فيروس كورونا, لماذا تتآمر الفيروسات علينا؟

4
لم يعهد جيلنا كارثة وبائية من قبل كهذه التي نشهدها اليوم, فلماذا اليوم يا ترى قرر فيروس ظهر من العدم القضاء علينا وعلى اقتصادنا ومعيشنا اليومي؟
لكي نفهم ونحلل الفكر الاجرامي لدى جائحة كورونا يجب أن نحيط أولا بكل الحيثيات المتعلقة به, ونبدأ القصة من البداية.

إنه زمن الكورونا:
إن نحن قارنا الفيروسات بشكل عام بالبكتيريا فإننا سنجد فرقا شاسعا, إذ الأمر أشبه بمقارنة جرذ بصرصور, فالفيروس كائن بتركيبة جد بسيطة لكن خطورته تكمن في بساطته فهو كائن بين الحياة واللاحياة مما يصعب عملية القضاء عليه, لأن ليس لديه ما يخسره.
كورونا
البكتيريا خلية حية تتغذى وتطرح الفضلات وتتكاثر عن طريق الانقسام, وتتصل فيما بينها بالاقتران البكتيري...الفضلات المطروحة من طرف البكتيريا هي السموم (toxins) التي تمرضنا وتقتلنا, ولأن البكتيريا خلية حية فإن المضاد الحيوي يقتلها, لذا فإن أمراضا كانت مميتة ومرعبة فيما مضى كالطاعون لم تعد كذلك بفضل تطوير المضادات الحيوية.
الفيروس من جهة أخرى لا يتغذى ولا يطرح فضلات ولا سموم ولا يتقاسم, بل كل ما يفعله أنه يدخل خلايا الجسم ويتخذ الخلية مصنعا لصناعة نسخ منه.
كل الفيروسات تتكاثر بأسلوب واحد مثير ولا تختلف فيما بينها إلا بالتفاصيل, فبشكل عام يدخل الفيروس الجسم ويتجه نحو الخلية المستهدفة التي يمكنه اختراقها, يلتصق بها ثم يخترقها لينطلق جينومه - حمضه النووي - البسيط باتجاه حمض الخلية النووي فيبدأ الحمض النووي بصنع نسخ عديدة من نفسه ثم تنطلق النسخ الجديدة للبحث عن خلايا أخرى وهكذا هي دورة حياة الفيروس الاتكالية المتطفلة, يحول الخلية لمصنع استنساخ, ولطابعة ثلاثية الأبعاد.
ما هو فيروس كورونا؟
كورونا وتعني التاج, سمي كذلك بسبب ما يبدو وكأنه تاج يحيط به, يطلق هذا الاسم على مجموعة ضخمة من الفيروسات تضم مئات السلالات, سبع منها مكتشفة حتى الآن تهاجم الجهاز التنفسي عند الإنسان, أربع سلالات من الكورونا السبع هي مسببة للزكام العادي الذي يصيبنا كل موسم برد, وثلاثة أصناف خطيرة هي :
- "سارس كورونا 1" الذي ظهر أول مرة بالصين عام 2002.
- "ميرس كورونا" الذي ظهر أول مرة بالجزيرة العربية عام 2012.
- "سارس كورونا 2" الذي نعاني منه حاليا (مسبب كوفيد 19).
إذن في واقع الأمر نحن نصاب بأربعة أصناف من فيروسات كورونا كل حين ونسمي المرض بردا, نسميه زكاما, رشحا, نسميه أي شيء لأننا لا نهتم به مطلقا فهو مجرد فيروس ضعيف عابر, لكن السلالات الثلاث المتطورة من كورونا قررت فرض نفسها علينا, مما اضطرنا لإطلاق الألقاب والمسميات عليها.
وقد نشر الصينيون تفاصيل عن جينوم (الحمض النووي) للفيروس وتصنيفه ضمن شجرة سلالات فيروسات كورونا الشبيهة له.
كيف يمرضنا فيروس كورونا 19؟
 تصدر عن الإنسان المريض أثناء تنفسه وخصوصا سعاله وعطاسه رذاذ وقطيرات تحتوي على ملايين الفيروسات التي تدخل الجهاز التنفسي لإنسان آخر سليم عن طريق الفم أو الأنف أو العينين, فتتجه هذه الفيروسات لمهاجمة خلايا الجهاز التنفسي العلوي (الأنف والحنجرة) مسببة أعراضا شبيهة لحد ما أعراض الانفلوانزا, قد تعمل المناعة على قتل الخلايا التي تحولت لمصنع للفيروسات في بدايات العدوى فيشفى المريض دون حدوث أعراض مقلقة, ولكن في أحيان أخرى يتكاثر الفيروس, فيزحف شيئا فشيئا إلى الأسفل إلى أن يصل للرئتين وهنا يبدأ بمهاجمة خلاياها, خصوصا الخلايا التي بها أهداب والتي وظيفتها طرد الغبار والبكتيريا من الرئتين.
في هذه المرحلة, يجن جنون الجهاز المناعي ويصير له رد فعل قوي, فتندفع جيوش من خلايا الدم البيضاء لتهاجم الخلايا الرئوية التي تحتوي على الفيروسات وفي طريقها تكتسح الخلايا السليمة أيضا مسببة فوضى كبيرة بالرئة, فتمتلئ حويصلات الرئة بالسوائل مما يعيق تدفق الأوكسجين والقدرة على التنفس, وهذا ما يسمى بذات الرئة, قد يتأزم الوضع أكثر مما يتطلب وضع المريض على جهاز التنفس الاصطناعي لمده بالأوكسجين ريثما يختفي الإلتهاب وتضع الحرب أوزارها وتنتهي طلقات النيران الصديقة, وقد تجد البكتيريا الفرصة سانحة للانسلال نحو الرئة المليئة بالقيح فتتعقد الأمور أكثر فأكثر, فإما أن ينجو المريض أو يكون من الهالكين.
وإذا نجى فإنه وللأسف قد تتضرر رئته للأبد فيصبح الرياضي الذي كان يركض لأميال قبل مرضه غير قادر على صعود الدرج للطابق الأول دون فقد أنفاسه.
دواء الملاريا:
 CHLOROQUIN, ربما سمعت أو قرأت عزيزي القارئ عن هذا الدواء وأنه صار معتمدا بعدة دول لعلاج كوفيد19, أنا لا أعرفه كدواء للملاريا بل دواء لأمراض المناعة الذاتية كالذئبة الحمراء والتهاب المفاصل الروماتويدي وشوجرن...وللأسف بسبب تحدث بعض الجهلاء والترويج له كدواء لكورونا اختفى فجأة من الصيدليات وحرم مرضى المناعة الذاتية منه, بل وتناوله البعض ظنا منهم أنه يقي من الفيروس فسبب لهم التسمم, ومنهم من قضى نحبه.
لذا أتمنى أن يخفف الجهلاء من دكاترة اليوتيوب المسعورين من سعارهم الزائد والحديث في ما يضر ولا ينفع, كل ما يهمهم هو السبق في الحديث عن الدواء كي يقال: أصاب فلان واو إنه دكتور يوتيوب خارق, لقد تفوق على دونالد ترامب بتويتر!!

