الانتقام الدنيوي بالخطاب الديني

12
التحذير من الانتقام الدنيوي بالخطاب الديني تفاقم حتى صار محط تنذر وسخرية ومن المسائل التي يستشهد بها البعض للدلالة على تخلف المسلمين, في حين هو  ليس من الدين في شيء حسب زعمي, أو هكذا تبدت لي الأمور.
فأنا كما تعودت من حين لآخر أرتدي جبة العالم وأتسلق وأتصدر للعلم الشرعي!
وكتنبيه فقد استعرت مصطلح "الخطاب الديني" وهو مصطلح تستخدمه في الغالب جهات وفئات تحمل أيديولوجيات وأفكارا المقال بعيد عنها تماما, وإنما استخدمت المصطلح لغاية في نفسي أقضيها.

مظاهر الانتقام الدنيوي بالخطاب الديني:
لاحظت أن عددا كبيرا من الناس بخطاباتهم يتوعدون أصحاب الآثام بعقاب دنيوي وإنتقام إلاهي بحياتهم الدنيا سواء بغرض نهيهم عن ارتكاب المزيد من الآثام أو رغبة منهم في نيل المجرمين جزاءهم دنيويا أمام أعين الأشهاد تشفيا وشفاء لغليلهم, مما سطّح كثيرا من التشريعات الإسلامية بأذهان البعض, حتى لإنه يصل أحيانا مبلغ مناقضة صريح النصوص وعمق الدين الاسلامي.
ولحث المسلمين على العبادات صاروا يركزون على فوائد الصيام الصحية وأهمية صلاة الفجر لنشاط الذهن وطاقة الجسم.
وهذا لايقتصر أحيانا على العامة من الناس بل حتى بعض ممن يتصدرون للإفتاء والدعوة الذين نراهم بالتلفاز وبالكتيبات والمؤلفات وصراحة لا أدري ما مدى أهليتهم لأكون أكثر إنصافا, ربما من نراهم بالتلفاز هم أيضا من العامة المترامين على الدعوة والإفتاء مثلي تماما الآن وخيل إلي عكس ذلك.
بعض من الأمثلة:

1- اعمل ذنبا مع غيرك وستجده بأهلك:
- امرأة ركلت جروا وعندما عادت للبيت وجدت طفلها قد رفسه جحش... فكما تدين تدان!
- شاب خدع فتاة بريئة ووعدها بالزواج فمن شدة البراءة خلعت ملابسها, وعندما عاد لمنزله وجد أمه بأحضان صديقه... تكبير!
- عذبته زوجة أبيه فدخلت السجن فتزوج أبوه من امرأة أخرى عذبت أبناء الزوجة المسجونة, فبكت الزوجة بسجنها ندما.

2- اعمل ذنبا مع نفسك وستمرض وتموت:
- لحم الخنزير يحتوي على ديدان قاتلة!
- إذا تناولت الكحول ستفقد توازنك وتقع أرضا من الطابق السادس!
- العادة السرية تسبب مع مرور الزمن العجز الجنسي!

وإلى آخره من الأمثلة التي تتوعدك بالويل والثبور وعظائم الامور "دنيويا" إن أنت أقدمت على ذنب من الذنوب, أو خالفت شريعة من الشرائع, في حين إذا لم ينل أحد هاتكي أعراض الإنسان والحيوان على حد سواء جزاءه الدنيوي وعاش ومات مليونيرا محاطا بالجواري والغلمان, وإذا أتبث العلم أن لحم الخنزير لا يحتوي على ديدان, بهت الذين ينتظرون الانتقام الدنيوي, فنراهم ينقسمون لثلاث فئات:
- فئة كفرت بالذي بعث تبدأ بسب الدين والملة تنثر الدراسات العلمية يمنة ويسرة وبمناسبة وبدون مناسبة, تسأله كيف الحال يرد عليك برابط دراسة علمية حول مخاطر صوم رمضان, وإن أصريت عليه السؤال عن حاله اتهمك بأنك إرهابي داعشي.
- فئة تكذب الواقع وتعيش في الوهم وتروي لك كيف أن جارهم زنى فمرض بالايدز ثم تعذب فمات, وتستمر بنشر فيديو خروج الديدان من لحم الخنزير, وإن أخبرتهم أنه فيديو كذب يشتمونك ويقذفون عرضك من شدة نور الإيمان.
- وفئة تحاول تفسير المسألة مثلما أفعل أنا حاليا على أمل ألا أكون من الذين تعسّفوا.

اقرأ عن التنافر المعرفي.

أسباب التفكير الانتقامي بالخطاب الديني:
لدى الإنسان عموما حساسية نحو ثنائية الخير والشر والعدل والظلم, ويعود تقدير لما هو عدل وما هو ظلم لكل فرد ومجتمع على حدة,  ولهذا في أغلب القصص والأعمال السينمائية والدرامية تدخل البهجة على نفوس المتفرجين بهلاك الشرير أخيرا.

التفكير الانتقامي سمة إنسانية موجودة إذن قصد تحقيق العدل على وجه البسيطة, فأنت عزيزي القارئ لربما سيسعدك سماع خبر رسوب زميل لك سبق له وأن سرق بحثك.

عندما يتبنى إنسان ما مجموعة من المعتقدات التي يرى أن على الآخرين نهجها في حياتهم, وأيا كانت طبيعة هذه المعتقدات, فإنه سيقع في شراك التفكير الرغبوي, وسيطور مع مرور الزمن أفكارا انتقامية بالنسبة لمن لا يؤمن بمعتقداته, وسيبدأ بالبحث فقط عما يعزز معتقداته من أبحاث.

اقرأ عن الانحياز التأكيدي

ولنأخذ مثال بعض الأشخاص النباتيين بالغرب, ففئة عريضة منهم لديهم ثقافة أن الإنسان كحيوان ليس أرفع مقاما من بقية الحيوانات وبالتالي من الناحية الأخلاقية لا يجب استغلال بقية الحيوانات بأي شكل من الأشكال لصالحنا...ورغم أن هذه هي الفكرة الرئيسية لهؤلاء النباتيين الغربيين "الأخلاقيين" ولكنهم بسبب غضبهم من بقية البشر الذين يتناولون المشتقات الحيوانية طوروا أفكارهم وصاروا ينشرون في مواقعهم دراسات وهمية عن كون اللحم يسبب السرطان وأن الحليب سبب أمراض المناعة الذاتية والمضار الكارثية لتناول البيض وغيرها من الأوهام الانتقامية.
سترى أيضا مجموعة من الملحدين بالعالم الاسلامي ينشرون دراسات وهمية كل شهر رمضان عن مخاطر الصيام وأنه يسبب السرطان, وعن مخاطر ختان الذكور والمشاكل الجنسية التي يسببها وغيرها من الهلوسات الانتقامية والأفكار الرغبوية.
فيرد عليهم بعض المسلمين بدراسات تشير إلى أن الصيام يقي من السرطان وأن عدم الختان يسبب السرطان.

المهم وباختصار شديد أنه لردع أي شخص وجعله يؤمن بمعتقداتك عليك أن تنقلب لاختصاصي في علم الأورام Oncology و تخبره أن تصرفه يسبب السرطان وتصرفك يقي من السرطان, وإن وُجد مستقبلا علاج شاف للسرطان بإذن الله فحينها عليك أن تخبره أن تصرفه سيؤدي لانتشار فيروس الايبولا بمؤخرته لعل وعسى يقتنع بمعتقداتك.

مثال واقعي:
ليس لدي شخصيا أي مشكلة مع الشق الأول من الفتوى ولا أدري لماذا لم يكتف بها الشيخ المفتي هنا لأن كلامه بالشق الثاني غير صحيح وهو يتعلق بالمدمنين, مع احتراماتي للمفتي ولكنه تحمس كثيرا حتى حسبته سيقول أنها تسبب السرطان.

أهداف الشريعة الاسلامية:
بشكل عام هدف التشريعات الدينية سواء الإسلام أو غيره الكثير من الأديان هو تنظيم المجتمع ونبذ ما يهدد كيانه, وقد أعطت هذه التشريعات الأولوية لتماسك المجتمع على حساب مصلحة الفرد, وهذا هدف التشريعات الوضعية أيضا, فمن مصلحة الفرد احتكار السوق, ولكنه تصرف يهدد الاقتصاد وكيان المجتمع إن أطلق له العنان, لذا أطره الفقه الاسلامي وكذا القوانين الوضعية, كقانون منع الاحتكار بالاتحاد الأوربي, من مصلحة التاجر الفردية أن يخسر الميزان ويغش بالسلعة وهكذا...

إذن الإسلام لما شرع حرمانية شرب المسكرات كمثال فهذا لمصلحة المجتمع حتى وإن كانت فيه بعض المنفعة للأفراد.
والآية صريحة: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما".
لذا أن تنتظر من مسلم يشرب الكحول باعتدال أن يصاب بالسرطان ويموت لأنه فاسق متحدي لحدود الله, فيؤسفني أن أخبرك وبعيدا عن التفكير العاطفي الرغبوي أن احتمال وفاته بسبب الكحول ضعيف جدا, بل أن دراسة تقول أن شرب كمية يسيرة من الكحول يقي من الازهايمر وبعض أنواع السرطانات.... ولكن لو فكر الجميع بهذا الأسلوب وقرروا شرب الكحول باعتدال فإنه سينتهي المطاف بعدد كبير منهم للوقوع ضحية الإفراط فيه من حين لآخر حد السكر أو حتى الإدمان ومن تم انتشار المشاكل الصحية والاجتماعية بالمجتمع ولنا في إحصاءات معهد الولايات الأمريكية لإدمان الكحول عبرة.
لذا تسن الدول قوانين للحد من استهلاكه المفرط, كاحتكار الحكومة لبيعه بالدول الاسكندنافية وعدم ترخيص بيعه بالمحلات, ومنع شرب المواد الكحولية بالأماكن العامة بعدة دول أوروبية وغير أوروبية كالشوارع والحدائق والمنشآت الحكومية وأماكن العمل...إلخ.

وهناك تشريعات إسلامية أهدافها غير واضحة لنا يخترع لها المخترعون أهدافا من أمخاخهم وكلها تحوم حول الوقاية من السرطان.
كحرمانية لحم الخنزير فنحن لا ندري هل الحكمة من تحريمه صحي أم بيئي, أم روحاني فقط كتحريم الشحوم على بني اسرائيل بقوله تعالى: "ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما".

انتقام الله تعالى من أهل المذنب:
هذا ما يروج له البعض بشكل غير مباشر وأحيانا بشكل مباشر, كما بالأمثلة التي سقتها سابقا, من أن على الرجل حفظ عرض أخته بعدم اللهو بأعراض بقية النساء, أو عدم الإساءة لأبناء الآخرين كي لا يسيء أحد لابنه...
يصل هذا الاقتناع أحيانا حد التطاول على أبرياء لا ذنب لهم سوى صلة القرابة مع المذنب وتمني وقوع سوء لهم, في حين الآية هنا صريحة أيضا: "ولا تزر وازرة وزر أخرى ۚ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ۗ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ۚ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ۚ وإلى الله المصير ".

الخلفيات وراء هذا التفكير الرغبوي في حصول سوء لأهل المذنب تعود للنظرة المستنقصة من الطفل كإنسان له كيانه المستقل واعتباره مجرد تابع لوالديه وكذا اعتبار المرأة تابعا لرجال أسرتها كمتاع البيت وأغراضهم الشخصية.
بمعنى لو حطم أحدهم سيارتك قد تنتقم منه بتحطيم سيارته, لأنه غرض تابع له.
والآن لنأخذ مثال امرأة ضربت طفلا فإن أم الطفل قد لا تعتبر الطفل ندا للمرأة وكي تنتقم منها ستضرب طفل المعتدية, تماما كما حطمت أنت سيارة خصمك بعد أن حطم سيارتك, أي أن النظرة للطفل قاصرة واعتباره من طرف المرأة غرضا من أغراض أمه الشخصية, وكثير من النساء بالمجتمع ينتقمن من قريباتهن بأذية أبنائهن.

لو اعتدى رجل على رجل آخر بالضرب فإن أخ الضحية سينتقم من المعتدي بالاعتداء عليه هو شخصيا انتقاما لأخيه لأنه ند له, ولو فر المعتدي ولم يتمكن من الانتقام منه, لن ينتقم من قريب له, لأنه لا يعتبره تابعا له ومن أغراضه الشخصية.
لكن لو قلبنا الجنس وكان الضحية هذه المرة امرأة صفعها رجل وفر بعيدا وعلم أخ الضحية بالحادث, فإنه قد يبحث عن أخت المعتدي لينتقم منه لسان حاله (مثلما صفعت أختي أوسع أختك ضربا), أي أنه يعتبر أخت المعتدي تابعا لأخيها كأنها غرض شخصي له وليس لها كينونة مستقلة.

وفي خبر قرأته أنه ببعض قرى احدى الدول النامية الآسيوية التي تعرف نظام أحكام عرفية, أقدم رجل على اغتصاب امرأة, فاجتمع كبار القبائل وحكموا على الرجل أن يقوم أفراد أسرة المرأة الضحية باغتصاب النساء من أسرة الرجل المجرم.

طبعا لا يصل الأمر بمجتمعاتنا حد الاعتداء على الأبرياء إلا في حالات شاذة, ولكن الفكرة تبقى حاضرة بالذهن, بمعنى أن الناس لن يعذبوا أبناء زوجة الأب الشريرة ولكنهم سيشعرون بشيء من الارتياح وتحقق العدالة إذا علموا أن الزوجة الشريرة التي عذبت طفلا قامت امرأة أخرى بتعذيب أبنائها.
وستبتهج بعض النسوة من سماع خبر أن أخت رجل كان يخدع الفتيات قد تعرضت للاغتصاب.

اعبد الله كما أمر:
أطلت الثرثرة حتى نسيت ما المطلوب.
على أي!
وأنا هنا أتحدث إلى المسلمين
ما حدث لعدد كبير من الناس أنهم صاروا ينظرون للتشريعات نظرة غير واقعية بالمرة تغلب عليها العاطفة, فلأنهم نشؤوا عليها وصارت جزء من هويتهم الذاتية فإنهم يشعرون بالتهديد لشخصهم إن أتى أحدهم بما قد يحسبونه مسا للمعتقد.
لذا عزيزي القارئ المسلم المؤمن إن رأيت دراسة تنصح بشرب الكحول من حين لآخر للوقاية من بعض الأمراض فلا داعي للوقوع فريسة الفزع والبدء بالبحث عن تكذيب لها, لأنها قد تكون صحيحة -وقد تكون خاطئة- ولكن التحريم باق لا يتزعزع ولأن الآفات التي تسببها باقية أيضا لا تتزعزع, فلا حاجة للإنسان بتكذيب العلم كل مرة شعر فيها بالتهديد.
فلو فرضنا جدلا أن دراسة علمية نشرت أن الصلاة تضر مفاصل الجسد سيكذبها عدد كبير جدا من المسلمين, وسينكرونها ويهاجمون أصحابها وناشريها.
شخصيا كمسلم سأنظر مدى مصداقيتها وإن تبثت مصداقيتها وكان البحث دقيقا سأصدقها وأستمر بالصلاة لأن الحياة يا أخي العزيز ويا أختي العزيزة لا تحوم حول الهوس بالصحة, الصلاة عبادة وتقرب إلى الله ومن المفترض أننا نصلي ليس كممارسة للرياضة وليس لتعزيز الذاكرة ولا لأي هدف دنيوي مادي محض, ونحن لا نصوم كحمية غذائية لفقدان الوزن أو لتنظيف الجسم من السموم كما يشاع بل نصوم لنشعر بالجوع والتعب تقربا إلى الله كما أمر, ولو فيه مضرة طفيفة -جدلا وفرضا طبعا لم يتبث العلم ذلك أبدا- فإننا سنستمر بالصوم.
 
