انسجام مع الأنا وعدم انسجام مع الأنا

7
انسجام الأنا وعدم انسجام الأنا مصطلحان من مصطلحات علم النفس التحليلي الفرويدي الذي حاول فرويد من خلالهما تفسير حالة الصراع الداخلي و الانسجام التام لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية كالنرجسية.
قسم فرويد النفس البشرية إلى ثلاثة أجزاء هي الهو (Id) والتي تعبر عن الجانب الحيواني فينا وتمثل مختلف الغرائز والرغبات والعواطف الطبيعية, والأنا الأعلى (Super Ego) الذي يمثل مجموع القيم العليا والمبادئ والأخلاق التي نكتسبها في مراحل حياتنا, بينما يعتبر الأنا (Ego) مزاوجة بين الهو والأنا الأعلى وبالتالي فالأنا يعكس الهوية وشخصية الإنسان التي توازن بين الهو والأنا الأعلى.

ما هو الانسجام مع الأنا و عدم الانسجام مع الأنا؟ 
يرى فرويد أن مفتاح الصحة العقلية والنفسية هو الوعي بمختلف الدفاعات النفسية والمحفزات والصراعات التي تدور بين الهو والأنا الأعلى, والتي تمثلها وتعكسها الأنا, لذا يتمحور علم النفس التحليلي الفرويدي على الغوص في أعماق النفس البشرية والبحث عن هذه المحفزات والصراعات والدفاعات لتفسيرها للفرد قصد علاج اضطراباته النفسية.
جميعنا لدينا قيم ومبادئ ورغبات ودوافع ومحفزات إلى نحو ذلك, وفي بعض الأحيان نجد أن بعض المشاعر والأفكار تنسجم تمام الانسجام مع ذواتنا في حين تنتابنا أفكار ومشاعر لا تنسجم مع الأنا فنحاربها رغبة في التخلص منها.

- يقصد بانسجام الأنا أن الشخص يكون في توافق وتناغم مع مفاهيم أناه وذاته متقبلا لمشاعره وسلوكاته وأفكاره وشخصيته وهي بالتأكيد أمر ايجابي إن كانت هذه الأفكار والمشاعر تعكس الواقع  وكانت ذات طبيعة إيجابية, كأن يكون الشخص انطوائيا وهو يعلم أنه انطوائي ولا يجد أي إشكال في كونه انطوائيا, إنه لأمر جيد إذن.

- يقصد بعدم الانسجام مع الأنا أن الشخص يشعر بغربة أفكاره أو مشاعره عنه ولا يتوافق معها ويرغب في إخمادها وتغييرها, كأن يكون الشخص انطوائيا ولكنه دائم البحث عن وصفات بالنت تزيد من قدراته التواصلية ويود لو أنه شخص أكثر اجتماعية وإقداما على محادثة الآخرين.

لكن الانسجام مع الأنا لا يكون ايجابيا في كل الحالات كذا لا يكون عدم الانسجام مع الأنا سلبيا دائما...تخيل معي الآن أن شخصا حسودا ومتناغما مع مشاعره وأفكاره أخبرك أنه يحسد فلانا ويتمنى زوال النعمة عنه, وإذا حاولت أن تناقشه حول كون الحسد مذموما أخبرك أنه لا يجد إشكالا في كونه حسودا.
هذا شخص إذن لديه انسجام تام مع الأنا ومتسامح مع مشاعر الحسد لديه وبالتالي يصعب تغيير رؤيته, وهذا سينطبق حتى على من يستخدم آلية الدفاع النفسي كالحسود الذي ينكر أنه يشعر بالحسد, إذ لو أخبرت شخصا أن يتوقف عن حسد الناس واستحقار إنجازاتهم فإنه على الأرجح سيخبرك أنه لا يشعر مطلقا بالحسد وأنه ينتقد انتقادا موضوعيا لإنجازات الآخرين وأن كلامه منطقي ويمثل الحقيقة, وسيصعب عليك إقناعه بأن كلامه نابع من مشاعر الحسد لأنه يعيش حالة إنكار وكذب على الذات, فالأنا الأعلى لديه تذم الحسد وهو يشعر بالحسد فما كان منه إلا أن كذب على نفسه وأقنعها أنه لا يشعر بالحسد بل يتحدث من منطلق الواقع.

اقرأ عن التنافر المعرفي.

والآن تصور شخصا شعر بالحسد من نجاح زميل له فانتابه عدم انسجام مع هذه المشاعر ولام نفسه على مشاعره وحاول كبتها وإخمادها واعترف بنجاح زميله وهنأه على عمله الدؤوب, إذن عدم الانسجام مع المشاعر السلبية أدى لمحاربتها لدى هذا الشخص.
اضطرابات الانسجام مع الأنا.
لاحظ فرويد في مساره المهني وبعد محاولة علاج عدة حالات  أنها أحيانا تعيش عدم انسجام مع ما يعتريها من مشاعر وأفكار في حين لا ترى حالات أخرى أي مشكل في مشاعرها وأفكارها, بل تلقي باللائمة على محيطها والآخرين.
 وقد انتبه كيف أن حاملي بعض اضطرابات الشخصية يعيشون انسجاما تاما مع الأنا وإنكارا لحقيقة شخصيتهم وأفكارهم غير السوية فهم عاجزون تماما عن لمس مكمن الخلل في شخصياتهم.
ركز فرويد في هذا الشأن على حامل الشخصية النرجسية, إذ ينكر النرجسي أنه نرجسي ويطلق على عجرفته مسمى ثقة عالية بالنفس, واستخفافه واحتقاره للآخرين مسمى قوة وصرامة إذ يحيط النرجسي نفسه بدفاعات نفسية عالية ينكر من خلالها واقع وحقيقة اضطراب شخصيته, لذا وجد فرويد أنه من الصعب ويكاد يستحيل علاج أصحاب الاضطرابات المنسجمة مع الأنا, لأن التركيز يجب أن ينصب حول إقناع المريض أنه مريض أولا قبل علاجه.

من بين اضطرابات الأنا المنسجمة سنجد اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية شبه الفصامية الذي لا يرى صاحبها أن أفكاره غريبة ومنفصلة عن الواقع, واضطراب الشخصية الوسواسية الذي قد يضيق الخناق على أفراد أسرته وأصدقائه بدعوى الحرص والنظام وهو لا يعلم كون تصرفاته وأفكاره وسواسية, واضطراب الشخصية الشكاكة التي يشك ويرتاب حاملوها من المحيطين بهم وهم على اقتناع تام بمنطقية أفكارهم.
اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع (سيكوباثي وسوسيوباثي) شخص لا يشعر بأي مشاعر بالذنب أو المسؤولية اتجاه تصرفاته وقد يسيء للآخرين وهو مدرك لحجم الأذية التي يسببها لهم ولكنه لا يبالي مطلقا لأنه منسجم مع ذاته.

قد يقع صاحب السلوك الادماني في انسجام مع الأنا فيجلس الشاب أمام لعبة الفيديو يقضي ساعات طوالا من اللعب منكرا كونه مدمنا مدعيا أنه قادر على التوقف عن اللعب متى شاء, في حين أنه لا يفعل أي شيء آخر غير اللعب مهملا حياته وواجباته.
كذا المقامر الذي ينكر حقيقة إدمانه على القمار, وغيرها من السلوكات الادمانية, بل حتى متعاطوا المواد المخدرة يعيشون في حالة انسجام مع الأنا أحيانا وينكرون حقيقة إدمانهم وبالتالي يصعب ويستحيل إقناعهم بالعلاج لأنهم لا يرون أنفسهم مدمنين أصلا.

اضطرابات الأكل, كفقدان الشهية العصابي الذي تمتنع فيه المراهقات عن تناول الطعام بسبب اعتقاد راسخ بأنهن بدينات واللائي يتحولن لهيكل عظمي, هو اضطراب جد منتشر بين مراهقات وشابات العالم الغربي, فالفتاة لا ترى أنها هيكل عظمي مطلقا بل تعتقد أنها تبدو رائعة بمظهرها المرعب, وتصر على أنها تتناول الطعام باعتدال في حين أنها لا تتناول الطعام إلا نادرا, ويكون مصير عدد كبير جدا منهن الموت المحقق, هن منسجمات مع سلوكهن وعاجزات عن رؤية مكمن الخلل بتصرفاتهن وأجسادهن.

انسجام الأنا بهذه الاضطرابات وغيرها يجعل من مهمة الأهل والأصدقاء إقناع الشخص بضرورة العلاج صعبة وحتى أثناء العلاج تكون الاستجابة جدا ضعيفة وفي الغالب لا يستمر المضطرب بتلقي العلاجات لأنه لا يقتنع أبدا بأنه مريض.
ويكون الضحية في الغالب هم المحيطون بالمضطرب الذين يعانون من تصرفاته, في حين تتدمر حياة المضطرب شيئا فشيئا وهو لا يدري أنه السبب بل يلقي باللائمة على الآخرين والظروف.

اضطرابات عدم الانسجام مع الأنا.
بعض الاضطرابات النفسية يعاني أصحابها من غربة أفكارهم وعدم انسجام مع صورة ذواتهم كما هو الحال مع الشخصية التجنبية التي يعاني منها حاملها من مشاعر القلق والخجل من تفاعله مع الآخرين, وهو يرغب في التخلص من مشاعره وأفكاره دون جدوى, أيضا حاملوا اضطرابات الوسواس القهري وعلى عكس أصحاب اضطراب الشخصية الوسواسية (سنتحدث عنه لاحقا) يعانون من وسواسهم ويرغبون في التخلص منه وهم غير منسجمون مطلقا مع مشاعرهم وأفكارهم, في حين اضطراب الشخصية الوسواسية وهو اضطراب آخر لا يرى حامله أنه يوسوس ويبالغ في حرصه ونظامه.

أصحاب بعض السلوكات الادمانية يعانون أيضا من إدمانهم ويرغبون في التخلص من إدمانهم ويعيشون عدم انسجام مع الأنا, فقد يدمن الشاب على ألعاب الفيديو كما بالمثال السابق ولكنه يعلم أنه يضيع ساعات طوالا أمام الشاشة ويرغب في التخلص من إدمانه وحد ساعات لعبه ولكنه يعجز عن ذلك فيقع في دوامة تأنيب الضمير.
وهذا ينطبق على بقية السلوكات الادمانية, فكما قد ينسجم البعض مع إدمانهم يشعر البعض الآخر بعدم انسجام.

حاملوا اضطرابات القلق والفوبيات أيضا يشعرون بأن قلقهم ومخاوفهم غير مبررة ويرغبون في التخلص منها ولكنهم عاجزون عن ذلك.
وغيرها الكثير من الاضطرابات.

وبشكل عام فإن حاملي اضطرابات عدم الانسجام مع الأنا أكثر قابلية للجوء للعلاج ومحاربة أفكارهم ومشاعرهم المزعجة, كما أنهم يعانون في حياتهم أكثر من حاملي اضطرابات الانسجام مع الأنا, لأن الصراع النفسي لديهم شديد وهم في حرب يومية مع اضطرابهم.

ماذا عنك؟
والآن عزيزي القارئ هل لديك أفكار ومشاعر لا تنسجم مع ذاتك والأنا لديك؟ هل يمكنك جرد هذه المشاعر والأفكار؟
هل لديك أفكار ومشاعر سلبية مدمرة وأنت منسجم معها؟ هل سبق وأخبرك الآخرون أن سلوكات أو مشاعر أو أفكار صادرة منك بها خلل وأنكرت أنت ذلك؟
طبعا لا يمكنك رصدها أو تذكرها لأنك منسجم معها ولا ترى خللا فيها, ولكنها تبقى موجودة لدينا جميعا, لا نرصدها نحن بل يرصدها الآخرون فينا ونجد نحن لها مبررات ومسميات أخرى.

أنماط الانطوائيين

5
لازال علماء النفس يبحثون في أغوار النفس البشرية وسلوكها ومزاجها ويحاول كل عالم إضافة تفاصيل ونسج نظريات حول الشخصية الإنسانية, وتحظى سمة الانطوائية والاجتماعية بدراسات عديدة كونها مازالت عصية عن الفهم والإحاطة الشاملة لمختلف جوانبها.

كان أول من فصل في هاتين السمتين هو عالم النفس التحليلي كارل يونغ والذي كان انطوائيا هو ذات نفسه, إلا أن تعريفه للانطوائية والاجتماعية كان نابعا من ذاته ومشاعره الشخصية ولم يكن قد صاغ نظريته بتجرد بعيدا عن ذاته, إذ ليس كل انطوائي كما وصف وليس كل اجتماعي أيضا كما وصف, لعل الصفات التي ساقها كانت تنطبق على شخصه هو فعممها على الجميع.
أتى بعد ذلك عدة علماء نفس للشخصية ومن بينهم عالم النفس آيزنك الذي أعطى تعريفا مختلفا عن تعريف يونغ ولكن تعريفه ظل يتطرق لجانب واحد من جوانب السمة الانطوائية والاجتماعية.

اقرأ عن نظرية يونغ للانبساطي والانطوائي

اقرأ عن تعريف آيزنك للانبساطي والانطوائي

سأحاول اليوم عرض نموذج وتصنيف حديث للانطوائية غير شهير ولا يحظى باهتمام بالغ ولكنه يبقى مفيدا.