عودة للموضوع, فإن هذا الدواء ويتم إعتماد HYDROXYCHLOROQUINE  لأنه أقل سمية من CHLOROQUINE وإلى جانبه مضاد حيوي AZITHROMYCIN وصفهما دونالد ترامب كدواء معجزة لكورونا بعد أن تحول لدكتور في تويتر.
مازال لحد كتابتي هذه الأسطر الجدل دائرا حول جدوى هذين الدواءين إذ تم الاعتماد على الملاحظات وتصريحات بعض الأطباء الذين يعملون على الاعتناء بمرضى كوفيد19 وأقروا بفاعليته في شفاء بعض المرضى, رغم أنه لم يتم إجراء أي دراسات معمقة عليهما لأن الدراسات تتطلب أشهرا عديدة والوقت لا يسمح, كما أن لا أحد يعلم آلية عمل الدواء في شفاء مرضى كوفيد19, هناك تفسيرات ولكنها تبقى غير مؤكدة, هناك أدوية إضافية قيد التجربة بأوروبا, كدواء الإيدز والايبولا. 
ولكن أيا كان الأمر فلا تأخذ دواء الملاريا ذاك أبدا لأنه جد خطير على القلب والكلى ويحتاج إشراف طبيب مختص, هو لا يعمل كوقاية ضد مرض كوفيد19 مطلقا, والجرعات وحده الطبيب المختص من يحددها تحت إشراف مباشر على المريض, لأن الطبيب لن يرغب في علاج مريضه من كوفيد19 عن طريق مده بسكتة قلبية أو فشل كلوي.
بالنسبة للقاح فإنه لن يظهر إلا بعد عام ونصف من الآن, لأن العاملين على تطوير اللقاح يحقنون المتطوعين بجرعات مخففة وينتظرون 42 يوما لمعرفة ما إذ كانت أجساد المتطوعين قد أنتجت مضادات للفيروسات, ثم تكرر العملية وهكذا.

كيف ظهر فيروس كورونا؟
علمنا أن هناك عدة أنواع من الفيروس التاجي ولكن الفيروس الجديد جعلنا لا نبرح منازلنا, ولا نسلم على من لاقانا.
من أين أتى؟ أين كان يختبئ؟ ولماذا لم يظهر من قبل؟

كما نعلم فقد ظهر الفيروس وغيره من الفيروسات التي تطورت بالسنوات الأخيرة بالصين, ورغم أن الأبحاث مازالت على قدم وساق إلا أن كل أصابع الاتهام تتجه نحو الخفافيش, حيث يشكل الخفاش مرتعا لمختلف أنواع الفيروسات الفتاكة بالبشر وبقية الثديات والتي لا تشكل بالنسبة للخفاش أي مشكل يذكر, ففيروس إيبولا خفاشي المنشأ, انفلوانزا الخنازير خفاشية المنشأ وكورونا الشرق الأوسط يرجح أنها خفاشية أيضا, والعديد من الفيروسات الفتاكة التي لا تعد ولا تحصى والتي أغلبها بافريقيا يحتضنها دراكولا بين جناحيه...يمكنك الاطلاع عليها بويكيبيديا.
في واقع الأمر فإن الخفاش كائن بريء مسالم يتغذى على الفواكه بالأشجار بعيدا عن البشر, نحن من اعتدينا عليه وحولناه لحساء.

ينتقل الفيروس الخفاشي عادة إلى البشر عن طريق حيوان وسيط آخر, ولم يستطع العلماء لحد الساعة -على حد علمي- الجزم القاطع بالحيوان الوسيط الذي نقل كورونا 19 بووهان, لكن بعض الدراسات ترجح آكل النمل الحرشفي بسبب وجود فيروس كورونا بجينات مشابهة لجينات كورونا المستجد بنسبة كبيرة جدا بجسمه.
الدراسة تقول أن سلالة كورونا 19 تحمل خصائص إحدى فيروسات كورونا القديمة الموجودة بجسد الخفاش ولكن كورونا الخفاش المكتشفة ليس لديها القدرة على اختراق خلايا الرئة لدى البشر, من جهة أخرى  تم العثور على كورونا  لدى آكل النمل الحرشفي لديها قدرة على اختراق خلايا الرئة لدى البشر, لكنها غير متطابقة مع كورونا الجديدة...وهذا رجح احتمالية أن تكون كورونا الجديدة هجينة أو خيمر, بين كورونا الخفاش وكورونا آكل النمل وبالتالي انتقلت للإنسان عن طريق آكل النمل.
- فيروس خيمر: قد يصاب الحيوان بعدوى فيروسين من نفس الفصيلة لكن من سلالتين مختلفين فيحدث أن تختلط أثناء عملية النسخ جينات كل فيروس ليتكون لدينا فيروس جديد هجين يحمل خصائص كلا الفيروسين.
لماذا الصين تحديدا؟
ليست الصين وحدها مصدرا للأمراض المستجدة إذ أن فيروسات عدة بافريقيا ظهرت قبل عقود أفتك بمئات المرات من فيروسات الكورونا والانفلوانزا, (فيروس إيبولا, فيروس ماربورغ, فيروس لاسا, فيروس نقص المناعة الايدز....) القاسم المشترك بين الصين وبعض البقاع بافريقيا هو التعامل مع الحيوانات البرية وخصوصا الخفافيش...ولكن بسبب التعداد السكاني الضخم بالصين ومئات الرحلات حول العالم من وإلى الصين عوامل ساعدت بنشر فيروسات الصين أكثر من فيروسات افريقيا, لا ننسى أيضا عامل طبيعة فيروسات الكورونا والانفلوانزا التي تنتشر بسرعة البرق كونها تهاجم الجهاز التنفسي.