بسبب التفكير الدنيوي بالخطابات الدينية لم نعد مسلمين بالمرة, تسطحت النظرة كثيرا, المراهق يخشى العادة السرية كي لا يصاب بالعجز والبنت تخاف على غشاء البكارة وبعض المسلمين ممن يسمون أنفسهم عقلانيين يقولون لك لا أشرب الكحول لأنه مضر ويحسب أنه أفحم الأعداء, وهذا العقلاني يقول لك أن المرأة ترتدي الحجاب لأن أشعة الشمس تسبب السرطان -آسف ولكن من الضروري إقحام السرطان- وهكذا انتقل النقاش والحوار مع غير المسلمين لمنافع ومضار كل تشريع.
في حين ببقية الديانات طقوس تضر وطقوس لا تنفع ومع ذلك يتمسك بها معتنقوها ولا ينكرون ضرر بعضها ولكن بالنسبة لهم الضرر الطفيف غير مهم, وإنما المسألة روحانية محضة.
لازال اليهود المتدينون يمارسون طقوس سبتهم كل أسبوع, فما فائدة تحريم بعض الأعمال الروتينية بالسبت؟ كعدم إيقاد النار؟
ما فائدة إنارة الشموع لدى المسيحيين؟ يوجد أزيد من مليار إنسان معمد, فما فائدة التعميد؟ وتبليل الرضيع بالماء؟
ما المضار التي يحملها لحم البقر بالنسبة للهندوس؟

الكثير الكثير من الطقوس بمختلف الديانات...

ولكن موضة البحث عن الدراسات العلمية التي تتبث صحة الدين لا توجد إلا لدينا على ما أظن, ربما ظهرت مع موجة ما يسمى بالإعجاز العلمي.
حسن أظن أنني خرجت تماما عن الموضوع.

سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الثاني)

4
الكابالا كما عرفناها في الجزء الأول هي الجانب الباطني من اليهودية ظهرت بقرون أوربا الوسطى وقد تم تبنيها وتطويرها في العصر الحديث من طرف اليهود الحاسيديم ويعد اليهود الحاسيديم الأكثر اعتناقا للكابالا وهم فرقة يهودية باطنية روحانية نشأت في أوربا الشرقية نهاية القرن السابع عشر عمدوا على تطوير التراث الكابالي والمعتقدات الكابالية, وكان فرويد ينتمي لأسرة حاسيدية.
ولد سيغموند شلومو فرويد بامبراطورية النمسا سابقا, وهو سليل أسرة متدينة فقد كان جده الأكبر حاخاما كما وجده لأبيه شلومو فرويد حاخاما بدوره وقد سمي على اسمه...تلقى سيجموند فرويد منذ صغره تعاليم الديانة اليهودية الحاسيدية والتي تعد الكابالا جزء لا يتجزء منها, إلا أنه لم يستطع الاطلاع على كتب الكابالا بشكل مباشر إلا بعد بلوغ سن الخامسة والثلاثين كما هو التقليد الجاري به العمل, عندما أهداه والده كتاب الزوهار.

مظاهر الكابالا بنظريات فرويد: 
إن مظاهر الأفكار الكابالية بنظريات فرويد عديدة وقد عمد فرويد على إخراجها من سياقها الديني الروحاني ليسقطها على عالمنا المادي النفسي, ثم ليقدمها في قالب علمي, أي أنه وكما وصف دافيد باكان في كتابه "فرويد والتراث الصوفي اليهودي" أقدم على علمنة الأفكار الكابالية بوعي منه أو بلاوعي, وأعاد صياغة الموروث الباطني اليهودي بشكل معاصر ليوالم علم النفس.
لقد سبق وأفردت بعض التدوينات حول مختلف النظريات لذا ستكون المقارنة غير مفصلة لكي لا يطول المقال, ويمكنك عزيزي القارئ العودة إليها لفهم أدق.
كما سيصعب عليك فهم أوجه الشبه إن لم تكن قد قرأت الجزء الأول الذي تطرقت فيه لبعض مبادئ الكابالا.

أولا الوعي واللاوعي:
يشتهر التحليل النفسي الفرويدي بمفهوم الوعي واللاوعي, ورغم أن كُتّابا أشاروا لمصطلح اللاوعي قبل فرويد, إلا أن هذا الأخير كان أول من قدمه بشكل علمي وأكسبه شهرة كاسحة, حيث يتمثل هدف التحليل النفسي إلى استكشاف أهداف هذا اللاوعي ودوافعه والتحكم به قدر الإمكان, وفي واقع الأمر فإنهما مفهومان وجدا بالكابالا وغيرها من المعتقدات الدينية.
إن شجرة الحياة بالكابالا (سيفيروت) تقسم أيضا الوعي الإنساني إلى مستويات وعي عليا وسفلى, فالثالوث (تاج - حكمة - فهم) يمثلان أعلى مستويات الوعي التي يحاول الإنسان الحكيم أن ينشدها من خلال استكشاف الذات العميق والتأمل الروحاني, فيكون مدركا لدوافع نزواته متخلصا من شرورها, ولايقع في شباك "آليات الدفاع النفسي" كما عرفها فرويد, والتي ترتبط بالمستوى الإنساني السفلي "الراوخ" كما بالكابالا.

ثانيا أقسام النفس البشرية:
قسم فرويد النفس البشرية لثلاثة أقسام وهي:
1- الهو:  التي تمثل الجانب الغرائزي الشهواني من النفس البشرية, يسعى دائما هذا الجانب لحث النفس على تلبية مختلف الرغبات.
2- الأنا الأعلى: وهي الجانب المثالي من النفس البشرية وتضم مختلف المبادئ والقيم التي راكمها الإنسان على طول حياته, وهي تسعى لتطبيق هذه القيم والمبادئ وتحييد الهو.
3- الأنا: وهي الأنا الظاهرة للعيان والتي تجمع بين الأنا الأعلى والهو وتحاول الموازنة بينهما بتلبية الرغبات الغريزية الشهوانية تحت وصاية الأنا الأعلى.

يمكنك القراءة بتفصيل عن الموضوع: أقسام النفس عند فرويد
 
إذن لو عدنا للكابالا فإننا سنجد تقسيما للروح البشرية مطابقا تماما للتقسيم الفرويدي للنفس البشرية, وما الهو إلا (نفيش - نفس) بالكابالا وما الأنا الأعلى إلا (نشامة - نسمة) ومقر الأفكار العليا بالكابالا, في حين أن الأنا التي توازن بين الهو والأنا الأعلى والتي تمثل هوية الإنسان وصورته الظاهرة هي ذاتها (راوخ - روح) التي تمثل المستوى الإنساني الظاهر بالكابالا.
وقد تجاهل فرويد المستويين الأخيرين بالكابالا لأنهما يرتبطان بالمعتقدات الدينية الخالصة الروحانية ولم يكن فرويد الملحد بحاجة إليهما لضمهما لنظريته التي من المفترض أنها علمية خالصة لا تشوبها عقائد دينية.

ثالثا العضو الذكري رمز القوة:
يشير فرويد في نظريته الجنسية إلى قلق الإخصاء لدى الأطفال الذكور وإلى الحسد القضيبي لدى الإناث.
فالطفل الذكر يخاف من أن يفقد عضوه لأنه يميزه عن أمه ويمثل هويته ورمزا للقوة والهيمنة فيخاف من الأدوات الحادة بسن الأربع والخمس سنوات, في حين أن الطفلة الأنثى التي سماها فرويد في بداية تكوينها "الرجل الصغير" ستكتشف كيف أنه ليس لديها رمز القوة والهيمنة هذا وستشعر بالغيرة, وستبدي الطفلة بعمر الأربع خمس سنوات ولعا بالأشكال التي تشبه العضو كتعويض لهذا النقص.
عودة للكابالا فإننا نجد أن انبثاق (ياسوود - الأساس) يرتبط بالعضو الذكري وهو الانبثاق الذي يشكل أساس الوجود والذي تمر منه كل الانبثاقات التي يتم الدفع بها (للملكوت).
بمعنى أنه بإسقاطنا مراحل الخلق الكابالية على تكوين النفس الإنسانية فإنه يجب على النفس أن تمر عبر هذا (الأساس) كيفما كان جنسها ذكرا أو أنثى, وبالتالي فسرها فرويد على أن الذكر يدرك لأهمية هذا العضو في حين أن الأنثى أيضا تمر عبر هذا الأساس فتعتقد أن لها عضوا وهي طفلة قبل أن تكتشف أنه غير موجود.

رابعا الجنس يفسر كل شيء:
يفسر فرويد كل مشكل نفسي على أن له أساسا جنسيا.

يمكنك القراءة عن النظرية الجنسية عند فرويد.

بالكابالا حسب مفهوم انبثاق (الأساس) الذي يعد أصل انبثاق (الملكوت), فإن كل الخطايا ذات أصل جنسي لذا تم تشريع الختان تطهيرا وترفعا وعهدا مقدسا بين الله وشعبه.

خامسا الأنا الأعلى عند المرأة أقل منزلة عند الرجل:
من بين الأفكار التي جرّت على فرويد انتقادات واسعة من عالمات النفس تحديدا هو رأيه القائل أن الأنا الأعلى لدى المرأة أضعف من الأنا الأعلى لدى الرجل وأنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
في واقع الأمر فإن رأي فرويد في المرأة برسائله الخاصة المتبادلة كانت أكثر تطرفا منها في كتاباته العامة.
وهذه هي النظرة اليهودية القديمة للمرأة, لأن الختان المرتبط بالعهد بين الله وشعبه للتطهر من الخطايا هو للرجال وليس للنساء, فيتم ربط بذرات الشر كعنصر أنثوي, وبالكابالا لا يمكن أن يصل أعلى درجات الوعي إلا الرجال طبعا, كما كان يحرّم على النساء الاطلاع على كتب الكابالا في قديم الزمان ولا حتى بقية الكتب الدينية.
ففي تعاليم بعض الحكماء بالأدبيات اليهودية أن المرأة "لا يجب أن تدرس التوراة فعقلها خفيف وغير مهيأ لهذا", وفي تعاليم أخرى أنه "إذا سقط رجل وامرأة بالنهر فيجب عليك أن تنقذ الرجل أولا لأنه ملزم بتطبيق المزيد من الوصايا في حين أن حكمة المرأة تكمن في مغزل الصوف".  ومن بين الأدعية الواردة أن على الرجل "شكر الله أنه لم يخلقه وثنيا أو امرأة أو جاهلا".
في عصرنا الحالي قام اليهود الأورتوذكس الغربيون بتطوير وإعادة قراءة للنصوص بما يتناسب مع مستجدات العصر, لذا يقدمون تفاسير لمثل هذه المقولات وإعادة لصياغتها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتغير نظرة العالم الغربي للمرأة إلخ...أي لو عاش فرويد عصرنا الحالي لكانت أفكاره تشابه أفكار الكاباليين المعاصرين.

سادسا الرمز بالأحلام وزلات اللسان:
يقوم فرويد بتفسير الأحلام على أنها رموز تشير لمعاني خفية في حياة الإنسان فيتم إعادة صياغة الحلم على أساس ما يشير إليه من رمز في الحياة الواقعية تماما كما يفسر "الشيخ مفسر الأحلام بالتلفاز", إلا أن تفسير فرويد "علماني" لا يرتبط بالعالم الروحاني بل بالحياة المادية الدنيوية للفرد.
التفسير وقراءة الرموز وفك شيفرة النصوص, هذا ما يطبقه اليهود الأحبار في قراءاتهم للنصوص المقدسة في أدبيات "المدراش" وقد طُبّقت في كتاب الزوهار لاستخراج معاني جديدة خفية حسب المعتقد غير ظاهرة للقارئ العامي.

سابعا العلاج بالتداعي الحر:
عالج فرويد مرضاه عن طريقة أسلوب التداعي الحر, وهو الأسلوب المتبع بالتحليل النفسي الفرويدي, أي أن الشخص يتمدد في أريكة ويبدأ بالتحدث عن نفسه ومشاكله بحرية تامة, والمحلل النفسي الذي هو فرويد يجلس خلف المريض, بحيث لا يرى المريض المحلل ليشعر بالأمان وليسترسل بالكلام حول طفولته ومخاوفه, بينما يدون فرويد الكلام المهم الصادر من المريض والذي يمكن تحليله وفك شيفرته على أنه رمز لمكبوتات يحاول المريض إخفاءها...فإذا قال له المريض أنه يخاف من الأفاعي فإن فرويد سيفسر الأفاعي على أنها رمز للعضو التناسلي.
أي أن أسلوب التداعي الحر لا يختلف أبدا عن منهجية المدراش في التفسير التي تستخرج معاني خفية من النص الظاهر, بإعتبارها رموزا.

ثامنا الله هو رمز للأب:
حسب فرويد -الملحد بلا شك- فإن الدين ما هو إلا عصاب جماعي, والله مجرد وهم يمثل حاجة الطفل لصورة الأب القوي في حياته, فيترعرع الإنسان باحثا عن صورة أب قوي متمثلة في مفهوم الله.
لقد خلص فرويد إلى هذه النتيجة لأن الله في التلمود والكتب المقدسة اليهودية كثيرا ما يشار إليه على أنه الأب وأن اليهود أبناء الله وأحبابه, كما وأن بالدين المسيحي ثالوث الله الأب والابن والروح القدس, وهذا ما رآه فرويد بالديانتين السائدتين بمجتمعه, ولكن مفهوم الله بديانات عدة لا يشار إليه بالأب أبدا أو على أنه ذكر, وهناك ديانات عدة منقرضة ومستحدثة بها آلهة إناث.
أي أن محاولة تحليله لمفهوم الله من الناحية النفسية لا تنطبق على جميع البشر, في حين من المفترض أن دراسات علم النفس تتناول الإنسان كموضوع, فلا يكون مرتبطا بعرق دون آخر أو بمعتنقي ديانة دون أخرى, فالنظرية يجب أن تنطبق على الإنسان بشكل عام.
لماذا استوحى فرويد نظرياته من الكابالا؟
لا يمكن الجزم ما إذا كان فرويد قد بنى نظرياته من الثرات الكابالي بوعي منه وبتعمد مع إخفاء مصادره, أم أنه فعل ذلك وهو لا يعي أن نظرياته هي نتاج معتقدات وسطه الذي ترعرع فيه.
فقد يكون فرويد وقع في ظاهرة ما يطلق عليها "Cryptomnesia" النسيان المشفر, إذ يحدث للإنسان أن يقرأ مؤلفات وأفكار ينسى أمرها مع مرور الزمن ويكتب حول نفس الأفكار ظنا منه أنها أفكاره الخاصة الخالصة.


فمثلا لنفترض أن عالم نفس ملحد من العالم الاسلامي ترعرع ببيت والده شيخ وجده شيخ, فصاغ نظرية نفسية تقسم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام:
نفس سماها الضمير المؤنب الذي يؤنب ضمير الإنسان كلما أقدم على تصرف يناقض قيمه ومبادئه التي نشأ عليها.
ونفس لاأخلاقية تهتم بالمصالح الذاتية بعيدا عن القيم والمبادئ.
ونفس هادئة تمكنت من المزاوجة بين مصالها وقيمها.
إذن سيأتي من يستخرج الأصل الاسلامي لهذه النظرية وأن الأمر يتعلق بالنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة, وكلها واردة بالقرآن الكريم, وقد يكون هذا العالم الملحد المفترض غير مدرك لأصل نظرياته ويعتقد أنها من إنتاجه الخالص.