الصورة النمطية للانطوائي:
لاحظ جوناتان تشيك وهو بروفيسور أمريكي في علم النفس يدرّس حاليا باحدى جامعات أمريكا أن المفاهيم التي خصصها العلماء للانطوائية متعددة بشكل كبير وتختلف فيما بينها مما يجعل السمة يعتريها الغموض إذ لا وجود لتعريف حالي متفق عليه للانطوائية والاجتماعية, بالإضافة لكون تعريف الانطوائية بمختلف الأعمال والنظريات ومن بينها سمات الشخصية الخمس الكبرى تعريف مبني على مقارنة الانطوائية بالانبساطية, بمعنى أن العلماء جعلوا الانطواء هو مقابل للاجتماعية في مختلف نظرياتهم (انطوائي VS اجتماعي) وهذا ما يراه تشيك غير صحيح بالضرورة.
 بناء على هذا عمد تشيك على محاولة صياغة تعريف أكثر دقة للانطوائية وذلك بدراسة السمة في معزل عن بقية السمات كخاصية إنسانية متفردة بعيدة عن كونها مجرد مقابل للاجتماعية, وتأتّي له ذلك عن طريق العودة لأعمال العلماء الذين سبقوه وأخذ مقاييسهم المختلفة والتي تحدد مختلف جوانب الشخصية (مقياس الاجتماعية, مقياس الخجل, مقياس الانفتاح بسمات الشخصية الخمس, مقياس الحساسية, مقياس النرجسية...وغيرها الكثير من المقاييس) وطرح أسئلة مختلف المقاييس على عينة ضخمة من المتطوعين قصد استخلاص العوامل والفوارق بين مختلف الانطوائيين. فخرج أخيرا تشيك في دراسته بأربعة أنماط للانطوائية.
1- الانطوائية الاجتماعية:
 هذا هو المفهوم الشائع بين البشر لمفهوم الانطوائية, وهو نمط من الانطوائيين لا يتفاعل مع عدد كبير من البشر فهو شخصية تفضل أن تكون دائرة معارفها ضيقة, وقد يفضل أصحاب الانطوائية الاجتماعية الشديدة الوحدة بدلا عن التفاعل مع الآخرين.
يمكن القول أن صاحب الشخصية ذات الانطوائية الاجتماعية هو فعلا مقابل لصاحب الشخصية الاجتماعية.
يحبذون قضاء وقت مع أنفسهم بالمنزل في أنشطتهم الشخصية كعالم الانترنت أو القراءة أو اللعب أو مشاهدة التلفاز أو أي نشاط يزاولونه بمفردهم في عزلة عن الآخرين ويجدون متعة في البقاء بمفردهم أكثر من أنهم يشاركون أنشطتهم الآخرين.
يفضل أصحاب الانطوائية الاجتماعية المعتدلة التفاعل مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء والأقارب ويرحبون بحضور الحفلات التي لا تحتوي على عدد كبير من الغرباء, ولكنهم سرعان ما يشعرون بالإرهاق بعد كل حفلة ومناسبة اجتماعية.
انطوائيتهم ليست بسبب الخجل أو القلق أو كره للبشر ولكنه مجرد تفضيل للعزلة وإيجاد متعة وراحة بقضاء الوقت مع أقل عدد من المعارف.
يشعر بالغالب الانطوائيون اجتماعيا بأن الآخرين يسيئون فهمهم وينعتونهم بصفات لا تمثل واقعهم "كالخجل, الأنانية, العقد..." بسبب تكتمهم وعدم حديثهم عن ذواتهم, هم لا يتعمدون عدم الحديث عن أنفسهم ولكنهم لا يجدون ما يقولونه ولا يشعرون أن هناك ما يمكن قوله بهذا الخصوص, بل أحيانا يشعرون وكأن ذهنهم صار عبارة عن ورقة بيضاء إذا ما طلب منهم الحديث في موضوع ما يخصهم, وقد يبذلون مجهودا في تجميع الأفكار, هم لا يشعرون بالريبة من البشر أو القلق هم فقط يفضلون قضاء الوقت مع أنفسهم أكثر من الآخرين.

2- الانطوائية القلقة:
عكس الانطوائية الاجتماعية فإن هؤلاء الأفراد يلجؤون للانطواء بسبب القلق, هم يجدون صعوبة في التفاعل مع الآخرين بسبب وعيهم الذاتي الشديد, قد ينعتون أنفسهم على أنهم سيئون من ناحية المهارات الاجتماعية أو لا يجيدون الكلام أو التصرف أمام الآخرين أويعانون من الخجل من الغرباء, هم يشعرون بانزعاج مستمر من أنفسهم لذا يفضلون الانطواء والبقاء في عزلة وتجنب المناسبات أو اللقاءات الاجتماعية كي لا يتعرضوا لمشاعر القلق والخجل, إذا دخلوا قاعة مليئة بالبشر فقد تضايقهم الأعين المحذقة ويشعرون وكأنهم محط أنظار الجميع.
ورغم تفضيلهم للعزلة إلا أنها لا توفر لهم الراحة لأنهم يجترون أحداث اليوم في تفكير مستمر ومزعج, فيلومون أنفسهم على كلام قالوه ما كان يجب أن يُقال أو تصرف ماكان يجب أن يتصرفوه أو يفكرون في معاني وخلفيات كلام الآخرين الموجه لهم أو موقف محرج تعرضوا له, يصابون بالإرهاق الشديد من التفاعل حتى مع أصدقائهم المقربين, فلا يتصرفون على سجيتهم معهم وقد يتكلفون معهم أو يظهرون شخصية لا تمثل واقع شخصيتهم ولا يبوحون بأفكارهم ومشاعرهم لأصدقائهم لأن هذا يضايقهم بشدة, وكثيرا ما يصرحون أن أصدقاءهم والمحيطين بهم لا يعرفون شيئا عنهم, وعكس الانطوائي الاجتماعي الذي لا يقصد إخفاء حقيقته فإن الانطوائي القلق يسعى لإخفاء حقيقته لأن إظهارها محرج ومزعج ومقلق بالنسبة له, وقد يلوم نفسه ويندم لاحقا إن باح لصديق له بمكنوناته.

3- الانطوائية التفكيرية:
هي انطوائية يتمتع أصحابها بخيال واسع وتفكير مستمر في قضايا عديدة وكثيرا ما يضيعون وسط خضم أفكارهم المتزاحمة, يتمتعون بوعي بمشاعرهم ودواخلهم ويفكرون كثيرا في ما يدور بعوالمهم الداخلية, هم لا يعانون من القلق أمام الآخرين ولا ينفرون التجمعات الكبيرة كما بالانطوائية الاجتماعية أو الانطوائية القلقة, قد يكون للشخص دائرة واسعة من المعارف حتى, هم فقط يعيشون في عالمهم الخاص, فقد يظهرون أمام الآخرين بمظهر الانطوائي لأنهم مشغولون بالتفكير في أحلامهم والقضايا التي تشغل بالهم وربما مشاركتها الآخرين من حين لآخر, ولكنهم بشكل عام لا يجدون أي مشكل أو إرهاق في التفاعل مع الآخرين وقد يرحبون بحضور الحفلات من حين لآخر ولكنك سرعان ما تراهم شاردين منزوين في ركن بالحفل تائهين في أفكارهم.
إذا قرأ أحدهم كتابا أو شاهد فيلما مثيرا قد يتخيل نفسه مكان شخصيات القصة, قد يتخيل نفسه في المستقبل أحلام يقظة, ويحب تحليل ذاته ومشاعره, يميل هذا الشخص للانطواء والانزواء بذاته فقط للغوص في أحلام يقظته وعيش عالمه الخاص.

4- الانطوائية المقيدة:
وهو آخر نوع من الانطوائية عند تشيك وهم الأشخاص الانطوائيون ليس لأنهم يفضلون التفاعل مع مجموعة صغيرة بل قد يكونوا عكس ذلك يحبون قضاء الوقت وسط التجمعات الكبيرة من حين لآخر ولا يعانون من القلق كما أنهم لا يتيهون وسط أفكارهم هم بكل بساطة بطيئون في حركتهم وفي تفكيرهم وردات فعلهم.
هم يفكرون مليا قبل البدء بالحديث لإبداء آرائهم, يتحدثون بوتيرة بطيئة وتكون نبرة صوتهم بالعادة منخفضة, وحتى أثناء سيرهم تكون خطواتهم بطيئة وقد يستغرقون مدة طويلة للقيام بعمل واحد, مما يجعلهم يقعون في خانة الانطوائية بسبب هذا البطء.
إذا استيقظوا مكثوا في أسرتهم مدة قبل أن يتحركوا, قد يجلس الواحد منهم مدة طويلة قبل أن ينهض وكأنه يشحن نفسه بالطاقة, لا يندفعون أبدا للقيام بأمر ما وليد اللحظة بل تجدهم يفكرون مليا في ما يجب عمله, طاقتهم منخفضة ويتمتعون بالاسترخاء ويميلون لحب الاسترخاء وعدم شغل أنفسهم أو إرهاقها بالعمل غير الضروري.

ماذا عنك؟
قد تكون عزيزي القارئ قد وجدت أن لديك شيئا من كل نمط وهذا صحيح فحتى لو كنت اجتماعيا قد تجد أن بعضا من الصفات تنطبق عليك سواء المتعلقة بالقلق أو البطء أو التفكير ولكنها تبقى بنسب ضئيلة مقارنة مع الانطوائيين.
أنت كشخص انطوائي قد تتوفر على نسب من كل نمط بتفاوت فمثلا هذا نموذج لفرد بانطواء قلق غالب وانطوائية اجتماعية غالبة أيضا.
 قام تشيك رفقة تلميذاته بتطوير مقياس خاص (اختبار) بالانطوائية لمساعدة الفرد على معرفة نوع الانطواء الأكثر هيمنة في شخصيته وقد ترجمته ولكن حدث خطأ وضاع مني بعد جهد ووقت ضائع فكسلت إعادة كتابته مجددا, وعلى كل حال فهو اختبار غير دقيق.

اقرأ عن قصة الثعلب والعنب الحامض


مقارنة نموذج تشيك ببقية نماذج نظريات الشخصية:
لابد وأنك لاحظت تشابها بين نموذج تشيك ونماذج للشخصية أخرى كنموذج يونغ وآيزنك وغيرهما, وهذا صحيح لأن تشيك لم يأتي صراحة بالجديد بل عمد على مدنا بخلاصة مختلف النظريات بعد تجميعها لدراسة سمة الانطوائية, حيث أن لكل عالم تعريفه الخاص بالانطوائية وقد حاول تشيك وتلميذاته التفصيل في أجزاء كل تعريف ومن تم استخلاص أربعة أنماط للانطوائية.

نظرية العجز المتعلم, كيف نكتسب اليأس

5
نظرية العجز المتعلم أو المكتسب واحدة من النظريات المهمة بعلم النفس والتي سلطت الضوء على ظاهرة نفسية خطيرة ألا وهو اكتساب العجز عن طريق التعلم, إذ يصاب الكائن بالعجز ويستسلم أمام محفز مزعج أو مؤلم دون محاولة التخلص منه.
اكتشف هذه الظاهر عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان (ولد عام 1942) في ستينيات القرن الماضي عن طريق الصدفة, إذ كان الشاب سليجمان حينها يحاول محاكاة إشراط بافلوف الكلاسيكي على الكلاب فأحضر بضعة كلاب ربطها كي لا تهرب ووضع أمامها
مصباحا كلما استنار صعقهم تيار كهربائي مؤلم, وذلك قصد تعليم الكلاب الهرب كلما استنار أمامهم المصباح لاحقا.
بعد ذلك وضع سليجمان هذه الكلاب بدون رباط في ما يشبه القفص به جانبان أحدهما به تيار كهربائي والآخر بدون تيار فكان ينير المصباح معلما الكلب أن الصعقة قادمة قصد الهرب للجهة الأخرى الآمنة
ولكن هذا لم يحدث إذ أن الكلب كان ينبطح أرضا في استسلام تام كلما رأى المصباح يستنير ويبدأ بالأنين من آلام الصعقة الكهربائية منتظرا زوالها.
استغرب سليجمان من تصرف الكلاب, فأحضر كلابا أخرى لم يسبق أن صعقها بأي تيار كهربائي ووضعها في القفص وعند تسليط الصعقة الكهربائية أخذت الكلاب تعوي وتئن وتتبول على نفسها من الفزع باحثة عن مهرب ومن تم تقفز للجانب الآخر من القفص لتنجو من الصعقة.
استنتج سليجمان حينها أن الكلاب التي قام بربطها بداية مسلطا عليها الصعقة الكهربائية تعلمت أنه مهما حاولت الهرب والافلات من الصعقة فإنه لافائدة ترجى من المحاولات بسبب الرباط وحتى بعد إزالة الرباط لم تحاول أبدا الكلاب الهرب رغم أن الحل موجود أمامها وما عليها إلا الخطو خطوة واحدة للتخلص من الآلام, أي أن الكلاب تعلمت العجز.
التجربة على البشر:
بعد مضي بضعة أعوام قرر سليجمان تكرار التجربة وهذه المرة على البشر وبالتأكيد ليس عن طريق الصعقات الكهربائية بل بالضجيج.
حيث أحضر مجموعة من المتطوعين وأفهمهم أنه سيسلط عليهم ضجيجا مزعجا وعليهم إيقاف الضجيج عن طريق الضغط على مجموعة من الأزرار فيما يشبه  حل لغز فإذا قاموا بحل اللغز اختفى الضجيج.
قسم سليجمان المتطوعين لمجموعيتن إحداهما كان يسلط على أفرادها الضجيج باستمرار مهما ضغطوا من أزرار, والمجموعة الأخرى كان الضجيج يتوقف كلما ضغطوا الأزرار بشكل صحيح.
قام بعد ذلك بمراقبة سلوك المجموعتين لاحقا,فلاحظ أن المجموعة التي سلط عليها الضجيج باستمرار توقف أغلب أفرادها عن تجريب ضغط الأزرار وجلسوا منزعجين من الضجيج منتظرين زواله كما فعلت الكلاب, في حين استمرت المجموعة الأخرى في الضغط على الأزرار كلما أتى الضجيج.
أي أن نتيجة التجربة على البشر كانت مماثلة لتلك التي تخص الكلاب.

مؤثرات العجز المتعلم:
 بعد اكتشافه للظاهرة صاغ سليجمان بمساعدة  زملائه نظرية العجز المتعلم والتي فسر فيها آلية حدوثها وذلك بتفصيل ثلاث مؤثرات أساسية:
1- التأثيرات التحفيزية: أي كائن يقوم بمحاولة ما أيا كان هدفها فهو يكون مدفوعا من توقعاته المنتظرة بالحصول على النتيجة المرجوة, بمعنى أن الكلاب لما صعقت بالكهرباء وهي مربوطة فقد كانت تقوم بمحاولات للتخلص من الكهرباء, والبشر الذين كانوا يضغطون الأزرار فلأجل التخلص من الضجيج أي أن الذي يحفزهم على العمل وتكرار المحاولة هو توقع الحصول على النتيجة المنتظرة, وبالتالي فعدم حصولهم على نتائجهم المرجوة يضعف الحافز لديهم للاستمرار في المحاولات.