انتشرت عبر الانترنت حملات تنذّر وسخرية من الصينيين وأن الصيني يأكل أي شيء يتحرك وأن أي شيء ليس بحجر أومعدن فهو قابل للأكل... الواقع غير ذلك تماما! إذ أن المطبخ الصيني كبقية الخلق يضم أطباقا عادية ولا يأكل الغالبية الساحقة من الشعب إلا لحوم المواشي والدواجن.
وراء أسواق الحيوانات البرية بالصين قصة مأساوية, إذ أنه بسبب دكتاتورية الحكومة الصينية واستحواذها على مزارع الشعب, بخمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي, عمت مجاعات متتالية أهلكت عشرات الملايين من البشر مما اضطر بالناس لصيد وبيع ما توفر من كائنات برية لسد الرمق, فبدؤوا بأكل الضفادع والسلاحف والأفاعي, وسرعان ما توسع النشاط التجاري لضم حيوانات برية أخرى, ولما راجت التجارة استحوذت عليها الحكومة أيضا.
في عصرنا الحالي بعد تحسن ظروف الحياة صارت أسواق الحيوانات البرية في متناول الميسورين فقط من الشعب الصيني فالحيوان البري باهض الثمن للغاية.
كما أن بعضا من خرافات الطب الصيني الشعبي جعلت من مريديه يقبلون على إقتناء هذه الحيوانات لما يعتقدونه من خصائص على العلاج والتقوية الجنسية ...أضف لكل هذا عامل عدم اعتناق الصينيين لديانة تحرم تناول لحوم الحيوانات البرية كما هو الحال بالديانات السماوية أو الهندوسية.
لكن بشكل عام الصينيون ضد تلك الأسواق وقد عمدت الحكومة على غلقها أيام انتشار سارس 2003 ولكن سرعان ما عادت وفتحتها لما تجنيه من أموال طائلة من ورائها, ثم عادت مجددا وأغلقتها قبل أشهر ولا نعلم إن كانت ستعود لفتحها بعد أن ينسى العالم الكارثة.

لماذا الآن؟
يمكن تقسيم الأوبئة إلى أوبئة متوطنة وهي الأمراض التي توجد بشكل دائم في مناطق جغرافية محددة ولا توجد بمناطق أخرى كالملاريا مثلا التي لا توجد بأوروبا...أما الأوبئة الفاشية هي تلك الأوبئة المتوطنة التي تنفجر وتبدأ بإصابة عدد أكبر من المتوقع أو تزحف لمناطق جغرافية أخرى كما زحفت حمى الوادي المتصدع بكينيا للجزيرة العربية قبل سنوات...وأخيرا الجائحة وهو الوباء الذي يجتاح العالم.

مر البشر منذ بدأ الخليقة بأوبئة لا تعد ولا تحصى تم القضاء على أغلبها بفضل تطور اللقاحات والمضادات الحيوية.
لعل الطاعون هو أشهر الأوبئة حيث كان يضرب كل حين مناطق شاسعة من الكرة الأرضية مخلفا ملايين الضحايا ولعل أشهر الطواعين بالنسبة للمسلمين طاعون عمواس الذي قضى على أغلب الصحابة ببلاد الشام.
أما بالنسبة لأوروبا فكان الأمر أكثر سوء إذ قضى الطاعون على نصف السكان من 100 إلى 200 مليون نسمة في ما سمي بالموت الأسود, ولأن أشهر الجائحات انتشرت بأوروبا بعصر الظلمات, فإن الرجل الأوروبي عندما دخل أمريكا أول مرة جلب معه الحرب والجدري, حيث هلك 56 مليون نسمة من السكان الأصليين بأمريكا بسبب الجدري الذي انتقل إليهم من الأوروبيين.
أما الانفلوانزا الاسبانية أو H1N1 أو انفلوانزا الخنازير قتلت بين عامية 1918 و1920 من 50 إلى 100 مليون نسمة حول العالم وقد سمتها الجرائد الأمريكية بالاسبانية لأن اسبانيا لم تصب بها, فهكذا هي الجرائد الأمريكية دائما وأبدا, وقد عادت انفلوانزا الخنازير من جديد عام 2009 لكنها لم تقتل كما قتلت بالماضي.
انفلوانزا هونغ كونغ بالسيتينات قتلت نحو مليون نسمة, ولا ننسى الايبولا قبل بضع سنين, واللائحة تطول.

ومن المؤكد أنه ستظهر أوبئة أخرى جديدة بالعقود التالية, وقد تكون أشد فتكا من سابقيها, فالله وحده يعلم كيف سيتطور العلم وكيف ستتطور الفيروسات والبكتيريا وما الكائنات الجديدة التي قد تظهر أو تخرج علينا من العدم.

أتمنى لك عزيزي القارئ الصحة والسلامة لك ولأحبابك وللجميع, ومزيدا من الالتزام بالوقاية.

المصادر:
 Molecular immune pathogenesis and diagnosis of COVID-19
 Mechanisms of Coronavirus Cross-Species Transmission
Here’s what coronavirus does to the body
Middle East Respiratory Syndrome Coronavirus (MERS-CoV) origin and animal reservoir
Genome characterization of 2019-nCoV

كيف تقدم النصيحة بأسوء أسلوب؟

13
أسوء أسلوب
تتميز الثقافة العربية بالتكافل الاجتماعي والسعي لمد يد العون للآخرين دون مقابل, ويعكس غنى المعجم العربي بالمفردات الدالة على التكافل هذه الحقيقة: شهامة, مروءة, نبل, كرم, إيثار, نخوة...إلخ, وبالتأكيد يدخل مفهوم تقديم النصائح في نطاق هذا التكافل الاجتماعي, حتى وإن كانت قيم المجتمع في واقع الأمر قد تفسخ وتشوهت منذ عقود خلت, ولكن على أي... دعنا نستمر بالاعتقاد بذلك بهتانا وزورا!
بسبب تدهور قيم المجتمع, والتراجع الحاصل بالأخلاق تحول أسلوب تناول ومعالجة المواضيع فوضويا, وصارت النصائح عبارة عن فضائح, مما نفرنا من بعضنا البعض.
وأنا هنا سأتناول بشكل فوضوي بعضا مما أراه من وجهة نظري خللا وقد أكون مصيبا أو مخطئا في بعض أو كل ما أراه ...فلربما أنا أرى العمى ولا أدري!

