقياس الذكاء الموسيقي, والذكاء الموسيقي هو ذكاء يرتبط باهتمام الشخص بما يسمع من أصوات وتمييزها كصوت العصافير, والقدرة على تذوق الايقاعات والألحان وشعوره العميق بها... ولكن أسئلة الاختبار تركز على الجانب الموسيقي أكثر, وتطرح سؤالا من قبيل "- هل تمتلك آلة موسيقية تعزف عليها؟", وبالتالي فإن عددا كبيرا من المختبرين بالعالم العربي سيحصلون على ذكاء سمعي منخفض لأنهم يؤمنون بحرمانية الموسيقي أو لا يعزفون على الآلات لأن ثقافة العزف منحصرة على فئة بعينها عكس العالم الغربي... كانوا سيحصلون على ذكاء سمعي مرتفع مثلا لو ركزت الأسئلة على مقرئي القرآن الكريم أو على الإنشاد...أي أن لمعتقدات الشخص علاقة في الحصول على نتائج خاطئة لا تعبر حقيقة عن شخصيته وقدراته الحقيقية.
لا يحب بعض الاجتماعيين حضور الحفلات لأن بها مخالفات شرعية, وليس لأنهم انطوائيين, رغم أنني اجتماعي وأحب حفلات الأصدقاء إلا أنني لا أحضر حفلات الحشاشين التي تقام بالمدينة لعدة اعتبارات سياسية ودينية وإنسانية...وأي كلمة تنتهي ب نية.
وإن كنت أجيب في أسئلة الاختبارات أنني أحب الحفلات فهذا لمعرفتي المسبقة بمراد السؤال بينما بعض من أصدقائي الاجتماعيين الذين يقاسمونني نفس الأفكار السياسية والدينية والإنسانية يجيبون أنهم لا يحبون الحفلات لأن الهدف من السؤال غائب عنهم.

بسؤال "- عادة ما تكون أول المبادرين بالمناسبات الاجتماعية" يسارع بعض الانطوائيون بالمباركة أو التعزية بالمناسبات الاجتماعية بنية كسب الأجر, وليس لأنهم اجتماعيين.

وهكذا هي العديد من الأمثلة سواء التي ترتبط بالمعتقدات الدينية أو بالمبادئ والقيم الشخصية...

4- التقييم الزائف للذات:
مشكلة هذا النوع من الاختبارات الشخصية أنها تعتمد على تقييم الفرد لنفسه, وكثيرا ما يقيم الإنسان سلوكه بشكل خاطئ, فيرى أنه أكثر صرامة في حين أنه جد متساهل أو يرى نفسه جد مرتب في حين أنه مستهتر تماما...

بسؤال: "- أنت تشعر بحاجة لتبرير أفعالك للآخرين" الغرض منه معرفة مدى حزم وعصابية الشخص, قد لا تجيب النساء على هذا السؤال الاجابة الصحيح, فقد جربت أن قدمت هذا السؤال لبعض زميلاتي بالدراسة اللائي أعرف قبليا أنهن يبررن كل حركة وكلمة وتصرف يقمن به بشكل مقرف, فكانت إجابات أغلبهن أنهن لا يشعرن بالحاجة لتبرير أفعالهن, فبُهتت!
فهن يتبعن قواعد مجتمعية خاصة بهن نشأن عليها, لأن على المرأة بالمجتمع أن تعطي انطباعا حسنا عنها وبالتالي تجد نفسها مجبرة على أن تبرر أفعالها وأقوالها دون إدراك منها بأنها تمارس "التبرير", هي لا تشعر بأنها تبرر لأنه هكذا تسري المحادثات بالنسبة لها, يجب إن تأخرت مثلا لخمس دقائق أن تروي لك المسببات الاقتصادية والارهاصات السياسية المؤدية لمشكل تأخرها.
وبالتالي فإن المرأة التي تبرر نفسها كل خمس دقائق ستجيب بأنها لا تبرر نفسها مطلقا.

عودة لسؤال: "- يمكنك التخلص بسهولة من الموظف المخلص الذي لا ينجز العمل بشكل جيد" الغرض منه معرفة مدى القبولية عند الشخص, يستسهل عدد كبير ممن لهم قبولية مرتفعة إمكانية قدرتهم على التخلص من موظف لا يعمل بشكل جيد, لأنه موقف صعب التخيل إذ يحتاج لتجربة واقعية له, طرح مثل هذا السؤال على طلاب مدارس وجامعات لم يسبق لهم أن أقاموا علاقات مهنية لن يمكنهم من تخيل أنفسهم مسؤولين, فقد يجيب أصحاب القبولية الإجابة المدرسية (التلميذ الذي لا ينجز التمارين يطرده المعلم من الفصل).

خلاصة:
إذن كخلاصة أنا هنا وضعت بعضا من الأمثلة التي تتعلق بشخصي ووسطي الاجتماعي لتقريب المسألة, ويمكنك عزيزي القارئ أن تسقط الأسئلة على مجتمعك وطبيعة الثقافة بوسطك ومعتقداتك وتقاليدك وأنت تقرأ أسئلة الاختبارات, لتفكر فيما إذا كان الوضع سيختلف لو أنك تعيش بوسط آخر, قد يصعب عليك الأمر قليلا أو قد تراه مضيعة للوقت, لذا لا تهتم, دعك مني!
يمكنك أيضا أن تفكر في الهدف من السؤال بدل التركيز على إجاباتك أنت شخصيا لتستشف ما يود صاحب الاختبار معرفته بطرح هذا السؤال؟ وبالتالي الإجابة الإجابة المثالية التي تظهر لك نتيجة تبهجك وتدخل على قلبك السرور, بدل النتيجة الواقعية.

عمى العواطف أو ألكسيثيميا

2
ألكسيثيميا
يمكنك إجراء الاختبار من هنا

ألكسيثيميا والتي تعني باليونانية "لامفردات لوصف العواطف" يصطلح عليها بفقد العواطف أو بشكل أصح عمى العواطف هي بنية نفسية يتم تعريفها على أنها عجز وعسر في قدرة الشخص على التعرف وإدراك العواطف وعدم قدرته على التمييز بين الأحاسيس الجسدية المرافقة.
تعد العواطف المحرك الأساس للكائنات الحية وعن طريقها نستطيع تدبير حياتنا اليومية, فنحن نستاء ونغضب ونخاف ونبتهج ونتفاجأ ونحب إلى آخره من العواطف بشكل يومي وهي الدافع الأساس لنا للمضي قدما في تفاعلاتنا بالحياة الروتينية, نحن قادرون على التعرف والتمييز بين مختلف هذه العواطف التي نشعر بها والأحاسيس الجسدية المرافقة لها, لكن فئة من البشر تعاني من عمى بالعواطف فهي غير قادرة على التعرف على عواطفها وطبيعة ما تحسه.

جوانب عمى العواطف:
1- صعوبة في التعرف على العواطف والأحاسيس الجسدية المرافقة لها:
يعطي من يعاني من الألكسيثيميا انطباعا أنه يخلو من العواطف, وفي واقع الأمر فإن لديه عواطف مثل بقية الخلق ولكنه يصعب عليه التعرف عليها وكأن هناك انفصالا بين ذاته وعواطفه, إنه شخص عاجز عن وصف مشاعره لذا ليس لها الأثر في تعاملاته اليومية لأنها مبهمة بالنسبة له. 
يجد المصاب أن من الصعب التعرف على الحالة العاطفية التي يمر بها, فهو قد يفكر فيما انتابه لاحقا بعد مرور الحالة, ويحاول البحث في الأسباب التي أدت به لهذه الحالة العاطفية المشفرة, قد يمر بحالة غضب جامح وهو لا يدري ما الذي أغضبه أو ينفجر باكيا وهو لا يدري ما الذي أحزنه ولا ما هذه العاطفة التي يمر بها والتي تسمى حزن, فهو لا يجد المفردات  لوصف هذه العاطفة لنفسه أو لغيره, هو فقط لا يشعر بخير ومتضايق ومنزعج... ولكن ما الذي يضايق وما هو هذا الضيق؟ لا يدري.
عندما يشعر الإنسان بالخوف فإن دقات قلبه ستزداد وقد يشعر بألم أو عدم ارتياح مؤقت بالمعدة من تدفق هرمونات الخوف بالجسد وسيبدأ البدن  بالارتعاد وسيتصبب العرق, ولن يخطئ الإنسان الطبيعي في تفسير ما يمر به جسده نتيجة عاطفة الخوف, ولكن مصاب الألكسيثيميا سيخطئ في التعرف على الأحاسيس المرافقة لخوفه ولن يجد تفسيرا لهذه الحالة الجسدية وقد يزور الطبيب يخبره بأن دقات قلبه ترتفع أحيانا ومعدته تؤلمه أحيان أخرى بلا سبب, فيفحصه الطبيب ليخبره أنه لا يعاني من شيء...
2- صعوبة في وصف العواطف للآخرين:
بكل تأكيد فإن الإنسان غير القادر على التعرف على عواطفه سيجد صعوبة في وصفها, لذا إذا ما طلب من المصاب وصف غضبه الجامح الظاهر للعيان فإنه سيعجز عن ذلك, وسيجد صعوبة كبيرة في وصف غضبه.
هو سيجيبك أنه لا يشعر بخير وإذا ما سألته هل أنت قلق أم غاضب أم حزين؟ فإنه سيعجز عن التعبير بمفردات لوصف عاطفته, وقد ينزعج من السؤال بحد ذاته.
لا يتواصل المصاب مع الناس كثيرا وتتميز حواراته مع الآخرين عموما بخلوها من العواطف, هو لن يتحدث عن أن هذا الحدث أبهجه أو أنه شعر بالقلق والخوف جراء ذاك الحدث, بل سيبدأ برواية تفاصيل مملة تحوم حول الحدث ذات نفسه وهي ستبدو بالنسبة للمتلقي غير مهمة بالمرة...لذا تعد أحاديثه بالنسبة للمحيطين به جد مطولة ومملة.

3- افتقار للمخيلة:
كما أشرت فإن العواطف تلعب دورا محوريا في حياتنا اليومية وفي مخيلتنا أيضا, فمصاب عمى العواطف يفتقر للخيال وللفنتازيا, فهو عاجز عن كتابة قصة أو تخيل قصة بمخيلته لأن العواطف مبهمة, أحلام اليقظة بالنسبة له غائبة فهو عاجز عن رسم صورة ذهنية لوضعية متخيلة يحضرها البشر أو حوار متخيل مع مجموعة من الناس لأن البشر كتلة من العواطف المتحركة التي يجد صعوبة في فك شيفرتها وتوقع ردات فعلها.
المشاعر المرافقة لمختلف الروائح والأصوات والذكريات, فهو عندما يشم عطرا كان يشمه بالماضي ستنتابه عواطف ذاكرته المخزنة لهذا العطر والتي يجهل  مصدرها وما الذي يجعله يشعر على هذا النحو, لن يتخيل نفسه بذلك المكان برفقة أولائك الأشخاص بالماضي.
يفتقر مصاب عمى العواطف لأحلام النوم أيضا, فهو عادة لا يتذكر أحلامه وتميل معظمها حول الحياة اليومية الروتينية.

4- نمط تفكير موجه للعالم الخارجي:
ولأن العوالم الداخلية لمصاب عمى العواطف مبهمة ومشفرة فإنه يميل للعالم الخارجي أكثر, ويتميز أسلوب تفكيره بالمادية والحقائق المجردة, لذا قد يبدو للمحيطين به باردا قاسيا كروبوت يعيش الملموس وقاتلا للمتعة, فهو سيرى أن الزواج مثلا لممارسة الجنس وإنجاب الأطفال واستمرار النسل, سيهمل الجانب العاطفي للزواج, لن يتحدث عن شغفه لهذا الصنف أو ذاك من الأطعمة قد يبدأ بالحديث عن مكونات الطعام بحد ذاته ولكنك سترى غيابا لعواطف الشغف والحب للطبق الذي يصف لك مكوناته, سيميل لتحليل عواطفه ومشاعره ومشاعر غيره بشكل مادي يكون بعيدا عن واقع الأمور, لأنه يجد صعوبة في فهم دوافع الآخرين وخلفيات تصرفاتهم...لذا سيخطئ كثيرا في تحليلاته لدوافع البشر.

5- افتقار التعاطف:
من غير المعقول أن ننتظر من مصاب عمى العواطف أن يتعاطف مع الآخرين.
هو قد يسيء التصرف وسيهمل ما يسببه من أدى عاطفي للآخرين لأنه يميل للتفكير المجرد بأن هذا التصرف أو ذاك هو الأنسب للوضعية.
فقد يعاقب ابنه عقابا جد قاس لأنه لم ينجز أعماله, بنية أن هذا العقاب هو الذي سيحفزه على العمل, في حين أن الابن سيشعر بالإحباط والحزن الشديد ولن ينجز قيد أنملة مما طلب منه جراء ذلك, هو عاجز عن إيجاد الخلل الكامن في أسلوب معالجته للأمور مع الآخرين.
قد يتفوه بكلام جارح لا يدري مدى سوئه بالنسبة للمحيطين به, كالكلام العنصري مثلا والذي لا يكون بنوايا سيئة لأنه لا يستطيع تقييم كلامه كي يدرك منذ البداية ما إذا كان كلامه سيئا أم جيدا, ومدى أثره العاطفي على المتلقي.
قد يطلب من شخص مهموم بالمشاكل أن يقدم له بعض الخدمات التافهة دون مراعاة لهمومه.
وغيرها من الأمثلة التي تجعل مصاب عمى العواطف يبدو للآخرين بمظهر القاسي أو المغفل أو الأناني ونحوه...

سمات شخصية مصاب الألكسيثيميا:
ما هو مسطور بالأعلى حول جوانب عمى العواطف يشكل لنا شخصية بسمات واضحة المعالم للعيان من المحيطين بالشخص.
- اتخاذ المواقف والقيام بالأعمال بشكل اندفاعي سريع.
- شخصية مستقلة بشكل سلبي مع ميل لتجنب الآخرين أحيانا.
- طباع حادة وعصبية وتوتر.
- بعض سمات النرجسية أحيانا والعدوانية, بسبب ضعف التعاطف.
- حركات الجسد جامدة وتدل على شخصية قلقة.
- غياب طبعا للخيال وميل للتفاصيل بالحياة اليومية.
- سوء التصرف اتجاه الآخرين بسبب عدم إدراك السلوكات المناسبة.
- الشكوى من الآلام والأحاسيس الجسدية.
 