وسواء كان الأمر هذا أم ذاك فإنه لن يختلف كثيرا فحتى لو اقتبس فرويد عن قصد ووعي منه فهذا لأنه وجد هذه الأفكار قابلة للتطبيق العملي.
إذ أن فرويد كملحد كان يصنف هذا التراث اليهودي على أنه أعمال أدبية وإنتاجات فكرية بشرية تثير الإعجاب ومحاولات بدائية لتفسير الكون والنفس البشرية ونحوه...وهي محاولات مبنية على ملاحظات رجال أذكياء يمكن الاستفادة منها ومعالجتها.
فاليهودي الكابالي المؤمن مقتنع أن كتاب "الزوهار" مثلا وحي من الله أملاه نبي من أنبياء بني اسرائيل على أحد الأحبار لتفسير خفايا الكون الواردة بالتوراة, وأن عمره أزيد من ألفي عام.. لكن بالنسبة لغير المؤمنين بالكابالا, فإنه إنتاج فكري لموشي بالقرن الثالث عشر وهو رجل عبقري بلا شك لأن كتابه أثر على ملايين من البشر على مر التاريخ بغض النظر عن محتواه وعقائده.

هل هذا يعني أنه يجب عدم الأخذ بنظريات فرويد؟
من المسائل التي تصيبني بالصداع كتابات البعض حول الحذر من نظريات فلان أو علان لأن أصلها يهودي أو هندوسي أو وثني...
لاعلاقة لأصل النظرية للحكم عليها!!  إن كانت نظرية علمية فيجب عرضها على ميزان العلم وما إذا كانت صحيحة أم خاطئة ...لأنه بالنسبة لنا كمسلمين الديانات التي لا نؤمن بها هي إنتاجات بشرية مبنية على ملاحظات وتخمين وتأمل البشر في محاولة لتفسير كيفية سيرورة الكون.
فإن ورد مثلا باحدى الديانات الوثنية أن الأرض كروية فهل هذا يعني أنه علينا أن نؤمن أن الأرض مسطحة لنخالفهم؟ هم بشر مثلنا وخمنوا وأعملوا عقولهم وتأملوا الكون ووصلوا لنتيجة مفادها أن الأرض كروية ضمنوها معتقداتهم وصنعوا أشكال كروية مثلا عبدوها, وهذا شأنهم ومعتقداتهم...ولكن من الناحية العلمية فإن رأيهم صواب كون الأرض كروية, إلا إن أتبث العلم العكس.
فالغربيون أخذو العديد من التشريعات الاسلامية وضمنوها قوانينهم الوضعية, ولايعني هذا أنهم يعشقون المسلمين بل لأنه بالنسبة لهم إنتاج إنساني لحضارة من الحضارات به الكثير مما يمكن الاستفادة منه..

إذن نظريات فرويد ذات الأصل اليهودي هل هي علميا معتبرة؟
الإجابة: قليل منها جدا كذلك وأغلبها متجاوز وتبث خطؤه "علميا" بغض النظر عن أصله اليهودي البوذي الهندوسي...

يجب أن يكون حكمنا للأمور "واقعيا" كما أفضل أن أطلق عليه, بعيدا عن الحس المؤامراتي الذي ابتلينا به.

هل كان فرويد يهوديا أم ملحدا؟
كان فرويد يطلق على نفسه لقب اليهودي الملحد.

لاتعد اليهودية مجرد ديانة ومعتقدات يعتنقها الإنسان فهي بالنسبة لليهود هوية متكاملة وعلى خلاف الإسلام والمسيحية فإن اليهودية تتحدد منذ الولادة, حيث يعتبر كل مولود من أم يهودية يهوديا حتى وإن ترك دينه لأنه يبقى من بني اسرائيل ومن شعب الله المختار حسب معتقداتهم, ولا يعتبر كل إنسان ولد لأم غير يهودية يهوديا حتى وإن اعتنق دينهم, فاليهودية ديانة غير تبشيرية عكس المسيحية والإسلام.
لذا ستجد عددا من الملاحدة اليهود يقدمون أنفسهم على أنهم يهود ملاحدة  فهم يقصدون باليهودي كعرق أو اثنية, في حين لن تجد من يقدم نفسه على أنه ملحد مسلم أو مسيحي.
لقد كان فرويد يشير ليهوديته ويعتز بها كل حين فهو مستوعب لحقيقة أن شطحاته في الدين لن تنفي عنه هذه الهوية, وقد غذى هذا الشعور بالإنتماء النظرة الأوربية في ذلك الوقت التي رأت اليهودية صفة ملازمة لليهودي حتى وإن تخلى عن دينه كما حدث مع ألفرد أدلر وإريك إريكسون وغيرهما, مما جعلهم يتكتلون كعرقية وليس كطائفة دينية, أي أن فرويد عندما كان يدافع عن شعبه اليهودي فلأنها بالنسبة له هويته الاجتماعية وليست مجرد ديانة أو معتقد يمكن التخلي عنه والتبرء منه...تماما كما يتكثل أبناء الأقليات في أي بلد دفاعا عن أنفسهم.

هل كان فرويد صهيونيا؟
إن قلت نعم وسكتت, فهذا مثل قراءة الآية منقوصة: ويل للمصلين.
عاش فرويد في حقبة عرفت اضطهادا لليهود بأوربا, حيث كانت تشن حملات عدوانية كحرق محلاتهم وحتى قتل وتنكيل بهم في بعض الأحيان ولم تكن الدول الأوربية الشرقية تدافع عن مواطنيها اليهود بالشكل اللازم بل كانت تخلق جوا من الميز العنصري ضدهم, ففضل عدد كبير منهم التحول للدين المسيحي مثل عالم النفس ألفرد أدلر الذي لم يشفع له تحوله للدين المسيحي من إغلاق عيادته من طرف النازيين لأن علمه بالنسبة لهم "علم يهودي", كما كان يقوم بعض اليهود  بتنشئة أبنائهم على الدين المسيحي لينذمجوا وسط المجتمع الأوربي بدل العيش في تجمعات يهودية منعزلة تجلب لهم الوبال, في حين فضل آخرون الهجرة إلى أمريكا هربا من النازيين كما فعل ألفرد أدلر واريك اريكسون وأينشتاين وغيرهم الكثير...
كان فرويد ناقما على هذا الوضع وكان يؤكد كل حين أنه يهودي مفتخر بإنتمائه الثقافي, وقد انضم لعدة تنظيمات يهودية, وكان ينصح الآباء بعدم تحويل أبنائهم للدين المسيحي لأن اليهودية حسب ما جاء في رسائله "تحمل عمقا وأسرار أكبر", وقد كان عضوا شرفيا بالصهيونية, ولا ننسى أن الصهيونية في عهد فرويد كانت في بداياتها ولم يكن الصراع العربي اليهودي قد احتدم بقوة.
كان فرويد يرغب في أن يكون للقومية اليهودية دولتهم الخاصة وقد كان من بين المقترحات أوغندا, أي أن فرويد كان موافقا مبدئيا على الاستيلاء على دولة مواطنين آخرين, ولكنه كان يعارض أن تقام بدولة فلسطين ليس لأنه يحب المسلمين بل كان يعارض أن تقام دولة يهودية بأي دولة بها مقدسات دينية لأقوام آخرين تخلق صراعا مطولا معهم.

ولأنه ملحد فلا تهمه المقدسات التاريخية ولا الهيكل ولا حائط المبكى ولا أرض الميعاد, لأن رأيه كان أن اليهود متفوقون بعقولهم وفكرهم وتراثهم وبالتالي يجب إنشاء دولة قوية بعيدا عن صراعات لا طائل من ورائها حسب رأيه
وهذا يظهر جليا في رسالته التي رد فيها على أحد الصهاينة الذين طالبوه بتوقيع عريضة استنكار وإدانة للعرب وتقديمها لبريطانيا عن أحداث 1929 بفلسطين, حيث وقع اشتباك عنيف بين اليهود المستوطنين والمسلمين بسبب حائط البراق, الذي حاول اليهود المهاجرون الاستيلاء عليه.
ولأن فرويد كان يتساءل طوال حياته سبب الكره والحقد الذي يطاله وشعبه بأوربا والذي عجز عن إيجاد تفسير تاريخي شامل له, أشعره فتح صراع جديد وأحقاد جديدة على شعبه من طرف فئات جديدة بالعالم  بالأسى.

فكتب فرويد الآتي في رده:

"لا أستطيع القيام بما ترغب فيه (توقيع العريضة) أنا غير قادر على تجاوز شعوري بالنفور من إقحام اسمي لدى العامة, وحتى في هذه اللحظات لا يبدو لي الأمر مبررا.
كل من يرغب في التأثير على الجماهير عليه أن يقدم لهم أمرا مثيرا ومحفزا في حين أن حكمي الرصين على الصهيونية ليس كذلك, بكل تأكيد أتعاطف مع أهداف الصهيونية وفخور بجامعتنا بالقدس ومسرور لرخاء مستوطناتنا, لكن من ناحية أخرى لا أعتقد مطلقا أن فلسطين يمكن أن تصير دولة يهودية, فلا العالمين المسيحي والإسلامي على استعداد بأن تخضع أماكنهم المقدسة لوصاية اليهود. كان يبدو أكثر عقلانية أن تقام دولة يهودية في منطقة أخف ثقلا من الناحية التاريخية, لكنني أعلم أن وجهة نظر عقلانية كهذه ما كانت لتثير حماس الجماهير ولا الدعم المالي من الأثرياء.
أنا أعترف بكل أسى أن تعصب شعبنا الأعمى يتحمل جزء من اللوم في إيقاظ مشاعر عدم الثقة بنا لدى العرب. لا يمكنني أن أبدي أي مشاعر بالتعاطف بالمرة مع التدين الخاطئ الذي حول جزء من جدار هيروديان (حائط البراق) إلى مقدسات وطنية, وبالتالي الإساءة لمشاعر السكان الأصليين.
والآن احكم بنفسك, وبوجهات نظري المحرجة, ما إذا كنت أنا هو الشخص المناسب الذي تقدمه كعزاء لشعبنا المخدوع بالآمال الكاذبة.

خادمك المطيع فرويد."  

Vienna: 26 February 1930: Letter to the Keren Hajessod (Dr. Chaim Koffler)

سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الأول)

2
لا يعد إنتماء فرويد لليهودية والخلفية الدينية لنظرياته سرا من الأسرار إذ سال مداد كثير حول هذا الموضوع منذ عقود مضت وألفت كتب ونشرت مقالات لكتّاب يهود وغير يهود حتى لكان يطلق على علم النفس الفرويدي في ألمانيا النازية لقب "العلم اليهودي".
وأحرق النازيون مؤلفاته وفر فرويد إبانها لبريطانيا.
إلا أنني لاحظت في المقالات العربية نوعان إما دفاع مستميت وتبجيل حد القدسية للعالم أو تهويل وحس مؤامراتي حول الخلفية اليهودية له, فيما تنذر الكتابات المحايدة, لذا بدا لي أن أتناول الموضوع في جزئين بشيء من الواقعية, بعيدا عن التهويل والتبجيل.

ولابد بداية وفي هذه التدوينة من شرح بعض من أفكار الكابالا اليهودية التي استوحى فرويد منها لصياغة أهم نظرياته, وإن كنت عزيزي القارئ ملما بنظريات فرويد فإنه سيتجلى لك أوجه الشبه بين علم النفس التحليلي والكبالا بكل سهولة.

ما هي الكابالا؟
الكابالا أو القبالا من الاستقبال ويمكن ترجمتها بالتقاليد, مدرسة فكرية تمثل الجانب الروحاني الباطني من الديانة اليهودية (صوفية), تتمحور حول ما يطلقون عليه أسرار الخالق والخلق والكون, نضجت أفكارها على مر الزمن بين يهود أوربا بالقرون الوسطى خصوصا يهود الأندلس, حيث كان الأحبار يضيفون كل حين أفكار وتعاليم جديدة يتناقلونها بسرية من جيل لجيل شفهيا حيث جرت التقاليد ألا يدرس الكابالا إلا الرجال اليهود الذين بلغوا سن الأربعين من العمر من دون النساء, إلا أنها صارت حاليا بمتناول الجميع.

وللكابالا عدة كتب أهمها على الاطلاق كتاب "الزوهار" تعني الضياء, والذي ظهر بالقرن الثالث عشر ميلادي بالأندلس على يد الحبر موشي بن شيم حيث ادعى أنه عثر على النصوص الأصلية التي ألفها الحبر شمعون بن يوحاي بالقرن الثاني قبل الميلاد, أملاه عليه أحد أنبياء بني إسرائيل طوال اثني عشر عاما, أثناء إختفائه بالسرداب قصد شرح المعاني الباطنية للتوراة, في حين يرى بعض المؤرخين اليهود غير الكباليين أن موشي هو مؤلفه الحقيقي ضمّنه أفكار السابقين وأن ادعاءاته بالعثور على النصوص الأصلية باطلة, وأن الزوهار ما هو إلا كتاب منحول.
طبعا لا يؤمن كل اليهود بالكابالا, ويمكننا أن نشبه المسألة بالصوفية والعرفان في الإسلام, حيث لا يهتم كل المسلمون بهما.
علي أي فإن الزوهار يتكون من عدة أقسام تتناول شرح معاني التوراة الخفية حسب المعتقد ومواضيع روحانية من قبيل الله وصفاته وشرح معاني أسمائه اليهودية وتجلياته, والكون, والروح والخير والشر إلى آخره من الموضوعات التي تناقشها مختلف العقائد الدينية عموما...ويهدف الزوهار حسب معتنقي الكابالا لاستكشاف الذات للوصول لأعلى درجات الروحانية.
تنقسم مجالات دراسة الكابالا إلى ثلاث مجالات:
1- كابالا نظرية: تتطرق للمجال الفلسفي الروحاني وتناقش مختلف المواضيع كما بكتاب الزوهار.
2- كابالا تأملية: وهو المجال الذي يتطرق للممارسات التأملية التي يكون الغرض منها التوحد مع الله من خلال التأمل والوصول لأعلى مراتب الروحانية, وهناك عدة رواد لعدة طرق (صوفية) يهودية.
3- كابالا عملية: وهو المجال الذي يتطرق للطقوس العملية السحرية, والذي يكون عبارة عن طلاسم وتعويذات وطقوس لجلب الحظ والثروة والحب ونحوه, ويرفض عدد من الكباليين التطرق لهذا المجال. (يمكن تشبيه الأمر بكتاب شمس المعارف الكبرى)

وسأتناول المجال الفلسفي الذي يهمنا طبعا:

مفهوم الله في الكابالا:
بالنسبة للكباليين فإن للذات الالهية جانبا ظاهريا وباطنيا خفيا, فالجانب الظاهر هو الجانب الذي تتناوله التوراة بشكل مباشر عن علاقة الله بمخلوقاته, في حين أن الجانب الخفي الذي تتعرض له الكبالا هو الذات الالهية بحد ذاتها وجوهرها ويطلقون على هذا الجوهر "عين سوف" والتي تعني اللامتناهي الأزلي الخارج عن حدود الزمان والمكان, ولا يمكن للعقل استيعابه ولا فهمه, وينزه الكباليون عين سوف من أي لقب أو اسم أو صفة, ويتجلى عين سوف للكون بانبثاقات عشر يطلق عيها "سفيروت", وهي سمات إلهية تتفاعل فيما بينها بالكون, وهي أساس الخلق.