1- العنف اللفظي والتهجم أثناء النصح:
تلجأ فئة عريضة من البشر أثناء صياغتهم للنصيحة لاستخدام العنف اللفظي والتهجم على الفئة المراد نصحها, وهذا يؤدي لمفعول عكسي لأن من طبيعة الإنسان اتخاذ وضعية الدفاع عن النفس إن شعر بالتهديد وانتهاك شخصه وكرامته, فيبدأ البحث عن مبررات لأفعاله ومن تم التهجم بدوره على شخص الناصح أمامه وتسفيه كلامه.
استعلاء عجيب من طرف بعض البشر أثناء تقديمهم للنصائح, أسلوب متعجرف الغرض منه ليس تقديم النصح بقدر ما هو شماتة واستلذاذ وتحقيق نشوة من تحقير الآخرين تحت غطاء ملائكي نصائحي.

مثال:  - وعيد المدخنين بالفقر والمرض والموت أسوء ميتة بنية حثهم على الاقلاع عن التدخين.
        - سب وشتم الطلاب وتشبيههم بمختلف أنواع بهيمة الأنعام, لتحفيزهم على بدل مجهود أكبر في التحصيل العلمي.

2- لوم الواقعين بورطة والباحثين عن حلول:
اللوم شكل لين مراوغ من أشكال التهجم على الآخرين, وله نفس وقع العنف اللفظي على طالب المساعدة أو النصيحة الذي سيبدأ بالبحث عن مبررات لما حصل له قصد الدفاع عن نفسه.
ليس للوم طالب النصيحة أي فائدة مرجوة, إذ التركيز يجب أن ينصب على البحث عن حلول والسعي لعدم تكرار الوقوع بنفس المشكل مستقبلا وليس الشماتة والحديث في الماضي وترداد كلمة "لو".
مثال: - رجل يتعاطى المخدرات بحقن غير معقمة ويضاجع المومسات أصيب بفيروس خطير أهلك كبده وهو بحاجة لزراعة كبد الآن, وبالتأكيد هو يعلم حقيقة مصابه وأسبابه, إلا أنه يأبى اللائمون إلا أن يؤكدوا له اكتشافهم البيولوجي العظيم ونظريتهم الطبية الخطيرة القائلة أنه لو لم يكن يصنع ما يصنع لما أصيب بما أصيب...

اقرأ عن ثقافة لوم الضحية.
3- الأحكام المسبقة وتأليف السيناريوهات:
وهذا أكثر سلوك أصادفه بشكل متكرر ألا وهي الأحكام المسبقة على طالب النصيحة أو الخدمة, حيث يقوم الناصح باختراع سيناريو من العدم, انطلاقا من تجاربه وما يصادفه في حياته الشخصية لينزل كالصاعقة على طالب النصيحة موبخا مهاجما حتى.

مثال: سيدة متزوجة توفي جنين ببطنها ولم يحدث إجهاض تلقائي, فأخذت تسأل عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن طبيب متمكن لإجراء عملية الإجهاض لها, ولكن التعليقات انهالت عليها بالسب واللعن والحث على طلب التوبة, لأنه دائما ما يتم ربط مصطلح الإجهاض بالزنى, فيغيب عن أذهان الناس الحالات الطبية التي تستدعي الإجهاض.

مثال آخر: طلبت من بعض طلاب شعبة الاقتصاد قبل سنوات بمدي بعناوين المقررات, فانبرى طالب يوبخني على تكاسلي وعدم حضوري الحصص وبدأ بحثي بالجد والاجتهاد أكثر, فأخبرته أنني مريض بمرض جد معدي وخطير حال دون حضوري للحصص فما كان من الطالب إلا أن يتبخر من أمامي حتى قبل أن أخبره أنني غير جاد.
أما عن السبب الحقيقي من عدم حضوري فهو أنني لست بطالب اقتصاد أصلا, وطلبي للدروس لمآرب أخرى.

وهكذا يعتمد الناصح على أوهامه ووسطه الضيق, وما يدور بمخه أثناء تقديم النصائح الخزعبلية لغيره, بأسوء أسلوب!!
 
4- الحشرية وعدم مراعاة الخصوصية:
امتدادا للأحكام المسبقة قد لا يحترم الناصح خصوصية الفرد الذي ينصحه, فيتدخل الناصح فيما لا يعنيه تماما ويبدأ بإزعاج وتنفير الناس بنصائح قرأ عنها هنا وهناك لا علاقة لها بظروف الفرد الخاصة, أو طرح أسئلة عديدة مديدة لا تنفع في شيء أثناء تقديم النصيحة, والتي قد لا يرغب الطرف الآخر في الافصاح عنها.

مثال: وضع أحدهم منشورا على فيسبوك يسأل عن إجراءات الطلاق, انهال عليه السائلون الذين لا أحكام مسبقة لديهم بأسئلة مستفسرة عن أسباب الطلاق, وما إذا كان عقما أم عجزا أم خيانة. وقد لمست من أسئلتهم أن لديهم رغبة ملحة في وضع كاميرات في كل أرجاء منزل الرجل لمعرفة أسباب طلاقه.
قد لا يرغب السائل في هتك عرضه ورواية قصة حياته مع زوجته على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي, هذا إن افترضنا أنه فعلا مقبل على الطلاق... لقد كان سؤاله واضحا ولا يفيد معرفة أسباب الطلاق في تقديم المعلومة المطلوبة.

5- المبالغة في تفصيل النصيحة:
المستوى الأكثر تطورا  من الحشرية, يقوم الناصح بهذا المستوى العالي جدا بإملاء خطوات كيف تعيش حياتك قد تصل حد تأليف المؤلفات للعموم لدفعهم لسلوك موحد:
- عشر خطوات للنجاح.
- الوصايا السبع لكسب قلب الرجل.
- الخمسمائة ألف خطوة لكسب ثقة المرأة.

لتبدأ الإملاءات والوصايا المقدسة التي يجب على المرء اتباع حذافيرها لعيش حياة رغيدة كما يهوى ويشتهي الكاتب, فمرة قرأت ل"مستشارة" تنصح النساء بعدم إكثار الطلبات على الزوج لأن الرجل من "طبيعته" لا يحب المرأة التي تكثر الطلبات, لا تكثر من وضع الزينة لأن الرجل من "طبيعته" يحب المرأة البسيطة...
وهكذا صارت المستشارة (هي تدعي أنها مستشارة لا أعلم حقيقة تكوينها) تملي على النساء تفاصيل كيف تعيش حياتها مع زوجها, وكمية الزينة التي يجب وضعها وعدد الكلمات التي يجب أن تنطقها ومقدار الطعام الذي تطبخه يوميا, وأي العطور تستخدم بغرفة نومها وهكذا...في حين أن من غير المستبعد أن نكتشف أن المتشارة هي ذات نفسها مطلقة مرتين.