مسببات عمى العواطف:
لعمى العواطف مسببات عدة بيولوجية ونفسية.
إذ أن الدماغ هو المتحكم بالعواطف والتعرف عليها وقد تؤدي إصابة الدماغ نتيجة حادث ما أو جلطة... لتلف ببعض المناطق المسؤولة عن العواطف, وفي العادة يكون عمى العواطف شديدا بسبب التلف.
يتم رصد عمى العواطف بمن يعاني من بعض الأمراض والاضطرابات التي تستهدف الجهاز العصبي كالتصلب اللويحي وباركينسون...إلخ أيضا بعض ممن يعاني من التوحد.
للصدمات التي يتلقاها الإنسان بطفولته الأثر البالغ في عمى العواطف, كالاعتداء الجنسي أو الأذى الجسدي ... عدم التفاعل العاطفي السليم مع الطفل من طرف والديه والذين يقدمون له الرعاية قد يجعله متبلد العواطف.
بعض الاضطرابات النفسية يرافقها عمى العواطف إذ يلاحظ في بعض مرضى الاكتئاب, واضطراب الشخصية الحدية, الفصام, اضطرابات الجسدنة...

أحيانا لا يكون عمى العواطف مرافقا لأي اضطرابات عضوية أو نفسية وإنما يكون مجرد سمة بشخصية الإنسان يولد بها, ولا يكون هذا العمى شديدا وإلا فعد حالة مرضية.

المآلات:
لأن العواطف هي المحرك الأساس للسلوك البشري فإن من يعاني من عمى العواطف يجد صعوبات جمة في التأقلم بالحياة الاجتماعية, وهو دائم البحث عن تفسيرات لما يعانيه من أحاسيس غير مفهومة. وبشكل عام فإن عمى العواطف يؤثر سلبا على جودة الحياة للمصاب.بعض الاحصاءات وجدت أن عددا من المصابين يعانون من آلام مزمنة لا تنفع معها مسكنات, كالصداع وآلام جسدية أخرى.

يرى الناس شخصية المصاب منفرة وغير صالحة للعشرة, لذا قد يفقد المصاب عمله أو تتدمر حياته الأسرية نتيجة الطلاق, قد يجد أن الكل يتجنبه فيعيش حياة عزلة وهو لا يدري ما الخلل بشخصيته, لأن العواطف لا يستطيع فهمها وبالتالي من الصعب شرح المسألة له, فالإنسان غير قادر على وصف شيء لم يره أو يلمسه.

العلاج:
يمكن لمن يعاني من عمى العواطف غير المرتبط بمشكل جسدي أو نفسي آخر أن يطور من قدراته على فهم العواطف.
قد يقترح المعالج وصف بعض العواطف وتعريفها للمصاب مع محاولات لبناء أساس متين بين المفردات والمشاعر التي تنتاب المصاب, لأنه بالعادة يبدأ المصاب بتكرار كلام المعالج وحسب.
للفنون دور جد مهم لتنمية الخيال وخلق روابط بين المصاب وعواطفه, لذا فممارسة الرسم مثلا تبلي البلاء الحسن.
أيضا قراءة الروايات والقصص والمسرحيات التي تحتوي على وصف حالات عاطفية قد يساعد على تنمية قدرات المخيلة.
المحاورات الجماعية حول المشاعر والعواطف مع الآخرين أيضا قد تساهم في تحسين علاقة المصاب بالعواطف.

كره البشر وبغض المجتمع الإنساني

5
بغض البشر
كره البشرية أو مسنثروبيا, سمة من سمات الشخصية السلبية التي يمكن وصفها على أنها شعور عميق مستمر لدى الإنسان بالكراهية أو الاشمئزاز أو الازدراء أو عدم الثقة اتجاه بني جلدته, والتي قد تؤدي لتطور بعض الأفكار أو السلوكات العدوانية اتجاه المجتمع أو فئات معينة من المجتمع.

من الطبيعي أن تنتاب الإنسان من حين لآخر مشاعر كراهية مؤقتة اتجاه البشر كرد فعل على أحداث سيئة يمر بها, فكثير من الأصدقاء يصدعون رؤوسنا بعد يوم عصيب بأن الكل بلا استثناء ملعون, إلا أن كاره البشر قد رسخ مشاعر الكراهية حتى في أفضل حالاته, مما يؤدي به لتقليص تفاعله مع الآخرين أو حتى أذيتهم.
بشكل عام تكثر مشاعر الكراهية في الأوساط التي تعيش تدنيا اقتصاديا وأوضاع اجتماعية مزرية.

 أنواع كارهي البشر:
لكل إنسان أسبابه الخاصة وفلسفاته وعواطفه التي أفضت به في نهاية المطاف لتطوير مشاعر الكراهية للجنس البشري.
وقد يكون كاره البشر أحيانا مزيجا من هذا وذاك.

1- عيش حياة صعبة:
قد يتعرض الإنسان في حياته ومنذ نعومة أظفاره لمضايقات وأذية وخيبات أمل من المحيطين به, فيحدث له تعميم ويصير حاقدا ناقما على الجنس البشري ككل...هو إذن كمن يخاف الحبال بسبب عضة أفعى.
أو كالطفل ألبرت الصغير الذي أفزعه فأر عالم النفس واتسون والذي صار يخاف من كل ما به فرو.
لذا ينتشر كره البشر بين العاطلين عن العمل, والفاشلين دراسيا, والذين يعيشون في وسط مجحف ظالم...إلخ

2- الفلسفات التشاؤمية:
بعض الأشخاص من كارهي البشر يحملون أفكارا تشاؤمية حول الطبيعة البشرية, وهي محاولة لعقلنة مشاعرهم.
فهم يرون أن الشر هو أصل الطبيعة البشرية, وأن الإنسان شرير بطبعه.
وقد عرف التاريخ عدة فلاسفة متشائمين ابتداء من الرواقيين الاغريق إلى شوبنهاور, أما بالثقافة العربية فإننا نجد العديد من الشعراء من أصحاب القصائد التشاؤمية الخلابة.
يروج حاملوا الفلسفات التشاؤمية للاانجابية التي تدعوا للحد من تكاثر الجنس البشري.

3- الأفكار والمعتقدات المتطرفة:
من كارهي البشر من يتبنى أفكارا وأيديولوجيات أو معتقدات دينية متطرفة تكرس كراهية البشر.
يمكن للإنسان أن يتطرف في أي فكرة يحملها مهما كانت تبدو سمحة أو داعية للعدل والمساواة والسلام, يمكن أن تنقلب بالنسبة لهذه الفئة أداة لنشر الكراهية ولأذية الغير.
وفي العادة تجد أن حاملي هذه الأفكار المتطرفة يوجهون كراهيتهم لفئة أو فئات معينة من البشر كالكراهية المبنية على العرق, أو الاستعلاء الاثني ethnocentrism: كفكرة تفوق العرق الأبيض مثلا التي أدت لجريمة نيوزيلاندا مؤخرا.
أيضا الأفكار الداعية لكراهية النساء misogyny والأخرى الداعية لكراهية الرجال misandry, والتي يكون غالبية حامليها من المقهورين والمقهورات الذين يبكون ليلا على وسائدهم, وأنا هنا عزيزي القارئ لا أستنقص من آلام أحد ولا أبرر لأحقاد أحد وإنما هي حقيقة عدد كبير جدا من هذه الفئة التي قد تظهر للآخرين متجبرة.
ويلقى دعاة الأفكار المتطرفة بالعادة آذانا صاغية لهم من طرف الشباب صغار السن الذين يعيشون حياة مزرية عموما في مجتمعات غير مستقرة تحمل اختلالات جمة, وبالخصوص المجتمعات السلطوية التي توفر بيئة مناسبة لتفريخ كارهي البشر من المقهورين.
وسأخصص موضوعا مستقلا إن شاء الله حول أثر مشاعر القهر والصدمات النفسية في التطرف.

4- المثالية:
عكس الأفكار المتطرفة, يشعر بعض المثاليون بمشاعر اشمئزاز من البشر لكثرة ما يرونه من تجاوزات وجرائم وأعمال لاأخلاقية, فلأنهم أشخاص طيبوا القلب وأخلاقيون ونبلاء في تصرفاتهم فإنهم يشعرون وكأنهم يعيشون بعالم كالح بسبب الخراب الذي يسببه الإنسان, فيتحولون لكارهين للجنس البشري, وهذا النوع لا يتسبب بأذية الناس بل عكس ذلك قد تجده منخرطا بالأعمال الخيرية, ويكون تعاطفه مع البشر جد مرتفع.

5- المواهب والأفكار المختلفة:
أحيانا يشعر بعض أصحاب الاهتمامات والأفكار المختلفة بأنهم غرباء بين الناس, فلا يطيقون التواجد مع البشر ويطورون كراهية للبشر بسبب عدم إيجاد من يستطيع فهمهم أو مقاسمتهم أفكارهم واهتماماتهم.

6- الاضطرابات النفسية:
كره البشر ليس اضطرابا نفسيا بحد ذاته ولكنه قد يكون عرضا مصاحبا لبعضها, حيث أن من بين أعراض بعض الاضطرابات النفسية إظهار اشمئزاز ونفور وعدم ثقة بالبشر.
يؤدي الاكتئاب المزمن غير المعالج لكراهية الحياة والبشر فيبدأ المكتئب بالتعبير عن بغضه للبشر ويبدأ بتبني أفكار وفلسفات تشاؤمية بسبب الانخفاض الحاد بالمزاج.
بعض اضطرابات الشخصية قد ترافقها كراهية للبشر, كاضطراب الشخصية الحدية, والشخصية المرتابة والنرجسية...
الاضطرابات الذهانية أيضا كالفصام الارتيابي يؤدي بالشخص لسلوكات عدوانية ضد البشر.
الصدمات التي يتعرض لها الطفل بالصغر والتي ترافقه طوال حياته خصوصا إن كانت من طرف أحد والديه قد تغذي مشاعر الضغينة ضد البشر, إذ أن الطفل يكتسب الثقة والأمان في سنواته الأولى من طرف أمه أولا وأبيه ثانيا, فإن تزعزعت هذه الثقة وتعرض للإساءة البالغة من طرف أحدهما أدى به هذا لفقدان الثقة بالإنسان ككل أو كراهية جنس أمه أو جنس أبيه.
اقرأ نظرية اريكسون.

كره البشر واتخاذ الأصدقاء:
كاره البشر ليس شخصا منعزلا اجتماعيا, قد تكون له علاقات وصداقات ولكنها بالعادة جد ضيقة, ولا يمنح ثقته بسهولة للآخرين, قد يحيط نفسه بدائرة ضيقة من أفراد أسرته وبعض من أصدقائه الذين في العادة يتقاسمون معه الاهتمامات والأفكار.
هو يفضل الانترنت والعوالم الافتراضية من ألعاب فيديو وشبكات للتواصل لنشر سمومه بدل عيش العالم الواقعي.

كره البشر وحب الحيوان:
أظهرت بعض الدراسات أن هناك رابطا جد قوي بين حب الحيوان وكره البشر, حيث صرح عدد من العينة التي تم اختيارها للدراسة من محبي الحيوانات أنهم يبغضون البشر.
بالتأكيد ليس كل محبي الحيوانات كارهون للبشر, وإنما كارهوا البشر يتخذون من حب الحيوان ملاذا لهم لتعويض مشاعر النقص والوحدة.
ورغم أن الإنسان حيوان أيضا إلا أن كارهي البشر يميلون لتفضيل بقية الكائنات على الإنسان, لذا سترى كيف أن عددا كبيرا من محبي الحيوانات يصرحون أن قضاء وقت مع كلب أفضل من قضائه مع إنسان, وبالعادة يدعوا محبوا الحيوانات كارهوا البشر للتوقف عن استخدام الحيوانات في المختبرات حتى وإن كان هذا يصب في الصالح العام للبشر, كمختبرات الأدوية وغيرها...

شخصيا نجاني الله من جمعية تساعد الحيوانات كنت من ضمن أعضائها, حيث أن بعض العناصر بالجمعية سمموا أجواءها فقلوبهم مليئة بالأحقاد والكراهية ولا يتوقفون عن سب وشتم البشر ويدعون على الناس بالهلاك كما لو أنهم من فصيلة القردة.
لذا كنت أحلم وأنا نائم ليلا بإنشاء جمعية لمساعدة حيوانات الشارع من بين شروط الانتساب لها خوض اختبار نفسي يقيس مستوى كراهية البشر.

كره البشر وارتكاب الجرائم:
يرتبط كره البشر كما رأينا بالفلسفات التشاؤمية والأفكار المتطرفة وببعض الاضطرابات النفسية والاجتماعية, لذا يعد كره البشر من المؤشرات المتوقعة لانتشار الجرائم.
يعرف عدد من كارهي البشر انخفاضا حادا بالتعاطف مع البشر, انخفاضا بالقيم الأخلاقية, لذا لا يرى البعض منهم غضاضة في الكذب أو النصب والاحتيال أو الأذية لأن البشر يستحقون الأذية ولأن الكل سيء وبغيض, حسب ما يحمله فكر كل فرد على حدة.

اقترحت بعض الدراسات القديمة أن أعداد كارهي البشر من الرجال يفوق أعداد كارهي البشر من النساء مستدلين بالجرائم المرتكبة وبالعدوانية التي يظهرها الرجل أكثر من المرأة, إلا أن دراسة حديثة قامت باستقصاء الطلاب حول كره البشر ومن تم تتبع مسارهم طوال ثلاث سنوات, وجدت انعدام أي فارق إحصائي معتبر بين الرجال والنساء بشأن كره البشر, فالنسب متساوية, إلا أن الانخراط في الشجارات والسرقة والأعمال التخريبية كانت نسبتها عند الرجال أكبر منها عند النساء.
الأسباب طبيعية واجتماعية: فالرجل بداية أكثر مخاطرة وإقداما مقارنة بالمرأة...أقوى جسديا مما يسمح له بالاثيان بجرائم عنف وتخريب أكثر من المرأة, كما أن القواعد الاجتماعية تحد من جرائم المرأة التي تفضل ممارسة العنف السلبي أكثر من الرجل كنشر الشائعات مثلا.