كابالا
1- تاج (كيتير بالعبرية): أول انبثاق من نور عين سوف ولُقب بالتاج لأنه يقع فوق الرأس رمزا لما هو فوق وخارج نطاق العقل... نقطة الخلق الأولى ويمثل الوعي الخالص لاتصاله بنور عين سوف (الإله)... ويُشار إليه بالأب بمعنى الأصل.
2- حكمة (حوخما): انبثاق ينهل من التاج وهو أولى بذرات الوجود الحقيقي بالعالم, ويمثل الحكمة الإلهية والبصيرة والحدس الذي يومض من الوعي الصافي والذي يسبق التفكير والتحليل,  ينهل من الوعي الخالص "التاج"...سمة ذكورية يُشار إليها بالابن بمعنى البذرة.
3- فهم (بينا): ثالث انبثاق واعي يتسلم مشعل نور الحكمة وهو الاستقرار والهدوء الذي يغذي بذرة الحكمة وينميها, فومضات حدس وبصيرة الحكمة تُستوعب وتحلل بانبثاق الفهم...سمة أنثوية يشار إليها بالأم بمعنى الحاضنة لبذرة الحكمة.
0- معرفة (داث): ليتميز الكباليون اليهود عن ثالوث المسيحية أضافوا المعرفة بوسط الرسم التخطيطي وهي لا تمثل انبثاقا وإنما انعكاسا لكل الانبثاقات, والنتيجة النهائية لتفاعلها وهي صورة لاواعية من التاج الواعي.
4- رحمة (حيسيد): انبثاق ينشأ من تدفق الثالوث الواعي (تاج- حكمة- فهم) وهو أول انبثاق بالعالم المحسوس العاطفي ويمثل الخير اللامحدود كالعدل والحب والكرم وغيرها من سمات الخير... وهي سمة ذكورية.
5- شدة (غيفورا): انبثاق من العالم المحسوس العاطفي يلي الرحمة ويمثل القوة والشجاعة والدفاع عن الحدود, هي القوة التي تسعى للتغلب على القيود والخصوم, ومعاقبتهم والانتقام منهم وتتضمن بذرة من الشر...وهي سمة أنثوية.
6- جمال (تيفيريت): جمال أو تناغم أو تناسق انبثاق يدمج بين (رحمة - شدة) وهي التي تعطي الانسجام والتوازن بين مختلف الانبثاقات لذا هي تتوسط الرسم البياني لأنها تكوّن أناة الإنسان التي تناغم بين الرحمة والشدة.
7- نصر (نيتساح): مكان العواطف والمشاعر التي تحفز الإبداع والعمل, إذ يتلقى انبثاق النصر من نور انبثاق الجمال لتبدأ المرحلة العملية بالنسبة للإنسان والتعبير عن أناه التي تكونت في انبثاق الجمال...سمة ذكورية.
8- مجد (هود): انبثاق يعمل إلى جانب النصر بالتحكم به وإعطائه دفعة أكثر عملية للعمل بشكل متوازن نحو تحقيق الأهداف والمجد...سمة أنثوية.

9- أساس (ياسوود): تمر كل الانبثاقات الثمان في الأساس ليعطيها قالبا ماديا ويدفع بها للملكوث, فهو يعطي الإنسان قدرة على التواصل مع بقية الانبثاقات وترجمتها, طاقة خفية تعمل على تحفيز الأجسام المادية والطاقة الجنسية, وهو يرتبط بالقضيب الذكري.

10- ملكوت (ملخوت): هو العالم المادي الذي يعيشه الإنسان والذي تتمظهر فيه بقية الانبثاقات.
أنواع الروح الإنسانية بالكابالا:
تنقسم الروح عند الكباليين إلى خمسة أقسام:
1- نفس (نفيش): هي النفس الدنيا الحيوانية, والمستوى الخفيض من الوعي وتمثل الإدراك بالعالم المادي المحسوس الحاضن لمختلف الغرائز والشهوات الحيوانية, وبهذا المستوى من الروح يدرك الإنسان ويعي فقط لاحتياجاته التي يشترك فيها مع الحيوان.
2- روح (راوخ): هي الروح الإنسانية والمستوى الأعلى من (النفس)  والتي تمثل عالم العواطف والأفكار وبالروح تبنى الأنا لدى الإنسان الذي تميزه عن بقية الكائنات, وبهذا المستوى يدرك الإنسان أن له هدفا من وجوده.
3- نسمة (نشامة): مقر الأفكار العليا ومستوى أعلى من (الروح) ووعي جد مرتفع يمكنه من استخلاص جوهر الأمور والتركيز على المفاهيم الإلهية والحكم من الوجود.
4- حياة (خياه): مستوى أعلى مجددا من الوعي ويمثل الوعي الصافي بالأنا.
5- وحدة (يهيدا): المستوى النهائي والذي يتوحد فيه الإنسان مع الله.

حسب  كتاب الزوهار فإن المستوى الأول (نفس) يتواجد عند الحيوان أيضا, والمستويين الثاني والثالث (روح - نسمة) يتوافران لدى جميع البشر ولكن يتطوران أكثر عند من يتلقى نوره من الله, في حين أن المستويين الأخيرين لا يمكن أن يصلهما إلا من تلقى أعلى درجات الوعي الروحاني من الكباليين اليهود والأنبياء.
منهجية تفسير التوراة بالكابالا:
اعتمد الكباليون في تفسير التوراة على منهجية الأولين لاستنباط المعاني الخفية له حسب اعتقادهم, فقد أخذوا من أدبيات "المدراش" وهي إنتاجات الأحبار الذين سبقوا الكباليين في تفسير التوراة واستخلاص الأحكام  منه (مثل كتب الفقه والتفسير عند المسلمين).
يحتوي التوراة على قصص وأحكام متناقضة المعاني وأخرى بمعاني غير واضحة, فعمد الأحبار على محاولة التوفيق فيما بينها واستخلاص العبر الموحدة من النصوص المقدسة عبر منهجية مقسمة لثلاثة أقسام:
1- إعادة صياغة النص: وهي إعادة لصياغة النصوص المقدسة بلغة مختلفة تغير المعنى الظاهر.
2- التنبؤ: وهي قراءة استشرافية مستقبلية للنص المقدس على أساس أن أحداثه ليست بنفس الزمن الوارد بالنص.
3- الرمز: تأويل النص أو الكلمات الواردة بالنص المقدس على غير ظاهرها وبأنها رموز لمعاني خفية أخرى.

كانت هذه نبذة مختصرة عن الكبالا يتخبطها بعض الارتباك طبعا لأنني لست ملما بها, ولكنها تعطي فكرة عنها خصوصا ما أود مقارنته مع نظريات فرويد.
و بالجزء الثاني نقارن أوجه الشبه مع إنتاجات فرويد الفكرية. 

التفكير الرغبوي وتأثير الأمنيات في التفكير المنطقي

1
يدعي الجميع منا بأننا ننساق خلف ما يقوله المنطق والحقائق المجردة, فترى النقاشات الساخنة تحتدم بقوة بين حاملي مختلف الأفكار والكل يرفع شعار الموضوعية, في حين لو أمعنت النظر في هذه النقاشات ستتمكن من تحديد خلفيات ودوافع كل فرد يناقش الفكرة وستتمكن بكل سهولة من تحديد العديد من المعلومات الشخصية كالجنسية, الجنس, الديانة, التوجهه السياسي, النادي الرياضي الذي يشجعه إذا كان الموضوع رياضيا كرويا.
ففي نقاش عن من سينال لقب أفضل لاعب مثلا, ستدرك على الفور نادي كل شخص وجنسيته لأن تقييمه لا يكون على أساس موضوعي بل على أساس رغبته في أن يكون فلان أو علان أفضل لاعب لأنه ينتمي لناديه الذي يشجعه أو لبلده أو لديانته أو لتسريحة شعره...

ما هو التفكير الرغبوي؟
التفكير بالتمني هو بكل بساطة فكرة أن ما يرغب الناس في أن يكون صحيحا يؤثر على ما يعتقدون أنه صحيح, فيميلون لإظهار أمنياتهم ورغباتهم أثناء عرضهم ما يعتقدون أنه حقيقة حاصلة, وهذا تفكير نقع فيه جميعا من حين لآخر كبشر أثناء استشرافنا للأحداث المستقبلية أو المخفية, أي أنه نوع من أنواع التفاؤل اللاعقلاني.

يمكن اعتبار عدد كبير من أنواع الانحيازات والمغالطات تمثيلا أو نتيجة للتفكير الرغبوي كالتنافر المعرفي, والانحياز التأكيدي ووهم التفوق , والانحياز للمصالح الذاتية وهو انحياز يعزو فيه الشخص لأي أمر طيب يحصل له على أنه من اجتهاده ومن ذكائه وحسن تصرفه في حين أن كل ظرف سيء هو ناتج عن عوامل خارجية وليس نابعا من غبائه وسوء تقديره.
"فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ"
"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ"
"وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ"

وقبل أن أقلب الموضوع لكتاب فقه وتفسير, فإن التفكير الرغبوي يتجلى بشكل جد واضح في توقعات الفرد المستقبلية حول نتائج المسائل الاقتصادية والسياسية, لذا سترى كيف أن المصطلح يستخدم بكثرة في هذه المواضيع.
لأن هذان المجالان بالنسبة للعامة من الناس غامضان ومفتوحان أمام كل التوقعات ويؤثران على معيشة الفرد بشكل مباشر, فحتى أثناء التحليل الموضوعي قد يقع الشخص فريسة الرغبة وهو ينسج توقعاته المستقبلية.

عندما يخطط شخص ما لمشروع اقتصادي صغيرا كان أم كبيرا فإنه يبالغ في توقع النجاح والأرباح, ويرى المحيطون به جليا كيف أن توقعاته مبالغ فيها, لأنها ناتجة من رغبته في النجاح والكسب وليس من الواقع.
قد يقوده التفكير الرغبوي للانحياز التأكيدي فتراه يبحث فقط عما يدعم وجهة نظره من دراسات ويؤكد صحة توقعاته في النجاح بعيدا عن بقية الدراسات التي تعدد المخاطر ونسب الفشل.
لتحليل ظاهرة التفكير الرغبوي قام أحد الاقتصاديين بجامعة اكسفورد بإجراء اختبار على مجموعة من المزارعين والخبازين.
حيث طلب باحث الاقتصاد من الخبازين والمزارعين توقع سعر القمح لهذه السنة, مقابل تقديم تحفيز مادي لمن يكون توقعه أقرب للسعر الحقيقي.
فكانت النتيجة أن توقعات المزارعين لسعر القمح أكثر ارتفاعا مقارنة مع توقعات الخبازين.

السبب يكمن في أن المزارعين يرغبون في أن يكون سعر القمح مرتفعا كي يكسبوا مالا أوفر من محصولهم من القمح, في حين يتمنى الخبازون أن ينخفض سعر القمح لهذه السنة لأن ثمن الخبز والحلويات التي يبيعونها تابث لا يتغير فلو انخفض سعر القمح سيكسبون الفارق.

أي حتى أثناء التوقع لسعر القمح وبوجود جائزة لصاحب التوقع الأقرب للحقيقة وقع المزارعون والخبازون تحت تأثير التفكير الرغبوي, وقد سأل صاحب التجربة هؤلاء المزارعين والخبازين في ما إذا كانوا مدركين لوقوعهم تحت تأثير الأمنيات وهم يحددون سعر القمح, فأجاب بعضهم بالإيجاب.

التفكير الرغبوي عقلاني أم لاعقلاني؟
 إن نحن نظرنا للتفكير الرغبوي ظاهرا فإنه سيبدو لنا سلوكا لا عقلانيا يمكن أن يؤدي لتوقعات تدفع الشخص للمخاطرة والتخطيط لمشاريع غير متوقعة النتائج, هو إذن كبقية المغالطات والتحيزات التي يقع بها المرء, إلا أن هذه التحيزات والمغالطات لم توجد بالطبيعة البشرية عبثا فلو نظرنا لعمق الظواهر والحكمة من وراء وجودها فإننا سندرك أن لكل تحيز وظيفة مهمة بحياتنا.

بمعنى لو افترضنا أنني أريد إنشاء معمل شكلاطة بنكهة ما وبدأت بالعمل على المشروع, فإنه ليس لدي المعلومات الكافية حول المستقبل وما ستصير إليه أسعار المواد الأولية, وما إذا كانت الدولة سترفع رسوم استيراد بعض المواد الضرورية للمشروع مستقبلا, وسلوك المستهلكين وما إذا كانت الشكلاطة ستعجبهم, وما إذا كان سيظهر منافسون جدد, وغيرها من المخاطر غير المتوقعة التي قد تؤدي بي للفشل والإفلاس, ومع ذلك سأبدأ بالتبجح حول النجاح الباهر الذي سيحققه المشروع, في واقع الأمر فإن المشروع الافتراضي قد ينجح وقد يفلس بنسب ما لا أعلمها.

يرى بعض العلماء أن التفكير الرغبوي استراتيجية عقلانية مقارنة بالمعلومات والموارد التي يتوفر عليها البشر, إذ يتطلب تحديد أفضل قرار في حالة معينة كما بمشروع معمل الشكلاطة الافتراضي النظر في جميع النتائج المحتملة وعواقبها طويلة المدى. وبالتأكيد فإن النظر في كل هذه الاحتمالات كما بالمثال والأخذ بها لأمر يستعصي على أغلب حاملي المشاريع لأن لا أحد يعلم المستقبل أو لنقل يصعب ويكاد يستحيل دراسة مستقبلية استشرافية لكل خطوة نخطوها, لذا قد يساعد التفكير الطموح المتفائل الرغبوي في التعويض عن حقيقة أننا لا نستطيع تقييم النتائج طويلة المدى بشكل كامل.
 ولإتباث أن التفكير الرغبوي استراتيجية عقلانية في المسائل مجهولة التوقعات, لجأ بعض العلماء لمراقبة سلوك مجموعة من الأشخاص بتفكير رغبوي حول مستقبلهم المهني, تبين أن التفكير الرغبوي أدى لتحسن الأداء لديهم, وقد استخدم لدراسة الاحتماليات العمليات الرياضية التصادفية (قرارات عملية ماركوف) التي وفر من خلالها عالم الرياضيات الروسي ماركوف إطارا رياضيا لنماذج صنع القرار التي يكون فيها جزء من النتائج عشوائيا غير معلوم وجزء آخر متحكم فيه.
(تستخدم قرارات عملية ماركوف في مجالات عدة كالطب والإدارة والاقتصاد...)

لتبسيط المسألة أكثر بعيدا عن سلاسل ماركوف لنفترض أن مائة فرد جميعهم خططوا لمشروع معمل شكلاطة, لنقسمهم لمجموعتين:
 1- خمسون فردا بتفكير رغبوي لاعقلاني حول توقع نجاحهم.
2- خمسون فردا بتفكير لارغبوي عقلاني يتوقعون الفشل بنسب تساوي نسب توقعهم للنجاح.
إن أصحاب التفكير الرغبوي سيلجؤون للمخاطرة والذهاب بعيدا في توسيع النشاط ونحوه, لأن الفشل غير حاضر نصب أعينهم, في حين أن عددا كبيرا من أصحاب التفكير اللارغبوي لن يخاطروا لأن احتمالات النجاح غير مضمونة.