2- التأثيرات المعرفية: بسبب المحاولات الفاشلة لوضعية غير متحكم بها كالصعقات الكهربائية والضجيج فإن الكائن يتعلم أن هناك انفصالا بين محاولاته وتوقف الضرر, أي أن دماغ الكائن سيحدد المعادلة (أ) لا تؤدي إلى (ب) وسيتوقف عن القيام ب(أ) وينتظر حدوث (ب) التي لا يعرف كيف ومتى تحدث, أي أن عجزا معرفيا يحدث للكائن, فالكلاب والبشر بالتجربة لا يعرفون ما هو الإجراء الذي يجب القيام به للحصول على النتيجة ولا الفعل الذي يؤدي لتوقف الصعقة والضجيج.
هذا العجز المعرفي يبقى ملازما للكائن, فحتى عندما وضعت الكلاب في صندوق يمكنهم الهرب من الصعقات عن طريق خطوة واحدة فضلوا الانبطاح وانتظار زوال الصعقة, وكذا فعل البشر مع الضجيج الذين لم يجربوا أبدا مجددا الضغط على الأزرار حتى وإن كان الضغط هذه المرة سيجعل الضجيج يزول, أي صار لديهم ما يشبه القصور المعرفي, والخطير بالموضوع أن الكائن يتعلم بسرعة فائقة العجز ويصعب تغيير هذا التعلم, حيث أن الكلاب التي تعلمت العجز استغرقت مدة طويلة جدا كي تقتنع مجددا بأن خطو خطوة واحدة سيبعدها عن الصعقة وكذا البشر.
 

3- التأثيرات العاطفية: عند وضع كائن ما في حالة مشابهة بتسليط محفز كريه مؤلم أو مزعج غير قادر على التحكم به فإن هذا الكائن سيختبر بالتأكيد عواطف سلبية من غضب وخوف وقلق وغيرها من العواطف السلبية, وستتطور حالته العاطفية إلى الرضوخ التام والاستسلام للأمر الواقع فيصير متقبلا بوضعه الحالي كما حصل مع الكلاب التي انبطحت منتظرة الصعقة لتتألم وهي مستكينة صابرة عكس الكلاب التي صعقت أول مرة والتي فزعت وتبولت ونطت من مكان لآخر قصد التخلص من التيار الكهربائي.

العجز المتعلم بالحياة:
الآن عزيزي القارئ لابد وأنك تفكر في نماذج حياتية للعجز المتعلم, بالتأكيد قام سليجمان وزملاؤه بدراسة العجز المتعلم في حياتنا اليومية, ودعنا نخمن في بعض النماذج ولنبدأ بالمدرسة, فإن الأستاذ الذي يعطي طلابه اختبارات صعبة كل حين سيكسبهم العجز فيتعلمون أنه مهما درسوا مادة هذا الأستاذ فإن مصيرهم الفشل وبالتالي حتى وإن كان اختبار الأستاذ سهلا فإن النتائج لن تكون كنتائج من يختبر تلك المادة لأول مرة دون المرور بتجارب فاشلة.
قد نرى بعض الأفراد الذين يعيشون عنفا أسريا غير قادرين على التخلص من الحالة التي يعيشون فيها حتى وإن بدا الحل بالنسبة للملاحظ سهلا لأنهم عاشوا العجز طوال سنوات عديدة فحتى عند توفر الحل فإنهم لا يلجؤون إليه.
هذا ما يحدث مع الاغتصاب أيضا حيث يعتاد الطفل الذي يتعرض لاعتداء جنسي على أن محاولاته للتخلص من المغتصب تبوء دائما بالفشل كونه طفلا, فيصير عاجزا مستسلما حتى بعد بلوغه سنا يمكنه من التخلص من المعتدي, فيتساءل الناس بعدها ... ولكن لماذا لم يقاوم المعتدي بعد أن كبر بالسن؟
الأسوء من ذلك أن الشخص الذي يتعرض للتعنيف في صغره قد يبدي عجزا لاحقا في مجالات عديدة, فلو افترضنا أن طفلا تعرض للتعنيف من والديه باستمرار لأسباب لا يتم شرحها للطفل مسبقا, فإن الطفل سيتعلم العجز لأنه غير مدرك لمكمن الخلل الذي يؤدي به للعقاب وقد يصير عاجزا فاشلا حتى في أمور حياته كالعمل والزواج وغيرها, فلا يلجأ لتغيير حياته للأفضل بالشكل المطلوب لأنه تعلم منذ صغره أن المحاولات لا ترتبط بالنتائج.

وعلى أي فإنه لا يكون هذا هو الحال دائما فمهما كان الأمر نبقى بشرا نختلف بتركيبتنا المعقدة عن بقية الكائنات, فقد يمر الإنسان بظروف يحصل فيها عجز ولكنه يتجاوز هذا العجز أو لا يتوقف عن الاستمرار بالمحاولات قصد التغيير للأفضل, ومسألة الاستسلام تتفاوت من فرد لآخر بتدخل معايير أخرى عديدة.
وبالتالي لا يمكنك توقع سلوك كل فرد من البشر على حدة بعد اختباره لحالة العجز, ولكننا نستطيع على الأقل تفسير جانب منه.

الميثومانيا أو الكذب المرضي

7
الكذب سمة إنسانية طبيعية وفطرية ننميها بطفولتنا بمرحلة تطور شخصياتنا ومهاراتنا الاجتماعية, حيث يختلق الأطفال العديد من الأكاذيب لتجنب العقاب أو نيل الأهداف أو حتى دون سبب.

هل يبدو لك كلامي غريبا؟
لا أدافع هنا عن الكذب بل أفسره.
الكذب نوع من الخداع المتمثل بمد الآخر بمعلومات مغلوطة عن قصد, وهو سلوك تمارسه بعض أنواع الحيوانات أيضا التي قد تتظاهر بأنها ميتة أو أن تحفر حفرة متظاهرة أنها تخفي فيها طعامها في حين أنها تخفيه في مكان آخر لإبعاد المنافسين وغيرها من الأساليب التي تبقيها على قيد الحياة, ولأن الإنسان كائن كبقية الكائنات فهو يطور أيضا في طفولته مهارة الكذب للبقاء على قيد الحياة في المواقف التي تتطلب تغيير الحقائق للنجاة أو نيل الأهداف وللتفاعل السليم مع المجتمع.
قد يزعج الآباء لجوء طفلهم للكذب, وقد يعتبرون الأمر انتكاسة أخلاقية خصوصا إن أكثر الطفل من اختلاق الأكاذيب, لذا إن كان طفلك أو أحد أقاربك من الأطفال يكذب فاطمئن لأن حاله سيتغير مع مرور السنين, ما عليك إلا تبيان سوء صنيعه باللين.
ويمكنك مشاهدة هذا الفيديو الذي يمثل تجربة وضع فيها الأطفال لكبح رغباتهم وعدم لمس قطعة الحلوى, إلا أن ثلاثة أطفال من أصل أربع لجؤوا للكذب بخصوص عدم لمسهم للحلوى بشكل مقنع تماما للسائل, وقد بينت التجارب كيف أن أكثر من ثلثي الأطفال يكذبون لنيل أهدافهم أو هربا من التوبيخ.

الطفل ليس بريئا: 
يبعث الأطفال كل سنة عددا كبيرا من الآباء والأقرباء والغرباء للسجون ظلما بسبب إختلاق قصص اعتداء وسوء معاملة أو ادعاء مشاهدة جريمة لم تحدث حيث تعتد بعض القوانين حول العالم بشهادة الأطفال, يلجأ الأطفال للكذب للتخلص من سطوة آبائهم أو إخوانهم أو كنوع من العقاب لعدم تلبية رغباتهم, وقد يكذبون دون سبب حول حادث لم يشهدوه مطلقا.
لا تعتد بشهادة الأطفال في القوانين العربية إلا إن رافقتها الأدلة, فيفلت عدد كبير من المعتدين على الأطفال من العقاب للأسف.
هي مشكلة إذن تحتاج لمعالجة, كي لا يظلم أحد.
الكذب في المعتقدات الدينية: 
لا يطور البشر سمة الكذب بالطفولة عبثا, فهي كغيرها الكثير من السمات الضرورية التي تحتاج لتأطير.
بشكل عام فإن الكذب يعد بالإسلام وكما بغالبية الأديان إثما من الآثام, إلا أنه مباح في مواضع ثلاث, الحروب وإصلاح ذات البين والكذب بين الزوجين لتوطيد العلاقة بينهما من قبيل الغزل ونحوه, وكل ما دخل في نطاق هذه الحالات كإجازة بعض الفقهاء الكذب على المريض بخصوص حالته الصحية لرفع معنوياته (شخصيا لا أوافق هذا) أو الكذب على من يهدد حياة الشخص وممتلكاته وذلك للإفلات منه والنجاة... 
في معتقدات أخرى دعوة للتجنب المطلق للكذب مهما كان غرضه ساميا حتى لو تهددت حياة الإنسان, في حين لم تتطرق بعض المعتقدات الدينية للكذب مطلقا.
وفي أديان أخرى والتي عاش معتنقوها على مر العصور كأقليات وبسبب الاضطهاد الذي عانوا منه من طرف الأغلبية التي كانوا يعيشون في كنفها, عمد الكهان والأحبار على تطوير معتقداتهم على مر الزمن لتبيح الكذب بإطلاق على غير معتنقي نفس ديانتهم.

متى نكذب؟
بعيدا عن المثالية فإن أغلب البشر يكذبون لنيل أهداف بعيدة عن كونها حالات حرجة أو ذات نوايا حسنة, فحسب بعض الإحصاءات فإن الإنسان الطبيعي الغربي قد يكذب بمتوسط خمس كذبات باليوم (تزيد أو تقل) ولا أظن الأمر مختلفا عن الإنسان العربي إلا من رحم ربي.
الصورة مترجمة من مقال بمجلة ناشيونال جيوغرافيك تحتوي متوسط النسب المئوية لأنواع الكذب لدى الإنسان الطبيعي السوي.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن الإنسان الطبيعي السوي ليس مثاليا, وبالتأكيد فإن النسب تتغير من فرد لآخر حسب شخصيته والظروف التي يعيشها وخلفيته الثقافية.

الكذب كمرض:
الأن لننتقل لموضوعنا الأساس الكذب المرضي, والذي يقصد به الإفراط في الكذب بمعدل يفوق المتوسط ولأهداف غير واضحة, فكما نرى بالصورة فإن الإنسان السوي يكذب لأهداف واضحة ونادرا ما يكون كذبه بلا أي معنى مجهول الأسباب.
فالإنسان على أي حال يرتكب في حياته العديد من الآثام لأغراضه الشخصية.
بالنسبة للكذب المرضي فإن الشخص يكذب كذبا غير واضح الأسباب غالبا, أو بأهداف غير مقنعة لا يجد الإنسان السوي داعيا لها, وبشكل مزمن متكرر.

لا يصنف الكذب المرضي مرضا بحد ذاته بل عرضا مرافقا لبعض الاضطرابات النفسية كاضطرابات الشخصية: النرجسية, المضادة للمجتمع, الحدية, الدرامية...
- الشخصية المضادة للمجتمع: يعاني صاحب هذا الاضطراب من ضعف حاد في الشعور بالذنب والمسؤولية لذا يقدم على الكذب والخداع لنيل أهدافه أيا كانت أو طلبا للمتعة, فيتنوع كذب الشخص المضاد للمجتمع ليشمل كل مناحي حياته, لنيل المآرب ولأذية الآخرين وللمتعة ولغيرها الكثير...

- الشخصية النرجسية والدرامية: يشترك صاحب اضطراب الشخصية النرجسية مع اضطراب الشخصية الدرامية في كونهما يعشقان لفت الانتباه والتقدير, لذا يتمحور كذب هاتين الشخصيتن عادة في الأمور المرتبطة بتحسين صورة الذات كادعاء الحصول على شهادات عليا أو وظائف مرموقة أو عيش قصة حب عارمة, أو نيل جوائز ونحوه من الأكاذيب التي تعلي من شأن المضطرب....

- الشخصية الحدية: بسبب عدم وضوح الهوية وضبابية الأنا وعدم السيطرة على الاندفاعات فإن صاحب اضطراب الشخصية الحدية يلجأ للكذب بشكل اندفاعي دون أن يكون لكذبه أهداف واضحة.

- اضطرابات الجهاز العصبي: قد يفرط في الكذب بعض مرضى الصرع بسبب تأثر جهازهم العصبي, كذا من تعرضوا لإصابات بالدماغ أو عدوى بالجهاز العصبي.

- اضطرابات الجسدنة: بعض أنواع اضطرابات الجسدنة تتمحور أكاذيبهم حول صحتهم أو صحة مقربيهم فيدعون المرض للفت انتباه وشفقة الآخرين.

الميثومانيا أو الكذب المبهر:
في بعض الأحيان يرصد الكذب المرضي لدى أشخاص لا يعانون من أي اضطرابات نفسية, وهذا فتح باب الجدل بين العلماء في كون اعتبار الكذب المرضي اضطرابا نفسيا قائما بذاته وليس مجرد عرض مرافق لاضطرابات أخرى.
يكذب البعض بشكل اندفاعي ومستمر في أمور لا معنى لها, ويكون كذبهم عادة غرضه إبهار السامع...
وربما عزيزي القارئ سبق وصادفت شخصا كذلك, يروي عن نفسه قصصا عارية عن الصحة, فيكذب بخصوص كل شيء بحياته, ابتداء من تاريخ ميلاده ومكان ازدياده ليوهمك أنه أصغر سنا ومن أسرة مرموقة إنتهاء بتزوير شهاداته...ويروي أحداثا يدعي أنها حصلت له لم تحصل فعلا كنجاته من انفجار أو اعتراض عصابة سبيله, أو مشاهدته لوقائع لم تقع أو لم يكن شاهدا عليها...سيروي بالتفاصيل المملة عن العصابة المزعومة, سيدعي التقاءه بشخصيات لم يلتقي بها, أو علاقته الغرامية مع شخص لم يسبق أن تحدث إليه, وأنه نجى من حادث مميت وأنه بطل في رياضة لم يسبق أن زاولها وغيرها من الأكاذيب المبهرة التي يكون الغرض منها تحسين صورته وإبهار المستمع وإدهاشه بكذبه.

يتمتع من يعاني من الميثومانيا عادة بذكاء لغوي إذ يجيد التحدث والتواصل ورواية القصص المختلقة بكل ثقة ودون أن يرمش له جفن, وعادة ما يصدق الآخرون قصصه لأنه هو ذاته يصدق كذبه ويقتنع به وقد يبلغ به التصديق مبلغ الوهم, فيصعب إقناعه هو ذاته أنه يكذب, لذا لا يعرف العلماء ما إذا كان مصاب الميثومانيا مدركا حقيقة لكذبه أم لا, كونه قد يقدم على إبلاغ الشرطة على حادث وهمي حصل له ويضع نفسه في المشاكل القانونية وقد ينتهي به المطاف في السجن بسبب كذبه بخصوص معلوماته الشخصية وشهاداته الدراسية أو انتحال صفة.