تلميع كره البشر بوسائل الإعلام والانترنت:
تعمد بعض الأعمال الفنية والأدبية على تزيين كره البشر كما ببعض ألعاب الفيديو التي تكون من بين أهداف شخصياتها تدمير الأبرياء, والأعمال الأدبية والسينيمائية والانمي, حيث يتم تحبيب المراهقين والشباب في الشخصيات الكارهة الحاقدة على البشر...فمن النادر أن تجد انمي خال تماما من شخصية كارهة للبشر يتم تقديمها بشكل محبب للمتابعين, وإظهارها على أنها شخصية كاريزمية بذكاء مرتفع وجمال أخاذ, وأنها محقة تماما في آرائها... ليعجب المتابع أكثر بهذه الشخصية المريضة التي صنعها المؤلف الذي كل همه طبعا شهرة العمل, فهذه هي نوعية الشخصيات التي تحظى بالشهرة بين أوساط المراهقين أكثر.
كما لا يخلو الانترنت من رسائل كره البشر, حيث يتم تمرير الفلسفات الغابرة وتجديدها ويتم تلميع صورة شخصيات إجرامية عنصرية, وقد دقت بعض الدراسات ناقوس الخطر عن كون الانترنت صار وسيلة لنشر الكراهية, فكبرى المنصات على الانترنت تتساهل مع حسابات كارهي البشر, وتمارس الانتقائية في حجب الحسابات المخالفة.
عرف بغض البشر تناميا بين أوساط الشباب والشابات بفضل غسيل الأدمغة الذي يسري على قدم وساق بشتى أنواع وسائل التواصل والترفيه المتاحة.
تعمد بعض الدول الغربية على سن قوانين زجرية لناشري الكراهية بشتى أنواعها, وقد أثارت بعض القوانين المقترحة جدلا وتخوفا من حظر حرية الفكر والتعبير, مثلما هو الحال مع بعض الشماعات المنتشرة هنا وهناك على قارعة المجتمع الدولي التي تستخدم لتصفية الخصوم.

العنف النفسي والعاطفي

5
بعد أن تحدثنا عن العنف الجسدي سنتحدث عن العنف النفسي الذي يترك إعاقات وتشوهات بنفسية وذهنية الإنسان.
وعلى غرار الموضوع السابق سأركز أكثر على العنف النفسي الممارس بالبيوت أيضا وخصوصا على الأطفال, لعل وعسى يتنبه بعض القراء من الآباء المستقبليين لتصرفاتهم ويتوقفوا عن تعذيب أبنائهم المفترضين بدعوى التأديب والمراقبة والصرامة, وتخريج دفعة جديدة من أصحاب العقد من أشباه السيكوباثيين والسيكوباثيات الذين صرنا نراهم يتكاثرون كالفطريات بمواقع التواصل الاجتماعي يتبادلون المسبات فيما بينهم.

ما هو العنف النفسي العاطفي؟

من الصعب تعريف العنف النفسي والعاطفي لأنه يتمظهر بأشكال عديدة, ولايمكن رصده بسهولة, لكن لنحاول تفسيره على أنه كل سلوك يسلكه شخص اتجاه شخص آخر يؤدي لخلق مشاعر سلبية لديه بشكل متكرر ومستمر لمدة طويلة كفيلة بالتأثير على الصحة النفسية والعاطفية والذهنية للضحية, وفي العادة يكون المعنف ذا سلطة على الضحية أو تربطه بها علاقة قرابة أو زمالة أو غيرها  (أب, أم, أخ, مدير, أستاذ..إلخ)
ولأنني أركز على ما يجري ويدور بالمنازل فإنه غالبا ما يحدث التعنيف النفسي المنزلي عندما يعمد المعنف على التجريح أو الاستنقاص من مشاعر الضحية أو رغباتها أو مظهرها أو احتياجاتها أو علاقاتها أو إنجازاتها...أو إنتقاذها والتقليل من شأنها وإظهارها بشكل غير منطقي أو غير سليم, وكل هذا تحت مسمى عملية التأديب والتقويم للضحية, إذ يقوم المعنف بمحاولة إلغاء وجود ما لا يروقه بالضحية وهدمه ومن تم إعادة بنائه وفق شروطه ورغباته هو, وغالبا ما يكون هذا عن حسن نية كما يفعل الآباء مع أبنائهم أو الإخوة الأكبر سنا...
يعد العنف النفسي أخطر من العنف البدني لأنه بداية يصعب رصده, فعكس الضرب واضح المعالم يتخفى العنف النفسي تحت عدة مسميات (نصائح, تأديب, مراقبة...) فلا يكون المعنف واعيا لحقيقة أنه يمارس تعنيفا على الضحية, ولا يكون الشخص الذي يمارس عليه التعنيف أيضا واعيا بحقيقة ما يعيشه من تنكيد, كما أن تأثيره يبقى مستمرا وملازما للضحية وقد يزعزع شخصيتها للأبد وقد يخلق صدمات نفسية واكتئابا وغيرها من المشاكل والاضطرابات النفسية التي لا تعد ولا تحصى...

أشكال العنف النفسي عديدة  وسأحاول تعداد بعض من الممارسات التي لربما يمارسها عدد كبير جدا من الناس بمجتمعاتنا, وربما مورست عليك أنت أيضا عزيزي القارئ أو تمارسها على غيرك بلا وعي.
العنف اللفظي:
ويشمل كل أنواع الإساءة اللفظية الممارسة ضد الضحية بشكل مستمر, من سباب وشتائم وإهانات مباشرة أو حط من قدر الضحية بعبارات مسيئة أو الصراخ في وجهها, يلجأ عدد كبير من الآباء لشتم أبنائهم أو نعتهم بألقاب مسيئة فيكبر الطفل يحمل هذا اللقب المسيء, وأحيانا تكون الإساءة اللفظية مغلفة على شكل مزاح أونصائح, كحث الطفل ذو القدرة الاستيعابية المحدودة على الفهم السريع بنعته بشتى أنواع النعوت, في حين أن الفهم من عدمه ليس قرارا يتخذه الطفل بنفسه.

العنف غير اللفظي:
عنف يستخدم فيه حركات وسلوكات وإيماءات ونظرات تسيء للضحية دون التلفظ بالكلام, كنظرات التهديد أو الاحتقار أو غيرها من السلوكات التي تشكل عنفا غير لفظي...

إهانة أمام الآخرين:
كإهانة الآباء لأبنائهم بالشارع العام أو أمام الضيوف أو أمام أصدقائهم, حيث يرى الآباء أن من الطبيعي جدا إهانة الابن أو الابنة أمام الغرباء للتدليل على أنهم آباء حريصون على عملية تأديب وتقويم الطفل أو المراهق, مغفلين تماما مشاعر أبنائهم التي تكون أرهف بكثير عن مشاعر الراشدين, وهذا ما لا يستوعبه بعض البشر وكأنهم لم يسبق لهم أن كانوا أطفالا أو شيء من هذا القبيل لا أدري.

التحكم بتفاصيل الحياة:
بعض الآباء يتحكمون بحياة أبنائهم بحجة أنهم يعرفون مصالحهم أكثر منهم, فيضيقون الخناق على أبنائهم في كل تفصيل تافه بالحياة, فتشتري الأم ملابس لأبنائها حسب ذوقها هي والألوان والأشكال التي تروقها هي, وتتحكم بألعابهم, وطريقة جلوسهم وأسلوب كلامهم حتى وإن لم يكن يعيب أسلوبهم شيء, وذلك حسب مزاج الأم, وقد يتحكم الأب بمسار أبنائه الدراسي حسب مزاجه أيضا فيفرض عليهم تخصصات هو يحبها, ويدفع أبناءه لممارسة رياضة هو كان يمارسها وهكذا...

عزل اجتماعي:
يقوم بعض الآباء بعزل أبنائهم عن المجتمع واغتيال مهاراتهم الاجتماعية, فيطلبون منهم عدم اتخاذ الأصدقاء مطلقا أو يطلبون منهم مصادقة شخص بعينه لأنهم يطمئنون له حتى وإن كان لا يرغب الابن مصادقته.
عدم السماح للأبناء بالتحدث مع الآخرين لقضاء حاجياتهم حيث يتولى الآباء الحديث بدلا عنهم, يزداد الأمر سوء عند الأطباء الذين يعانون الأمرين مع هذا النوع من الآباء الذين يتحدثون بلسان ابنهم المريض.
يصير الطفل عندما يكبر شخصا لا يجيد السفر وحده ولا حل مشاكله لمفرده ولا حتى الكلام كبقية الخلق.

التجسس:
بعض الآباء يتجسسون على أبنائهم, ويسمون هذا التجسس مراقبة, ومن الطبيعي أن يراقب الآباء الأطفال والمراهقين بتفتيش غرفهم إن شكوا في سلوك مشين كتعاطي المخدرات مثلا أو اتخاذ علاقات مريبة, إلا أن بعض الآباء يتجسسون على أبنائهم طول الوقت ويقومون بعمليات تفتيش دورية لحاجياتهم.
بعض الأمهات يلاحقن أبناءهن بالشارع مما يشكل إحراجا شديدا للأبناء, قد تراقبهم عبر النوافذ أو تبدأ بتفتيش هواتفهم بشكل دوري أو لا تسمح لهم بإغلاق غرفهم أو خزاناتهم بالمفتاح, وللعلم فإن للطفل خصوصية أيضا وأسرارا لا يرغب للآخرين الاطلاع عليها مهما كانت تافهة بالنسبة للراشدين كمذكراته اليومية أو رسوماته أو ألعابه...ويزداد الأمر سوء بالنسبة للمراهقين لأن مشاعر الاستقلالية والخصوصية تبدأ بالتطور لديهم وتكون مشاعر الحرج والخجل لديهم قوية فينتهك الآباء خصوصياتهم خالقين لديهم مشاعر جد سلبية.
وضع الطفل أو المراهق محط شبهة وشعوره الدائم أنه متهم طول الوقت وعليه إتباث براءته وحسن سيرته, من خلال مراقبة والديه له بهذا الشكل غير الصحيح قد يأتي بمفعول عكسي فيقع الطفل أو المراهق في المحظور الذي يخشاه والداه.

خلق مشاعر العار والذنب: 
عندما يخطئ الطفل أو المراهق أو عندما لا يحصل على النتائج المرجوة التي كان يتطلع إليها الأبوان فإنهما قد يستعظمان الأمور في أعين الابن ويشعرانه كما لو أنه اقترف ذنبا عظيما أو أنه أتى بما لم تأت به الأوائل من الفظائع, وأنه صار مجرما بحق نفسه وأسرته, وتكون ردات فعل الأبوين دائما غير متناسبة مع حجم الخطأ المرتكب...وهذا يخلق مشاعر العار والذنب بنفس الطفل أو المراهق, ترافقه كل مرة يخطئ فيها.

الانتقاد المستمر:
البعض لا يعجبهم العجب, ومهما كان الطفل أو المراهق مثاليا في سلوكاته وإنجازاته, فإنه لن يسمع أي كلام طيب من أبويه, وبدل ذلك سيسمع الانتقادات حتى وهو ناجح, لن يتوقفا عن انتقاد سفاسف الأمور بدعوى الحث على الاستمرار في تحسين الأداء, فيخلقان ضغطا كبيرا على نفسية الطفل الذي يعيش وهو لا يدري أين الخلل بحياته وأفعاله.

الاستنقاص من الآلام:
بعض الآباء يرون أن أبناءهم صغار بالسن وبالتالي كل إنسان صغير بالسن لا مشاكل ولا آلام لديه, فإذا حاول الطفل أو المراهق التعبير عن مشاكله أو مشاعره السلبية بالمدرسة أو مع أصدقائه ونحوه... تلقى تسفيها وتحقيرا لها من طرف أبويه أو في أحسن الأحوال تجاهلا وآذانا صماء, لأن مشاكله تافهة مقارنة بمشاكلهما, متجاهلين أن تأثير المشاكل على نفسية الإنسان لا تقاس بالمتر أو الكيلوغرام بل بما يشعر به الطفل بداخله ومدى تأثير هذا المشكل على صحته الذهنية والنفسية, فيشعر الطفل أو المراهق بأنه مزعج ودرامي.

تسفيه وتحقير الأحلام والهوايات:
تكون أحلام الطفل والمراهق في العادة فوق المعقول بالنسبة للراشدين, وهذه استراتيجية طبيعية للدفع نحو التقدم, حيث تكون الأحلام كبيرة جدا وتبدأ باتخاذ شكل عقلاني مع مرور السنوات حسب القدرات الحقيقية للإنسان ... لذا لا يجب أن تلقى هذه الأحلام سخرية أو تسفيها وتحقيرا من طرف الراشدين, لأن الجميع مر بهذه المرحلة, التحقير يكسب انعدام الثقة بالنفس وعدم السعي نحو النجاح.
يقوم بعض الآباء أيضا بمحاربة هوايات أبنائهم وقتل الإبداع فيهم بدعوى الاهتمام بالدراسة من باب أولى, فيصير الطفل والمراهق مجرد آلة لتنفيذ الأوامر بلا هوية ولا أحلام ولا هوايات أو تطلعات, وأحلامه هي أحلام أبويه.

تحميل فوق الطاقة:
أحيانا وعكس تسفيه وتحقير الأحلام قد يرغب الآباء أن يحقق أبناءهم طموحاتهم ذات السقف المرتفع بالنسبة للطفل ذو القدرات المحدودة, حيث لا تتوافق تطلعات الآباء مع قدرات الأبناء الحقيقية أو لا تتوافق مع رغبات الأبناء, مما يشكل ضغطا نفسيا هائلا على الطفل أو المراهق لتحقيق أهداف والديه.
يعود الطفل من المدرسة فتتجه به أمه مباشرة لنيل دروس إضافية بالرياضيات والفيزياء لأنها تطمح في أن يصير أينشتاين العرب ثم تعود به للبيت حيث ينتظره مدرس اللغة الانجليزية, ثم بيوم العطلة يأخذه والده لمدرسة تعليم الموسيقى لأن والده يحب الموسيقى ويريده أن يتحول لموزارت العصر, في حين أن كل ما يرغب فيه الطفل هو اللعب كبقية البشر, بدل الركض لتحقيق أهداف أبويه.