النتيجة إذن ستكون في مجموعة العقلانيين سلبية لأنهم لن يوسعوا نشاطهم وقد يتراجع كثير منهم في المضي قدما بالمشروع لأن احتمالات النجاح غير معلومة, ولن يرغبوا في خسارة رأس مالهم, ويكون نسبة من أتمم المشروع ونجح منهم هي خمسة أشخاص فقط كمثال في حين فشل وأفلس عشرة أشخاص بينما تراجع البقية عن المخاطرة وباعوا الفكرة.
أما أصحاب التفكير الرغبوي فقد ركبوا المخاطر جميعا لأنهم جميعا يدفعهم التفاؤل والتفكير اللاعقلاني في توقعهم للنجاح وإغفال الفشل, فيفشل عدد كبير منهم فعلا لنقل ثلاثين شخصا مثلا نالوا الإفلاس والتقريع من أفراد أسرهم والسخرية من أصدقائهم الذين نعتوهم بالأغبياء والبلهاء, في حين نجح العشرون الباقون وهو عدد يفوق الناجحين ضمن مجموعة التفكير اللارغبوي.
أي بالنتيجة الاجمالية لو نظرنا لكلا المجموعتين ومن ناحية الصالح العام فإن التفكير الرغبوي مفيد للبشر عموما لأنه يدفع عددا كبيرا نحو النجاح.

إذن كخلاصة فإننا لو نظرنا من أعلى فإن التفكير الرغبوي مفيد للبشر يدفعهم للعمل وتوقع الأفضل لتستمر الحياة, ولكنه في ذات الوقت مدمر لعدد كبير من البشر أيضا.
كلنا نقع ضحية التفكير الرغبوي ويقودنا أحيانا للأفضل وأحيانا للأسوء, هل تذكر عزيزي القارئ بعض المواقف التي كنت تفكر فيها برغبوية سواء بخصوص الدراسة أو العمل أو الرياضة أو نحوه؟

يجب على الفقير والمعاق عدم الإنجاب

3
الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هو امتعاض أحد أصدقائي من إنجاب رجل فقير لطفل, صراحة لا أعرف لما ومتى وكيف صرنا أصدقاء, أظن أنني كنت قد تعاطيت نوعا قويا من المخدرات أول مرة قابلته فيها, من يدري!

كل الكائنات الحية تصارع من أجل بقائها وتكاثرها, غريزة التكاثر من الغرائز الجد قوية, وهي لدى الحيوانات تترجم في الرغبة الجنسية المؤدية للتزاوج ومن تم التكاثر, فالحيوان لا يفكر ويخطط للإنجاب قبليا بل يخضع لسلسلة آليات بيولوجية محضة...
بالنسبة للبشر فالأمر أكثر تعقيدا إذ لا يقتصر فقط على تفريغ الرغبات الجنسية المؤدية لسلسلة بيولوجية تنتهي بالإنجاب بل تتعداها لإدراك عقلي لحقيقة أنه يجب أن يكون لنا نسل, يرافق هذا الإدراك مشاعر وأحاسيس, فلأغلب البشر رغبات مسبقة بالإنجاب, حتى لدى من يعاني من غياب الرغبة الجنسية.

ما أود قوله باختصار من هذه المقدمة المملة وبالعربي الفصيح أن التكاثر غريزة وفطرة وسنة من سنن الحياة حتى الحيوان يمارسها.
إلا أننا ابتلينا بفئة نصبت نفسها آلهة على المجتمع, تملي على بقية البشر من خلق الله قراراتها المقدسة في من يجب أن يستمر نسله ومن يجب أن ينقطع.
لسان حالهم هو لسان حال أحد الشخصيات السلطوية الفاشلة بالهند الذي قام بالسبعينات بتدبير حيواني من قبيل جر أزيد من ستة ملايين رجل فقير لعمليات تعقيم قسرية في ظرف عام واحد فقط أدت لوفاة المئات منهم, تماما كما يتم تعقيم قطط وكلاب الشارع.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن سكان الوطن العربي المتطور جدا يعاني عدد كبير منهم من وباء الشخصية السلطوية البابوية كما هو حال صديقي, فبدل البحث عن حلول لمشاكل الناس أو على الأقل التعاطف معهم وتفهم وضعهم يفضلون إملاء أوامر عليا عليهم ولعنهم وآباءهم على ما هم فيه, مع العلم أنهم هم ذات أنفسهم ماكانوا ليطبقوا تلك الأوامر لو وضعوا مكانهم.
فسبحان من خلقهم!

هل إنجاب الفقير لطفل أنانية؟
لا يمكننا أن نحكم على الناس من خلال نمط عيشنا نحن ونتخذه معيارا للآخرين, لأننا سنجد دائما من هو أغنى منا ومن هو أفقر منا, ومتطلبات الحياة بالنسبة لنا ليست هي متطلبات الحياة بالنسبة لمن هم أغنى منا ولا بالنسبة لمن هم أفقر منا, وكلنا في آخر المطاف نعيش صعوبات وتحديات سواء مادية, صحية, نفسية, اجتماعية... هذه هي الحياة طبعا! لا يمكن أن نطلب من فرد ما التوقف عن عيش أبسط حقوقه واعتزالها لأنه مريض أو ليس في نفس مستوانا المعيشي...
ولو عدنا قليلا للخلف سنجد أن أجدادنا عاشوا حياة صعبة وفقرا مدقعا وأبسط الأمراض بعصرنا الحالي كانت تقضي عليهم, وقد كانت الجدات في الماضي ينجبن إلى غاية ثلاثة عشر طفلا يتوفى أغلبهم رضيعا, ولولى إنجابهن لهذا الكم الهائل لانقرضت البشرية.

عدد كبير من الفقراء لا يستطيع توفير ثمن الحفاظات لأطفاله مما يثير حنق الشخصيات السلطوية التي منّ عليها الله من فضله, فيلومون هذا الفقير على زواجه, مع العلم أن الحفاظات لم يكن لها وجود بالماضي وكان آباؤنا وأجدادنا يرتدون الخرق وهم رضع.
كما أن الحفاظات أنواع عدة وقد يجد الشخص السلطوي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة شخصا سلطويا آخر أغنى منه يلومه على زواجه لأنه يستخدم حفاظات أقل جودة.
وبهذا المنطق فإن على البشرية إخصاء شعوب بأكملها لأنها تعيش فقرا لا نعيشه نحن ولا تستخدم الحفاظات مطلقا ولا تشتري حليب الأطفال من الصيدليات, فحسب البنك الدولي فإن عُشر سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر.
سأطلب من صديقي أن يبعث للبنك الدولي اقتراحه بإخصاء هؤلاء الفقراء للقضاء على الفقر ولكي نعيش في سلام من دون فقراء.
وإن بدا لك الاقتراح مثيرا للسخرية فعليك أن تعلم عزيزي القارئ أن أحد السياسيين الكنديين صرح أن البنك الدولي هو من قدم توصية للهند بالسبعينات بإجراء عمليات تعقيم قسرية على الرجال الفقراء للحد من الانفجار السكاني.
ايه والله!

شخصيا أرى من المتقبل أن ينصح الأهل والأصدقاء العاطل عن العمل مثلا بالتريث قبل الزواج, لأنها نصائح نابعة عن حب ورغبة في أن يحيى قريبهم أو صديقهم أفضل حياة, ولكن لا يجب أن تكون الفكرة مبدأ تابثا معمما بمعنى أن يضع المرء فكرة تابثة مفادها أن على الفقير عدم الزواج.
وليس بالمسألة أي تناقض, وكمثال فقد ينصح الأبوان ابنهما بعدم الزواج من مضيفة طيران لأن حياتها غير مستقرة, ولكن ليس لهاذين الأبوين أي اعتراض على زواج بقية الخلق من مضيفات الطيران, لأن ما يرغبانه هو عيش ابنهم حياة أفضل من منظورهما وهذا أمر طبيعي تماما.
من يجب أن نلوم؟
في واقع الأمر فإنه ليس من الضروري أن نلوم وننتقد طول الوقت يمكننا أن نمضي قدما دون إبداء آرائنا بشأن حياة الآخرين دون أن تتوقف الحياة... لكن بالنسبة لمن يهوى ممارسة رياضة لوم الآخرين على اختياراتهم الحياتية وعيش أبسط حقوقهم بدل الاهتمام بحياته هو, فإن الحل موجود وهو لوم 1% من سكان العالم الذين تتركز بيدهم ثلثي ثروة الكرة الأرضية, في حين الثلث الباقي الذي يقل كل عام نقتسمه التسعة والتسعون بالمائة جميعا وبإجحاف.
يمكن أيضا لوم الدول الفاشلة التي لا توفر لمواطنيها الحد الأدنى من ضروريات العيش, والتي تؤدي ببعض المواطنين للهجرة الجماعية  كما حدث مؤخرا بأمريكا الوسطى. (أنت تعلم مسبقا عزيزي القارئ لماذا أعطي أمثلة لدول غير عربية)
من الغريب كيف أن المريض لما يسافر طلبا للعلاج فإن الطبيب لا يلوم أباه وأمه على إنجابه ببلد لا يتوفر على علاج لمرضه.

لماذا ينجب الفقراء عددا كبيرا من الأطفال مقارنة بالأغنياء؟
في واقع الأمر فإن المسألة ليست مرتبطة بالفقر بشكل مباشر بل بالجهل ونقص الوعي, ولأن الجهل والفقر مترابطان فإنه يظهر للناس أن الفقراء ينجبون عددا كبيرا من الأطفال فيبدؤون بلومهم على صنيعهم.الفقر يؤدي للجهل لأنه وبشكل عام الفقير لا يحظى بفرص تعليم كغيره, بسبب تكاليف المعيشة والدراسة, مما يدفع الأطفال لترك المدرسة للعمل أو بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي يعيشونه وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة المدرسية.
الجهل يؤدي للفقر لأن الإنسان غير المتعلم لا يحظى بفرص عديدة لتحقيق عيش كريم, أغلب الأبواب موصدة بوجهه ولا يكون أمامه خيارات عديدة لجني المال والعلم الكافي لخوض غمار الحياة العصرية المعقدة.

وبالتالي فنحن نرى إنجاب عدد كبير من الأطفال بأوساط الفقراء غير المتعلمين, فالمرأة الفقيرة الواعية المثقفة لن تنجب عددا كبيرا من الأطفال, في حين سيصعب عليك إقناع امرأة غير متعلمة باستخدام حبوب منع الحمل بشكل مواضب والتخطيط لأي حمل مستقبلي, وتوفير الموارد له.
أنت لو جلست مع امرأة غير متعلمة أو بتعليم بسيط وبدأت بإقناعها بأهمية الحبوب فإنها ستقتنع وستقدم لها الحبوب مجانا وستتناولها من بين يدك وتتناول حبة أمامك, ثم تنصرف ولا تداوم عليها مطلقا بسبب "نقص الوعي" لأن الأشخاص بهذه الوضعية يكون أسلوب تفكيرهم بسيطا, محدودا ولا يميل للتخطيط.

تشير تقارير وإحصاءات صادرة عن منظمات دولية أن تعليم المرأة من عدمه هو العامل الأول للخصوبة عند البشر, حيث أنه كلما ارتفع تعليم المرأة والشهادات المحصل عليها كلما قل عدد الأطفال الذين تنجبهم, لذا يوصي البنك الدولي الدول النامية التي تعاني من انفجار ديموغرافي بتسهيل تدريس الفتيات, وتخصيص برامج خاصة بهن للحد من النمو الديموغرافي.
على الأقل لم يعد البنك الدولي يوصي اليوم الحكومات بإخصاء مواطنيها ولله الحمد.

 فقير
كثيرا ما نرى امرأة تعاني رفقة زوج عاطل عن العمل ومع ذلك بسبعة أطفال وحامل أيضا. فتتساءل بقية النسوة السلطويات عن غباء هذه المرأة وعن سبب إغراق البلاد والعباد بالأطفال وهي تعيش هذه الوضعية الصعبة.
السر إذن يكمن في أنها حرمت من نيل فرصة تعليم مناسبة ترفع وعيها.
يصعب على بعض المتعلمين والمتعلمات "بتوع مدارس" استيعاب المشاكل التي يسببها نقص التعليم والوعي, فيعتقدون بسذاجة أن المشكل سيحل فقط ببعض الحملات التوعوية الموسمية حول حبوب منع الحمل, كما هو صاحب هذا الكاريكاتير بالأعلى -مع احتراماتي له-, الذي يحاول إيصال رسالة بها شيء من الاستعلاء, لأن المرأة الفقيرة بهذه الوضعية المزرية لن تحل حبة منع الحمل مشاكلها لأنها مجرد هرمونات وليست حبة بركة وثراء ووعي وذكاء, كما أنها وهذا هو الأهم لن تستوعب كاريكاتيره هذا إن كان لديها انترنت وجهاز ذكي تجيد استخدامه أصلا, أي أن رسالته الضائعة لن تصل للفئة المستهدفة للأسف أو لحسن الحظ بالأحرى.

لو جالست عزيزي القارئ هذه الفئة من الناس وتبادلت معها أطراف الحديث في مواضيع مختلفة ستدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه يستحيل لومها على ما هي عليه للنقص الفادح في مستوى الوعي.

تفسير بيولوجي لإنجاب الفقراء لعدد كبير من الأطفال.
في محاولة لصياغة توليفة بين البيولوجيا وعلم الاجتماع في ما يسمى علم الاجتماع الحيوي, قام مجموعة من العلماء التطوريين بإسقاط نظريات تفسير سلوك الإنجاب الحيواني على سلوك البشر.
حيث يرى عالم الأحياء الأمريكي "إدوارد أوسبورن ويلسون" أن هناك نوعين من الانتقاء الجيني.
الاستراتيجية R: ترمز لسلوك الكائنات التي تتهددها العديد من الأخطار كالثديات الصغيرة والحشرات فلكي لا تنقرض تلد أعدادا كبيرة من الصغار تنمو بوتيرة سريعة وتستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية قليلة من الموارد.
الاستراتيجية K: ترمز لسلوك الكائنات التي لا تتهددها المخاطر كالكائنات الضخمة من فيلة وحيتان حيث تلد عددا قليلا من الصغار تنمو بوتيرة بطيئة ولا تستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية كبيرة من الموارد في حياتها.

إذن قام بعض علماء النفس والاجتماع بإسقاط هاتين الاستراتيجيتين على السلوك البشري, فقاموا بتقسيم المجتمعات لقسمين تماما كما لدى الحيوان.
المجتمع الفقير: يسلك الاستراتيجية R لأنه يعاني بحياته من مشاكل عدة قد تؤدي به للموت المبكر من مرض وسوء تغذية وحروب أو كوارث طبيعية كانت سببا لفقره فيلد الفرد عددا كبيرا من الصغار يستقلون عن آبائهم مبكرا فيتزوجون مبكرا ويعملون مبكرا ويستهلكون كمية قليلة من الموارد. (تكاثر سريع)

المجتمع الغني: يسلك الاستراتيجية K لأنه يعيش الرفاه تدفعه لإنجاب عدد قليل من الصغار يستهلك لتنشئتهم موارد عديدة, لا يستقلون عن آبائهم مبكرا ولا يتزوجون مبكرا (تكاثر بطيء)

أي حسب هذا التفسير فإن التجمعات البشرية تلجأ للاستراتيجية R للتكاثر السريع لكي لا ينقرض مجتمعها إذا كانت تعيش ظروفا صعبة ترفع من نسب الوفايات كالفقر, في حين تلجأ للاستراتيجية K في حالة الرفاه بالتكاثر البطيء لأنها لو تكاثرت بنفس الوتيرة السريعة وهي تعيش البدخ ونسبة الوفايات ضعيفة سيؤدي هذا للانفجار الديموغرافي.
وكل هذا بلاوعي منه, كما تتكاثر التجمعات الحيوانية بلا وعي منها, (يمكنك تسميتها حكمة إلهية إن شئت)
بالتأكيد تعرضت هذه النظريات لانتقادات لاذعة للثغرات التي تحملها ولتفسيرها الذي يراه منتقدوها سطحيا وبسيطا, فالمسألة أشد تعقيدا, ولن أضيع وقتك عزيزي القارئ أكثر في عرض الانتقادات لربما قد تكون واضحة بالنسبة لك.
على أي لقد طرحت النظرية لإعمال العقل حول هذا الموضوع ولتبيان تعقيده ومدى قدرتنا على مناقشته على أكثر من مستوى.