لا يعرف سبب علمي يؤدي بالأفراد للكذب المبهر...وعادة ما يرصد الأهل بسن مبكر كذب ابنهم المستمر, ولكن لا يمكن الحكم على الطفل إلا بعد بلوغه سن الرشد.
يصعب ويكاد يستحيل علاج صاحب الميثومانيا للتخلص من كذبه لأنه نمط حياة متكامل بالنسبة له فهو غير قادر على العيش إلا في خضم الأوهام, ولكن هذا لا يمنع تحمله لمسؤولية كذبه ولا يبرر أبدا لجوءه للكذب خصوصا إن كان مؤذيا للغير كفتح عيادة طبية مثلا دون دراسة الطب أو اتهام الغير زورا بجرائم لم يرتكبوها.

كتاب نظرية الذكاءات المتعددة و MBTI - تأليفي

14
أهلا بك عزيزي القارئ
بعد مضي عام على كتيب إلكتروني ألفته حول نظرية يونغ للوظائف المعرفية, بدا لي أن علي تأليف كتيب آخر حول أنماط الشخصية مقترنة بنظرية الذكاءات المتعددة, وهذا بعد أن لمست إقبالا على تحميل الكتاب السابق بالمئات رغم أن طريقة التحميل معقدة وتتطلب الايمايل والمقدمة حوله كانت ساخرة ومستنقصة....-هو ليس استنقاصا بل وسيلة جذب حقيقة-.
أشكر كل من وثق وقام بتحميل الكتاب السابق.
كنت أرغب في إصدار هذا الكتيب قبل أسابيع ولكن وعكة صحية حالت دون ذلك وأخرتني كثيرا, لذا أعتذر من كل من راسلني ولم أرد عليه.
على كل فإن هذا الكتاب قد لا يكون كسابقه فبه بعض التعقيد وقد لا يروق الأشخاص غير المهتمين بالعلوم, لكنه بالنسبة لي أفضل من سابقه وغني بالأفكار وتنوع المصادر.
أما لماذا مجددا نظرية MBTI؟
فهي كما تعلم عزيزي القارئ وسيلة جذب ممتازة للقراء, إذ كنت بداية أود تأليف الكتاب حول نظرية الذكاءات منفردة ولكن قد لا يحظى الكتاب بعدد القراءات المرجوة لذا أضفت فيه فصلا للمقارنة بين النظريتين لعشاق MBTI.
أما إن لم تكن مهتما بMBTI أو لا تعرف ما هي وترغب فقط في القراءة عن نظرية الذكاءات المتعددة فلن يخيب ظنك لأنني اعتمدت الفصول ويمكنك تجاوز الفصل الذي أتحدث فيه عن MBTI
 لن أطلب الايمايل كما بالسابق كي يقرأ أكبر عدد ممكن.

تحميل الكتاب

نظرية الهوية الاجتماعية

8
كنت قد تحدثت سابقا عن الهوية الذاتية, وكيف أن الإنسان يمر بمراحل عديدة في حياته بحثا عن هويته الذاتية, الآن سنتحدث عن الهوية الاجتماعية والتي تمثل جزء مهما من الهوية الذاتية.

ما هي الهوية الاجتماعية؟
اقترح هنري تاجفيل (1919 - 1982) عالم النفس الاجتماعي البولندي أننا نقوم بتصنيف أنفسنا والآخرين في عدة مجموعات, حيث تشكل مجموعاتنا مصدر فخر لنا وجزء لا يتجزء من هويتنا (جنسية, عقيدة دينية, عرق, قبيلة, عائلة....), وقد يؤدي هذا التصنيف لما يسمى بالمحاباة أو التحيز لأفراد الجماعة, من خلال شعور (نحن vs هم).
يرى تاجفيل أن مفهوم الشخص لذاته ينبثق من إنتمائه للمجموعات, إذ ليس للإنسان هوية واحدة بل هويات متعددة بتعدد المجموعات التي ينتمي لها, وبالتالي فهو سيتصرف بشكل مختلف في كل مجموعة بناء على ما تتطلبه.

مثلا: أحمد رجل (مجموعة الرجال) شاب (مجموعة الشباب) عربي (مجموعة العرب) مسلم (مجموعة المسلمين) يلعب كرة القدم في احدى الأندية (مجموعة لاعبي كرة القدم + ناديه) أعسر (مجموعة مستخدمي اليد اليسرى) ....إلخ
بمعنى أنه يمكننا تصنيف أي شخص وتصنيف أنفسنا لما لا نهاية لها من المجموعة, نحن نعدد مجموعات لا متناهية, وكل شخص يتصرف داخل مجموعته على هذا الأساس.
وإن أردت أن تصنف نفسك للمجموعات الاجتماعية التي تنتمي لها واحترت في أمرك فما عليك إلا أن تطرح عليك أسئلة من قبيل: هل إذا أهان شخص مجموعتي سأتضايق وأشعر أنني معني بالأمر؟
مثلا لنثير ضيق أحمد الذي بالمثال واستفزازه لنضع مقولات لشخصيات متخيلة من مجموعات لا ينتمي لها:
- منى (مجموعة النساء) قالت أن الرجال تافهين.
- كريم (مجموعة لاعبي التنس) قال أن التنس أفضل من كرة القدم.
- جون (مجموعة اليهود) قال أن المسلمين متخلفين.
هذه المقولات المتخيلة ستستفز أحمد لأنها صادرة من مجموعات مختلفة لا ينتمي لها وتنال من مجموعاته, وقد يكون رده على هذه الشخصيات مشابها بالنيل من مجموعاتهم قصد الرفع من مجموعته.

كيف يصنف البشر أنفسهم في مجموعات؟
رأى تاجفيل وزميله عالم النفس الاجتماعي ترونر أن عملية تصنيف البشر تنطوي على ثلاث عمليات ذهنية:
 
1- التصنيف الاجتماعي: نحن في مسار حياتنا لا نتوقف عن تصنيف البشر لمجموعات وذلك قصد فهم المحيط الاجتماعي لكل مجموعة وفهم سلوك أفرادها وكيفية التعامل معهم, والأهم من ذلك أننا بتصنيف البشر نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن المجموعات التي ننتمي لها, كمثال (أحمد) فوق.
نحن نقوم بهذا التصنيف بشكل تلقائي, أي أننا ولدنا بخاصية تصنيف البشر للتمكن من التفاعل بشكل أفضل في المحيط الاجتماعي.

2- تحديد الهوية الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا فنحن سنتبنى هوية مجموعاتنا التي ننتمي لها وسنتصرف كما يتصرف منتموا كل مجموعة ونتبنى مجموع الأفكار والحمولة الاجتماعية التي تحملها كل مجموعة, بمعنى لو أخذنا مثال أحمد فكونه رجلا يدعوه لأن يتصرف كما يحدده له مجتمع الرجال, ابتداء من نوع الملابس والمهام الموكولة له ونظرته لنفسه, وكونه مسلما يجعله يسلك سلوك المسلمين, كما أنه لاعب كرة قدم بناد معين مما يجعله يتبنى مبادئ وقيم وأخلاق لاعبي كرة القدم وناديه.

إلا أن رأيا آخر عرف الهوية الاجتماعية كبنية معرفية إدراكية لا ترتبط بالضرورة بأي سلوك أو تبني لقيم وأهداف المجموعة, حيث أن السلوكات حسب هذا الرأي لا تعد إلا نتائج هذه المعرفة الإدراكية.
وكمثال: كريم رجل (مجموعة الرجال) ويصنف نفسه رجلا مثلي الجنس (شاذ جنسيا) يضع زينة نسائية وليست لديه اهتمامات الرجال.
أو أحمد يصنف نفسه رجلا مسلما (مجموعة المسلمين) لكنه لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ولديه العديد من الخليلات.
إذن من خلال المثالين فإن كريم وأحمد لا يسلكان سلوكات مجموعتهما ولا يتبنيان قيمهما وأهدافهما ولكنهما مع ذلك يصنفان نفسيهما ضمن هاتين المجموعتين لأنهما مرتبطان نفسيا بها معرفيا وإدراكيا.

3- المقارنة الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن مختلف المجموعات وبعد أن نحدد الهوية الاجتماعية لكل مجموعة ننتمي لها, فإننا سنبدأ بخلق مقارنات مع باقي المجموعات, وهذه المقارنات تكون غالبا في صالح مجموعتنا حيث نفضل مجموعتنا في أكثر الأحيان وذلك لما يمنحه التفضيل من رفع بالثقة بالنفس والفخر.
هذا التفضيل يتمظهر في شكلين مختلفين: مقارنة بالرفع من مجموعتنا على حساب المجموعة الثانية, ومقارنة بالحط من المجموعة الأخرى.
فلكي يشعر الشخص بالثقة بالنفس والفخر فإنه إما سيمدح مجموعته أو يحط من قدر المجموعة الأخرى.

الهوية الاجتماعية والعنصرية:
المقارنات هي الدافع نحو التحيز الذي يقود للتمييز والعنصرية.
 فأصحاب الجنسيات المختلفة يتبادلون المقارنات فيما بينهم بتفضيل كل شخص لجنسيته وأرضه ووطنه, والرجال والنساء في صراع دائم وكل جنس يحاول أن يعري مساوئ الجنس الآخر, وأصحاب الأديان المختلفة في صراع عقائدي وأصحاب الطوائف من نفس الديانة وأصحاب المذاهب المختلفة من نفس الطائفة, وعشاق كل رياضة ومشجعي مختلف الأندية من نفس الرياضة...إلى آخره من الأمثلة التي لا تنتهي, بل أن البشر في خلق مستمر لمجموعات جديدة كل حين للشعور بالانتماء والفخر والتميز.

أنماط الفكاهة, أي نوع من الفكاهيين أنت؟ اختبار

2
الاختبار هنا

الفكاهة لغة مزاح ودعابة وطرائف, وما يتمتع به من الكلام المسلي.
على مر العصور حاول العلماء دراسة روح الدعابة والفكاهة لدى البشر, وقد تم تناولها على عدة مستويات ومقاربات: اجتماعية, نفسية, بيلوجية... حيث درس كل عالم الفكاهة من مقاربته الخاصة.
وقد انبثقت عدة نظريات واختبارات لقياس حس الدعابة, كل من زاوية نظرته.
اليوم سنتطرق للفكاهة من وجهة نظر نفسية وتحديدا نظرية أنماط الفكاهة الأربع واختبار عالم النفس رود مارتن الذي يحظى اختباره بقبول بالأوساط العلمية.

حسب مارتن تبنى الفكاهة على عدة مراحل وعناصر: السياق الاجتماعي, العملية المعرفية الادراكية, الاستجابة العاطفية, التعبير السلوكي والصوتي للضحك.
لنشرح هذه العناصر الأربع:
أحيانا قد تردد حدثا حصل بالمدرسة أو بالعمل فيضحك زملاؤك منه, في حين أن الآخرين لن يفهموا مطلقا لماذا أنتم تضحكون... قد ينزلق شخص ما ويقع أرضا فيضحك أصدقاؤه, وهذا ما يمكن اعتباره السياق الاجتماعي, إذ لابد من وجود سياق اجتماعي للنكت أو الطرفة أو الحدث المضحك.
إذن عندما تلمح لصديقك بحدث طريف حصل لكما فإنه سيستخدم عقله وذاكرته وسيدرك قصدك وقد لا يتذكر الحدث أو لا يفهم تلميحك فتضطر لتفسير قصدك كي يفهم ويضحك وهذا ما يسمى بالعملية المعرفية الادراكية
بعد أن يفهم صديقك كلامك وطرفتك سيستجيب لها عاطفيا وسيشعر بالابتهاج والسرور من الطرفة...استجابة عاطفية.
بعد الاستجابة العاطفية سيضحك وستظهر تعابير وجهه وحركات جسده وصوت ضحكه ابتهاجه ومشاعره اتجاه الطرفة...التعبير السلوكي والصوتي
جميعنا كبشر نمتلك حس الدعابة والفكاهة وهي آلية جد مهمة في حياتنا وسمة من سمات الشخصية, إلا أن توظيفنا لهذا الحس يختلف ويتباين من شخص لآخر, لذا فقد تم تقسيم توظيف الفكاهة في حياتنا لأربعة أنماط, وجميعنا نستخدم هذه الأنماط الأربعة لكن بتفاوت, حيث نغلب نمطا على آخر.
وهي كالتالي:

1- الفكاهة الاجتماعية: إضحاك الآخرين
فكاهة إيجابية تعمل على توطيد العلاقات وبنائها, فهي تسهل التفاعل مع الآخرين, فالناس تفضل التعامل مع شخص يظهر مرحا وحس دعابة مقارنة مع الشخص الجاد, لذا يلجأ بعض الباعة مثلا للدعابة من أجل جذب الزبائن مثلا...قد يلجأ الأستاذ للدعابة ليصير متقبلا أكثر من طرف طلابه.
تخلق الفكاهة الاجتماعية بيئة تفاعلية مع الآخرين, وقد تفيد في الخطابات العامة لتقليص التوتر, فيلجأ من سيلقي عرضا أمام العامة لإلقاء بعض النكات لإضحاك الحضور وليحظى قبولا من طرفهم وبالتالي يقلل توتره الاجتماعي.
تعمل الفكاهة الاجتماعية كذلك على تقبل الأفكار وتجنب الانتقادات, فقد يسوق الشخص فكرته في قالب فكاهي فتصير متقبلة لكونها مضحكة في حين لو تم عرضها بقالب جاد قد تتعرض للانتقاد, ولهذا ترى كوميديين ينتقدون السياسيين أو ينتقدون المجتمع أو المعتقدات حول العالم في قالب ساخر فكاهي ليتم تقبل الانتقاد أكثر.

2- فكاهة تعزيز الذات: تسلية النفس
فكاهة إيجابية مهمتها القطع مع التوتر ومختلف المشاعر السلبية, يمكن لمسها على المستوى الفردي أو الجماعي, حيث يعمل الشخص على التفكير الإبداعي في الجوانب المضحكة والمسلية في مختلف المواقف الحرجة لإبقاء معنوياته مرتفعة, قد يسعى الشخص للبحث عما يسليه ويضحكه عند الشعور بالغضب أو الحزن, ويبدل جهده للقطع مع التوتر.
يعزز هذا النوع من الفكاهة الذات والتعامل الإيجابي مع مختلف المشاكل لحلها, هو نوع من الهروب الايجابي المتفائل.
فكاهة تعزيز الذات مفيدة أيضا في العلاقات الاجتماعية حيث يبحث الشخص عن الجوانب المسلية مثلا في شجاره مع الآخر, ومحاولة استسهال الصراعات للخروج من الحالة السلبية.