مآلات التعنيف النفسي العاطفي:
وبعد سنوات من التعذيب النفسي المستمر ينتحر الطفل أو المراهق فيقولون إنه الحوت الأزرق, إنه تأثير سبيستون, أما إذا انحرف وصار يتعاطى المخدرات أو يقيم العلاقات المشبوهة, أو انظم لجماعة مطلوبة يقولون إنه تأثير رفاق السوء, حتى وإن كان يتزعم عصابة كونها هو ذات نفسه يقولون أن رفاق السوء هم من نصبوه زعيما عليهم لتدمير مستقبله لأنهم يغارون من ذكائه الخارق.
فالغبي بعين أمه أينشتاين.

للتعنيف النفسي آثارا خطيرة جدا على نفسية الإنسان أكثر من التعنيف الجسدي, وتتفاوت المشاكل والآثار التي يتركها التعنيف النفسي بشخصية ونفسية الطفل عند الكبر, وتتأرجح هذه الآثار حسب أنواع التعنيف النفسي التي مورست على الطفل والمراهق وشدتها وطول مدتها.

- الاكتئاب: وماذا يا ترى تنتظر من المراهق وهو يعيش حياة مزرية كلها ضغوط نفسية, يحاول أبواه إقناعه أنها أروع حياة من الممكن أن يعيشها أي مراهق, لأن كل شيء متوفر لديه.

- الانحراف: قد يكبر الطفل ليتحول لمنحرف فيتبنى قيما مضادة تماما لقيم أبويه, بسبب الضغط الكبير الذي عاشه طوال حياته, فيقوم بترجمة فشله في مجارات ما يطمح إليه والديه بالرفض التام لرغباتهما وقيمهما, وهذه استراتيجية يلجأ إليها عدد كبير من المنحرفين بالمجتمعات حسب نظرية الضغط النفسي العام.

- انخفاض الثقة بالنفس: من غير المعقول أن تنتظر من طفل يتم تسفيهه وتحقيره طول الوقت وسبه وشتمه واتخاذ القرارات بدلا عنه, وعزله اجتماعيا أن يطور شخصية قيادية ستالينية, فهو بكل تأكيد سيصاب بانخفاض حاد بالثقة بالنفس, ويصير غير قادر حتى على النظر بأعين الناس مباشرة عند الحديث معهم, هذا إن افترضنا جدلا أنه يستطيع الحديث معهم أصلا.

- النرجسية: أحيانا يؤدي التحقير والتسفيه طول الوقت لتطوير شخصية أنانية  نرجسية كرد فعل دفاعي لحماية النفس, فيكره المراهق الآخرين ويطوق نفسه بدفاعات عالية ترفض الانتقادات مطلقا ويبدأ بتعظيم وتبجيل نفسه وإنجازاته بشكل لا يعكس الواقع.

- اضطرابات القلق: قد يطور الطفل أو المراهق مع مرور الزمن مشاعر القلق والتوتر بسبب الضغوط النفسية التي يخلقها الأبوان, فكلما اقتربت الامتحانات تصبب عرقا واضطرب نومه وارتعدت أوصاله وصار غير قادر على ابتلاع الطعام, خوفا من خيبة أمل والديه لأنهما يرغبان في أن يصير رائد فضاء, وتبقى اضطرابات القلق ملازمة للمراهق حتى بعد الكبر تجتاحه النوبات كل حين لأتفه الأسباب.
عدد كبير من الطلاب ينتحرون بعد إعلان نتائج الامتحانات الثانوية كل سنة وكأن هذه الامتحانات "التافهة" هي الصراط المستقيم الذي سيعبرون من خلاله لجنة الخلد... هي تافهة لأن حياة وصحة الإنسان أهم منها بكل تأكيد, ولا تتوقف عندها حياة المرء.

- آلام جسدية: من مسببات الآلام الجسدية ذات الأصل النفسي, التعذيب النفسي بلا تردد.


- أمراض عضوية: حسب الإحصاءات فإن من تعرضوا للتعنيف النفسي يزورون الأطباء أكثر من غيرهم ممن عاشوا حياة سليمة, لضعف جهاز المناعة بسبب القلق والتوتر المستمر, وارتفاع الضغط والسكري وغيرها من الأمراض التي ترتفع نسبتها لدى المعنَّف أكثر من غيره.

- تجنب الآخرين: قد يؤدي التعنيف النفسي بالطفل بعد أن يكبر للعزلة التامة وعدم تطوير مهارات اجتماعية بسبب البوتقة التي كان يحيطه بها أبواه.

- عدم القدرة على اتخاذ القرارات: ولأن الأبوان قد يتخذان القرارات كل حين بدلا عن ابنهما, فإن الطفل بعد أن يكبر يصير عاجزا عن اتخاذ أتفه قرار بحياته بمفرده, فيحتاج لمن يتخذ القرارات بدلا عنه.

- عدم القدرة على الاستقلالية: يصير الشاب والشابة أطفالا كبارا بحاجة لماما وبابا طول الوقت لتولي أمورهما فقد يخاف الشاب من الزواج لأن هذا سيحمله مسؤولية لم يتحملها في حياته, فيفضل العيش مع أبويه اللذان يزوجانه ويجلبان الزوجة للعيش معهم أجمعين, دون أي إمكانية للاستقلال, في حين تتزوج الشابة وتعيش رفقة والديها وتزور زوجها مرة أو مرتين بالأسبوع ربما.

- عدم تحقيق الهوية الذاتية: يصير الشاب بلا هوية, يعيش حياته من خلال أبويه, وما يرغبان فيه ومالا يرغبان فيه, فهو ليس إلا منفذا لرغبات الغير.

وغيرها الكثير من الاختلالات والاضطرابات...

وختاما:
لن ألقي عليك عزيزي القارئ دروسا في أساليب تربية الأبناء لأن هذا آخر ما أجيده, ولكن مهما اختلفت الأساليب يجب أن تبقى في حدود المعقول, ولا ينبغي أن تشكل أسلوب تعذيب لنفسية الطفل, لأنه بآخر المطاف الطفل إنسان بمشاعر وذهنية ونفسية جد هشة لا يمكن أن نحمله ما لا يمكن لبالغ تحمله من إهانات وانتقادات وملاحقات وأوامر لا تنتهي.
سيكون من الرائع أن يُبنى أسلوب التربية على الثقة والصدق والحوار مع الطفل وتوجيه تطلعاته ورغباته للمكان الصحيح, بدل جعله مجرد أذات وموضوع لتحقيق أحلام الآباء ومثالياتهم.

سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الثاني)

4
الكابالا كما عرفناها في الجزء الأول هي الجانب الباطني من اليهودية ظهرت بقرون أوربا الوسطى وقد تم تبنيها وتطويرها في العصر الحديث من طرف اليهود الحاسيديم ويعد اليهود الحاسيديم الأكثر اعتناقا للكابالا وهم فرقة يهودية باطنية روحانية نشأت في أوربا الشرقية نهاية القرن السابع عشر عمدوا على تطوير التراث الكابالي والمعتقدات الكابالية, وكان فرويد ينتمي لأسرة حاسيدية.
ولد سيغموند شلومو فرويد بامبراطورية النمسا سابقا, وهو سليل أسرة متدينة فقد كان جده الأكبر حاخاما كما وجده لأبيه شلومو فرويد حاخاما بدوره وقد سمي على اسمه...تلقى سيجموند فرويد منذ صغره تعاليم الديانة اليهودية الحاسيدية والتي تعد الكابالا جزء لا يتجزء منها, إلا أنه لم يستطع الاطلاع على كتب الكابالا بشكل مباشر إلا بعد بلوغ سن الخامسة والثلاثين كما هو التقليد الجاري به العمل, عندما أهداه والده كتاب الزوهار.

مظاهر الكابالا بنظريات فرويد: 
إن مظاهر الأفكار الكابالية بنظريات فرويد عديدة وقد عمد فرويد على إخراجها من سياقها الديني الروحاني ليسقطها على عالمنا المادي النفسي, ثم ليقدمها في قالب علمي, أي أنه وكما وصف دافيد باكان في كتابه "فرويد والتراث الصوفي اليهودي" أقدم على علمنة الأفكار الكابالية بوعي منه أو بلاوعي, وأعاد صياغة الموروث الباطني اليهودي بشكل معاصر ليوالم علم النفس.
لقد سبق وأفردت بعض التدوينات حول مختلف النظريات لذا ستكون المقارنة غير مفصلة لكي لا يطول المقال, ويمكنك عزيزي القارئ العودة إليها لفهم أدق.
كما سيصعب عليك فهم أوجه الشبه إن لم تكن قد قرأت الجزء الأول الذي تطرقت فيه لبعض مبادئ الكابالا.

أولا الوعي واللاوعي:
يشتهر التحليل النفسي الفرويدي بمفهوم الوعي واللاوعي, ورغم أن كُتّابا أشاروا لمصطلح اللاوعي قبل فرويد, إلا أن هذا الأخير كان أول من قدمه بشكل علمي وأكسبه شهرة كاسحة, حيث يتمثل هدف التحليل النفسي إلى استكشاف أهداف هذا اللاوعي ودوافعه والتحكم به قدر الإمكان, وفي واقع الأمر فإنهما مفهومان وجدا بالكابالا وغيرها من المعتقدات الدينية.
إن شجرة الحياة بالكابالا (سيفيروت) تقسم أيضا الوعي الإنساني إلى مستويات وعي عليا وسفلى, فالثالوث (تاج - حكمة - فهم) يمثلان أعلى مستويات الوعي التي يحاول الإنسان الحكيم أن ينشدها من خلال استكشاف الذات العميق والتأمل الروحاني, فيكون مدركا لدوافع نزواته متخلصا من شرورها, ولايقع في شباك "آليات الدفاع النفسي" كما عرفها فرويد, والتي ترتبط بالمستوى الإنساني السفلي "الراوخ" كما بالكابالا.

ثانيا أقسام النفس البشرية:
قسم فرويد النفس البشرية لثلاثة أقسام وهي:
1- الهو:  التي تمثل الجانب الغرائزي الشهواني من النفس البشرية, يسعى دائما هذا الجانب لحث النفس على تلبية مختلف الرغبات.
2- الأنا الأعلى: وهي الجانب المثالي من النفس البشرية وتضم مختلف المبادئ والقيم التي راكمها الإنسان على طول حياته, وهي تسعى لتطبيق هذه القيم والمبادئ وتحييد الهو.
3- الأنا: وهي الأنا الظاهرة للعيان والتي تجمع بين الأنا الأعلى والهو وتحاول الموازنة بينهما بتلبية الرغبات الغريزية الشهوانية تحت وصاية الأنا الأعلى.

يمكنك القراءة بتفصيل عن الموضوع: أقسام النفس عند فرويد
 
إذن لو عدنا للكابالا فإننا سنجد تقسيما للروح البشرية مطابقا تماما للتقسيم الفرويدي للنفس البشرية, وما الهو إلا (نفيش - نفس) بالكابالا وما الأنا الأعلى إلا (نشامة - نسمة) ومقر الأفكار العليا بالكابالا, في حين أن الأنا التي توازن بين الهو والأنا الأعلى والتي تمثل هوية الإنسان وصورته الظاهرة هي ذاتها (راوخ - روح) التي تمثل المستوى الإنساني الظاهر بالكابالا.
وقد تجاهل فرويد المستويين الأخيرين بالكابالا لأنهما يرتبطان بالمعتقدات الدينية الخالصة الروحانية ولم يكن فرويد الملحد بحاجة إليهما لضمهما لنظريته التي من المفترض أنها علمية خالصة لا تشوبها عقائد دينية.

ثالثا العضو الذكري رمز القوة:
يشير فرويد في نظريته الجنسية إلى قلق الإخصاء لدى الأطفال الذكور وإلى الحسد القضيبي لدى الإناث.
فالطفل الذكر يخاف من أن يفقد عضوه لأنه يميزه عن أمه ويمثل هويته ورمزا للقوة والهيمنة فيخاف من الأدوات الحادة بسن الأربع والخمس سنوات, في حين أن الطفلة الأنثى التي سماها فرويد في بداية تكوينها "الرجل الصغير" ستكتشف كيف أنه ليس لديها رمز القوة والهيمنة هذا وستشعر بالغيرة, وستبدي الطفلة بعمر الأربع خمس سنوات ولعا بالأشكال التي تشبه العضو كتعويض لهذا النقص.
عودة للكابالا فإننا نجد أن انبثاق (ياسوود - الأساس) يرتبط بالعضو الذكري وهو الانبثاق الذي يشكل أساس الوجود والذي تمر منه كل الانبثاقات التي يتم الدفع بها (للملكوت).
بمعنى أنه بإسقاطنا مراحل الخلق الكابالية على تكوين النفس الإنسانية فإنه يجب على النفس أن تمر عبر هذا (الأساس) كيفما كان جنسها ذكرا أو أنثى, وبالتالي فسرها فرويد على أن الذكر يدرك لأهمية هذا العضو في حين أن الأنثى أيضا تمر عبر هذا الأساس فتعتقد أن لها عضوا وهي طفلة قبل أن تكتشف أنه غير موجود.

رابعا الجنس يفسر كل شيء:
يفسر فرويد كل مشكل نفسي على أن له أساسا جنسيا.

يمكنك القراءة عن النظرية الجنسية عند فرويد.

بالكابالا حسب مفهوم انبثاق (الأساس) الذي يعد أصل انبثاق (الملكوت), فإن كل الخطايا ذات أصل جنسي لذا تم تشريع الختان تطهيرا وترفعا وعهدا مقدسا بين الله وشعبه.