لكل إنسان رغباته وحاجياته وظروفه, وشخصيته المتفردة التي تختلف عن البقية, فيحاول هؤلاء الناصحون تنميط الشخصية البشرية وإيهام المتلقي أن الجميع في رغباتهم وشخصياتهم وأفكارهم سواسية كأسنان المشط, وأن الرجال متشابهون وعلى قلب رجل واحد, وأن النساء متشابهات فالاختلاف فقط في الأبعاد من طول وعرض وارتفاع, وما عليك إلا إيجاد المفاتيح السرية للطرف الآخر لتعيش حياة أسرية خلابة.

يحترف بعض العرب هذا النوع من الإغراق في تفاصيل لا طائل من ورائها, مشكلة ضغطا نفسيا على المتلقي الذي قد يجاهد ويشاق نفسه لتغيير توافه الأمور في حياته التي لن تغير من واقع معيشه قيد أنملة.

6- النظر لمشاكل الخلق من منظور ذاتي ضيق:
جميعنا ننظر إلى العالم ونفسر ظواهره من وجهات نظرنا الذاتية وتجاربنا وما خضناه, ولكن هذا المنظور لا يجب أن يتعدى إلى تفسير تصرفات وحياة الآخرين, لأن لكل إنسان تجاربه وظروفه الخاصة حتى وإن كانت بالنسبة لنا غير مفهومة.
الأمثلة متعددة ولكن هاك مثالا من واقعي المعاش فعندما كنت في مجموعة محبي الحيوانات التي أصابتني تصرفات أصحابها باضطرابات نفسية خطيرة, والتي أدت معاشرتي لهم لانخفاض خطير بIQ لدي. طلب مراهق صغير السن مساعدة مالية لعلاج حيوانه الأليف, فنصحته امرأة شابة بأن يقوم بتوفير ما مقداره دولار أو اثنين بشكل يومي كي لا يضطر لطلب المساعدة لعلاج الحيوان مستقبلا, فهذه الفتاة الخبيرة الاقتصادية المحنكة لأنها ميسورة الحال ومدللة وبلا مسؤوليات تحسب أن حل الأزمات المالية هو بتوفيردولار أو اثنين يوميا, هي لا تعلم أن هناك من لا يجد مالا لعلاج نفسه هو ذاته فبالأحرى مصاريف علاج قط أو كلب أو صرصور.

الأمثلة عديدة, فالغني لايعلم تفاصيل معاناة الفقير, والمتعلم لا يحيط بظروف الجاهل, وصاحب الجسد السليم لا يعرف ما يقاسيه صاحب الإعاقة الجسدية...وهكذا

7- المثالية الزائدة واللاعقلانية:
بعض الناصحين يبدؤون بتقديم النصائح بشكل طوباوي, فالشخص الذي يشتكي مثلا من سوء معاملة شديدة من طرف زملائه بالدراسة أو العمل, يجد نصائح مثالية من قبيل: قدم لهم الزهور وسيبكون ندما!! ادعهم لتناول الغذاء على حسابك وسينهارون تحت قدميك!!
يعيش هذا النوع الوردي من البشر في عزلة تامة عن العالم الواقعي, وهذا نتيجة الانكباب على قراءة كتب ونصائح الخبراء الذين سبق وذكرتهم بالأعلى.

بعض المستشارين أيضا يقدمون نصائح أفلاطونية كثيرة معتمدين على ما هو مثالي وليس على ما هو واقعي, فتكون كثير من حلولهم فوق طاقة المتلقي, وينتظرون منه أن يقدم على تضحيات ملائكية فوق قدراته كإنسان.
لا يضع كثير من الناصحين بين نصب أعينهم أن طالب النصيحة هو ذاته إنسان بجانب سوداوي ونقاط ضعف وإمكانيات ملائكية محدودة, بل قد يتجاهلون تماما فكرة أنه جزء من المشكل.

أيضا يقدم كثير من الناصحين نصائح لاعقلانية وليدة التفكير الرغبوي واللحظات العاطفية التي تجتاح الناصح, فمثلا كثيرا ما أقرأ لنساء ينصحن أخريات يتعرضن للعنف من طرف أزواجهن أن يمارسن هن أيضا العنف ضد أزواجهن, وهذا أسلوب تفكير عاطفي نتاج مشاعر القهر والغبن التي تشعر بها المرأة الناصحة, فلأنها تتمنى لو أن النساء بقوة جسدية أكبر, فهي تقع في شباك التفكير الرغبوي وتحاول إقناع المرأة المعنفة بأنها قوية ويمكنها طرح زوجها أرضا بركلة لولبية هوائية.
وهكذا هي تقدم للمرأة نصيحة هي طريق سريع نحو الحياة الأخرى, بعد أن يمارس عليها زوجها مختلف الفنون القتالية إن هي فقط فكرت في مواجهة العنف بالعنف.

اقرأ عن التفكير الرغبوي.

8- ضرب الأمثال في غير محلها:
يشتهر العرب بضرب الأمثال.
كان للعرب بالماضي السحيق فصاحة وبلاغة وذهن متقد, وقد كانت الأمثال قديما مثار إعجاب.
قال أبو عبيد القاسم بن سلّام عن الأمثال: "هي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام, وبها كانت تعارض كلامها, فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية غير تصريح, فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: إيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه."
ووصف الزمخشري الأمثال "بالفصاحة والبلاغة والمنطق والإيجاز المعبر والتلويح المصرح والكناية المفصحة."