3- فكاهة تدمير الذات: السخرية من الذات
فكاهة سلبية مهمتها اجتماعية أيضا تعمل على توطيد العلاقات وذلك بالانتقاص من الذات والسخرية منها, فالشخص الذي يروي مواقف مضحكة حول نفسه يحظى بقبول من طرف الآخر لكونه يعطي انطباعا بالتواضع, وجميعنا نستخدم هذا النوع من الفكاهة من حين لآخر أمام العائلة والأصدقاء والغرباء أحيانا, إلا أنها قد تتخذ شكلا غير صحي مبالغ فيه.
تعمل هذه الفكاهة أيضا على تقليص التوتر في مختلف المواقف الحرجة بالسخرية من الذات, وقد تكون مؤشرا على الهروب من المشاكل أو إنكارها بشكل سلبي, فمثلا قد يشرح الأستاذ درسا لطالبه فيخبره طالبه أنه لم يفهم الدرس عن طريق وصف نفسه بالغبي في قالب فكاهي يضحك الأستاذ وذلك قصد الهروب من الانتقاد والتوبيخ كونه لم ينتبه للدرس.
وقد يسعى الشخص للاستنقاص من ذاته بشكل مبالغ فيه ليحظى بالقبول من طرف الآخرين بشكل يرتبط بضعف احترام الذات, فيتقبل أن يكون محط سخرية وتنكيت من طرف أصدقائه وأسرته ليبقى محبوبا من طرفهم, لأنها وسيلته الوحيدة للقبول الاجتماعي.

4- فكاهة عدوانية: السخرية من الآخرين
فكاهة سلبية مهمتها تعزيز الذات أيضا, وهي السخرية من الآخرين والضحك على مختلف المواقف التي يقعون فيها, وجميعنا أيضا نستخدم هذا النوع من الفكاهة بتفاوت سواء بوعي منا أو دون وعي, وسواء برضى الطرف الآخر (فكاهة تدمير الذات) أو بعدم رضاه, فقد يقع الشخص أرضا فيضحك أصدقاؤه من الموقف.
الهدف من هذا النوع من الفكاهة هو ذاتي وغير اجتماعي كونه يشعر الإنسان بالابتهاج هو ذاته عند السخرية من الآخر, وقد تتخذ شكلا مؤذيا مضرا عنصريا أحيانا أو تمييزيا (نكات حول عرقية ما, نكات حول جنس ما...).
هذا النوع من الفكاهة عكس بقية الأنماط يرتبط بقوة بالدين, حيث وجدت بعض الاحصاءات أنه يقل في أوساط المتدينين من مختلف المعتقدات التي تحرم السخرية من الآخر (الإسلام, المسيحية...إلخ) كما أنه عكس بقية الأنماط أيضا ينتشر بين صفوف الرجال أكثر من النساء لارتباطه بالهيمنة على المكان... إذ يلجأ الإنسان أيضا للفكاهة العدوانية في الخصومات أو لفرض هيمنته على الغير بالانتقاص من الآخر في قالب فكاهي ليتم تقبل الانتقاص أكثر من طرف المجتمع.
فلكي يتبث الشخص أنه أفضل منك أو أن وجهة نظره أفضل منك فإنه لن يلجأ للخطاب المباشر بل للسخرية منك والتنكيت حولك ووجهة نظرك.

وظائف الفكاهة:
مازالت الفكاهة ظاهرة غامضة وتحتاج المزيد والمزيد من الدراسات والأبحاث بمقاربات شتى.

وكما رأيت فإن الفكاهة متعددة الأبعاد ولها عدة وظائف منها: تقريب وجهات النظر, توطيد العلاقات الاجتماعية وخلق بيئة تفاعلية, القطع مع التوتر ورفع المعنويات, والهيمنة أيضا.
اعتمدت أغلب الدراسات على الفكاهة في بيئة العمل أكثر حيث يحدث التقاعل مع الأشخاص على أعلى مستوى, وقد تبين كيف أن الأداء يرتفع بين المستخدمين والموظفين الذين يخلقون جوا مرحا وفكاهيا فيما بينهم.
الاختبار الذي وضعت رابطه بالأعلى يعطيك فكرة عامة حول أنماط الفكاهة لديك, وهو ليس بدقة الاختبار الأصل, على كل بأخذك الفكرة العامة يمكنك العمل على تحسين أدائك الفكاهي وتقوية الأنماط الايجابية وتقليص الأنماط السلبية, وذلك قصد خلق شخصية وعلاقات اجتماعية صحية.

إغماءات جماعية أو الهستيريا الجماعية

7
ظاهرة أخرى مرتبطة بقوة في الأذهان بالسحر والمس والجن ألا وهي الهستيريا الجماعية...الحالة الجنونية التي يدخلها عدد كبير من الأشخاص في وقت واحد والذين يعيشون ظروفا موحدة في وسط بيئي مشترك, لتشمل الحالة الصراخ والعويل والبكاء والإغماءات وأحيانا تشنجات وحركات بهلوانية وإصدار أصوات غريبة مثيرة للرعب في نفوس المحيطين بالمصابين.
أشرت في العنوان للإغماءات الجماعية تحديدا لكونها الأكثر شيوعا خصوصا في المدارس. حيث تسجل كل سنة تقريبا حوادث إغماءات وبكاء جماعي متفرقة لطالبات المدارس بعدة دول نامية.
الظاهرة عموما نادرة الحدوث ولكنها عندما تحدث تشكل لغطا وتفسيرات ميتافيزيقية بعيدة عن الواقع.
ما هي الهستيريا؟
مصطلح هستيريا ذو أصل يوناني استخدمه أبو الطب أبقراط وتعني "الرحم" فلكونها مجموعة من الأعراض التي ارتبطت بالإناث فإن أبقراط اعتقد مصدرها الرحم وتشنجاته, توالت لاحقا التفسيرات إلى أن ألف فرويد كتابا حول الاضطراب.
يمكن وصف الهستيريا كحالة عاطفية شديدة وقلق وتوتر غير متحكم به, فتفقد المصابة السيطرة على جسدها لتتمثل هذه الحالة العاطفية على شكل أعراض جسدية (آلام, إغماء, صرع, شلل...)
الصور شهيرة جدا تعود لعام 1878 لفتيات صغيرات في حالة هستيرية, كان يتم معالجتهن في ذلك الوقت بما كان يعرف بالتنويم المغناطيسي...حيث انتشر بين نساء بريطانيا بالعصر الفكتوري حالة من الهستيريا, ويرجح السبب لوعي النساء بكونهن يعشن ظلما وأوضاع مزرية, فترجمن الحالة النفسية لأعراض جسدية...وقد كان يتم علاجهن أيضا بتدليك الرحم ظنا أنه السبب.

لم يعد مصطلح هستيريا مستخدما في عصرنا الحالي في الطب الحديث, وتم تفصيل مختلف الحالات بشكل أكثر دقة فيما صار يعرف الآن باضطرابات الجسدنة...حيث كان يتم فيما مضى التتشخيص الخاطئ لأي اضطراب نفسي يصيب المرأة على أنه "هستيريا" بما في ذلك الفصام وحتى الصرع.
حاليا مصطلح هستيريا يتم استخدامه بشكل عامي للإشارة للحالة العاطفية الشديدة التي يدخلها الإنسان في مختلف المواقف العصيبة, كالصراخ والعويل, والارتماء أرضا, والإغماء إلخ...
فمثلا نقول:  أصيب الأطفال بحالة هستيرية بعد سماع ذوي انفجار...

الهستيريا الجماعية:
هي حالة عاطفية شديدة, تتمثل برعب أو قلق يعم مجموعة من الأشخاص في آن واحد لتنتقل من شخص لآخر على شكل عدوى, فيصدر منهم تصرفات وأعراض من قبيل:
- صراخ وبكاء.
- إغماء.
- حركات غريبة.
- تشنجات وما يشبه الصرع.
- شلل, أو عمى.
وكل هذه الأعراض تكون مؤقتة وبلا أي عارض صحي لتختفي بعد دقائق أو أيام.

كما أشرت في المقدمة فإنها ظاهرة تكثر في المدارس حول العالم, لأنها تضم فئة أكثر هشاشة نفسيا وهي فئة الأطفال والمراهقين, كما أنها لا تصيب عادة إلا الإناث ومن النادر أن تشمل الذكور أيضا, في أمريكا في القرن السابع عشر أصيبت الفتيات المراهقات والطفلات في احدى القرى بأعراض غريبة كالقيام بحركات بهلوانية وسلوكات غريبة وقد انتشرت الظاهرة شيئا فشيئا لتصيب عددا كبيرا من صغيرات القرية, ولم يكن لأهل القرية أي تفسير إلا الأرواح الشريرة, فاتهموا مجموعة من النساء بممارسة السحر على الفتيات ليكون مصيرهن الإعدام...تم إنتاج عدة أفلام هوليودية حول الحادثة التاريخية.
 في المكسيك عام 2006 أصيبت حوالي 600 فتاة تتراوح أعمارهن بين 12 و16 سنة باحدى المدارس الداخلية بأعراض اضطرابات الجسدنة ففقدن القدرة على السير دون أي سبب, وفي ماليزيا أصيب مجموعة من الطلاب بحالة هستيرية فبدؤوا يقلدون النمور ويتشاجرون فيما بينهم كالنمور, ويقومون بحركات بهلوانية أصيبوا على إثرها بجروح بالغة.

الأمر ذاته يحصل بالدول العربية, ويمكنك القراءة عنها في الجرائد الالكترونية: المغرب, الجزائر, مصر, السعودية...

بالتأكيد فإنك بقراءتك لهذه الأخبار بهذه الجرائد العربية ستجد أن التفسيرات المساقة من الصحفيين أو الأهالي هي إما: جن, سحر أو تمثيل إغماء...وذلك بسبب غرابة الموقف.

إذن ما التفسير العلمي لهذه الظاهرة؟
في علم الاجتماع تعد الهستيريا الجماعية نمطا من أنماط السلوكات الجماعية والتي تتميز بكونها عفوية ومؤقتة ومتزامنة مع حدث أو ظرف معين...
فلأننا كبشر كائنات اجتماعية فإننا خُلقنا بشكل يجعلنا نتأثر ببعضنا البعض وذلك لنتمكن من البقاء على قيد الحياة, فلو لم تكن لدينا خاصية الكائنات الاجتماعية وكنا كالنمور المرقطة يشق كل فرد طريقه بمفرده, لما قامت لنا حضارة, ولكنا نعيش حاليا حياة العصر الحجري, إذن خاصية "القطيع" هذه لدى البشر آلية مهمة.
إن رأيت شخصا لا تعرفه يضحك فإن هذا سيبعث في نفسك أيضا رغبة بالضحك وقد تبتسم من ضحكه, وإن تثاءب شخص بغرفة الاجتماع فإن الجالسين سيبدؤون بالتثاؤب أيضا الواحد تلو الآخر..."الإيحاء".
الأمر ذاته بالنسبة للقلق والمشاعر السلبية, ولنفترض طفلا وقع أرضا فلو ابتسم الجميع في وجهه فإن الأمر سيهون في نفسه, في حين لو فزع الجميع وصرخوا فإن الطفل سيفزع وسيهول مسألة سقوطه ويبدأ بالبكاء والصراخ أيضا.

الهستيريا الجماعية إذن ما هي إلا استجابة جماعية للقلق الذي يعم المكان, لذا فأغلب هذه الحالات تسجل في القرى بالدول النامية التي تعرف نمط عيش متدني عموما, إذ من النادر تسجيل حالات مشابهة بالدول المتقدمة, لقد كانت مثل هذه الحالات الهستيرية تنتشر بأوروبا في القرون الماضية بشكل كبير جدا.
لو قرأت خبر الهستيريا الجماعية بالمدرسة بالجزائر, فإن الفتيات انتابتهن حالات إغماء بعد تأثرهن بما أصاب زميلتهن التي توفي جدها, في حين أن الطالبات بخبر المغرب انتابتهن حالة هستيرية بعد تلاوة القرآن, وذلك لأن شائعات قديمة كانت تحوم حول أن هناك جنا وشياطين يقطنون بالمدرسة, فالطالبات لصغر سنهن كن يعشن قلقا ورعبا من الموضوع, فما إن بدأت احداهن بالصراخ بعد تلاوة القرآن حتى انتقلت العدوى لبقية الطالبات, الأمر ذاته لطالبات السعودية حيث لما أحضر أولياء الأمور شيخا لتلاوة القرآن على الطالبة المريضة ساءت حالتها أكثر, لأنه بأذهان هؤلاء الفتيات يرتبط القرآن بطرد الجن بشكل لاواع, فيرتعبن عند تلاوة القرآن, وهذا ما يحدث لعدد كبير ممن يرفض سماع القرآن بحجة أن به مسا والشيطان يرفض سماع القرآن.

قد تنتاب الطالبات حالات إغماء بالامتحانات أحيانا بسبب صعوبة الأسئلة, فالطالبة التي تخرج من القاعة لترى الكل يضحك ويسخر من صعوبة الأسئلة قد يبعث هذا بنفسها بعض الارتياح, في حين لو خرجت من القاعة لترى الكل يبكي ويولول ستبكي بدورها...ولهذا يغمى على الطالبة ليغمى بعد ذلك على عدد آخر من الطالبات.

لماذا الإناث وليس الذكور؟
كما رأينا فإن أغلب الحالات إن لم تكن كلها لإناث, فمدارس المغرب والجزائر مختلطة, الذكور والإناث يدرسون في حجرة درس واحدة, ومع ذلك انتابت نوبة هستيرية الفتيات دون الفتيان.
في واقع الأمر فإن التفسيرات متعددة وكلها مجرد تخمينات لا تحسم المسألة, إلا أن التفسير الأكثر قبولا بالنسبة لي يعود للتنشئة والبيئة وليس لطبيعة الإناث المختلفة عن الذكور, إذ أن مثل هذه الظاهرة الهستيرية انقرضت في أوربا تقريبا في حين مازالت حاضرة في الدول النامية خصوصا التي تعرف فصلا صارما في أدوار الإناث والذكور, فلو كان الأمر مرتبطا بطبيعة الأنثى لما انقرضت بالدول المتقدمة.
ولأقرب المسألة أكثر, فإن المرأة الدكتورة الجامعية لن تصرخ ويغمى عليها في حفل غنائي أمام فنانها المحبوب, أيضا هذه الدكتورة لما تتلقى خبر وفاة ابنها فإنها لن تخرج للشارع تمزق ملابسها وتلطم خدودها ولن تضع فوق رأسها التراب, بالعادة تتصرف هذا التصرف النسوة ذوات التعليم المتواضع واللائي يعشن في وسط بيئي يعرف وعيا منخفضا.