خامسا الأنا الأعلى عند المرأة أقل منزلة عند الرجل:
من بين الأفكار التي جرّت على فرويد انتقادات واسعة من عالمات النفس تحديدا هو رأيه القائل أن الأنا الأعلى لدى المرأة أضعف من الأنا الأعلى لدى الرجل وأنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
في واقع الأمر فإن رأي فرويد في المرأة برسائله الخاصة المتبادلة كانت أكثر تطرفا منها في كتاباته العامة.
وهذه هي النظرة اليهودية القديمة للمرأة, لأن الختان المرتبط بالعهد بين الله وشعبه للتطهر من الخطايا هو للرجال وليس للنساء, فيتم ربط بذرات الشر كعنصر أنثوي, وبالكابالا لا يمكن أن يصل أعلى درجات الوعي إلا الرجال طبعا, كما كان يحرّم على النساء الاطلاع على كتب الكابالا في قديم الزمان ولا حتى بقية الكتب الدينية.
ففي تعاليم بعض الحكماء بالأدبيات اليهودية أن المرأة "لا يجب أن تدرس التوراة فعقلها خفيف وغير مهيأ لهذا", وفي تعاليم أخرى أنه "إذا سقط رجل وامرأة بالنهر فيجب عليك أن تنقذ الرجل أولا لأنه ملزم بتطبيق المزيد من الوصايا في حين أن حكمة المرأة تكمن في مغزل الصوف".  ومن بين الأدعية الواردة أن على الرجل "شكر الله أنه لم يخلقه وثنيا أو امرأة أو جاهلا".
في عصرنا الحالي قام اليهود الأورتوذكس الغربيون بتطوير وإعادة قراءة للنصوص بما يتناسب مع مستجدات العصر, لذا يقدمون تفاسير لمثل هذه المقولات وإعادة لصياغتها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتغير نظرة العالم الغربي للمرأة إلخ...أي لو عاش فرويد عصرنا الحالي لكانت أفكاره تشابه أفكار الكاباليين المعاصرين.

سادسا الرمز بالأحلام وزلات اللسان:
يقوم فرويد بتفسير الأحلام على أنها رموز تشير لمعاني خفية في حياة الإنسان فيتم إعادة صياغة الحلم على أساس ما يشير إليه من رمز في الحياة الواقعية تماما كما يفسر "الشيخ مفسر الأحلام بالتلفاز", إلا أن تفسير فرويد "علماني" لا يرتبط بالعالم الروحاني بل بالحياة المادية الدنيوية للفرد.
التفسير وقراءة الرموز وفك شيفرة النصوص, هذا ما يطبقه اليهود الأحبار في قراءاتهم للنصوص المقدسة في أدبيات "المدراش" وقد طُبّقت في كتاب الزوهار لاستخراج معاني جديدة خفية حسب المعتقد غير ظاهرة للقارئ العامي.

سابعا العلاج بالتداعي الحر:
عالج فرويد مرضاه عن طريقة أسلوب التداعي الحر, وهو الأسلوب المتبع بالتحليل النفسي الفرويدي, أي أن الشخص يتمدد في أريكة ويبدأ بالتحدث عن نفسه ومشاكله بحرية تامة, والمحلل النفسي الذي هو فرويد يجلس خلف المريض, بحيث لا يرى المريض المحلل ليشعر بالأمان وليسترسل بالكلام حول طفولته ومخاوفه, بينما يدون فرويد الكلام المهم الصادر من المريض والذي يمكن تحليله وفك شيفرته على أنه رمز لمكبوتات يحاول المريض إخفاءها...فإذا قال له المريض أنه يخاف من الأفاعي فإن فرويد سيفسر الأفاعي على أنها رمز للعضو التناسلي.
أي أن أسلوب التداعي الحر لا يختلف أبدا عن منهجية المدراش في التفسير التي تستخرج معاني خفية من النص الظاهر, بإعتبارها رموزا.

ثامنا الله هو رمز للأب:
حسب فرويد -الملحد بلا شك- فإن الدين ما هو إلا عصاب جماعي, والله مجرد وهم يمثل حاجة الطفل لصورة الأب القوي في حياته, فيترعرع الإنسان باحثا عن صورة أب قوي متمثلة في مفهوم الله.
لقد خلص فرويد إلى هذه النتيجة لأن الله في التلمود والكتب المقدسة اليهودية كثيرا ما يشار إليه على أنه الأب وأن اليهود أبناء الله وأحبابه, كما وأن بالدين المسيحي ثالوث الله الأب والابن والروح القدس, وهذا ما رآه فرويد بالديانتين السائدتين بمجتمعه, ولكن مفهوم الله بديانات عدة لا يشار إليه بالأب أبدا أو على أنه ذكر, وهناك ديانات عدة منقرضة ومستحدثة بها آلهة إناث.
أي أن محاولة تحليله لمفهوم الله من الناحية النفسية لا تنطبق على جميع البشر, في حين من المفترض أن دراسات علم النفس تتناول الإنسان كموضوع, فلا يكون مرتبطا بعرق دون آخر أو بمعتنقي ديانة دون أخرى, فالنظرية يجب أن تنطبق على الإنسان بشكل عام.
لماذا استوحى فرويد نظرياته من الكابالا؟
لا يمكن الجزم ما إذا كان فرويد قد بنى نظرياته من الثرات الكابالي بوعي منه وبتعمد مع إخفاء مصادره, أم أنه فعل ذلك وهو لا يعي أن نظرياته هي نتاج معتقدات وسطه الذي ترعرع فيه.
فقد يكون فرويد وقع في ظاهرة ما يطلق عليها "Cryptomnesia" النسيان المشفر, إذ يحدث للإنسان أن يقرأ مؤلفات وأفكار ينسى أمرها مع مرور الزمن ويكتب حول نفس الأفكار ظنا منه أنها أفكاره الخاصة الخالصة.


فمثلا لنفترض أن عالم نفس ملحد من العالم الاسلامي ترعرع ببيت والده شيخ وجده شيخ, فصاغ نظرية نفسية تقسم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام:
نفس سماها الضمير المؤنب الذي يؤنب ضمير الإنسان كلما أقدم على تصرف يناقض قيمه ومبادئه التي نشأ عليها.
ونفس لاأخلاقية تهتم بالمصالح الذاتية بعيدا عن القيم والمبادئ.
ونفس هادئة تمكنت من المزاوجة بين مصالها وقيمها.
إذن سيأتي من يستخرج الأصل الاسلامي لهذه النظرية وأن الأمر يتعلق بالنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة, وكلها واردة بالقرآن الكريم, وقد يكون هذا العالم الملحد المفترض غير مدرك لأصل نظرياته ويعتقد أنها من إنتاجه الخالص.

وسواء كان الأمر هذا أم ذاك فإنه لن يختلف كثيرا فحتى لو اقتبس فرويد عن قصد ووعي منه فهذا لأنه وجد هذه الأفكار قابلة للتطبيق العملي.
إذ أن فرويد كملحد كان يصنف هذا التراث اليهودي على أنه أعمال أدبية وإنتاجات فكرية بشرية تثير الإعجاب ومحاولات بدائية لتفسير الكون والنفس البشرية ونحوه...وهي محاولات مبنية على ملاحظات رجال أذكياء يمكن الاستفادة منها ومعالجتها.
فاليهودي الكابالي المؤمن مقتنع أن كتاب "الزوهار" مثلا وحي من الله أملاه نبي من أنبياء بني اسرائيل على أحد الأحبار لتفسير خفايا الكون الواردة بالتوراة, وأن عمره أزيد من ألفي عام.. لكن بالنسبة لغير المؤمنين بالكابالا, فإنه إنتاج فكري لموشي بالقرن الثالث عشر وهو رجل عبقري بلا شك لأن كتابه أثر على ملايين من البشر على مر التاريخ بغض النظر عن محتواه وعقائده.

هل هذا يعني أنه يجب عدم الأخذ بنظريات فرويد؟
من المسائل التي تصيبني بالصداع كتابات البعض حول الحذر من نظريات فلان أو علان لأن أصلها يهودي أو هندوسي أو وثني...
لاعلاقة لأصل النظرية للحكم عليها!!  إن كانت نظرية علمية فيجب عرضها على ميزان العلم وما إذا كانت صحيحة أم خاطئة ...لأنه بالنسبة لنا كمسلمين الديانات التي لا نؤمن بها هي إنتاجات بشرية مبنية على ملاحظات وتخمين وتأمل البشر في محاولة لتفسير كيفية سيرورة الكون.
فإن ورد مثلا باحدى الديانات الوثنية أن الأرض كروية فهل هذا يعني أنه علينا أن نؤمن أن الأرض مسطحة لنخالفهم؟ هم بشر مثلنا وخمنوا وأعملوا عقولهم وتأملوا الكون ووصلوا لنتيجة مفادها أن الأرض كروية ضمنوها معتقداتهم وصنعوا أشكال كروية مثلا عبدوها, وهذا شأنهم ومعتقداتهم...ولكن من الناحية العلمية فإن رأيهم صواب كون الأرض كروية, إلا إن أتبث العلم العكس.
فالغربيون أخذو العديد من التشريعات الاسلامية وضمنوها قوانينهم الوضعية, ولايعني هذا أنهم يعشقون المسلمين بل لأنه بالنسبة لهم إنتاج إنساني لحضارة من الحضارات به الكثير مما يمكن الاستفادة منه..

إذن نظريات فرويد ذات الأصل اليهودي هل هي علميا معتبرة؟
الإجابة: قليل منها جدا كذلك وأغلبها متجاوز وتبث خطؤه "علميا" بغض النظر عن أصله اليهودي البوذي الهندوسي...

يجب أن يكون حكمنا للأمور "واقعيا" كما أفضل أن أطلق عليه, بعيدا عن الحس المؤامراتي الذي ابتلينا به.

هل كان فرويد يهوديا أم ملحدا؟
كان فرويد يطلق على نفسه لقب اليهودي الملحد.

لاتعد اليهودية مجرد ديانة ومعتقدات يعتنقها الإنسان فهي بالنسبة لليهود هوية متكاملة وعلى خلاف الإسلام والمسيحية فإن اليهودية تتحدد منذ الولادة, حيث يعتبر كل مولود من أم يهودية يهوديا حتى وإن ترك دينه لأنه يبقى من بني اسرائيل ومن شعب الله المختار حسب معتقداتهم, ولا يعتبر كل إنسان ولد لأم غير يهودية يهوديا حتى وإن اعتنق دينهم, فاليهودية ديانة غير تبشيرية عكس المسيحية والإسلام.
لذا ستجد عددا من الملاحدة اليهود يقدمون أنفسهم على أنهم يهود ملاحدة  فهم يقصدون باليهودي كعرق أو اثنية, في حين لن تجد من يقدم نفسه على أنه ملحد مسلم أو مسيحي.
لقد كان فرويد يشير ليهوديته ويعتز بها كل حين فهو مستوعب لحقيقة أن شطحاته في الدين لن تنفي عنه هذه الهوية, وقد غذى هذا الشعور بالإنتماء النظرة الأوربية في ذلك الوقت التي رأت اليهودية صفة ملازمة لليهودي حتى وإن تخلى عن دينه كما حدث مع ألفرد أدلر وإريك إريكسون وغيرهما, مما جعلهم يتكتلون كعرقية وليس كطائفة دينية, أي أن فرويد عندما كان يدافع عن شعبه اليهودي فلأنها بالنسبة له هويته الاجتماعية وليست مجرد ديانة أو معتقد يمكن التخلي عنه والتبرء منه...تماما كما يتكثل أبناء الأقليات في أي بلد دفاعا عن أنفسهم.

هل كان فرويد صهيونيا؟
إن قلت نعم وسكتت, فهذا مثل قراءة الآية منقوصة: ويل للمصلين.
عاش فرويد في حقبة عرفت اضطهادا لليهود بأوربا, حيث كانت تشن حملات عدوانية كحرق محلاتهم وحتى قتل وتنكيل بهم في بعض الأحيان ولم تكن الدول الأوربية الشرقية تدافع عن مواطنيها اليهود بالشكل اللازم بل كانت تخلق جوا من الميز العنصري ضدهم, ففضل عدد كبير منهم التحول للدين المسيحي مثل عالم النفس ألفرد أدلر الذي لم يشفع له تحوله للدين المسيحي من إغلاق عيادته من طرف النازيين لأن علمه بالنسبة لهم "علم يهودي", كما كان يقوم بعض اليهود  بتنشئة أبنائهم على الدين المسيحي لينذمجوا وسط المجتمع الأوربي بدل العيش في تجمعات يهودية منعزلة تجلب لهم الوبال, في حين فضل آخرون الهجرة إلى أمريكا هربا من النازيين كما فعل ألفرد أدلر واريك اريكسون وأينشتاين وغيرهم الكثير...
كان فرويد ناقما على هذا الوضع وكان يؤكد كل حين أنه يهودي مفتخر بإنتمائه الثقافي, وقد انضم لعدة تنظيمات يهودية, وكان ينصح الآباء بعدم تحويل أبنائهم للدين المسيحي لأن اليهودية حسب ما جاء في رسائله "تحمل عمقا وأسرار أكبر", وقد كان عضوا شرفيا بالصهيونية, ولا ننسى أن الصهيونية في عهد فرويد كانت في بداياتها ولم يكن الصراع العربي اليهودي قد احتدم بقوة.
كان فرويد يرغب في أن يكون للقومية اليهودية دولتهم الخاصة وقد كان من بين المقترحات أوغندا, أي أن فرويد كان موافقا مبدئيا على الاستيلاء على دولة مواطنين آخرين, ولكنه كان يعارض أن تقام بدولة فلسطين ليس لأنه يحب المسلمين بل كان يعارض أن تقام دولة يهودية بأي دولة بها مقدسات دينية لأقوام آخرين تخلق صراعا مطولا معهم.

ولأنه ملحد فلا تهمه المقدسات التاريخية ولا الهيكل ولا حائط المبكى ولا أرض الميعاد, لأن رأيه كان أن اليهود متفوقون بعقولهم وفكرهم وتراثهم وبالتالي يجب إنشاء دولة قوية بعيدا عن صراعات لا طائل من ورائها حسب رأيه
وهذا يظهر جليا في رسالته التي رد فيها على أحد الصهاينة الذين طالبوه بتوقيع عريضة استنكار وإدانة للعرب وتقديمها لبريطانيا عن أحداث 1929 بفلسطين, حيث وقع اشتباك عنيف بين اليهود المستوطنين والمسلمين بسبب حائط البراق, الذي حاول اليهود المهاجرون الاستيلاء عليه.
ولأن فرويد كان يتساءل طوال حياته سبب الكره والحقد الذي يطاله وشعبه بأوربا والذي عجز عن إيجاد تفسير تاريخي شامل له, أشعره فتح صراع جديد وأحقاد جديدة على شعبه من طرف فئات جديدة بالعالم  بالأسى.