زوجوه ليعقل:
جملة تتردد في أرجاء الوطن العربي, خصوصا لمن يعاني اضطرابات نفسية.
الموضوع هنا مختلف قليلا لأنه يمس الشخص بشكل مباشر في سلوكه اتجاه أسرته المستقبلية, لا يمكن تزويج حاملي الاضطرابات النفسية الذهانية الشديدة, لا أحد سيقبل على أي حال الزواج من شخص متخلف عقليا أو ذهاني, كما أنه مس بحقوقهم لأنهم فاقدون للإدراك وعاجزين عن اتخاذ القرارات, فكيف يمكن تزويج شخص لا يعي ويستوعب ما يجري ويدور حوله؟

أغلب الاضطرابات النفسية وراثية خصوصا الخطيرة منها كالفصام وثنائي القطب, أي أنه يمكن للمريض أن يورث الجينة الممرضة لأبنائه كاحتمال غير حتمي.
شخصيا أحمل اضطرابا وراثيا وقد اتخذت قرارا بعدم الانجاب مطلقا, وهذا لا يجعلني بطلا لأنه لا رغبة لدي في الأطفال أصلا.
وبالتالي لا يمكنني أن أحكم على الآخرين بأنهم أنانيين فقط لأنه لا رغبة لدي, غيري لديه رغبة ملحة يمكنني تفهمها والتعاطف مع حاملها.

ماذا عن المعاقين؟
لكي لا أكرر كلامي السابق فإن ما ينطبق على الفقير ينطبق على من يعاني من إعاقة جسدية, إلا أن لبعض الشخصيات السلطوية رأيا آخر, ففي القرن الماضي كانت تعمد دول كأمريكا وسويسرا وألمانيا والسويد و اليابان وغيرها من الدول "المتطورة جدا" على تعقيم ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى النفسيين ومن يعاني من أمراض وراثية بل حتى الأطفال بالميتم بداعي "تحسين النسل البشري" كما يتم تحسين نسل الغنم والبقر.
ظلت اليابان تمارس التعقيم القسري إلى غاية 1996.

كدول وحكومات يمكنني تفهم الإجراءات البقرية لأن الحكومات تنظر للمواطنين نظرة قطيع يحتاج للتحسين من أجل بلد أكثر تطورا.
ولكن الذي لا يمكنني تفهمه هم الأفراد الذين يحملون مثل هذه الأفكار فيصمون المعاق الذي يتزوج وينجب بالأنانية وكأنه ليس بشرا, فيقررون أنه يجب أن يولد الإنسان كاملا مكتملا وإلا فلا داعي لأن يولد.
المسألة فلسفية أخلاقية يطول فيها الحديث كثيرا, ولكن باختصار فإننا جميعا بشر في آخر المطاف نحمل نقائص عديدة تعوق حياتنا إن لم تكن جسدية فقد تكون نقائص من نوع آخر, وقد يحيى المنقوص جسديا حياة أفضل من عدد كبير جدا ممن هو مكتمل بدنيا, وبالتالي فإن الحكم بشقاء ورفاه فرد من الأفراد قبل أن يولد لأنه لا يملك يدا أو رجلا أو لا يرى أو يسمع إنما هو اختصاص إلهي على ما أعتقد.
إن أردنا التدخل السافر ولعب دور الإله فإننا لن نبقي من البشر أحدا إلا نحن حتى وإن كنا نحمل عيوب الدنيا والدين قاطبة.

العنف الجسدي المنزلي

9
عدت إليكم من جديد وهذه المرة بموضوع عنيف.
يستخدم لفظ العنف عادة للإشارة إلى نوع من السلوك المرتبط بالاعتداء الجسدي, إلا أنه مع تطور القيم الإنسانية توسع مفهوم العنف وصارت اللفظة تشير لسلوكات وظواهر عدة تصب كلها في إطار أذية الغير حتى وإن لم تكن جسدية.
سأتحدث في تدوينات مستقلة عن مختلف أنواع العنف والسلوك العدواني, لأنني أطيل من الكلام الفارغ كثيرا ولأنني أحب العنف.

لنركز اليوم على العنف الجسدي المنزلي فهو آفة تقض مضجع وتماسك المجتمعات, حيث يعاني عدد كبير من البشر حول العالم من العنف الأسري في صمت مطبق لعدة اعتبارات ثقافية واجتماعية, إذ يصعب للضحية التخلص من العنف الممارس عليها للرابط الاجتماعي والمادي الذي يربطها بمعنفها.

من يعنف من؟
نحن نعيش في مجتمع بسلم تراتبي, حيث يتربع قمة السلم الأقوياء اجتماعيا واقتصاديا وجسديا وذهنيا وفي القاعدة الضعفاء الذين يمارس عليهم العنف.
بمعنى أن الأقوى جسديا سيعنف الأضعف جسديا كقاعدة بديهية, وبالإضافة للقوة الجسدية هناك عدة اعتبارات أخرى كالمكانة الاجتماعية التي تسمح لفئة من الناس بتعنيف فئة أخرى بغض النظر عن القوة الجسدية, حيث يتقبل المجتمع مبدئيا أن تقوم بعض الشرائح ممارسة العنف على شرائح أخرى تربطها علاقات اجتماعية ما.
أيضا يمكن للضحية أن تتعرض للعنف الجسدي وتلتزم الصمت بسبب القوة الاقتصادية المالية بيد المعنف, حيث يكون المعيل الوحيد للضحية فتصبر على التعنيف كي لا تتعرض للفقر والتشرد.
كذلك القدرات العقلية التي تسمح للأصحاء بتعنيف أصحاب الإعاقات الذهنية والاضطرابات النفسية الذهانية أو كبار السن الذين بدأت قدراتهم العقلية بالتدهور.

كلما كان المجتمع متخلفا وبدائيا كلما كانت التراتبية صارمة والهوة بين شرائح المجتمع واسعة, وكلما كان متقدما تقلصت الهوة وأعطيت الأولوية للشرائح الأضعف.
 نجد مثلا ببعض الأوساط الفقيرة المضطربة يتساوى لدى الناس المريض العقلي بالحيوان, فيعامل معاملة هذا الأخير.

العوامل المؤدية للعنف الجسدي:
1- قلة الوعي وضعف التعليم: يلجأ أصحاب التعليم المتواضع والوعي المنخفض لحل مشاكلهم عن طريق العنف الجسدي أكثر من غيرهم, لأنهم يفتقرون لوسائل التواصل والنجاعة في التعامل مع الآخر, حيث يضرب الآباء أبناءهم بعنف كروتين يومي قصد التربية, ورغم أنه سلوك تعده مجتمعات جريمة يدخل على إثرها الأبوان السجن كما هو الحال بالقارة العجوز, إلا أنه في مجتمعاتنا النامية سلوك متقبل نسبيا من طرف أفراد المجتمع, والقوانين العربية تعاقب الآباء فقط في حال دخول الطفل المستشفى بين الحياة والموت جراء التأديب - التعذيب لا أدري...
على أي, لا يقع كل اللوم على عاتق الآباء بل على دولهم التي لا توفر تعليما مناسبا وبرامج تدريبية عن كيفية التعامل مع الأطفال وتربيتهم, فيرى بعض الآباء أن من الاستحالة تربية الأطفال بدون ضرب, ويبررون ذلك بكونهم هم أنفسهم تربوا عن طريق الضرب بالبيت والمدرسة والشارع, وهذا صحيح تماما, فالضرب هو أسلوب بدائي في التربية مارسته البشرية منذ الأزل, ولتغيير معتقداتهم أنت بحاجة لمدهم بالبديل الناجع, إذ أنهم يفتقرون لمهارات التعامل مع الأطفال وفهم نفسياتهم ودوافع سلوكاتهم, لذا إذا كانت الدول لا توفر تعليما وتكوينا لأفراد المجتمع عن كيفية التعامل مع الوضع فلا يجب أن نلوم الآباء على لجوئهم لطرق بدائية تمارسها البشرية منذ قديم الزمان, هذا يشبه لوم شخص يتداوى بالأعشاب في حين لم توفر له الدولة مستشفى وأدوية, أو لوم فلاح يحرث الأرض بمحراث يجره ثور.
 بمعنى آخر.. لا أحد يستمتع بضرب أبنائه إلا إن كان يعاني خللا, لذا التفلسف النظري من خلف الشاشات لا يغير الواقع على ما بلغني هذا والله أعلم.
ولا تفهم من كلامي عزيزي القارئ أنه تشجيع على ضرب الأطفال بل هو تفسير لحال المجتمع
2- التعرض للعنف بالصغر: وعودة لعبارة "هكذا ربانا آباؤنا الأولون" فإن من عوامل لجوء الشخص للعنف هو تعرضه هو ذاته للعنف, فالإنسان الذي تعرض للإساءة بالصغر يميل أكثر من غيره للعدوانية وممارسة العنف هو الآخر بالكبر, لأن هذا ما تعلمه كأسلوب في التواصل وقضاء الحاجات.
فالأطفال أبناء بيئتهم يتعلمون السلوك من الآباء والمحيطين بهم ويكتسبون المعارف ويكونون المعتقدات من هذا المحيط.
إذ أن مختلف الدراسات رصدت أن الطفل الذي يرى أباه يضرب أمه احتمال أن يعنف زوجته المستقبلية يزيد, والطفل الذي يتعرض للتعنيف احتمال أن يعنف أبناءه المستقبليين يزيد.
وبالمقابل فإن الطفل الذي يشهد العنف أو يمارس عليه العنف يتقبل مستقبلا أن يمارس عليه العنف, فالطفلة التي ترى أمها تعنف تتقبل أكثر من غيرها تعنيف زوجها المستقبلي لها, والطفل الذي ينشأ ببيت تحكمه أم متسلطة عنيفة يتقبل بالمستقبل أكثر من غيره زوجة مستقبلية عنيفة ومتسلطة...وهكذا.

اقرأ عن تعلم اليأس

3- أعراف اجتماعية:  تعد مكانة المرأة الاجتماعية بشكل عام أقل من مكانة الرجل بالأوساط النامية, فيضرب الزوج زوجته لتقاعسها في تحضير الشاي, أو حتى دون سبب مطلقا نتيجة بعض المعتقدات التي توصي الزوج بضرب زوجته من حين لآخر تعبيرا عن الحب إذ يقول المثل الروسي القديم "إذا ضربك زوجك فهذا يعني أنه يحبك" أو من أجل فرض الهيمنة والاحترام أو من أجل تأديب الزوجة, وقد تتقبل الزوجة الأمر بطيب خاطر وتوصي ابنها بتغطية جسد زوجته بالكدمات هي الأخرى كما فعل بها والده, وهذه المعتقدات منتشرة في بعض الأوساط العربية بالتأكيد, ولا يتدخل القانون في هذه الحالات لأن لا أحد بكى أو شكى, اللهم إلا إن توفيت الزوجة على يد زوجها حينها لن يشرح الزوج للقاضي أن المرحومة كانت راضية لأن هذا لن ينفع في الذوذ عنه.

يقوم بعض الرجال الذين يمارسون العنف ضد زوجاتهم بتبرير ذلك بأنهم يأتمرون بما ذكر بالقرآن الكريم, فحتى لو كان الرجل لا يصلي ولا يصوم إلا أنه قد يبرر تكسير عظام زوجته ب "واضربوهن" وقد يكتب هذه الكلمة مرصعة بالأحجار الكريمة ويعلقها ببهو المنزل للزينة, أما "واهجروهن في المضاجع" فلا يحفظها على ما أعتقد.
في واقع الأمر ليس للآية الكريمة أي علاقة بارتفاع أو انخفاض نسبة العنف, بل يتخذها البعض مبررا لسلوكهم العدواني وكآلية دفاع نفسي, مما يوحي لنا أن سبب العنف هو تطبيق مغلوط للآية, فنسب تعنيف الزوجات لا تختلف في البلدان العربية عن أي دولة غير إسلامية نامية, بل تفوق بعض الدول غير الإسلامية في نسبة تعنيف الزوجات, ففي تقرير لعام 2006 صادر عن الهند حول العنف المنزلي ضد المرأة شمل إحصائيات مختلف الطوائف الدينية بالهند تبين أن أعلى نسبة نساء معنفات كانت بين الطائفة البوذية بنسبة 41 بالمائة تليها المسلمين والهندوس بحوالي 34 و33 بالمائة, رغم أن أصل تعاليم بوذا هو نبذ العنف إلا أن البوذيين بالهند يعانون العنف المنزلي أكثر من غيرهم من الطوائف كمفارقة عجيبة, لأن البشر يقومون بتوظيف الأديان حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وسنتحدث عن هذا في موضوع آخر بإذن الله...باختصار كلما عم الجهل كلما انتشر الفقر والعنف بمختلف أشكاله وتلاوينه.

عزيزي القارئ دعني أخبرك أنه قد تغير الزمن واقتحمت المرأة مجال العنف أيضا كما هو اقتحامها لبقية المجالات وصارت الزوجات يضربن أزواجهن في العديد من بقاع البلدان العربية, احدى الدول العربية نشرت إحصائية خرافية عن كون نسبة مرعبة من النساء يضربن أزواجهن وهذا واقع قد يراه البعض طريفا أومثيرا للسخرية, مما يجعله غالبا في طي الكتمان لحساسيته بالنسبة للرجل المعنف, فبعض الرجال بسبب ضعف شخصياتهم واضطرابها أو سلميتهم السلبية أو غيرها من الأسباب قد يتعرضون للتعنيف من طرف زوجاتهم الأمازونيات, بالعادة الرجل لا يعاني الكدمات أو الجروح من تعنيف زوجته, بل يعاني آلاما نفسية تفوق أحيانا الآلام النفسية التي قد تعانيها المرأة المعنفة بسبب زعزعة هويته وكيانه كرجل بمجتمع يعلي مكانة الرجل, كما أن شكواه قد تعرضه للسخرية واللوم, عكس المرأة التي تشكي وتبكي طول الوقت دون أن تثير سخرية أحد, وسيردد المجتمع عبارات من قبيل "يستحق! ليس رجلا! ضعيف شخصية! عار على الرجال..." وغيرها من العبارات رغم أن ضعف الشخصية والسلبية في التعامل ليستا جرما يستحق عليه الإنسان الإهانة والتعنيف.

اقرأ عن  ثقافة لوم الضحية

على كل حال تبقى نسبة الرجال المعنفين ضعيفة مقارنة بالنساء المعنفات.

4- سلوكات الضحية: أحيانا يكون العنف نتيجة سلوك الضحية المثير لنوبات الغضب, فنرى بعض الأمهات لا يضربن إلا ابنا واحدا بسبب تصرفاته, أو رجلا كان يضرب زوجته الأولى التي طلقها بسبب نكدها المستمر ولا يضرب زوجته الثانية.
كما أن المرأة التي تعنف زوجها قد يكون نتيجة عطالته ونومه بالبيت طول اليوم.
ولا يجب عزيزي القارئ أن تفهم من كلامي أنه تبرير للعنف بل هو مجرد تفسير للأسباب كما هي بالمجتمع, فلا يجب أن نردد عبارات "يستحق" أو "تستحق" لأن العنف ليس حلا لأي مشكل, ولا يستحق أي إنسان أن يمارس عليه العنف إلا في حالة الدفاع عن النفس.