كان هذا بالماضي طبعا أما اليوم بسبب تشوه القيم وتقهقر الفكر, وتراجع اللغة وضعف وافتقار اللهجات العامية, - فنحن لا نتحدث في حياتنا ونفكر بالعربية الفصحى بكل تأكيد - أدى هذا لظهور أمثال وتشبيهات ساذجة سخيفة, يستخدمها البعض لإيصال أفكاره ونصائحه للطرف الآخر, يحاول من خلالها محاكاة أمثال القدامى الذين عاشوا في زمن آخر وبقيم وأسلوب تفكير ونمط حياة مختلف تماما.
تعبيرات وتشبيهات لا تقنع طفلا فبالأحرى رجلا بالغا متعلما على أعلى مستوى, بمواضع يجب أن يكون فيها الحوار أرفع ومراع لمستجدات العصر, وأعمق من مجرد أمثال بالية.
وإن كانت هناك مسألة تحتاج تفصيلا طويلا ومعمقا, فلا داعي لنثر النصائح عبارة عن مثل من سطر أو سطرين, بل من الأفضل الإحالة لمقالات وكتب حول الموضوع لأن لا أحد يغير قرارا مصيريا في حياته من خلال سطر موزون سطرته له, أو بيتا شعريا بلا وزن ولا قافية ولا طعم.

مثال: امرأة تسأل لماذا تتحجب النساء بالإسلام؟ فبدل مناقشتها بالفكر تبدأ تنهال عليها الشعارات والأمثال الساذجة: المرأة بلا حجاب كمدينة بلا أسوار, المرأة غير المحجبة كالحلوى بلا سولوفان.

خلاصة ملامح شخصية الفرد بالدول النامية:
إن أنت أمعنت النظر في كل ما سبق فإن ملامح شخصية الفرد الذي ينتمي للمجتمعات النامية ستتشكل لك بشكل جلي: حث الآخرين على المثالية الزائدة, الغضب الجامح غير المبرر من أخطاء الغير بدل مساعدتهم, وتقديم النصائح باستخدام العنف اللفظي والتهجم على المخالفين, السطحية في التعامل والسذاجة في مناقشة الأفكار, الحشرية وعدم مراعاة الخصوصية, والتدخل السافر في حياة الغير وتقديم إملاءات بدل شرح الفكرة العامة, تنميط البشر وتقسيمهم لمجموعات بافتراض أنها تتصرف على نحو موحد.

لماذا يرفض الشباب العربي تحمل المسؤولية؟

6
الشاب العربي هذه الأيام يتميز وسط أقرانه سكان هذه البسيطة بكونه يولد طفلا ويموت طفلا, حيث يتولى الأبوان تفاصيل حياة ابنهما حتى وإن بدأ الشيب يغزو شعر ساقيه وما بينهما.
كان الأطفال بغابر الزمان يعتمدون على أنفسهم ويساعدون آباءهم بأعمالهم الشاقة بالزراعة والتجارة ويستقلون ماديا ويكونون أسرا بفترة مراهقتهم, بعضهم خاض حروبا وقاد جيوشا بعمر السابعة عشر كمحمد بن القاسم الثقفي, ولكن بفضل تحسن نمط الحياة ولله الحمد, صار المراهق بعمر الثلاثين عاما يسهر ليلا على الأفلام والألعاب وينام صبحا, بينما يتولى والده جلب علفه وأمه تحضيره له, ينتابني شعور أنه ستظهر عما قريب منظمات حقوقية تدعو لمنع تزويج الأطفال دون سن 30 سنة.

حسن بعيدا عن التساخف لندخل صلب الموضوع!
أتحدث عن فئة بعينها ولا أعمم, فلا تشعر عزيزي القارئ أنك مقصود بكلامي لا سامح الله, أنت لست منهم حتى وإن كنت لا أعرفك.
كثيرا ما يتم خلق مقارنات بين شباب القرى والأيام الخوالي الذين حملوا مسؤوليات عديدة على عاتقهم بسبب ضنك وقساوة العيش وبين بعض شباب المدن المدللين الذين يقضون يومهم بالنوم وأنا واحد منهم حاليا بعد أن تركت العمل من أجل الدراسة التي تركتها أيضا.

تعقد وتداخل أسباب هذا الوضع البائس:
تتداخل عدة مسببات في تفاقم الأوضاع وتغير وتبدل السلوكات بين الماضي والحاضر, منها نفسية وبيئية... كل سلوك ممارس وكل وضع محيط ينشأ عليه الطفل يؤثر بنسب متفاوتة على شخصيته لما يكبر, ويمكن تقسيم المسببات لعدة مستويات خارجية كبرى وصغرى, وداخلية تعود للشخص ذات نفسه: كالأوضاع السياسية والاقتصادية. والمسببات الصغرى المرتبطة بالوسط العائلي والاجتماعي والثقافي.
لنركز أكثر على أسباب عدم تحمل المسؤولية المتعلقة بالوسط المعيشي العربي وبالتنشئة ولنتحدث بارتجالية بعيدا عن المسائل العلمية البيولوجية السيكولوجية...لوجية لوجية, لأنني كرهت أي شيء يذكرني بالدراسة التي تركتها.

1- حنان الأمهات وكدح الآباء الزائد عن اللزوم:
لا يراعي عدد كبير من الآباء في تربية أبنائهم مسألة تدرج مراحل نمو الطفل, فيتحملون ويتولون كل أمور حياته من الصغر للكبر ليتحول لكائن عديم للمسؤولية وبشخصية اتكالية.
تشتهر الأم العربية بما يطلق عليه "الحنان" فهي لا تترك أطفالها يحملون صحنا أو كوبا من فوق الطاولة, لا يرتدون ملابسهم بمفردهم إلا بسن متأخر, لا يتقنون طبخ الطعام لسد رمقهم في حال غيابها عنهم, إذا جاع المراهق أكل من الشارع أو مات شهيدا! لا يرتبون أغراضهم بأنفسهم, وتراقبهم صبح مساء ولا تعطيهم إلا هامشا جد ضيق من الحريات والمسؤوليات...والقائمة تطول من السلوكات المدمرة لشخصية الطفل بحسن نية, بعض الأمهات يبلغن مبلغ التعلق المرضي فيرضعن أطفالهن من أثدائهن لغاية سن التمدرس, كل هذا تحت مسمى "حنان", وسأتحدث في موضوع مستقل عن أسباب هذا التعلق المرضي إن شاء الله, وعن من تكون حنان.
في حين يشتهر الأب العربي بأنه كادح من أجل أبنائه حتى وإن تجاوزوا سن اليأس, فهو يكد صبح مساء من أجل توفير ليس فقط لقمة العيش بل آخر صرعات الهواتف لابنه المدلل, وآخر صرعات الموضة لابنته الأميرة المنافسة للدوقة كات ميدلتون, يوصلهم للمدارس, الناطق الرسمي باسمهم, المقرر بدلا عنهم مصائر حياتهم الدراسية والمهنية والعاطفية, يبحث عن وسائط ومعارف ويُذل نفسه أمام المسؤولين من أجل مستقبلهم.