فكتب فرويد الآتي في رده:

"لا أستطيع القيام بما ترغب فيه (توقيع العريضة) أنا غير قادر على تجاوز شعوري بالنفور من إقحام اسمي لدى العامة, وحتى في هذه اللحظات لا يبدو لي الأمر مبررا.
كل من يرغب في التأثير على الجماهير عليه أن يقدم لهم أمرا مثيرا ومحفزا في حين أن حكمي الرصين على الصهيونية ليس كذلك, بكل تأكيد أتعاطف مع أهداف الصهيونية وفخور بجامعتنا بالقدس ومسرور لرخاء مستوطناتنا, لكن من ناحية أخرى لا أعتقد مطلقا أن فلسطين يمكن أن تصير دولة يهودية, فلا العالمين المسيحي والإسلامي على استعداد بأن تخضع أماكنهم المقدسة لوصاية اليهود. كان يبدو أكثر عقلانية أن تقام دولة يهودية في منطقة أخف ثقلا من الناحية التاريخية, لكنني أعلم أن وجهة نظر عقلانية كهذه ما كانت لتثير حماس الجماهير ولا الدعم المالي من الأثرياء.
أنا أعترف بكل أسى أن تعصب شعبنا الأعمى يتحمل جزء من اللوم في إيقاظ مشاعر عدم الثقة بنا لدى العرب. لا يمكنني أن أبدي أي مشاعر بالتعاطف بالمرة مع التدين الخاطئ الذي حول جزء من جدار هيروديان (حائط البراق) إلى مقدسات وطنية, وبالتالي الإساءة لمشاعر السكان الأصليين.
والآن احكم بنفسك, وبوجهات نظري المحرجة, ما إذا كنت أنا هو الشخص المناسب الذي تقدمه كعزاء لشعبنا المخدوع بالآمال الكاذبة.

خادمك المطيع فرويد."  

Vienna: 26 February 1930: Letter to the Keren Hajessod (Dr. Chaim Koffler)

سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الأول)

3
لا يعد إنتماء فرويد لليهودية والخلفية الدينية لنظرياته سرا من الأسرار إذ سال مداد كثير حول هذا الموضوع منذ عقود مضت وألفت كتب ونشرت مقالات لكتّاب يهود وغير يهود حتى لكان يطلق على علم النفس الفرويدي في ألمانيا النازية لقب "العلم اليهودي".
وأحرق النازيون مؤلفاته وفر فرويد إبانها لبريطانيا.
إلا أنني لاحظت في المقالات العربية نوعان إما دفاع مستميت وتبجيل حد القدسية للعالم أو تهويل وحس مؤامراتي حول الخلفية اليهودية له, فيما تنذر الكتابات المحايدة, لذا بدا لي أن أتناول الموضوع في جزئين بشيء من الواقعية, بعيدا عن التهويل والتبجيل.

ولابد بداية وفي هذه التدوينة من شرح بعض من أفكار الكابالا اليهودية التي استوحى فرويد منها لصياغة أهم نظرياته, وإن كنت عزيزي القارئ ملما بنظريات فرويد فإنه سيتجلى لك أوجه الشبه بين علم النفس التحليلي والكبالا بكل سهولة.

ما هي الكابالا؟
الكابالا أو القبالا من الاستقبال ويمكن ترجمتها بالتقاليد, مدرسة فكرية تمثل الجانب الروحاني الباطني من الديانة اليهودية (صوفية), تتمحور حول ما يطلقون عليه أسرار الخالق والخلق والكون, نضجت أفكارها على مر الزمن بين يهود أوربا بالقرون الوسطى خصوصا يهود الأندلس, حيث كان الأحبار يضيفون كل حين أفكار وتعاليم جديدة يتناقلونها بسرية من جيل لجيل شفهيا حيث جرت التقاليد ألا يدرس الكابالا إلا الرجال اليهود الذين بلغوا سن الأربعين من العمر من دون النساء, إلا أنها صارت حاليا بمتناول الجميع.

وللكابالا عدة كتب أهمها على الاطلاق كتاب "الزوهار" تعني الضياء, والذي ظهر بالقرن الثالث عشر ميلادي بالأندلس على يد الحبر موشي بن شيم حيث ادعى أنه عثر على النصوص الأصلية التي ألفها الحبر شمعون بن يوحاي بالقرن الثاني قبل الميلاد, أملاه عليه أحد أنبياء بني إسرائيل طوال اثني عشر عاما, أثناء إختفائه بالسرداب قصد شرح المعاني الباطنية للتوراة, في حين يرى بعض المؤرخين اليهود غير الكباليين أن موشي هو مؤلفه الحقيقي ضمّنه أفكار السابقين وأن ادعاءاته بالعثور على النصوص الأصلية باطلة, وأن الزوهار ما هو إلا كتاب منحول.
طبعا لا يؤمن كل اليهود بالكابالا, ويمكننا أن نشبه المسألة بالصوفية والعرفان في الإسلام, حيث لا يهتم كل المسلمون بهما.
علي أي فإن الزوهار يتكون من عدة أقسام تتناول شرح معاني التوراة الخفية حسب المعتقد ومواضيع روحانية من قبيل الله وصفاته وشرح معاني أسمائه اليهودية وتجلياته, والكون, والروح والخير والشر إلى آخره من الموضوعات التي تناقشها مختلف العقائد الدينية عموما...ويهدف الزوهار حسب معتنقي الكابالا لاستكشاف الذات للوصول لأعلى درجات الروحانية.
تنقسم مجالات دراسة الكابالا إلى ثلاث مجالات:
1- كابالا نظرية: تتطرق للمجال الفلسفي الروحاني وتناقش مختلف المواضيع كما بكتاب الزوهار.
2- كابالا تأملية: وهو المجال الذي يتطرق للممارسات التأملية التي يكون الغرض منها التوحد مع الله من خلال التأمل والوصول لأعلى مراتب الروحانية, وهناك عدة رواد لعدة طرق (صوفية) يهودية.
3- كابالا عملية: وهو المجال الذي يتطرق للطقوس العملية السحرية, والذي يكون عبارة عن طلاسم وتعويذات وطقوس لجلب الحظ والثروة والحب ونحوه, ويرفض عدد من الكباليين التطرق لهذا المجال. (يمكن تشبيه الأمر بكتاب شمس المعارف الكبرى)

وسأتناول المجال الفلسفي الذي يهمنا طبعا:

مفهوم الله في الكابالا:
بالنسبة للكباليين فإن للذات الالهية جانبا ظاهريا وباطنيا خفيا, فالجانب الظاهر هو الجانب الذي تتناوله التوراة بشكل مباشر عن علاقة الله بمخلوقاته, في حين أن الجانب الخفي الذي تتعرض له الكبالا هو الذات الالهية بحد ذاتها وجوهرها ويطلقون على هذا الجوهر "عين سوف" والتي تعني اللامتناهي الأزلي الخارج عن حدود الزمان والمكان, ولا يمكن للعقل استيعابه ولا فهمه, وينزه الكباليون عين سوف من أي لقب أو اسم أو صفة, ويتجلى عين سوف للكون بانبثاقات عشر يطلق عيها "سفيروت", وهي سمات إلهية تتفاعل فيما بينها بالكون, وهي أساس الخلق.

كابالا
1- تاج (كيتير بالعبرية): أول انبثاق من نور عين سوف ولُقب بالتاج لأنه يقع فوق الرأس رمزا لما هو فوق وخارج نطاق العقل... نقطة الخلق الأولى ويمثل الوعي الخالص لاتصاله بنور عين سوف (الإله)... ويُشار إليه بالأب بمعنى الأصل.
2- حكمة (حوخما): انبثاق ينهل من التاج وهو أولى بذرات الوجود الحقيقي بالعالم, ويمثل الحكمة الإلهية والبصيرة والحدس الذي يومض من الوعي الصافي والذي يسبق التفكير والتحليل,  ينهل من الوعي الخالص "التاج"...سمة ذكورية يُشار إليها بالابن بمعنى البذرة.
3- فهم (بينا): ثالث انبثاق واعي يتسلم مشعل نور الحكمة وهو الاستقرار والهدوء الذي يغذي بذرة الحكمة وينميها, فومضات حدس وبصيرة الحكمة تُستوعب وتحلل بانبثاق الفهم...سمة أنثوية يشار إليها بالأم بمعنى الحاضنة لبذرة الحكمة.
0- معرفة (داث): ليتميز الكباليون اليهود عن ثالوث المسيحية أضافوا المعرفة بوسط الرسم التخطيطي وهي لا تمثل انبثاقا وإنما انعكاسا لكل الانبثاقات, والنتيجة النهائية لتفاعلها وهي صورة لاواعية من التاج الواعي.
4- رحمة (حيسيد): انبثاق ينشأ من تدفق الثالوث الواعي (تاج- حكمة- فهم) وهو أول انبثاق بالعالم المحسوس العاطفي ويمثل الخير اللامحدود كالعدل والحب والكرم وغيرها من سمات الخير... وهي سمة ذكورية.
5- شدة (غيفورا): انبثاق من العالم المحسوس العاطفي يلي الرحمة ويمثل القوة والشجاعة والدفاع عن الحدود, هي القوة التي تسعى للتغلب على القيود والخصوم, ومعاقبتهم والانتقام منهم وتتضمن بذرة من الشر...وهي سمة أنثوية.
6- جمال (تيفيريت): جمال أو تناغم أو تناسق انبثاق يدمج بين (رحمة - شدة) وهي التي تعطي الانسجام والتوازن بين مختلف الانبثاقات لذا هي تتوسط الرسم البياني لأنها تكوّن أناة الإنسان التي تناغم بين الرحمة والشدة.
7- نصر (نيتساح): مكان العواطف والمشاعر التي تحفز الإبداع والعمل, إذ يتلقى انبثاق النصر من نور انبثاق الجمال لتبدأ المرحلة العملية بالنسبة للإنسان والتعبير عن أناه التي تكونت في انبثاق الجمال...سمة ذكورية.
8- مجد (هود): انبثاق يعمل إلى جانب النصر بالتحكم به وإعطائه دفعة أكثر عملية للعمل بشكل متوازن نحو تحقيق الأهداف والمجد...سمة أنثوية.

9- أساس (ياسوود): تمر كل الانبثاقات الثمان في الأساس ليعطيها قالبا ماديا ويدفع بها للملكوث, فهو يعطي الإنسان قدرة على التواصل مع بقية الانبثاقات وترجمتها, طاقة خفية تعمل على تحفيز الأجسام المادية والطاقة الجنسية, وهو يرتبط بالقضيب الذكري.

10- ملكوت (ملخوت): هو العالم المادي الذي يعيشه الإنسان والذي تتمظهر فيه بقية الانبثاقات.
أنواع الروح الإنسانية بالكابالا:
تنقسم الروح عند الكباليين إلى خمسة أقسام:
1- نفس (نفيش): هي النفس الدنيا الحيوانية, والمستوى الخفيض من الوعي وتمثل الإدراك بالعالم المادي المحسوس الحاضن لمختلف الغرائز والشهوات الحيوانية, وبهذا المستوى من الروح يدرك الإنسان ويعي فقط لاحتياجاته التي يشترك فيها مع الحيوان.
2- روح (راوخ): هي الروح الإنسانية والمستوى الأعلى من (النفس)  والتي تمثل عالم العواطف والأفكار وبالروح تبنى الأنا لدى الإنسان الذي تميزه عن بقية الكائنات, وبهذا المستوى يدرك الإنسان أن له هدفا من وجوده.
3- نسمة (نشامة): مقر الأفكار العليا ومستوى أعلى من (الروح) ووعي جد مرتفع يمكنه من استخلاص جوهر الأمور والتركيز على المفاهيم الإلهية والحكم من الوجود.
4- حياة (خياه): مستوى أعلى مجددا من الوعي ويمثل الوعي الصافي بالأنا.
5- وحدة (يهيدا): المستوى النهائي والذي يتوحد فيه الإنسان مع الله.

حسب  كتاب الزوهار فإن المستوى الأول (نفس) يتواجد عند الحيوان أيضا, والمستويين الثاني والثالث (روح - نسمة) يتوافران لدى جميع البشر ولكن يتطوران أكثر عند من يتلقى نوره من الله, في حين أن المستويين الأخيرين لا يمكن أن يصلهما إلا من تلقى أعلى درجات الوعي الروحاني من الكباليين اليهود والأنبياء.
منهجية تفسير التوراة بالكابالا:
اعتمد الكباليون في تفسير التوراة على منهجية الأولين لاستنباط المعاني الخفية له حسب اعتقادهم, فقد أخذوا من أدبيات "المدراش" وهي إنتاجات الأحبار الذين سبقوا الكباليين في تفسير التوراة واستخلاص الأحكام  منه (مثل كتب الفقه والتفسير عند المسلمين).
يحتوي التوراة على قصص وأحكام متناقضة المعاني وأخرى بمعاني غير واضحة, فعمد الأحبار على محاولة التوفيق فيما بينها واستخلاص العبر الموحدة من النصوص المقدسة عبر منهجية مقسمة لثلاثة أقسام:
1- إعادة صياغة النص: وهي إعادة لصياغة النصوص المقدسة بلغة مختلفة تغير المعنى الظاهر.
2- التنبؤ: وهي قراءة استشرافية مستقبلية للنص المقدس على أساس أن أحداثه ليست بنفس الزمن الوارد بالنص.
3- الرمز: تأويل النص أو الكلمات الواردة بالنص المقدس على غير ظاهرها وبأنها رموز لمعاني خفية أخرى.

كانت هذه نبذة مختصرة عن الكبالا يتخبطها بعض الارتباك طبعا لأنني لست ملما بها, ولكنها تعطي فكرة عنها خصوصا ما أود مقارنته مع نظريات فرويد.
و بالجزء الثاني نقارن أوجه الشبه مع إنتاجات فرويد الفكرية. 