الغيرة المرضية والشك بالخيانة

2
لوحة بعنوان غيرة للرسام النرويجي إدفارت مونك 1907

من الطبيعي أن يغار الرجل على زوجته والمرأة على زوجها, فالغيرة عاطفة موجودة لدينا جميعا كبشر, إلا أنها تتحول لدى البعض من مجرد غيرة لشكوك ووساوس وضلالات تسببها اختلالات نفسية تفسد الحياة الأسرية وتحولها لجحيم لا يطاق, بل قد تهدد أمن وسلامة ضحايا الغيرة المرضية.

ما هي الغيرة المرضية؟
الغيرة المرضية هو ارتياب في إخلاص شريك الحياة و شكوك في كونه يقيم علاقة عاطفية أو جنسية مع شخص أو أشخاص آخرين, وتكون هذه الشكوك لا أساس لها من الصحة وبلا أي مبرر منطقي.
تدفع الغيرة المرضية أصحابها للاثيان بسلوكات متكررة للتأكد من إخلاص شريك الحياة, أو للمراقبة والمطاردة في محاولة لضبطه متلبسا بالخيانة الزوجية, مما يشكل جحيما للطرف الآخر.
وهي تنتشر بين صفوف الرجال أكثر من النساء لأسباب اجتماعية وطبيعية.
الغيرة المرضية حالة يتم رصدها لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية, ويمكن تقسيم حاملي الغيرة المرضية لأصناف عدة.

1- غيرة لأسباب ذاتية:
أحيانا لا يكون للاضطراب النفسي علاقة مباشرة بالغيرة المرضية, حيث قد تجتاح المرأة العاقر مثلا شكوك بأن زوجها يخونها بسبب النقص الذي تشعر به اتجاه نفسها كامرأة غير قادرة على الانجاب.
الرجل الذي يعاني اضطرابات جنسية قد يعاني بنقص اتجاه نفسه كرجل غير قادر على تلبية حاجيات زوجته الجنسية, فينقلب شعوره بالنقص لغضب أو قلق, فيتحول للشك في إخلاص زوجته له.
إذن لحل هذه المشكلة يجب على الزوجين الحوار ومصارحة بعضهما البعض واللجوء لمستشار نفسي لتبديد حالة القلق والخوف من فقد الطرف الآخر وعلاج المشكل الأصل أو التعايش معه والتصالح مع الذات.
2- اضطرابات نفسية يعي أصحابها بحالتهم:
قد تجتاح صاحب الشخصية الوسواسية أو مصاب الوسواس القهري أفكار استحواذية كون شريك الحياة خائن.
أصحاب الوساوس القهرية يعلمون جيدا أن أفكارهم لا أساس منطقي لها ولكنهم غير قادرين على التخلص منها, هي أفكار تحضر رغما عنهم فتشعرهم بالقلق والتوتر طول الوقت.
قد يرافق الزوج زوجته لمنزل أهلها ثم يذهب للعمل, فتأتيه أفكار بأن زوجته غادرت منزل أهلها لمقابلة عشيقها, سيحاول مقاومة هذه الفكرة دون فائدة فيشعر بالقلق ويتصل بها كل حين للتأكد من أنها ما تزال بمنزل أسرتها.
وقد يصارح المصاب شريك حياته بما ينتابه من أفكار, فيخبر الزوج زوجته أنه يتصرف على هذا النحو رغما عنه, فهو مدرك لحالته.
من السهل علاج مثل هذه الحالات لأن صاحب الاضطراب يتألم ويعاني في حياته ويرغب في إيجاد حل لمشكلته, لدى يسهل إقناعه بالعلاج وقد يلجأ إليه من تلقاء نفسه, كما أن علاج الوساوس القهرية يبلي بلاء حسنا.

3- اضطرابات نفسية لا يعي أصحابها بحالتهم:
مثل صاحب اضطراب الشخصية الارتيابية الشكاكة, فهو يرى أن شكوكه منطقية, فإذا سافر الزوج للعمل فإن زوجته المصابة بالاضطراب ستعتقد أنه سافر لخيانتها, وستحاول التأكد من أنه سافر للعمل, وقد تختلق معه مشاكل بعد عودته, فيصعب على الزوج إقناعها أنها واهمة لأنها ترى في العدم أدلة وحججا تعزز أفكارها.
للأسف لا علاج ناجع لحامل مثل هذا الاضطراب خصوصا إن كان صاحبه بأعراض شديدة.
اضطراب آخر يتأرجح صاحبه بين الوعي وعدم الوعي بغيرته المرضية وهي الشخصية الحدية, حيث يصعب معاشرة هذه الشخصية بشكل عام لما تسببه من مشاكل, تمر الشخصية الحدية بعدم انسجام حاد مع "الأنا", فقد تلجأ هذه الشخصية للخيانة هي ذاتها وقد تضيق الخناق على شريك حياتها بشكل درامي بسبب المخاوف غير المبررة من الفقد.
الشخصية الحدية عموما تعلم أنها تعاني من اضطراب ما, وقد تلجأ للعلاج من تلقاء نفسها فعلا, إلا أنها قد لا تدرك تفاصيل أعراضها ولا تقدر ما تسببه من مشاكل للآخرين.

4- اضطرابات ذهانية:
قد يصاب الشخص باضطرابات ذهانية فيرتاب بشأن إخلاص شريك حياته, إلا أن شكوكه وعكس الحالات السابقة جميعا تتميز بالانفصال عن الواقع, فقد يشك الرجل الذي ينام مع زوجته على سرير واحد أنها تخونه مع رجل آخر نائم بجانبها بطرف السرير.
قد يتناول الطعام رفقة زوجته على طاولة واحدة فيتفقد أسفل الطاولة ليرى ما إذا كان هناك رجل مختبئ تحتها.
هو إذن يعاني من ضلالة لا منطقية كون زوجته تخونه.
يمكن رؤية هذه الحالة الذهانية لدى بعض مرضى الفصام وحالات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب ذو الشكل الذهاني, كما قد يصاب الشخص بهذا الاضطراب الذهاني المتعلق بالغيرة بشكل منفصل عن هذه الاضطرابات, بمعنى أن أعراض الذهان لديه كلها تتمحور حول الخيانة الزوجية فلا تظهر عليه للعيان أعراض أخرى كما لدى مرضى الفصام أو ثنائي القطب.
ويشكل هذا النوع من الاضطراب خطرا على السلامة الجسدية لشريك الحياة وعلى من يشك في كونهم شركاء بالخيانة, قد يشك في صديقه أو زميله بالعمل بأنه يقيم علاقة مع زوجته في حين أن هذا الأخير لم يسبق له أن التقى بزوجته مطلقا.
لا تكون هذه الضلالة مرتبطة فقط بالزوج أو الزوجة, فقد يشك الرجل الذهاني في سلوك أخته أو والدته بدل زوجته.
العلاج هو الأدوية المضادة للذهان, ولا يمكن علاج مثل هذه الحالات دون أدوية مطلقا.

الغيرة المرضية وجرائم القتل والانتحار:
كثيرا ما تسمع عزيزي القارئ عن رجل قتل زوجته أو جاره أو صديقه بسبب شكوك في الخيانة الزوجية, وقد يقتل الرجل أبناءه أيضا ثم ينتحر بسبب الحالة المأساوية التي كان يعيشها, والأمر ذاته بالنسبة للمرأة.
في العادة فإن أغلب من يرتكب مثل هذه الجرائم هم  أصحاب الاضطرابات الذهانية بسبب انفصالهم عن الواقع, وسهولة ارتكابهم لجرائم قتل بسبب غياب الادراك.
إن لاحظ أحد الزوجين أو أحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران بعض المظاهر الذهانية والشكوك اللا منطقية لدى أحد الأفراد فإنه من باب أولى إقناع الأسرة لاصطحابه للمستشفى في أقرب وقت ممكن قبل تدهور حالته أكثر فأكثر, أو تعرض أحد المعنيين بضلالة المصاب للشروع بالقتل.

هل الطلاق حل؟
رغم أن الطلاق مدمر ومشتت للأسر, فإنه في بعض الحالات يكون حلا ناجعا خصوصا إن استحال إقناع أو إجبار المصاب على العلاج أو إن كان لا يستجيب للعلاج.
وكما أسلفت فإنه قد تكون للمصاب سلوكات مهددة لحياة الزوج أو الزوجة تحديدا, فكثيرا ما يلجأ المصاب للتعنيف أو سجن الزوجة بغرفة أو حتى القتل...سلوكات المصاب تؤثر على أفراد الأسرة ككل فللأبناء نصيب أيضا من الجو المشحون الذي يؤثر على نفسياتهم وقد ينالهم التعنيف فيسجن الرجل زوجته وأطفاله معا, أو أن يطلب من أبنائه التجسس على الأم أو الأب أثناء غيابه.
لدى الانفصال سيكون خيارا مطلوبا إن توفرت الظروف المواتية له.

اضطرابات الشخصية: الشخصية المرتابة أوالشكاكة

3
لوحة للفنانة مارغريت كين

ما هي اضطرابات الشخصية؟
اضطرابات الشخصية تمسّ مختلف جوانب الشخصية للمضطرب حيث أن الشخص يفكر, يشعر ويتصرف بشكل غير متوقع من طرف إنسان طبيعي, فيؤثر الاضطراب على جوانب عدة من حياة المصاب بشكل سلبي كالتفاعل الغير سليم مع الآخرين, المشاعر السلبية اتجاه الذات, ردات الفعل العاطفية الشاذة في المواقف, وإظهار انفلات في التحكم بالسلوك.
كما وتختلف اضطرابات الشخصية عن بعض الاضطرابات النفسية كالفصام والحالات الذهانية الأخرى كون الوعي والإدراك لا يغيب فيها وبالتالي فإن الشخص يكون واعيا تماما بتصرفاته وسلوكاته وبالتالي متحمّلا للمسؤولية.

هناك عشرة أنواع لاضطرابات الشخصية تنقسم لثلاثة أقسام:
1- القسم الأول: اضطرابات شخصية ذات سلوك غريب الأطوار وشاذ: الشخصية الفصامية
2- القسم الثاني: اضطرابات شخصية ذات سلوك درامي, عاطفي أو غير نظامي: الشخصية المضادة للمجتمع, الشخصية الحدية, الشخصية النرجسية, الشخصية الهستيرية
3- القسم الثالث: اضطرابات شخصية ذات سلوك قلق ومتخوف: الشخصية التجنبية


ويندرج اضطراب الشخصية المرتابة ضمن القسم الأول.
 ما هي الشخصية المرتابة؟
هو اضطراب بالشخصية يدفع صاحبه للشك في الآخرين بشكل غير عقلاني وبعيد عن الواقع, وعلى غرار اضطرابات الشخصية القسم الأول فإن الشخصية المرتابة تؤول أغلب الكلام والسلوك الصادر من الآخرين على أن المقصود به الإساءة لشخصها أو استغلالها أو أي هدف سلبي موجه ضدها, فقد يفسر المصاب إبتسامة ودودة في وجهه على أنها سخرية واستهزاء, وقد يفسر كلاما طيبا بحقه على أنه يحمل معاني خفية للنيل منه, فإن قلت له بأنه شخص طيب فقد يؤولها على أنك تقصد أنه شخص ساذج وغبي, وإن قدمت له معروفا فقد يفسر الأمر على أنك تحاول كسب وده لاستغلاله لاحقا...وهكذا.
يبقي الشخص المرتاب دفاعاته متحفزة ضد الآخرين ولا يرغب في مشاركتهم معلوماته الخاصة, فهو لا يرد عادة على الأسئلة الشخصية لشكه الدائم في نوايا الآخرين, كما أنه يصعب إقناعه بأن شكوكه في غير محلها لأن لديه إقتناعا راسخا بتحليلاته, لذا لا تثق الشخصية المرتابة بالآخرين مطلقا فهي شخصية متمحورة حول ذاتها وبدون أصدقاء غالبا.
تظهر معالم الشخصية المرتابة بسن مبكر من المراهقة الأولى على شكل عزلة وتجنب لإقامة صداقات بالمدرسة, وتزدهر الأعراض بسن الشباب.
أغلب حاملي اضطراب الشخصية المرتابة ذكور وكالعادة لا وجود لتفسير علمي حول السبب.

الأعراض:
تتنوع الأعراض ولكنها جميعا تصب في اتجاه واحد وهو الارتياب والشك في المحيطين.
1- شك دون أي أساس واقعي في أهداف الآخرين من أصدقاء وأفراد العائلة في سلوكاتهم وكلامهم على أن المقصود به ضرره أو استغلاله أو تجريحه.
2- الشك في ولاء الأصدقاء والمحيطين به, وبأنهم ربما قد يكيدون له في الخفاء وبالتالي هم غير جديرين بمنحهم الثقة الكاملة.
3- تردد في الافصاح عن المعلومات الشخصية خوفا من استغلالها ضده حتى وإن كانت تافهة, فقد لا يرغب في البوح باسمه الكامل أو مكان ازدياده أو عنوان بيته, وقد يجد مشكلات في الأماكن التي تتطلب منه الافصاح عن معلوماته الشخصية.
4- يؤول ويقرأ المعاني خلف الأحداث والدعوات العادية على أنها تحمل تهديدا ضده فدعوته لحفلة من طرف أحد الأصدقاء قد تجعله يشك في أن وراءها غاية للنيل منه أو استغلاله لاحقا.
5-  حقود, فالشخصية المرتابة شخصية لا تنفع معها الاعتذارات مطلقا فهي لا تسامح أبدا وخطأ بسيط بحقها قد يجعلها تنهي العلاقة مع الشخص نهائيا وتؤكد شكوكها السابقة ضده والتي لا أساس لها, بل أن خطأ غير مقصود كإصابة أثناء اللعب من طرف صديق كفيل بخلق العداوة.
6- بسبب تأويل كلام الآخرين وسلوكاتهم وقراءة معاني خفية خلفها فإن الشخصية المرتابة قد تظهر غضبا وهجوما ضد من تشك في أنه يقصدها, فإن داس الشخص المرتاب على قدمك دون قصد واعتذر لك وقبلت اعتذاره بابتسامة ثم بدأت بالضحك من الموقف فإن الشخص المرتاب قد يفسر ضحكك على أنه سخرية واستهزاء فيتصرف نحوك بعدوانية.
7- الغيرة المرضية وشكوك في إخلاص شريك الحياة, فالشخص المرتاب قد يؤمن أن زوجته تخونه في الخفاء, مما يدفعه لاتخاذ بعض السلوكات الاحترازية كإقفال الباب على الزوجة أو الاتصال بها كل حين للتأكد من أنها لم تخرج من البيت, ومثلها بالنسبة للزوجة المرتابة التي قد تحاصر زوجها بالأسئلة الاستنطاقية حول مكانه وسبب تأخره أو أن تقوم بمفاجأته في مقر عمله للتأكد من أنه هناك.
8- العناد والجمود في الرأي,  فالشخصية المرتابة تتميز بالقسوة وقوة الجدال وعدم الاقتناع بآراء الآخرين لأنها ترى نفسها دائما على صواب, لا يستطيع الشخص المرتاب رؤية الخلل في تصرفه وسلوكه.
9- يجد الشخص المرتاب صعوبة في الاسترخاء فهو محموم طول الوقت مشغول البال بما يحاك ضده.