المنتوج المحصل عليه في آخر المطاف شاب مدلل أمه, وشابة أميرة أبيها...أنت إن أنشأت طفلا يعتمد عليك بشكل كامل سيبقى يعتمد عليك في أتفه أموره حتى بعد الكبر, دائما سيعود إليك عند وقوعه في المشاكل ينتظر منك إيجاد الحل له.
هذا ما يحدث لبقية الكائنات أيضا, إن عمدت على تربية قط منذ الصغر بالبيت فإنه سيعتمد عليك اعتمادا كليا في جلب غذائه ولن يخرج للصيد, كما هو حال القط عندي بالبيت, فما بالك بالقطط البشرية.

اقرأ عن تعلم اليأس.

2- الوسط البيئي الفوضوي والمزري:
لا يمكن أن نلقي بكل اللائمة في عدم تحمل الشاب للمسؤولية على كاهل الآباء والأمهات فقط, فالحياة صعبة بأغلب الدول العربية مما يضطر الأب أن يتولى مصير أبنائه مجبرا لا بطلا بسبب الفساد المستشري وتعقيد الإدارات والمحاباة للأقارب والأصدقاء في قضاء المآرب والأغراض بأغلب الدول النامية عموما إلا من رحم ربي.
يضطر الشاب لجر أبيه الشيخ للجامعة لأنهم رفضوا ملفه, وقد تم قبوله بعد أن تحدث والده مع صديقه الذي أجرى مكالمة لقريبه الذي بعث بالملف لأحد معارفه.

تدخل الفتاة الشابة للمستشفى العام الحكومي لا أحد يلتفت لها, لا تعرف أين تذهب وأين تجيء, صعود نزول مع الدرج وكل مكتب يبعثها لمكتب آخر, ثم بعد ثمان ساعات يقدمون لها موعدا بعد خمسة أشهر لإجراء الفحوصات, تتصل بوالدها تبكي ليجيء ويبدأ بالصراخ هنا وهناك, فيقربون الموعد أسبوعين كي يتوقف عن الصراخ. 
القصص عديدة ولابد وأنك تعرفها عزيزي القارئ إن كنت تعيش في وسط مشابه.
وبسبب تدهور أوضاع الإدارات يصير إقحام الآباء من طرف الأبناء في أتفه الأمور ثقافة سائدة لا يرى المجتمع بها أي سوء, إلا بعد أن تحدث مقارنة مع مواطنين بدول لا تعرف مثل هذه السلوكات, حيث يمكن للشاب ابتداء من سن الثامنة عشر سنة الاستقلال بنفسه عن والديه بشكل كلي, وفي اسكتلندا يستقل الشاب قانونيا عن والديه بسن 16 سنة ويمكنه أن يتزوج بهذا السن دون الحاجة لموافقة والديه, ويتم تحميل الطفل المسؤولية الكاملة للجرائم المرتكبة ابتداء من سن 12 سنة.
أما بالدول العربية, فهذا هو الحوار الذي يدور:
3- صعوبة الاستقلال المادي:
لنعد لمقارنة شباب الماضي بشباب الحاضر المدللين, اختلفت الأزمنة واختلفت الوسائل فللدولة قوانين تنظمها وتسيرها, هناك خيارات ضيقة للحصول على المال, لا يمكن للشاب الخروج لزرع الأراضي لأنها أراض الدولة, لا يمكنه الاحتطاب وبيع الحطب لأن شرطة حماية الغابات ستعتقله, لا يمكنه وضع عربة لبيع شيء ما لأنه بحاجة لرخصة, لا يمكنه صنع شيء بيده وبيعه لأنه يستحيل منافسة الشركات والماركات الكبرى التي تبيع أفضل مما قد يصنع وبأبخس الأثمان...إلخ إلخ إلخ
الحياة تطورت لم تعد تخض الحروب بالأحصنة والسيوف المستلة لنقارن مراهقي اليوم بمراهقي الأمس.
الخيارات هي الدراسة لسنوات عديدة مديدة والحصول على شهادات ثم التقدم للوظائف الحكومية أو الشركات للعمل بشكل نظامي, أو العمل على مشروع خاص, وشق طريق طويل وعر.
غير ذلك لا عمل, لا مال! نهج طريق الأجداد والسلف يؤدي للاقتراض والسلف.

والمشكل يكمن في أن عدد الوظائف قليل ولا يسد حاجات كل الشباب العربي, فالاقتصاد يسير بوتيرة بطيئة ويتراجع للوراء في بعض الدول, أما الفرص الخلابة فمقتنصة من الشباب المدلل أبناء الآباء الأكثر قوة بالمجتمع, لذا يبقى دائما عدد كبير جدا لا يستقل ماديا إلا بعد سن متقدم, وهناك من يبقى بلا استقلال مادي من المهد إلى اللحد, خصوصا إن كان ممن أريد لهم أن يكونوا بلا شواهد مؤهلة للعمل, أو شواهد عقيمة.

4- ثقافة المجتمع:
ببعض الدول الغربية يتم تعليم الطفل الاستقلال المادي بسن مبكر, حيث يسمح للأطفال بوضع طاولات أو عربات لبيع عصائر أو حلوى يحضرونها بأنفسهم أيام العطل, ويقبل المارة على الشراء من هؤلاء الأطفال تشجيعا لهم, هي ثقافة سائدة يحصل الطفل من خلالها على مصروفه اليومي بنفسه ويتعلم مبادئ الادخار والاقتصاد, بالإضافة لتنمية مهارات اجتماعيىة عدة.
لا يمكن أن يمارس أطفال الطبقات المتوسطة والغنية بالدول العربية هذا لأن البيئة لا تساعد مطلقا, هناك مخاطر عديدة على الطفل بالشوارع, كما ويرتبط بالمجتمعات العربية وبقية المجتمعات النامية ممارسة الأطفال للتجارة بالشوارع بالفقر المدقع وعدم قدرة الأهل على توفير لقمة العيش.
هل هناك مجال للمقارنة والتطبيق إذن؟

4- المسؤولية بين الرجل والمرأة:
لعبت الأدوار التقليدية في الماضي بالنسبة للرجل والمرأة في بلورة توزيع المسؤوليات بين الجنسين, فالمرأة تتولى أمور المنزل في حين يتولى الرجل أمور الأعمال الخارجية الشاقة.
بقدر بساطة الحياة وعدم تعقيدها  بقدر صعوبتها وارتكازها على القوة الجسدية بشكل أكبر.
كانت الطفلة تساعد أمها بالأعمال المنزلية وجلب الماء والحطب وحلب الماشية, في حين كان الطفل يساعد أباه في الحرث والرعي والبناء والصيد ونحوه...
لكن الوضع اليوم تغير فصارت الحياة بقدر سهولتها ويسرها, معقدة ومتطلبة لإتقان عدة مهارات ومكتسبات وسنوات مديدة من التعلم, فانعكس هذا بآثار إيجابية وسلبية على المجتمع:

لا داعي للتذكير أنني لا أعمم!