التفكير الرغبوي وتأثير الأمنيات في التفكير المنطقي

1
يدعي الجميع منا بأننا ننساق خلف ما يقوله المنطق والحقائق المجردة, فترى النقاشات الساخنة تحتدم بقوة بين حاملي مختلف الأفكار والكل يرفع شعار الموضوعية, في حين لو أمعنت النظر في هذه النقاشات ستتمكن من تحديد خلفيات ودوافع كل فرد يناقش الفكرة وستتمكن بكل سهولة من تحديد العديد من المعلومات الشخصية كالجنسية, الجنس, الديانة, التوجهه السياسي, النادي الرياضي الذي يشجعه إذا كان الموضوع رياضيا كرويا.
ففي نقاش عن من سينال لقب أفضل لاعب مثلا, ستدرك على الفور نادي كل شخص وجنسيته لأن تقييمه لا يكون على أساس موضوعي بل على أساس رغبته في أن يكون فلان أو علان أفضل لاعب لأنه ينتمي لناديه الذي يشجعه أو لبلده أو لديانته أو لتسريحة شعره...

ما هو التفكير الرغبوي؟
التفكير بالتمني هو بكل بساطة فكرة أن ما يرغب الناس في أن يكون صحيحا يؤثر على ما يعتقدون أنه صحيح, فيميلون لإظهار أمنياتهم ورغباتهم أثناء عرضهم ما يعتقدون أنه حقيقة حاصلة, وهذا تفكير نقع فيه جميعا من حين لآخر كبشر أثناء استشرافنا للأحداث المستقبلية أو المخفية, أي أنه نوع من أنواع التفاؤل اللاعقلاني.

يمكن اعتبار عدد كبير من أنواع الانحيازات والمغالطات تمثيلا أو نتيجة للتفكير الرغبوي كالتنافر المعرفي, والانحياز التأكيدي ووهم التفوق , والانحياز للمصالح الذاتية وهو انحياز يعزو فيه الشخص لأي أمر طيب يحصل له على أنه من اجتهاده ومن ذكائه وحسن تصرفه في حين أن كل ظرف سيء هو ناتج عن عوامل خارجية وليس نابعا من غبائه وسوء تقديره.
"فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ"
"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ"
"وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ"

وقبل أن أقلب الموضوع لكتاب فقه وتفسير, فإن التفكير الرغبوي يتجلى بشكل جد واضح في توقعات الفرد المستقبلية حول نتائج المسائل الاقتصادية والسياسية, لذا سترى كيف أن المصطلح يستخدم بكثرة في هذه المواضيع.
لأن هذان المجالان بالنسبة للعامة من الناس غامضان ومفتوحان أمام كل التوقعات ويؤثران على معيشة الفرد بشكل مباشر, فحتى أثناء التحليل الموضوعي قد يقع الشخص فريسة الرغبة وهو ينسج توقعاته المستقبلية.

عندما يخطط شخص ما لمشروع اقتصادي صغيرا كان أم كبيرا فإنه يبالغ في توقع النجاح والأرباح, ويرى المحيطون به جليا كيف أن توقعاته مبالغ فيها, لأنها ناتجة من رغبته في النجاح والكسب وليس من الواقع.
قد يقوده التفكير الرغبوي للانحياز التأكيدي فتراه يبحث فقط عما يدعم وجهة نظره من دراسات ويؤكد صحة توقعاته في النجاح بعيدا عن بقية الدراسات التي تعدد المخاطر ونسب الفشل.
لتحليل ظاهرة التفكير الرغبوي قام أحد الاقتصاديين بجامعة اكسفورد بإجراء اختبار على مجموعة من المزارعين والخبازين.
حيث طلب باحث الاقتصاد من الخبازين والمزارعين توقع سعر القمح لهذه السنة, مقابل تقديم تحفيز مادي لمن يكون توقعه أقرب للسعر الحقيقي.
فكانت النتيجة أن توقعات المزارعين لسعر القمح أكثر ارتفاعا مقارنة مع توقعات الخبازين.

السبب يكمن في أن المزارعين يرغبون في أن يكون سعر القمح مرتفعا كي يكسبوا مالا أوفر من محصولهم من القمح, في حين يتمنى الخبازون أن ينخفض سعر القمح لهذه السنة لأن ثمن الخبز والحلويات التي يبيعونها تابث لا يتغير فلو انخفض سعر القمح سيكسبون الفارق.

أي حتى أثناء التوقع لسعر القمح وبوجود جائزة لصاحب التوقع الأقرب للحقيقة وقع المزارعون والخبازون تحت تأثير التفكير الرغبوي, وقد سأل صاحب التجربة هؤلاء المزارعين والخبازين في ما إذا كانوا مدركين لوقوعهم تحت تأثير الأمنيات وهم يحددون سعر القمح, فأجاب بعضهم بالإيجاب.

التفكير الرغبوي عقلاني أم لاعقلاني؟
 إن نحن نظرنا للتفكير الرغبوي ظاهرا فإنه سيبدو لنا سلوكا لا عقلانيا يمكن أن يؤدي لتوقعات تدفع الشخص للمخاطرة والتخطيط لمشاريع غير متوقعة النتائج, هو إذن كبقية المغالطات والتحيزات التي يقع بها المرء, إلا أن هذه التحيزات والمغالطات لم توجد بالطبيعة البشرية عبثا فلو نظرنا لعمق الظواهر والحكمة من وراء وجودها فإننا سندرك أن لكل تحيز وظيفة مهمة بحياتنا.

بمعنى لو افترضنا أنني أريد إنشاء معمل شكلاطة بنكهة ما وبدأت بالعمل على المشروع, فإنه ليس لدي المعلومات الكافية حول المستقبل وما ستصير إليه أسعار المواد الأولية, وما إذا كانت الدولة سترفع رسوم استيراد بعض المواد الضرورية للمشروع مستقبلا, وسلوك المستهلكين وما إذا كانت الشكلاطة ستعجبهم, وما إذا كان سيظهر منافسون جدد, وغيرها من المخاطر غير المتوقعة التي قد تؤدي بي للفشل والإفلاس, ومع ذلك سأبدأ بالتبجح حول النجاح الباهر الذي سيحققه المشروع, في واقع الأمر فإن المشروع الافتراضي قد ينجح وقد يفلس بنسب ما لا أعلمها.

يرى بعض العلماء أن التفكير الرغبوي استراتيجية عقلانية مقارنة بالمعلومات والموارد التي يتوفر عليها البشر, إذ يتطلب تحديد أفضل قرار في حالة معينة كما بمشروع معمل الشكلاطة الافتراضي النظر في جميع النتائج المحتملة وعواقبها طويلة المدى. وبالتأكيد فإن النظر في كل هذه الاحتمالات كما بالمثال والأخذ بها لأمر يستعصي على أغلب حاملي المشاريع لأن لا أحد يعلم المستقبل أو لنقل يصعب ويكاد يستحيل دراسة مستقبلية استشرافية لكل خطوة نخطوها, لذا قد يساعد التفكير الطموح المتفائل الرغبوي في التعويض عن حقيقة أننا لا نستطيع تقييم النتائج طويلة المدى بشكل كامل.
 ولإتباث أن التفكير الرغبوي استراتيجية عقلانية في المسائل مجهولة التوقعات, لجأ بعض العلماء لمراقبة سلوك مجموعة من الأشخاص بتفكير رغبوي حول مستقبلهم المهني, تبين أن التفكير الرغبوي أدى لتحسن الأداء لديهم, وقد استخدم لدراسة الاحتماليات العمليات الرياضية التصادفية (قرارات عملية ماركوف) التي وفر من خلالها عالم الرياضيات الروسي ماركوف إطارا رياضيا لنماذج صنع القرار التي يكون فيها جزء من النتائج عشوائيا غير معلوم وجزء آخر متحكم فيه.
(تستخدم قرارات عملية ماركوف في مجالات عدة كالطب والإدارة والاقتصاد...)

لتبسيط المسألة أكثر بعيدا عن سلاسل ماركوف لنفترض أن مائة فرد جميعهم خططوا لمشروع معمل شكلاطة, لنقسمهم لمجموعتين:
 1- خمسون فردا بتفكير رغبوي لاعقلاني حول توقع نجاحهم.
2- خمسون فردا بتفكير لارغبوي عقلاني يتوقعون الفشل بنسب تساوي نسب توقعهم للنجاح.
إن أصحاب التفكير الرغبوي سيلجؤون للمخاطرة والذهاب بعيدا في توسيع النشاط ونحوه, لأن الفشل غير حاضر نصب أعينهم, في حين أن عددا كبيرا من أصحاب التفكير اللارغبوي لن يخاطروا لأن احتمالات النجاح غير مضمونة.

النتيجة إذن ستكون في مجموعة العقلانيين سلبية لأنهم لن يوسعوا نشاطهم وقد يتراجع كثير منهم في المضي قدما بالمشروع لأن احتمالات النجاح غير معلومة, ولن يرغبوا في خسارة رأس مالهم, ويكون نسبة من أتمم المشروع ونجح منهم هي خمسة أشخاص فقط كمثال في حين فشل وأفلس عشرة أشخاص بينما تراجع البقية عن المخاطرة وباعوا الفكرة.
أما أصحاب التفكير الرغبوي فقد ركبوا المخاطر جميعا لأنهم جميعا يدفعهم التفاؤل والتفكير اللاعقلاني في توقعهم للنجاح وإغفال الفشل, فيفشل عدد كبير منهم فعلا لنقل ثلاثين شخصا مثلا نالوا الإفلاس والتقريع من أفراد أسرهم والسخرية من أصدقائهم الذين نعتوهم بالأغبياء والبلهاء, في حين نجح العشرون الباقون وهو عدد يفوق الناجحين ضمن مجموعة التفكير اللارغبوي.
أي بالنتيجة الاجمالية لو نظرنا لكلا المجموعتين ومن ناحية الصالح العام فإن التفكير الرغبوي مفيد للبشر عموما لأنه يدفع عددا كبيرا نحو النجاح.

إذن كخلاصة فإننا لو نظرنا من أعلى فإن التفكير الرغبوي مفيد للبشر يدفعهم للعمل وتوقع الأفضل لتستمر الحياة, ولكنه في ذات الوقت مدمر لعدد كبير من البشر أيضا.
كلنا نقع ضحية التفكير الرغبوي ويقودنا أحيانا للأفضل وأحيانا للأسوء, هل تذكر عزيزي القارئ بعض المواقف التي كنت تفكر فيها برغبوية سواء بخصوص الدراسة أو العمل أو الرياضة أو نحوه؟

يجب على الفقير والمعاق عدم الإنجاب

6
الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هو امتعاض أحد أصدقائي من إنجاب رجل فقير لطفل, صراحة لا أعرف لما ومتى وكيف صرنا أصدقاء, أظن أنني كنت قد تعاطيت نوعا قويا من المخدرات أول مرة قابلته فيها, من يدري!

كل الكائنات الحية تصارع من أجل بقائها وتكاثرها, غريزة التكاثر من الغرائز الجد قوية, وهي لدى الحيوانات تترجم في الرغبة الجنسية المؤدية للتزاوج ومن تم التكاثر, فالحيوان لا يفكر ويخطط للإنجاب قبليا بل يخضع لسلسلة آليات بيولوجية محضة...
بالنسبة للبشر فالأمر أكثر تعقيدا إذ لا يقتصر فقط على تفريغ الرغبات الجنسية المؤدية لسلسلة بيولوجية تنتهي بالإنجاب بل تتعداها لإدراك عقلي لحقيقة أنه يجب أن يكون لنا نسل, يرافق هذا الإدراك مشاعر وأحاسيس, فلأغلب البشر رغبات مسبقة بالإنجاب, حتى لدى من يعاني من غياب الرغبة الجنسية.

ما أود قوله باختصار من هذه المقدمة المملة وبالعربي الفصيح أن التكاثر غريزة وفطرة وسنة من سنن الحياة حتى الحيوان يمارسها.
إلا أننا ابتلينا بفئة نصبت نفسها آلهة على المجتمع, تملي على بقية البشر من خلق الله قراراتها المقدسة في من يجب أن يستمر نسله ومن يجب أن ينقطع.
لسان حالهم هو لسان حال أحد الشخصيات السلطوية الفاشلة بالهند الذي قام بالسبعينات بتدبير حيواني من قبيل جر أزيد من ستة ملايين رجل فقير لعمليات تعقيم قسرية في ظرف عام واحد فقط أدت لوفاة المئات منهم, تماما كما يتم تعقيم قطط وكلاب الشارع.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن سكان الوطن العربي المتطور جدا يعاني عدد كبير منهم من وباء الشخصية السلطوية البابوية كما هو حال صديقي, فبدل البحث عن حلول لمشاكل الناس أو على الأقل التعاطف معهم وتفهم وضعهم يفضلون إملاء أوامر عليا عليهم ولعنهم وآباءهم على ما هم فيه, مع العلم أنهم هم ذات أنفسهم ماكانوا ليطبقوا تلك الأوامر لو وضعوا مكانهم.
فسبحان من خلقهم!

هل إنجاب الفقير لطفل أنانية؟
لا يمكننا أن نحكم على الناس من خلال نمط عيشنا نحن ونتخذه معيارا للآخرين, لأننا سنجد دائما من هو أغنى منا ومن هو أفقر منا, ومتطلبات الحياة بالنسبة لنا ليست هي متطلبات الحياة بالنسبة لمن هم أغنى منا ولا بالنسبة لمن هم أفقر منا, وكلنا في آخر المطاف نعيش صعوبات وتحديات سواء مادية, صحية, نفسية, اجتماعية... هذه هي الحياة طبعا! لا يمكن أن نطلب من فرد ما التوقف عن عيش أبسط حقوقه واعتزالها لأنه مريض أو ليس في نفس مستوانا المعيشي...
ولو عدنا قليلا للخلف سنجد أن أجدادنا عاشوا حياة صعبة وفقرا مدقعا وأبسط الأمراض بعصرنا الحالي كانت تقضي عليهم, وقد كانت الجدات في الماضي ينجبن إلى غاية ثلاثة عشر طفلا يتوفى أغلبهم رضيعا, ولولى إنجابهن لهذا الكم الهائل لانقرضت البشرية.