5- الضعف الاقتصادي: تتقبل الضحية أحيانا العنف الممارس ضدها نتيجة القوة الاقتصادية بيد المعنف, فأغلب النساء اللائي يتعرضن للتعنيف باستمرار لا يحبذن الطلاق لأنه سيعرضهن للضياع والفقر برفقة أطفالهن خصوصا إن كن ربات بيوت فقط.
لذا تكون للمرأة ذات المدخول المادي المستقل عن زوجها خيارات أوسع مقارنة بالمرأة التي لا معيل لها غير زوجها.
بجل الدول العربية الحل غالبا يكون في خروج المرأة للعمل الشاق بعد الطلاق, أما بالدول المتقدمة يتم تخصيص مدخول قار للعاطلين والنساء الحاضنات بالإضافة لمدخول للأطفال والقاصرين يدفع للآباء يكفيهم للعيش بكرامة على الأقل حتى دون توفر وظيفة.
في حين بالبلدان الفقيرة والنامية لا خيار للمرأة المعنفة إلا الخروج للعمل الشاق بمداخل زهيدة ومن تم الطلاق, وإن تعذر عليها ذلك فهي تبقى صابرة مخافة التشرد.
الأمر ذاته بالنسبة لكبار السن, لأنه بمجتمعاتنا العربية يعيش أغلب كبار السن تحت رعاية الأبناء الذكور ولا يتوفر عدد كبير من هؤلاء المسنين على مدخول مادي مطلقا أو على مدخول (معاش التقاعد) لا يكفي حاجياتهم ومتطلبات فترتهم العمرية من أدوية وتحاليل مكلفة وغيرها من الحاجيات. فلا يكون لديهم أي بديل إذا ما تعرضوا للتعنيف من طرف أبنائهم أو زوجات أبنائهم...ومجددا توفر الدول التي تحترم نفسها مدخولا لكبار السن وأنظمة رعاية صحية ونحوه...

6- الاضطرابات النفسية: من بين أهم الأسباب التي تقود للعنف هو تعاطي المخدرات والكحوليات التي تطمس العقل وتغير السلوك, وبالإضافة للمواد المخدرة يتميز حاملوا بعض الاضطرابات النفسية بالعنف وضعف التعاطف, كالشخصية السيكوباثية والشخصية الشكاكة والحدية والنرجسية وأصحاب نوبات الغضب الجامح وبعض الاضطرابات الذهانية التي تؤدي للغيرة المرضية وغيرها...

وبالمقابل يعاني حاملوا بعض الاضطرابات النفسية والإعاقات الذهنية من ممارسة العنف عليهم من طرف أفراد أسرهم الذين يشعرون بالعجز في كبح جماحهم وسلوكاتهم اللامعقولة, فيتعرض المرضى للضرب والتكبيل والتجويع وغيرها من الممارسات العنيفة.

أهمية القوانين والأنظمة في كبح العنف:
بدون أنظمة وقوانين فإننا كحيوانات ناطقة سيأكل القوي فينا الضعيف, القوانين وجدت أصلا لحماية الضعفاء وهي تعمل على التخفيف من التراتبية الصارمة بالمجتمع, وكلما كان المجتمع متطورا كلما خفت قوة هذه التراتبية.

بالمجتمعات الغربية مثلا قاموا عن طريق سن القوانين بقلب السلم التراتبي, فالاهتمام الأكبر ينصب أولا على الحيوان, الطفل, ذوي الاحتياجات الخاصة, كبار السن, المرأة ثم الرجل في آخر المطاف.
حيث تعطي تلك المجتمعات اهتماما أكبر وأولوية للفئات الأضعف فالأقل ضعفا...
فلو قام رجل ببعض دول أوربا الغربية بالتبليغ عن ضرب زوجته له فإنه قد يتعرض هو للإيقاف والتحقيق ظلما وجورا بسبب شكوك كون الزوجة قد لجأت للضرب دفاعا عن نفسها, حيث ينظر للمرأة على أنها ضحية أغلب الأوقات وتُعطى لها الأولوية الحمائية, وتعطى الأولوية للطفل قبل المرأة, فتعتقل الأم إذا بلغ عنها طفلها المدلل أنها ضربته.
وهذا ينطبق على بقية الشرائح الاجتماعية الضعيفة, و قريبا ستتحول حياة الحيوان بأوربا أهم من حياة الإنسان أو ربما قد صارت كذلك وأنا لا أدري.

على أي نجحت هذه القوانين من تقليص العنف الجسدي الممارس بالبيوت, لكنها لم تتمكن من إيقافه تماما لأن القوانين لا يمكنها التدخل في البيولوجيا والسيكولوجيا, فالرجل لازال أقوى جسديا من المرأة التي لازالت تغتصب وتضرب حتى الموت بأوربا وبغير أوربا, كما أن هذه القوانين الخلابة عملت على تدمير بنية الأسرة ببعض الدول الأوربية لطبيعة نمط الحياة هناك.
تراجعت روسيا مؤخرا عن قانون مهم يخص العنف الممارس على الزوجة أو الحبيبة أو الصديقة سمها ما شئت.
إذ أن القانون بروسيا لم يقلص من العنف الممارس ضد المرأة, بل كل ما فعله هو إدخال عدد كبير من الرجال السجون, فالرجال الروس لا يهابون السجون كما وأن المرأة الروسية تهرع لتبلغ الشرطة عند أول صفعة, فما كان من الروس إلا العودة للجاهلية الأولى وإخراج قانون أطلق عليه "قانون الصفع" ينص على عدم معاقبة أي رجل ضرب شريكة حياته بالسجن حتى وإن دخلت مخفر الشرطة تبكي وتولول بالروسية, حيث تقتصر العقوبة فقط على غرامة مالية إن كانت فعلة الرجل الأولى مادام لم يتسبب بتكسير عظامها والله المستعان.

ما يجب أن تدركه جيدا عزيزي القارئ أنه لا وجود لثنائية الأسود والأبيض بالحياة, بمعنى أنك قد تضع قانونا رائعا يعطي نتائج مبهرة من جهة في حين يكون مدمرا من جهة أخرى, كما ولا يمكن إسقاط تجربة مجتمع على مجتمع آخر بثقافة مغايرة.
فوضع قانون ضد العنف على المرأة بالعالم العربي لن يدخل الرجال السجون كما بروسيا, لأن النساء العربيات لن يقفن طوابير أمام مخفر الشرطة لإدخال أزواجهن السجون عند أول صفعة كما هو حال الروسيات فالمرأة العربية تحكمها قواعد مجتمعية وعادات وتقاليد وإكراهات عديدة, بالإضافة لعدم استعظام الضرب غير المؤذي مقارنة بالمرأة الغربية.
كما أن الرجل العربي لا يتناول الفودكا يوميا فيذهب عقله, ولا يشعر بالغيرة من رؤية خليلته ترقص مع خليله رقصا خليعا بالخمارات لأن هذا النمط من الحياة لا نعيشه بالمجتمعات العربية.

انسجام مع الأنا وعدم انسجام مع الأنا

8
انسجام الأنا وعدم انسجام الأنا مصطلحان من مصطلحات علم النفس التحليلي الفرويدي الذي حاول فرويد من خلالهما تفسير حالة الصراع الداخلي و الانسجام التام لدى بعض حاملي الاضطرابات النفسية كالنرجسية.
قسم فرويد النفس البشرية إلى ثلاثة أجزاء هي الهو (Id) والتي تعبر عن الجانب الحيواني فينا وتمثل مختلف الغرائز والرغبات والعواطف الطبيعية, والأنا الأعلى (Super Ego) الذي يمثل مجموع القيم العليا والمبادئ والأخلاق التي نكتسبها في مراحل حياتنا, بينما يعتبر الأنا (Ego) مزاوجة بين الهو والأنا الأعلى وبالتالي فالأنا يعكس الهوية وشخصية الإنسان التي توازن بين الهو والأنا الأعلى.

ما هو الانسجام مع الأنا و عدم الانسجام مع الأنا؟ 
يرى فرويد أن مفتاح الصحة العقلية والنفسية هو الوعي بمختلف الدفاعات النفسية والمحفزات والصراعات التي تدور بين الهو والأنا الأعلى, والتي تمثلها وتعكسها الأنا, لذا يتمحور علم النفس التحليلي الفرويدي على الغوص في أعماق النفس البشرية والبحث عن هذه المحفزات والصراعات والدفاعات لتفسيرها للفرد قصد علاج اضطراباته النفسية.
جميعنا لدينا قيم ومبادئ ورغبات ودوافع ومحفزات إلى نحو ذلك, وفي بعض الأحيان نجد أن بعض المشاعر والأفكار تنسجم تمام الانسجام مع ذواتنا في حين تنتابنا أفكار ومشاعر لا تنسجم مع الأنا فنحاربها رغبة في التخلص منها.

- يقصد بانسجام الأنا أن الشخص يكون في توافق وتناغم مع مفاهيم أناه وذاته متقبلا لمشاعره وسلوكاته وأفكاره وشخصيته وهي بالتأكيد أمر ايجابي إن كانت هذه الأفكار والمشاعر تعكس الواقع  وكانت ذات طبيعة إيجابية, كأن يكون الشخص انطوائيا وهو يعلم أنه انطوائي ولا يجد أي إشكال في كونه انطوائيا, إنه لأمر جيد إذن.

- يقصد بعدم الانسجام مع الأنا أن الشخص يشعر بغربة أفكاره أو مشاعره عنه ولا يتوافق معها ويرغب في إخمادها وتغييرها, كأن يكون الشخص انطوائيا ولكنه دائم البحث عن وصفات بالنت تزيد من قدراته التواصلية ويود لو أنه شخص أكثر اجتماعية وإقداما على محادثة الآخرين.

لكن الانسجام مع الأنا لا يكون ايجابيا في كل الحالات كذا لا يكون عدم الانسجام مع الأنا سلبيا دائما...تخيل معي الآن أن شخصا حسودا ومتناغما مع مشاعره وأفكاره أخبرك أنه يحسد فلانا ويتمنى زوال النعمة عنه, وإذا حاولت أن تناقشه حول كون الحسد مذموما أخبرك أنه لا يجد إشكالا في كونه حسودا.
هذا شخص إذن لديه انسجام تام مع الأنا ومتسامح مع مشاعر الحسد لديه وبالتالي يصعب تغيير رؤيته, وهذا سينطبق حتى على من يستخدم آلية الدفاع النفسي كالحسود الذي ينكر أنه يشعر بالحسد, إذ لو أخبرت شخصا أن يتوقف عن حسد الناس واستحقار إنجازاتهم فإنه على الأرجح سيخبرك أنه لا يشعر مطلقا بالحسد وأنه ينتقد انتقادا موضوعيا لإنجازات الآخرين وأن كلامه منطقي ويمثل الحقيقة, وسيصعب عليك إقناعه بأن كلامه نابع من مشاعر الحسد لأنه يعيش حالة إنكار وكذب على الذات, فالأنا الأعلى لديه تذم الحسد وهو يشعر بالحسد فما كان منه إلا أن كذب على نفسه وأقنعها أنه لا يشعر بالحسد بل يتحدث من منطلق الواقع.

اقرأ عن التنافر المعرفي.

والآن تصور شخصا شعر بالحسد من نجاح زميل له فانتابه عدم انسجام مع هذه المشاعر ولام نفسه على مشاعره وحاول كبتها وإخمادها واعترف بنجاح زميله وهنأه على عمله الدؤوب, إذن عدم الانسجام مع المشاعر السلبية أدى لمحاربتها لدى هذا الشخص.
اضطرابات الانسجام مع الأنا.
لاحظ فرويد في مساره المهني وبعد محاولة علاج عدة حالات  أنها أحيانا تعيش عدم انسجام مع ما يعتريها من مشاعر وأفكار في حين لا ترى حالات أخرى أي مشكل في مشاعرها وأفكارها, بل تلقي باللائمة على محيطها والآخرين.
 وقد انتبه كيف أن حاملي بعض اضطرابات الشخصية يعيشون انسجاما تاما مع الأنا وإنكارا لحقيقة شخصيتهم وأفكارهم غير السوية فهم عاجزون تماما عن لمس مكمن الخلل في شخصياتهم.
ركز فرويد في هذا الشأن على حامل الشخصية النرجسية, إذ ينكر النرجسي أنه نرجسي ويطلق على عجرفته مسمى ثقة عالية بالنفس, واستخفافه واحتقاره للآخرين مسمى قوة وصرامة إذ يحيط النرجسي نفسه بدفاعات نفسية عالية ينكر من خلالها واقع وحقيقة اضطراب شخصيته, لذا وجد فرويد أنه من الصعب ويكاد يستحيل علاج أصحاب الاضطرابات المنسجمة مع الأنا, لأن التركيز يجب أن ينصب حول إقناع المريض أنه مريض أولا قبل علاجه.

من بين اضطرابات الأنا المنسجمة سنجد اضطراب الشخصية النرجسية واضطراب الشخصية شبه الفصامية الذي لا يرى صاحبها أن أفكاره غريبة ومنفصلة عن الواقع, واضطراب الشخصية الوسواسية الذي قد يضيق الخناق على أفراد أسرته وأصدقائه بدعوى الحرص والنظام وهو لا يعلم كون تصرفاته وأفكاره وسواسية, واضطراب الشخصية الشكاكة التي يشك ويرتاب حاملوها من المحيطين بهم وهم على اقتناع تام بمنطقية أفكارهم.
اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع (سيكوباثي وسوسيوباثي) شخص لا يشعر بأي مشاعر بالذنب أو المسؤولية اتجاه تصرفاته وقد يسيء للآخرين وهو مدرك لحجم الأذية التي يسببها لهم ولكنه لا يبالي مطلقا لأنه منسجم مع ذاته.

قد يقع صاحب السلوك الادماني في انسجام مع الأنا فيجلس الشاب أمام لعبة الفيديو يقضي ساعات طوالا من اللعب منكرا كونه مدمنا مدعيا أنه قادر على التوقف عن اللعب متى شاء, في حين أنه لا يفعل أي شيء آخر غير اللعب مهملا حياته وواجباته.
كذا المقامر الذي ينكر حقيقة إدمانه على القمار, وغيرها من السلوكات الادمانية, بل حتى متعاطوا المواد المخدرة يعيشون في حالة انسجام مع الأنا أحيانا وينكرون حقيقة إدمانهم وبالتالي يصعب ويستحيل إقناعهم بالعلاج لأنهم لا يرون أنفسهم مدمنين أصلا.

اضطرابات الأكل, كفقدان الشهية العصابي الذي تمتنع فيه المراهقات عن تناول الطعام بسبب اعتقاد راسخ بأنهن بدينات واللائي يتحولن لهيكل عظمي, هو اضطراب جد منتشر بين مراهقات وشابات العالم الغربي, فالفتاة لا ترى أنها هيكل عظمي مطلقا بل تعتقد أنها تبدو رائعة بمظهرها المرعب, وتصر على أنها تتناول الطعام باعتدال في حين أنها لا تتناول الطعام إلا نادرا, ويكون مصير عدد كبير جدا منهن الموت المحقق, هن منسجمات مع سلوكهن وعاجزات عن رؤية مكمن الخلل بتصرفاتهن وأجسادهن.