المآلات:
قد لا يتوفق الشخص المرتاب في الاستقرار بالعمل بسبب شخصيته الغير متعاونة مع الآخرين فقد يبلغ به الأمر مبلغ العجز التام عن التعامل مع الآخرين وإقامة أي علاقة, بل قد يدخل في صراعات مع الآخرين دون سبب مقنع ويرفع دعاوى قضائية وغيرها من المشاكل.
قد لا يتوفق أيضا في زواجه بسبب شكوكه الدائمة ومحاصرته لشريك حياته, وقد تنحى العلاقة الزوجية منحى العنف الجسدي والمعنوي, إذ قد يضرب الزوج المرتاب زوجته لأنه لم يصدق كون الرجل المتصل بها مثلا أخطأ الرقم, قد يقفل عليها الباب ويمنعها من زيارة أفراد أسرتها لأنه يشك في كونهم يؤلبونها عليه مثلا...
 بسبب هذه الأعراض المنفرة لأغلب الناس فإن الشخصية المرتابة تتحول للأسف للعيش في عزلة عن الآخرين وبسبب عدم قدرة الشخص المرتاب رؤية الخلل في شخصيته فهو يفسر وضعه على أن الكل كريه وماكر وخادع مما يوقعه ضحية الاكتئاب.

الأسباب:
تبقى الأسباب المباشرة لاضطراب الشخصية المرتابة عموما مجهولة إلا أنه تم إيجاد رابط جيني جد قوي بين الاضطراب والفصام, حيث أن في التاريخ الأسري للمصاب بالاضطراب هناك أفراد من عائلته يعانون من الفصام, أي أن العامل البيولوجي حاضر بقوة.
بالإضافة للعامل الجيني فإنه لوحظ أن الأطفال الذين أصيبوا بصدمة في الصغر أو سوء بالمعاملة طوروا شخصية مرتابة لاحقا.

العلاج:
للأسف لا يوجد علاج شاف لاضطراب الشخصية المرتابة, فكل محاولات العلاج النفسي هو تقويم السلوك بتثقيف المرتاب بحقيقة ما يعاني منه ومنحه نصائح لتحسين أدائه قصد جعله قادرا على العيش وإقامة علاقات صحية مع البشر, وقد يصرف الطبيب أدوية مضادة للقلق والاكتئاب في بعض الحالات.
المشكلة تكمن في أن الشخصية المرتابة لا ترى خللا بشخصيتها بل تراه  بالآخرين وبالتالي فإنه يصعب إقناع الشخص المرتاب باللجوء للعلاج, لأن محاولة الإقناع ذات نفسها سيتم تأويلها طبعا, كما يصعب على الشخص المرتاب الوثوق بالنفساني ومده بمعلوماته واتباع تعليماته لأنه لن يمنحه ثقته لذا يشكل تقويم شخصية المرتاب تحديا, فاستجابته للعلاج ضعيفة عموما خصوصا إن كانت الأعراض لديه قوية.

لماذا المرأة مادية؟

11
من الواضح أن العنوان مستفز للبعض, كما أنه وضع حكما مسبقا بأن المرأة مادية.
حسن دعني عزيزي القارئ عزيزتي القارئة أفسر الموضوع أولا.
بداية لنتفق أنني هنا لا أعمم على كل رجل وامرأة, بل أتحدث من منطلق المقارنات العددية, أي أن عدد النساء الماديات أكبر من أعداد الرجال الماديين, حسب الشائع بالمجتمع.

ما المقصود بالمادية؟
ربما مصطلح "مادية" ليس بتلك الدقة ويحيل لتعاريف أخرى للمادية لا أقصدها, أنا هنا أقصد بشكل أكثر دقة الاستهلاكية والتي تعني الافراط في استهلاك المنتجات المادية والخدماتية.
تعمل الشركات الكبرى قبل استهداف زبنائها على دراسة سلوكهم الشرائي ومن تم الاستراتيجيات المناسبة لجذب أكبر عدد ممكن من الشريحة المستهدفة...إن اطلعت على نصائح خبراء التسويق فإنه لكي تستهدف الزبون الرجل أنت بحاجة لإقناعه بجدوى المنتج عمليا, بحيث أن أغلب الرجال يعتمدون على قراءة بيانات وميزات المنتج قبل شرائه, في حين إن كنت تود استهداف الزبونات النساء فأنت بحاجة أكثر للعب على الوتر العاطفي, حيث أن المرأة تشتري ما يروقها ويحقق لها الاشباع العاطفي, لذا تقوم المحلات النسائية بوضع الزينة والبهرجة وتخصيص بعض الهدايا وتزيين منتجاتها بالأشكال والألوان.
فلو أراد رجل شراء كوب فإنه سيركز أكثر على جدوى الكوب وما إذا كان عمليا, مثلا (حافظ للحرارة, خفيف الوزن, لا ينكسر...إلخ) في حين أن قرار المرأة بشراء الكوب من عدمه هو ما إذا كان سيرضيها عاطفيا, لهذا سيضع صانع الأكواب بعض الزينة والألوان على الكوب الذي يود بيعه للمرأة.
كما أن المرأة قد تشتري العديد من الأغراض التي لا تحتاجها ولا تستعملها, فقد تشتري لباسا لا ترتديه أو ترتديه مرة واحدة فقط, قد تشتري الكوب وتضعه مع الأواني ولا تستخدمه أبدا...
الأدهى من ذلك أن مدمني الشراء والتسوق أغلبهن نسوة لما يحققه التسوق من إشباع عاطفي لهن, قد تخرج للسوق فقط للتنزه والاستمتاع بمشاهدة مختلف المنتجات في حين أن أغلب الرجال سيخرجون للتسوق لقضاء غرض محدد.
ورغم أن الرجل أكثر إجراما وارتكابا لمختلف أنواع الجرائم بحيث أن أغلب جرائم الاعتداء على الغير وممتلكاتهم تصدر من رجال إلا أن وقوع المرأة في جريمة السرقة من المحلات أو سرقة الصديقات كبيرة جدا وتتجاوز نسب الرجال في بعض البلدان.
قد يسرق الرجل المجوهرات لبيعها والحصول على المال, أما المرأة فقد تسرق المجوهرات لأنها أعجبت بها وتريدها لنفسها, أي أن السرقة عند الرجل تكون في الغالب وسيلة في حين أنها في حالة المرأة غاية بحد ذاتها.
تستغل أغلب الماركات العالمية هذا السلوك لدى النساء فترفع سعر المنتجات النسائية مقابل المنتجات الرجالية, لأنها تعلم أن المرأة تحب التسوق وأنها ستشتري حبا في الشراء, فقد يشتري الرجل شامبو بسعر أقل من سعر شامبو نسائي من ماركة واحدة حتى وإن لم يكن هناك ما يبرر رفع سعره.
وهذه مراسلة منشورة بموقع البيت الأبيض الأمريكي لسيناتور وعضوة بالكونغريس يطالبان فيها بالنظر لهذا المشكل "التميزي" حيث تدفع المرأة أكثر من الرجل في مشوار حياتها حتى وإن اشترت نفس القدر الذي يشتريه الرجل من منتجات.
تعد هذه المشكلة عالمية.

والآن لنقفز للسؤال المحوري وهو لماذا؟
لماذا المرأة أكثر مادية من الرجل حسب التعريف بالأعلى؟
سأعرض تفسيرين اثنين أحدهما يركز على الطبيعة والآخر على البيئة.

طبيعة الرجل والمرأة:
عندما يشعر الحيوان بالرغبة الجنسية ولنأخذ مثال حيوان ثدي, فإنه سيبحث عن الأنثى وسيتتبع رائحة الهرمونات الأنثوية التي ستطلقها, والتي ستجذب عددا من الذكور لمكانها, وسيتصارعون فيما بينهم والفائز سينال فرصة التزاوج مع الأنثى.
بالنسبة لبعض العصافير, فإنه في فترة التزاوج سيسعى الذكر لبناء عش وسيبدع قدر الإمكان في بنائه لينال رضى الأنثى, وهذه الأخيرة ستلجأ للعش الذي يوفر الحماية للتزاوج مع الذكر صاحبه.
هذا ما يسمى بالانتقاء الطبيعي, أي أن الطبيعة تنتقي الأفضل والأقوى والأبرع للتزاوج ومن تم توريث جيناته القوية للأجيال القادمة كي لا ينقرض الكائن, فلو أن الله سبحانه لم يضع في الطبيعة هذه الخاصية فإن الذكر الضعيف سيتزاوج مع الأنثى وستلد كائنات ضعيفة ومع الزمن سينقرض عدد كبير من الأنواع.

الأمر ذاته بالنسبة للبشر, فنحن كحيوانات لدينا غرائز لانتحكم فيها, فالرجل سينجذب للمرأة الشابة ذات المظهر الأنثوي لأنها أصلح للانجاب والتكاثر, كما أن المرأة ستنجذب للرجل ذو المظهر الشاب القوي لأنه أصلح لتوفير الموارد والحماية.
بمعنى أننا لو عدنا بعجلة الزمن للوراء للعصر الحجري فإن الشاب القوي هو الأقدر على البقاء لأنه قادر على توفير موارد العيش من صيد ونحوه, كما أنه يستطيع بناء مأوى وتوفير الحماية من الوحوش والغارات والكوارث, المرأة إذن ستنجذب غريزيا للرجل الشاب ذو العضلات أكثر من غيره, لأنه سيحميها وأبناءهما وسيوفر لهم الموارد للبقاء على قيد الحياة.
هذه غرائز مبرمجة في جيناتنا ونحن لا نتحكم فيها تماما كباقي الحيوانات, فأنثى الحيوان التي تتزاوج مع الذكر الأقوى هي لا تفكر في أن هذا هو الأصلح لها ولأبنائها, والذكر الذي يتزاوج مع الأنثى التي تفرز هرومانات تدل على الإباضة هو لا يفكر في أنها قادرة على الانجاب, الانجذاب يحصل تلقائيا وغريزيا.
نحن البشر ننجذب غريزيا وحسب للمرأة الشابة والأنثوية المظهر (قدرة على الانجاب) ونراها مثيرة وجميلة, والرجل الشاب ذو المظهر القوي (قدرة على الحماية وتوفير الموارد) تراه النساء وسيما ومثيرا.

ما حدث بعد ذلك أن الحياة تطورت وتحضرت ولم يعد الرجل بحاجة لعضلاته للاعتماد عليها قصد البقاء على قيد الحياة ولتوفير الموارد والحماية لأنثاه وأبنائهما, صار يعتمد أكثر على أمور أخرى حسب متطلبات الحضارة, ولكن الأصل بقي كما هو, أي أن الرجل لازال ينجذب للمرأة الشابة ذات المظهر الأنثوي, في حين أن المرأة مازالت تنجذب للرجل الذي يوفر الموارد والحماية بغض النظر عن عضلاته ومظهره, فرغم أنها تنجذب غريزيا للرجل الشاب ذو العضلات إلا أنه إن لم يتمكن من توفير الموارد كالسكن والوظيفة فإنه بالنسبة لها بلا قيمة ولايمكنها الارتباط به وستفضل بدلا عنه شخصا نحيلا ضعيفا أو شيخا هرما ميليارديرا أي أنه يوفر أكبر قدر ممكن من الموارد والحماية للمرأة.
 قواعد الطبيعة تغيرت ظاهريا إذن ولكن الجوهر بقي كما كان.
إذا كان الرجل ميليارديرا فإن فرص زواجه من الشابات الجميلات كبيرة جدا بغض النظر عن شكله وسنه, في حين أن المرأة ذات الشكل الأنثوي "الجميلة" تحظى بفرص زواج أكبر من باقي النسوة بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية التي تنتمي لها.

ولهذا فإن أغلبية الموارد حول العالم محتكرة من طرف الرجال لأن من طبيعة الرجل اللهث خلف توفير الموارد كما أن قدراته على توفيرها كبيرة, في حين أن المرأة تلهث خلف استهلاك هذه الموارد لأن طبيعتها هي استغلالها...
كمثال السرقة الذي يسرق فيه الرجل المجوهرات لبيعها والحصول على المال (توفير موارد) والتي تسرقها المرأة لارتدائها (استهلاك الموارد)

بيئة الرجل والمرأة:
الآن ننتقل للرأي الآخر والذي يقول أن طبيعة الرجل والمرأة وغرائزهما ليس لها علاقة بسلوكهما في استهلاك الموارد, بل هي نتيجة بيئة وتنشئة مفروضة, فالمجتمع هو الذي يحدد سلوك كل جنس...
وكمثال فقد ظهر الحذاء ذو الكعب العالي فيما مضى مخصصا للرجال, وقد ارتداه لويس الرابع عشر ملك فرنسا كرمز للسلطة والنعيم وبأنه لايحتاج للعمل كبقية الرجال بالطبقات الأدنى, لم تكن النساء ترتدين الأحذية ذات الكعب العالي في ذلك الوقت, إلا أن الأمر تطور تدريجيا إلى أن بات الحذاء ذو الكعب العالي رمزا للأنوثة...إذن تتغير المفاهيم على مر العصور.
 ونظرا لكون الرجل هو الجنس الأقوى والمستحوذ على موارد العالم, فإنه هو من فرض قواعده على الجنس الآخر, فبنى سلوك المرأة بإغراق السوق بالمنتجات النسائية ذات أغراض الزينة والتجميل لأن هذا ممتع للرجل, فتحول سلوك المرأة معمما حتى مع بقية المنتجات والخدمات الغير مخصصة للتجميل.
فالرجل هو صاحب الشركات والأعمال السينمائية والإعلانات وكل شيء في هذه الحياة, وله اليد الطولى على المرأة, إذن المُنتج والمخرج يظهرها في الإعلانات والأعمال السينيمائية بشكل مثير ومحبب لجنسه بتزيينها ووضع صورها في كل مكان لتسويق جميع الأغراض.
 الطفلة بعد أن تبلغ سنا تميز فيه جنسها فإنها سترى ما يعرضه المجتمع لجنسها وما يطلبه المجتمع منها, فترى صور النساء تملأ المكان والشاشات وترى قريباتها اللائي مررن أيضا بمرحلتها يسلكن سلوكا معينا في الشراء والتزيين واستهلاك الموارد, فتتماهى الطفلة مع مجتمعها وتصير فتاة عبارة عن نسخة طبق الأصل لبقية الفتيات ذات السلوك الاستهلاكي, وتكبر لتنجب أطفالا يقلدنها وهكذا...
حتى بعد ولوج النساء لعالم المال والأعمال والسينما لاحقا إلا أنهن بتن يلعبن بالقواعد التي وضعها الرجل مسبقا لأن هذا هو مايطلبه الجميع من نساء ورجال حاليا كواقع مفروض.
أي حسب هذا الرأي فلو كانت المرأة مستحوذة على موارد العالم وكانت هي الجنس الأقوى, لما أغرقت السوق بالمنتجات النسائية لأنها لن تكون بحاجة إليها, وحينها سيكون سلوكها مشابها لسلوك الرجل في استهلاك الموارد.