عدد كبير من الفقراء لا يستطيع توفير ثمن الحفاظات لأطفاله مما يثير حنق الشخصيات السلطوية التي منّ عليها الله من فضله, فيلومون هذا الفقير على زواجه, مع العلم أن الحفاظات لم يكن لها وجود بالماضي وكان آباؤنا وأجدادنا يرتدون الخرق وهم رضع.
كما أن الحفاظات أنواع عدة وقد يجد الشخص السلطوي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة شخصا سلطويا آخر أغنى منه يلومه على زواجه لأنه يستخدم حفاظات أقل جودة.
وبهذا المنطق فإن على البشرية إخصاء شعوب بأكملها لأنها تعيش فقرا لا نعيشه نحن ولا تستخدم الحفاظات مطلقا ولا تشتري حليب الأطفال من الصيدليات, فحسب البنك الدولي فإن عُشر سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر.
سأطلب من صديقي أن يبعث للبنك الدولي اقتراحه بإخصاء هؤلاء الفقراء للقضاء على الفقر ولكي نعيش في سلام من دون فقراء.
وإن بدا لك الاقتراح مثيرا للسخرية فعليك أن تعلم عزيزي القارئ أن أحد السياسيين الكنديين صرح أن البنك الدولي هو من قدم توصية للهند بالسبعينات بإجراء عمليات تعقيم قسرية على الرجال الفقراء للحد من الانفجار السكاني.
ايه والله!

شخصيا أرى من المتقبل أن ينصح الأهل والأصدقاء العاطل عن العمل مثلا بالتريث قبل الزواج, لأنها نصائح نابعة عن حب ورغبة في أن يحيى قريبهم أو صديقهم أفضل حياة, ولكن لا يجب أن تكون الفكرة مبدأ تابثا معمما بمعنى أن يضع المرء فكرة تابثة مفادها أن على الفقير عدم الزواج.
وليس بالمسألة أي تناقض, وكمثال فقد ينصح الأبوان ابنهما بعدم الزواج من مضيفة طيران لأن حياتها غير مستقرة, ولكن ليس لهاذين الأبوين أي اعتراض على زواج بقية الخلق من مضيفات الطيران, لأن ما يرغبانه هو عيش ابنهم حياة أفضل من منظورهما وهذا أمر طبيعي تماما.
من يجب أن نلوم؟
في واقع الأمر فإنه ليس من الضروري أن نلوم وننتقد طول الوقت يمكننا أن نمضي قدما دون إبداء آرائنا بشأن حياة الآخرين دون أن تتوقف الحياة... لكن بالنسبة لمن يهوى ممارسة رياضة لوم الآخرين على اختياراتهم الحياتية وعيش أبسط حقوقهم بدل الاهتمام بحياته هو, فإن الحل موجود وهو لوم 1% من سكان العالم الذين تتركز بيدهم ثلثي ثروة الكرة الأرضية, في حين الثلث الباقي الذي يقل كل عام نقتسمه التسعة والتسعون بالمائة جميعا وبإجحاف.
يمكن أيضا لوم الدول الفاشلة التي لا توفر لمواطنيها الحد الأدنى من ضروريات العيش, والتي تؤدي ببعض المواطنين للهجرة الجماعية  كما حدث مؤخرا بأمريكا الوسطى. (أنت تعلم مسبقا عزيزي القارئ لماذا أعطي أمثلة لدول غير عربية)
من الغريب كيف أن المريض لما يسافر طلبا للعلاج فإن الطبيب لا يلوم أباه وأمه على إنجابه ببلد لا يتوفر على علاج لمرضه.

لماذا ينجب الفقراء عددا كبيرا من الأطفال مقارنة بالأغنياء؟
في واقع الأمر فإن المسألة ليست مرتبطة بالفقر بشكل مباشر بل بالجهل ونقص الوعي, ولأن الجهل والفقر مترابطان فإنه يظهر للناس أن الفقراء ينجبون عددا كبيرا من الأطفال فيبدؤون بلومهم على صنيعهم.الفقر يؤدي للجهل لأنه وبشكل عام الفقير لا يحظى بفرص تعليم كغيره, بسبب تكاليف المعيشة والدراسة, مما يدفع الأطفال لترك المدرسة للعمل أو بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي يعيشونه وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة المدرسية.
الجهل يؤدي للفقر لأن الإنسان غير المتعلم لا يحظى بفرص عديدة لتحقيق عيش كريم, أغلب الأبواب موصدة بوجهه ولا يكون أمامه خيارات عديدة لجني المال والعلم الكافي لخوض غمار الحياة العصرية المعقدة.

وبالتالي فنحن نرى إنجاب عدد كبير من الأطفال بأوساط الفقراء غير المتعلمين, فالمرأة الفقيرة الواعية المثقفة لن تنجب عددا كبيرا من الأطفال, في حين سيصعب عليك إقناع امرأة غير متعلمة باستخدام حبوب منع الحمل بشكل مواضب والتخطيط لأي حمل مستقبلي, وتوفير الموارد له.
أنت لو جلست مع امرأة غير متعلمة أو بتعليم بسيط وبدأت بإقناعها بأهمية الحبوب فإنها ستقتنع وستقدم لها الحبوب مجانا وستتناولها من بين يدك وتتناول حبة أمامك, ثم تنصرف ولا تداوم عليها مطلقا بسبب "نقص الوعي" لأن الأشخاص بهذه الوضعية يكون أسلوب تفكيرهم بسيطا, محدودا ولا يميل للتخطيط.

تشير تقارير وإحصاءات صادرة عن منظمات دولية أن تعليم المرأة من عدمه هو العامل الأول للخصوبة عند البشر, حيث أنه كلما ارتفع تعليم المرأة والشهادات المحصل عليها كلما قل عدد الأطفال الذين تنجبهم, لذا يوصي البنك الدولي الدول النامية التي تعاني من انفجار ديموغرافي بتسهيل تدريس الفتيات, وتخصيص برامج خاصة بهن للحد من النمو الديموغرافي.
على الأقل لم يعد البنك الدولي يوصي اليوم الحكومات بإخصاء مواطنيها ولله الحمد.

 فقير
كثيرا ما نرى امرأة تعاني رفقة زوج عاطل عن العمل ومع ذلك بسبعة أطفال وحامل أيضا. فتتساءل بقية النسوة السلطويات عن غباء هذه المرأة وعن سبب إغراق البلاد والعباد بالأطفال وهي تعيش هذه الوضعية الصعبة.
السر إذن يكمن في أنها حرمت من نيل فرصة تعليم مناسبة ترفع وعيها.
يصعب على بعض المتعلمين والمتعلمات "بتوع مدارس" استيعاب المشاكل التي يسببها نقص التعليم والوعي, فيعتقدون بسذاجة أن المشكل سيحل فقط ببعض الحملات التوعوية الموسمية حول حبوب منع الحمل, كما هو صاحب هذا الكاريكاتير بالأعلى -مع احتراماتي له-, الذي يحاول إيصال رسالة بها شيء من الاستعلاء, لأن المرأة الفقيرة بهذه الوضعية المزرية لن تحل حبة منع الحمل مشاكلها لأنها مجرد هرمونات وليست حبة بركة وثراء ووعي وذكاء, كما أنها وهذا هو الأهم لن تستوعب كاريكاتيره هذا إن كان لديها انترنت وجهاز ذكي تجيد استخدامه أصلا, أي أن رسالته الضائعة لن تصل للفئة المستهدفة للأسف أو لحسن الحظ بالأحرى.

لو جالست عزيزي القارئ هذه الفئة من الناس وتبادلت معها أطراف الحديث في مواضيع مختلفة ستدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه يستحيل لومها على ما هي عليه للنقص الفادح في مستوى الوعي.

تفسير بيولوجي لإنجاب الفقراء لعدد كبير من الأطفال.
في محاولة لصياغة توليفة بين البيولوجيا وعلم الاجتماع في ما يسمى علم الاجتماع الحيوي, قام مجموعة من العلماء التطوريين بإسقاط نظريات تفسير سلوك الإنجاب الحيواني على سلوك البشر.
حيث يرى عالم الأحياء الأمريكي "إدوارد أوسبورن ويلسون" أن هناك نوعين من الانتقاء الجيني.
الاستراتيجية R: ترمز لسلوك الكائنات التي تتهددها العديد من الأخطار كالثديات الصغيرة والحشرات فلكي لا تنقرض تلد أعدادا كبيرة من الصغار تنمو بوتيرة سريعة وتستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية قليلة من الموارد.
الاستراتيجية K: ترمز لسلوك الكائنات التي لا تتهددها المخاطر كالكائنات الضخمة من فيلة وحيتان حيث تلد عددا قليلا من الصغار تنمو بوتيرة بطيئة ولا تستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية كبيرة من الموارد في حياتها.

إذن قام بعض علماء النفس والاجتماع بإسقاط هاتين الاستراتيجيتين على السلوك البشري, فقاموا بتقسيم المجتمعات لقسمين تماما كما لدى الحيوان.
المجتمع الفقير: يسلك الاستراتيجية R لأنه يعاني بحياته من مشاكل عدة قد تؤدي به للموت المبكر من مرض وسوء تغذية وحروب أو كوارث طبيعية كانت سببا لفقره فيلد الفرد عددا كبيرا من الصغار يستقلون عن آبائهم مبكرا فيتزوجون مبكرا ويعملون مبكرا ويستهلكون كمية قليلة من الموارد. (تكاثر سريع)

المجتمع الغني: يسلك الاستراتيجية K لأنه يعيش الرفاه تدفعه لإنجاب عدد قليل من الصغار يستهلك لتنشئتهم موارد عديدة, لا يستقلون عن آبائهم مبكرا ولا يتزوجون مبكرا (تكاثر بطيء)

أي حسب هذا التفسير فإن التجمعات البشرية تلجأ للاستراتيجية R للتكاثر السريع لكي لا ينقرض مجتمعها إذا كانت تعيش ظروفا صعبة ترفع من نسب الوفايات كالفقر, في حين تلجأ للاستراتيجية K في حالة الرفاه بالتكاثر البطيء لأنها لو تكاثرت بنفس الوتيرة السريعة وهي تعيش البدخ ونسبة الوفايات ضعيفة سيؤدي هذا للانفجار الديموغرافي.
وكل هذا بلاوعي منه, كما تتكاثر التجمعات الحيوانية بلا وعي منها, (يمكنك تسميتها حكمة إلهية إن شئت)
بالتأكيد تعرضت هذه النظريات لانتقادات لاذعة للثغرات التي تحملها ولتفسيرها الذي يراه منتقدوها سطحيا وبسيطا, فالمسألة أشد تعقيدا, ولن أضيع وقتك عزيزي القارئ أكثر في عرض الانتقادات لربما قد تكون واضحة بالنسبة لك.
على أي لقد طرحت النظرية لإعمال العقل حول هذا الموضوع ولتبيان تعقيده ومدى قدرتنا على مناقشته على أكثر من مستوى.

زوجوه ليعقل:
جملة تتردد في أرجاء الوطن العربي, خصوصا لمن يعاني اضطرابات نفسية.
الموضوع هنا مختلف قليلا لأنه يمس الشخص بشكل مباشر في سلوكه اتجاه أسرته المستقبلية, لا يمكن تزويج حاملي الاضطرابات النفسية الذهانية الشديدة, لا أحد سيقبل على أي حال الزواج من شخص متخلف عقليا أو ذهاني, كما أنه مس بحقوقهم لأنهم فاقدون للإدراك وعاجزين عن اتخاذ القرارات, فكيف يمكن تزويج شخص لا يعي ويستوعب ما يجري ويدور حوله؟

أغلب الاضطرابات النفسية وراثية خصوصا الخطيرة منها كالفصام وثنائي القطب, أي أنه يمكن للمريض أن يورث الجينة الممرضة لأبنائه كاحتمال غير حتمي.
شخصيا أحمل اضطرابا وراثيا وقد اتخذت قرارا بعدم الانجاب مطلقا, وهذا لا يجعلني بطلا لأنه لا رغبة لدي في الأطفال أصلا.
وبالتالي لا يمكنني أن أحكم على الآخرين بأنهم أنانيين فقط لأنه لا رغبة لدي, غيري لديه رغبة ملحة يمكنني تفهمها والتعاطف مع حاملها.

ماذا عن المعاقين؟
لكي لا أكرر كلامي السابق فإن ما ينطبق على الفقير ينطبق على من يعاني من إعاقة جسدية, إلا أن لبعض الشخصيات السلطوية رأيا آخر, ففي القرن الماضي كانت تعمد دول كأمريكا وسويسرا وألمانيا والسويد و اليابان وغيرها من الدول "المتطورة جدا" على تعقيم ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى النفسيين ومن يعاني من أمراض وراثية بل حتى الأطفال بالميتم بداعي "تحسين النسل البشري" كما يتم تحسين نسل الغنم والبقر.
ظلت اليابان تمارس التعقيم القسري إلى غاية 1996.

كدول وحكومات يمكنني تفهم الإجراءات البقرية لأن الحكومات تنظر للمواطنين نظرة قطيع يحتاج للتحسين من أجل بلد أكثر تطورا.
ولكن الذي لا يمكنني تفهمه هم الأفراد الذين يحملون مثل هذه الأفكار فيصمون المعاق الذي يتزوج وينجب بالأنانية وكأنه ليس بشرا, فيقررون أنه يجب أن يولد الإنسان كاملا مكتملا وإلا فلا داعي لأن يولد.
المسألة فلسفية أخلاقية يطول فيها الحديث كثيرا, ولكن باختصار فإننا جميعا بشر في آخر المطاف نحمل نقائص عديدة تعوق حياتنا إن لم تكن جسدية فقد تكون نقائص من نوع آخر, وقد يحيى المنقوص جسديا حياة أفضل من عدد كبير جدا ممن هو مكتمل بدنيا, وبالتالي فإن الحكم بشقاء ورفاه فرد من الأفراد قبل أن يولد لأنه لا يملك يدا أو رجلا أو لا يرى أو يسمع إنما هو اختصاص إلهي على ما أعتقد.
إن أردنا التدخل السافر ولعب دور الإله فإننا لن نبقي من البشر أحدا إلا نحن حتى وإن كنا نحمل عيوب الدنيا والدين قاطبة.