انسجام الأنا بهذه الاضطرابات وغيرها يجعل من مهمة الأهل والأصدقاء إقناع الشخص بضرورة العلاج صعبة وحتى أثناء العلاج تكون الاستجابة جدا ضعيفة وفي الغالب لا يستمر المضطرب بتلقي العلاجات لأنه لا يقتنع أبدا بأنه مريض.
ويكون الضحية في الغالب هم المحيطون بالمضطرب الذين يعانون من تصرفاته, في حين تتدمر حياة المضطرب شيئا فشيئا وهو لا يدري أنه السبب بل يلقي باللائمة على الآخرين والظروف.

اضطرابات عدم الانسجام مع الأنا.
بعض الاضطرابات النفسية يعاني أصحابها من غربة أفكارهم وعدم انسجام مع صورة ذواتهم كما هو الحال مع الشخصية التجنبية التي يعاني منها حاملها من مشاعر القلق والخجل من تفاعله مع الآخرين, وهو يرغب في التخلص من مشاعره وأفكاره دون جدوى, أيضا حاملوا اضطرابات الوسواس القهري وعلى عكس أصحاب اضطراب الشخصية الوسواسية (سنتحدث عنه لاحقا) يعانون من وسواسهم ويرغبون في التخلص منه وهم غير منسجمون مطلقا مع مشاعرهم وأفكارهم, في حين اضطراب الشخصية الوسواسية وهو اضطراب آخر لا يرى حامله أنه يوسوس ويبالغ في حرصه ونظامه.

أصحاب بعض السلوكات الادمانية يعانون أيضا من إدمانهم ويرغبون في التخلص من إدمانهم ويعيشون عدم انسجام مع الأنا, فقد يدمن الشاب على ألعاب الفيديو كما بالمثال السابق ولكنه يعلم أنه يضيع ساعات طوالا أمام الشاشة ويرغب في التخلص من إدمانه وحد ساعات لعبه ولكنه يعجز عن ذلك فيقع في دوامة تأنيب الضمير.
وهذا ينطبق على بقية السلوكات الادمانية, فكما قد ينسجم البعض مع إدمانهم يشعر البعض الآخر بعدم انسجام.

حاملوا اضطرابات القلق والفوبيات أيضا يشعرون بأن قلقهم ومخاوفهم غير مبررة ويرغبون في التخلص منها ولكنهم عاجزون عن ذلك.
وغيرها الكثير من الاضطرابات.

وبشكل عام فإن حاملي اضطرابات عدم الانسجام مع الأنا أكثر قابلية للجوء للعلاج ومحاربة أفكارهم ومشاعرهم المزعجة, كما أنهم يعانون في حياتهم أكثر من حاملي اضطرابات الانسجام مع الأنا, لأن الصراع النفسي لديهم شديد وهم في حرب يومية مع اضطرابهم.

ماذا عنك؟
والآن عزيزي القارئ هل لديك أفكار ومشاعر لا تنسجم مع ذاتك والأنا لديك؟ هل يمكنك جرد هذه المشاعر والأفكار؟
هل لديك أفكار ومشاعر سلبية مدمرة وأنت منسجم معها؟ هل سبق وأخبرك الآخرون أن سلوكات أو مشاعر أو أفكار صادرة منك بها خلل وأنكرت أنت ذلك؟
طبعا لا يمكنك رصدها أو تذكرها لأنك منسجم معها ولا ترى خللا فيها, ولكنها تبقى موجودة لدينا جميعا, لا نرصدها نحن بل يرصدها الآخرون فينا ونجد نحن لها مبررات ومسميات أخرى.

أنماط الانطوائيين

7
لازال علماء النفس يبحثون في أغوار النفس البشرية وسلوكها ومزاجها ويحاول كل عالم إضافة تفاصيل ونسج نظريات حول الشخصية الإنسانية, وتحظى سمة الانطوائية والاجتماعية بدراسات عديدة كونها مازالت عصية عن الفهم والإحاطة الشاملة لمختلف جوانبها.

كان أول من فصل في هاتين السمتين هو عالم النفس التحليلي كارل يونغ والذي كان انطوائيا هو ذات نفسه, إلا أن تعريفه للانطوائية والاجتماعية كان نابعا من ذاته ومشاعره الشخصية ولم يكن قد صاغ نظريته بتجرد بعيدا عن ذاته, إذ ليس كل انطوائي كما وصف وليس كل اجتماعي أيضا كما وصف, لعل الصفات التي ساقها كانت تنطبق على شخصه هو فعممها على الجميع.
أتى بعد ذلك عدة علماء نفس للشخصية ومن بينهم عالم النفس آيزنك الذي أعطى تعريفا مختلفا عن تعريف يونغ ولكن تعريفه ظل يتطرق لجانب واحد من جوانب السمة الانطوائية والاجتماعية.

اقرأ عن نظرية يونغ للانبساطي والانطوائي

اقرأ عن تعريف آيزنك للانبساطي والانطوائي

سأحاول اليوم عرض نموذج وتصنيف حديث للانطوائية غير شهير ولا يحظى باهتمام بالغ ولكنه يبقى مفيدا.

الصورة النمطية للانطوائي:
لاحظ جوناتان تشيك وهو بروفيسور أمريكي في علم النفس يدرّس حاليا باحدى جامعات أمريكا أن المفاهيم التي خصصها العلماء للانطوائية متعددة بشكل كبير وتختلف فيما بينها مما يجعل السمة يعتريها الغموض إذ لا وجود لتعريف حالي متفق عليه للانطوائية والاجتماعية, بالإضافة لكون تعريف الانطوائية بمختلف الأعمال والنظريات ومن بينها سمات الشخصية الخمس الكبرى تعريف مبني على مقارنة الانطوائية بالانبساطية, بمعنى أن العلماء جعلوا الانطواء هو مقابل للاجتماعية في مختلف نظرياتهم (انطوائي VS اجتماعي) وهذا ما يراه تشيك غير صحيح بالضرورة.
 بناء على هذا عمد تشيك على محاولة صياغة تعريف أكثر دقة للانطوائية وذلك بدراسة السمة في معزل عن بقية السمات كخاصية إنسانية متفردة بعيدة عن كونها مجرد مقابل للاجتماعية, وتأتّي له ذلك عن طريق العودة لأعمال العلماء الذين سبقوه وأخذ مقاييسهم المختلفة والتي تحدد مختلف جوانب الشخصية (مقياس الاجتماعية, مقياس الخجل, مقياس الانفتاح بسمات الشخصية الخمس, مقياس الحساسية, مقياس النرجسية...وغيرها الكثير من المقاييس) وطرح أسئلة مختلف المقاييس على عينة ضخمة من المتطوعين قصد استخلاص العوامل والفوارق بين مختلف الانطوائيين. فخرج أخيرا تشيك في دراسته بأربعة أنماط للانطوائية.
1- الانطوائية الاجتماعية:
 هذا هو المفهوم الشائع بين البشر لمفهوم الانطوائية, وهو نمط من الانطوائيين لا يتفاعل مع عدد كبير من البشر فهو شخصية تفضل أن تكون دائرة معارفها ضيقة, وقد يفضل أصحاب الانطوائية الاجتماعية الشديدة الوحدة بدلا عن التفاعل مع الآخرين.
يمكن القول أن صاحب الشخصية ذات الانطوائية الاجتماعية هو فعلا مقابل لصاحب الشخصية الاجتماعية.
يحبذون قضاء وقت مع أنفسهم بالمنزل في أنشطتهم الشخصية كعالم الانترنت أو القراءة أو اللعب أو مشاهدة التلفاز أو أي نشاط يزاولونه بمفردهم في عزلة عن الآخرين ويجدون متعة في البقاء بمفردهم أكثر من أنهم يشاركون أنشطتهم الآخرين.
يفضل أصحاب الانطوائية الاجتماعية المعتدلة التفاعل مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء والأقارب ويرحبون بحضور الحفلات التي لا تحتوي على عدد كبير من الغرباء, ولكنهم سرعان ما يشعرون بالإرهاق بعد كل حفلة ومناسبة اجتماعية.
انطوائيتهم ليست بسبب الخجل أو القلق أو كره للبشر ولكنه مجرد تفضيل للعزلة وإيجاد متعة وراحة بقضاء الوقت مع أقل عدد من المعارف.
يشعر بالغالب الانطوائيون اجتماعيا بأن الآخرين يسيئون فهمهم وينعتونهم بصفات لا تمثل واقعهم "كالخجل, الأنانية, العقد..." بسبب تكتمهم وعدم حديثهم عن ذواتهم, هم لا يتعمدون عدم الحديث عن أنفسهم ولكنهم لا يجدون ما يقولونه ولا يشعرون أن هناك ما يمكن قوله بهذا الخصوص, بل أحيانا يشعرون وكأن ذهنهم صار عبارة عن ورقة بيضاء إذا ما طلب منهم الحديث في موضوع ما يخصهم, وقد يبذلون مجهودا في تجميع الأفكار, هم لا يشعرون بالريبة من البشر أو القلق هم فقط يفضلون قضاء الوقت مع أنفسهم أكثر من الآخرين.

2- الانطوائية القلقة:
عكس الانطوائية الاجتماعية فإن هؤلاء الأفراد يلجؤون للانطواء بسبب القلق, هم يجدون صعوبة في التفاعل مع الآخرين بسبب وعيهم الذاتي الشديد, قد ينعتون أنفسهم على أنهم سيئون من ناحية المهارات الاجتماعية أو لا يجيدون الكلام أو التصرف أمام الآخرين أويعانون من الخجل من الغرباء, هم يشعرون بانزعاج مستمر من أنفسهم لذا يفضلون الانطواء والبقاء في عزلة وتجنب المناسبات أو اللقاءات الاجتماعية كي لا يتعرضوا لمشاعر القلق والخجل, إذا دخلوا قاعة مليئة بالبشر فقد تضايقهم الأعين المحذقة ويشعرون وكأنهم محط أنظار الجميع.
ورغم تفضيلهم للعزلة إلا أنها لا توفر لهم الراحة لأنهم يجترون أحداث اليوم في تفكير مستمر ومزعج, فيلومون أنفسهم على كلام قالوه ما كان يجب أن يُقال أو تصرف ماكان يجب أن يتصرفوه أو يفكرون في معاني وخلفيات كلام الآخرين الموجه لهم أو موقف محرج تعرضوا له, يصابون بالإرهاق الشديد من التفاعل حتى مع أصدقائهم المقربين, فلا يتصرفون على سجيتهم معهم وقد يتكلفون معهم أو يظهرون شخصية لا تمثل واقع شخصيتهم ولا يبوحون بأفكارهم ومشاعرهم لأصدقائهم لأن هذا يضايقهم بشدة, وكثيرا ما يصرحون أن أصدقاءهم والمحيطين بهم لا يعرفون شيئا عنهم, وعكس الانطوائي الاجتماعي الذي لا يقصد إخفاء حقيقته فإن الانطوائي القلق يسعى لإخفاء حقيقته لأن إظهارها محرج ومزعج ومقلق بالنسبة له, وقد يلوم نفسه ويندم لاحقا إن باح لصديق له بمكنوناته.

3- الانطوائية التفكيرية:
هي انطوائية يتمتع أصحابها بخيال واسع وتفكير مستمر في قضايا عديدة وكثيرا ما يضيعون وسط خضم أفكارهم المتزاحمة, يتمتعون بوعي بمشاعرهم ودواخلهم ويفكرون كثيرا في ما يدور بعوالمهم الداخلية, هم لا يعانون من القلق أمام الآخرين ولا ينفرون التجمعات الكبيرة كما بالانطوائية الاجتماعية أو الانطوائية القلقة, قد يكون للشخص دائرة واسعة من المعارف حتى, هم فقط يعيشون في عالمهم الخاص, فقد يظهرون أمام الآخرين بمظهر الانطوائي لأنهم مشغولون بالتفكير في أحلامهم والقضايا التي تشغل بالهم وربما مشاركتها الآخرين من حين لآخر, ولكنهم بشكل عام لا يجدون أي مشكل أو إرهاق في التفاعل مع الآخرين وقد يرحبون بحضور الحفلات من حين لآخر ولكنك سرعان ما تراهم شاردين منزوين في ركن بالحفل تائهين في أفكارهم.
إذا قرأ أحدهم كتابا أو شاهد فيلما مثيرا قد يتخيل نفسه مكان شخصيات القصة, قد يتخيل نفسه في المستقبل أحلام يقظة, ويحب تحليل ذاته ومشاعره, يميل هذا الشخص للانطواء والانزواء بذاته فقط للغوص في أحلام يقظته وعيش عالمه الخاص.

4- الانطوائية المقيدة:
وهو آخر نوع من الانطوائية عند تشيك وهم الأشخاص الانطوائيون ليس لأنهم يفضلون التفاعل مع مجموعة صغيرة بل قد يكونوا عكس ذلك يحبون قضاء الوقت وسط التجمعات الكبيرة من حين لآخر ولا يعانون من القلق كما أنهم لا يتيهون وسط أفكارهم هم بكل بساطة بطيئون في حركتهم وفي تفكيرهم وردات فعلهم.
هم يفكرون مليا قبل البدء بالحديث لإبداء آرائهم, يتحدثون بوتيرة بطيئة وتكون نبرة صوتهم بالعادة منخفضة, وحتى أثناء سيرهم تكون خطواتهم بطيئة وقد يستغرقون مدة طويلة للقيام بعمل واحد, مما يجعلهم يقعون في خانة الانطوائية بسبب هذا البطء.
إذا استيقظوا مكثوا في أسرتهم مدة قبل أن يتحركوا, قد يجلس الواحد منهم مدة طويلة قبل أن ينهض وكأنه يشحن نفسه بالطاقة, لا يندفعون أبدا للقيام بأمر ما وليد اللحظة بل تجدهم يفكرون مليا في ما يجب عمله, طاقتهم منخفضة ويتمتعون بالاسترخاء ويميلون لحب الاسترخاء وعدم شغل أنفسهم أو إرهاقها بالعمل غير الضروري.

ماذا عنك؟
قد تكون عزيزي القارئ قد وجدت أن لديك شيئا من كل نمط وهذا صحيح فحتى لو كنت اجتماعيا قد تجد أن بعضا من الصفات تنطبق عليك سواء المتعلقة بالقلق أو البطء أو التفكير ولكنها تبقى بنسب ضئيلة مقارنة مع الانطوائيين.
أنت كشخص انطوائي قد تتوفر على نسب من كل نمط بتفاوت فمثلا هذا نموذج لفرد بانطواء قلق غالب وانطوائية اجتماعية غالبة أيضا.
 قام تشيك رفقة تلميذاته بتطوير مقياس خاص (اختبار) بالانطوائية لمساعدة الفرد على معرفة نوع الانطواء الأكثر هيمنة في شخصيته وقد ترجمته ولكن حدث خطأ وضاع مني بعد جهد ووقت ضائع فكسلت إعادة كتابته مجددا, وعلى كل حال فهو اختبار غير دقيق.

اقرأ عن قصة الثعلب والعنب الحامض


مقارنة نموذج تشيك ببقية نماذج نظريات الشخصية:
لابد وأنك لاحظت تشابها بين نموذج تشيك ونماذج للشخصية أخرى كنموذج يونغ وآيزنك وغيرهما, وهذا صحيح لأن تشيك لم يأتي صراحة بالجديد بل عمد على مدنا بخلاصة مختلف النظريات بعد تجميعها لدراسة سمة الانطوائية, حيث أن لكل عالم تعريفه الخاص بالانطوائية وقد حاول تشيك وتلميذاته التفصيل في أجزاء كل تعريف ومن تم استخلاص أربعة أنماط للانطوائية.