ماذا عنك؟
إذن عزيزي القارئ مارأيك؟ هل تعتقد أن سلوك المرأة ناتج عن طبيعتها أم عن واقع مجتمعي؟ أم أن لك رأيا آخر؟
إن أردت رأيي الشخصي فإنني أرى أن كلا العاملين يلعبان دورا في تحديد السلوك الاستهلاكي للمرأة, صحيح أن السوق تم إغراقه بالمنتجات النسائية, إلا أن طبيعة جذب المرأة للرجل غريزيا مبنية على المظهر أولا, فحتى كيلوباترا ونفرتيتي ونساء القرون الغابرة كن يسرفن في التزين واستهلاك الموارد حتى قبل ظهور حمى إغراق السوق بالمنتجات.
قد تقول إحداهن أنها تتزين ليس من أجل الرجل بل من أجل نفسها وهذا صحيح تماما, ولكنها تتزين لأنها أنثى, فحتى الرجل الذي يمارس بناء الأجسام لايفعل هذا من أجل النساء بل من أجل نفسه, ولكن هذا لا يلغي كونه يرغب في العضلات لأنها طبيعته كذكر.
في آخر المطاف نحن نتصرف على نحو غريزي لأننا حيوانات أولا وبعقول ثانيا, وعقولنا هي الفاصل وهي التي ترفعنها من حيوانيتنا وتتحكم في إسرافنا فيها.

الشخصية السلطوية الاستبدادية

2
نمط الشخصية السلطوية هي نظرية من نظريات الشخصية قام بصياغتها مجموعة من علماء الاجتماع بخمسينيات القرن الماضي بعد ظهور أنظمة شمولية كالفاشية والنازية, والعنصرية والتمييز والتحيز... إذ عرف منتصف القرن الماضي انتشارا غير مسبوق لبعض الطبائع البشرية التمييزية والاستبدادية بأوربا, مما حذا بعالم الاجتماع ثيودور أدورنو (1903 - 1969) وفريقه لإجراء دراسة نشرت لاحقا في كتابهم, تحاول تفسير هذه السلطوية والعنصرية وذلك بتحديد سمات خاصة بالشخصية الاستبدادية كنمط شخصية يؤدي بالفرد لحمل بعض الأفكار وسلك بعض السلوكات التمييزية والعنصرية.

إن نحن أردنا رأي العلم الحالي فإن هذه النظرية صارت جد متجاوزة وتعرضت قبيل نشرها لوابل من الانتقادات العلمية كون الاستبداد والسلطوية مكتسبا من البيئة التي تشحن الإنسان منذ صغره بالسلطوية والاستبداد, وليس نمطا للشخصية, إضافة لكون الاختبار الذي طوره عالم السوسيولوجيا أدورنو وفريقه (Fascism scale) يطرح أسئلة على الفرد حول توجهاته السياسية والفكرية, بحيث يتم تنميط صاحب الأجوبة المحافظة كشخصية استبدادية وسلطوية, رغم جهود أدورنو لفصل ما يمكن تعريفه بالمحافظ عن السلطوي, إلا أنه وعلى ما يبدو لم يوفق...

ارتأيت أن أعرض هذه النظرية لأنها لا تخلو من شيء من الفائدة, ويمكن الانتفاع ببعض جزئياتها.
إذن ما هي الشخصية السلطوية؟
شخصية تتميز بالطاعة العمياء والاعتماد الكلي على زعيم قوي أو شخصية ذو سلطة أبوية, ويكون هذا مصحوبا بتمييز استبدادي ضد الآخرين وخاصة أولئك الذين هم أدنى مرتبة, كما تعرف الشخصية السلطوية ثلاث سمات رئيسية هي: احترام واتباع للأوامر بحذافيرها, التزام صارم بالأعراف, عدوانية اتجاه الأفراد من خارج الجماعة.
إذن ترى الشخصية السلطوية المجتمع على شكل هرمي جامد, في قمته الزعيم القوي المتبع تماما كقطع الشطرنج.
جوانب الشخصية السلطوية:
لتحديد الشخصية السلطوية اعتمد أدورنو على تسعة عوامل رأى أنها مفاتيح الشخصية المضادة للديموقراطية وقد اعتمد في صياغة أسئلة اختبار الشخصية على أسئلة تكشف جوانب كل عامل.

1-  التقليدانية: الالتزام الصارم بالأعراف وتقاليد الطبقة الوسطى.
ربط أدورنو الفاشية بتقاليد الطبقات الوسطى حول العالم, طبعا هذه نظرة أدورنو وفريقه, حيث اعتبر أن التزام الطبقات الوسطى بالتقاليد جد مبالغ فيه ويؤدي للتحيز والتمييز ضد الآخرين, فمواطنوا الطبقات الوسطى يتبعون العرف لمجرد أنه "عرف", فالمواطن لن يعمد على سلوك مضاد لهذا العرف أمام الآخرين حتى وإن اعتقد بصواب ما يفعل.

2- الاستبدادية: اتباع مثالي للأوامر العليا والقوانين.
ورغم أن العنوان يبدو مثاليا إلا أنه يخفي في جعبته جانبا أسودا, إذ حسب أدورنو فإنه تم ربط هذا الاتباع بالعقيدة النازية التي كان جميع المواطنين الألمان يتبعون أوامر قائدهم الأعلى بغض النظر عن صواب قراراته من خطئها, وكذا عدم معارضة القوانين حتى وإن كانت مجحفة, فإن طالب أحد ما بحق من الحقوق فإنه يتم التصدي له من طرف الشخصية السلطوية بدعوى أن القانون يقول كذا وكذا وأن القانون فوق كل مطلب, وبالتالي لايحق له المطالبة بحق يخالف هذا القانون.

3- العدوانية: الميل والاستعدادية لرصد كل مخالف للتقاليد والأعراف ومعاقبته ورفضه.
حسب أدورنو دائما, فإن الشخصية السلطوية تميل للعدوانية اتجاه كل مخالف لأعرافها فهي لا تسعى لمعاقبته قصد حفظ القانون فقط بل يكون شعورها في الغالب "الاستفزاز", فهي تظهر غضبا وحقدا اتجاه من خالف العرف أو القانون وتطالب بتعريضه لأقصى العقوبات بشكل يبدو انتقاميا أكثر منه ردعيا.
لنفترض جدلا أن تمثالا مقدسا وسط ساحة عامة ولمسه ممنوع قانونا, فإن قام أحد المواطنين بلمسه فإن الشخصية السلطوية ستشعر بالاستفزاز والحنق اتجاهه وستطالب بقطع يد الفاعل والتنكيل به, إذن هي لا تعاقبه بل تنتقم منه لإشفاء غليلها.

4- اللاشعورية: اللاموضوعية, الانغلاق الذهني ومقاومة المحفزات الذاتية.
يميل الشخص السلطوي لعدم قدرته على مواجهة مشاعره, لأنه يخشى خروجها عن سيطرته, وهذا ما يدفع بالسلطوي للعيش حياة مادية أكثر منها عاطفية, حسب أدورنو فإن مضاد الديموقراطية عند مواجهته لشكل من الأشكال التي يتقبلها شعوريا ويرفضها العرف والقانون فإنه سيسعى لكبتها لكي لا يخالف شعوره أعرافه, في حين أن الشخص الديمقراطي فإنه لا يجد غضاضة من التعبير عن شعوره المخالف للأعراف...لذا تعيش الشخصية السلطوية حياة ملؤها الكبت للعواطف والمشاعر وتحقيرها.

5- الخرافات والصورة النمطية: الاعتقاد بقوة المسببات الخارجية في تحديد مصير الفرد, وسلوك نمط تفكير جاف
 خص أدورنو الشخصية السلطوية بخاصية التفكير الخرافي اللاعلمي كجانب إضافي يمكن أن نراه فيها, فهي قد تفسر بعض الظواهر على أنها خارج السيطرة وبعيدة على الفهم البشري ولا يمكن لنا فهمها مهما تطورنا بالعلم.
يمثل هذا استكانة وقناعة بما يجري ويدور حول الشخصية السلطوية على أنه خارج قدراتها ويجب تقبله كما هو.

6- القوة والصرامة: الانشغال بالهيمنة العدائية وقطبية قوي-ضعيف.
تؤمن الشخصية السلطوية بقطبية قوي-ضعيف, إذ تقسم الأفراد لأقوياء وضعفاء, وتتبع الأقوى والمهيمن, فالقائد الذي يهيمن على السلطة ويستفرد بها هو زعيم قوي يجب اتباعه, وقد اعتبرها أدورنو مؤشرا على ضعف (الأنا/ ego) لدى الشخصية السلطوية حيث أنها تتبع القوي وتهتف له وتقدسه, وتبالغ في عرض ما تعتبره قوة من طرفه.
تبحث الشخصية السلطوية عن القوة في القائد وتعبر عن ذلك في عباراتها, كاعتبار القائد مدمر للأعداء وصارم مع المخالفين, وسيحطم الآخرين وغيرها من العبارات الدالة على القوة...

7- التدميرية والسخرية: العداء والحط من قدر الإنسان.
 العدوان مجددا, إلا أنه هذه المرة يقصد به أن الشخصية السلطوية عدوانية بطبعها بسبب كم القيود التي تقبلها على نفسها وتنتظر الفرصة السانحة لترتكب عدوانها على الآخرين المخالفين, فتراها تحط من قدر الأفراد الذين يعيشون في كنف مجتمعها من أقليات وتحتقرهم وتترصد لهم الخطأ لتدميرهم والسخرية منهم, قد تحتقر الشخصية السلطوية محاولات الإنصاف والدعاوى لها, وقد تهون من الجرائم المرتكبة, فإذا قامت دولة الشخصية السلطوية بإبادة جماعية لعرقية ما فإنها ستهون من الموضوع وتعتبر التقارير الصادرة حول ما يجري ويدور من إبادة مجرد مبالغات ومؤامرات...وهذا حسب ما رآه أدرونو من أتباع الفاشية والنازية في استهتارهم بجرائم الحرب العالمية الثانية المرتكبة من طرف قياداتهم.

8- الاسقاط: الاعتقاد أن الأمور السيئة والتدميرية مستمرة بالعالم أجمع.
يعد الاسقاط ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي أتى بها فرويد, حيث يسقط الفرد سلوكه الذي يعتقد أنه مشين على الآخر, إذ أن الشخصية السلطوية التي تمارس العدوان والتدميرية تؤمن أن هناك ما هو أسوء مما تمارسه بالعالم أجمع, وقد تبرر تحقيرها لفئة من الناس أو عنصريتها أو تمييزها على أن هذه الفئة تكن لمجتمعها العداء وأن هؤلاء البشر يمارسون العنصرية ضد الشخصية السلطوية ومجتمعها, إذن هذه الشخصية أسقطت سلوكها على الآخرين حسب أدرونو طبعا.

9- الجنس: المبالغة في الاهتمام بالأمور الجنسية.
يرى أدورنو أن الشخصية السلطوية لديها خوف غير مبرر واهتمام مبالغ فيه بالأمور الجنسية, فهي تكره الشواذ بشكل مبالغ فيه, كما أنها ترى أن اهتمام الرجل بالمرأة هو لأمر واحد وأوحد ألا وهو الجنس.
وهنا قد نعود للعدوانية إذ أن الشخصية السلطوية لن ترغب في معاقبة الشاذ جنسيا لمخالفته القانون بل من كره داخلي نابع من شعور الشخصية السلطوية بمخالفة الشاذ للعرف, فهي ستدعو لإنزال أشد العقوبات على المثليين انتقاما منه وليس ردعا له ولغيره.

ملاحظات:
إذن هذه هي جوانب الشخصية السلطوية عند أدورنو وفريقه, وكما تلاحظ فهي ليست بنمط شخصية بقدر ما لها ارتباط وثيق بالبيئة والتنشئة, سنرى انتشار مثل هؤلاء الأشخاص ببعض الشعوب والأنظمة التي تعرف الديكتاتورية, حيث يتم تلقين الأطفال بالبيت والمدرسة أسلوب تفكير مبني على الاتباع الأعمى والاستكانة للأقوى بغض النظر عن شخصياتهم وكمثال كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية, فرغم أنهما في الأصل شعب واحد إلا أن اختلاف النظامين أدى لخلق شعب بشخصية سلطوية في كوريا الشمالية.

 إضافة لهذا فإن العوامل وأسئلة الاختبار مبنية انطلاقا من ثقافة أدورنو وفريقه وقناعاتهم والتي لن تنطبق بالضرورة على ثقافات وقناعات الآخرين, فأسئلة الاختبار تستفسر عن أيديولوجيتك وليس عن سمات شخصيتك...
الاختبار تم تعديله عدة مرات ولن أضعه هنا لأنه ستظهر لك عزيزي القارئ على الأرجح أنك سلطوي كون الاختبار مصمم حسب الثقافة والمبادئ الغربية.

على كل فإنه لو نظرنا من وجهة نظر شاملة دون الدخول في التفاصيل, فإنه من الممكن تعديل تعاريف المصطلحات والعوامل التي جاء بها أدورنو لتناسب ثقافتنا العربية, ليس كاختبار شخصية بل كاختبار انفتاح فكري على ما أظن.

وماذا عنك عزيزي القارئ؟ مارأيك؟