- بالنسبة للذكور:
ما حدث أن الطفلة الأنثى بقيت محافظة على دورها التقليدي تساعد أمها في الأعمال المنزلية السهلة (مقارنة بالماضي) في حين لم يعد للطفل الذكر أي دور سوى اللعب لأنه لا يمكنه مساعدة والده في وظيفته المكتبية.
بل قد تعمد الأم على تغذية روح اللامسؤولية لدى طفلها الذكر أكثر بحث أخته على خدمة أخيها, فينشأ الطفل اتكاليا مقارنة بأخته.
وهكذا صرنا نرى ظواهر لم يكن لها وجود بالماضي صارت متقبلة اليوم بصدر رحب, فكثيرة هي الأسر التي تعيلها فتيات رغم وجود الفتيان بها, بل أحيانا تشتغل الفتاة ويأخذ أخوها مرتبها ليبذره على أصدقائه وصديقاته, لأنه لم يتم تحميله بصغره أي مسؤوليات ونشأ على أنه مخدوم من طرف أمه وأبيه وأخته.
قد لا يتحمل حتى مسؤولية أبنائه ويلقيها كلها بعاتق زوجته, أو احدى قريباته إن هو فقد زوجته.
إن توفيت الزوجة فإن الرجل سيسارع بالزواج مرة أخرى من امرأة تهتم بأبنائه, وإن بدأت بالإساءة لهم فإن المجتمع سيحمّل المسؤولية لزوجة الأب وليس للأب, لأنه بالعقل الجمعي العربي الرجل عاجز عن الاعتناء بأبنائه بمفرده, فهو يعمل خارج البيت.
في حين لو تزوجت الأرملة من رجل وبدأ يعنف أبناءها فإنهم سيلقون باللائمة عليها, لأنه بالأذهان دائما المرأة قادرة على الاهتمام بأبنائها بمفردها دون الحاجة للزواج مجددا, ويمكنها العمل داخل وخارج البيت متى شاءت.
ولا تفهم عزيزي القارئ أنني ضد زواج الأرامل والمطلقين بل العكس تماما, وإنما هو مجرد مثال لتفسير ازدواجية المعايير.

- بالنسبة للإناث:
صارت الحياة أسهل وصارت النساء يقضين أغلب أوقاتهن بالمنازل بدل السير مسافات طويلة لجلب الماء والاحتطاب وحلب الماشية وبقية الأعمال الشاقة التي تتطلب مهارات جسدية وفطنة من نوع خاص.
انعكس نمط الحياة هذا على قدرة الفتيات على تحمل المسؤولية وأصبحت المرأة بشخصية اتكالية شبه تامة على الرجل في الأمور المتعلقة بالمجتمع خارج أسوار بيتها أو حتى تلك الأمور التي تتطلب قوة جسدية أو فطنة داخل البيت.
إن وقعت أرضا بالشارع فأنا لن أطلب المساعدة من أي امرأة مارة لأن احتمال أن تساعدني ضعيف جدا أو معدوم, ستبقى تحذق في أحتضر وهي تتأسف وتنظر حولها للبحث عن رجل يساعدني ويساعدها أيضا لأنه قد يغمى عليها من منظري المفزع وأنا أحتضر.

شخصيا عانيت الأمرين في العمل المتروك مع زميلتي, لأن طبيعة العمل تتطلب التعامل مع الآلات (مختبر بيولوجي) ولكل مختبر آلاته الخاصة التي قد تراها لأول مرة في حياتك يستوردها من الخارج, فلما كانت احدى الآلات تصاب بعطل بسيط تافه كانت زميلتي تناديني لأصلح لها العطل رغم أن تكويني وتكوينها واحد, ولما أطلب منها فتح النافذة أمامها تسحب بلطافة بالغة ثم تناديني لفتحها لها لأن النافذة استعصت, رغم أن النوافذ غير مصممة ليفتحها حصرا الرجال الأشداء, لو حاولت مرة أخرى لتمكنت بسهولة من فتحها, أما إن طلبت منها تركيب مصباح بدل المعطل فإنها تنظر إلي وكأنني طلبت منها تركيب قنبلة نووية.
هذا لأنه بأذهان عدد كبير من النسوة أن أي عمل به آلات وأشياء الكترونية أو به تلطيخ للأيدي فهو من اختصاص الرجال حتى وإن كانت قادرة على إنجازه بكل سهولة كتركيب مصباح جديد, هي لا تحاول منذ البداية.
الشيء الإيجابي الوحيد الذي أتذكره بشأن زميلتي هو أنها كانت جميلة وتحضر لي الشاي بشكل يومي.

خلاصة وحلول:
باختصار, فإن الإنسان يزرع ما يحصد...عفوا! أقصد يحصد ما يزرع, أعطني وضعا اقتصاديا واجتماعيا مستقرا, أعطيك مخلوقا مستقلا ومستقرا عاطفيا وماديا ومسؤولا ومقبولا وسط بقية الخلائق.
أما بخصوص الحلول فلو كنت أملكها لما وجدتني جالسا بلا عمل أخرف وأهلوس هنا.

تأثر أسئلة اختبارات الشخصية MBTI بالخلفية الاجتماعية

9
تستخدم اختبارات الشخصية حول العالم في الشركات لتقييم مدى قابلية الشخص على العمل بوظيفة ما, وهذا يعد تقييما كوميديا من كل المناحي فابتداء من كون الشخص سيبدأ بالإجابة الاجابات المثالية التي تناسب المنصب الوظيفي لسان حاله (أنا رائع بالفطرة), قد يوزع مسؤولوا الشركة الوظائف معتمدين على نظريات تتحدث عن نفسيات البشر بالعموم والتي لا تلامس بالضرورة نفسيات الموظفيين على أرض الواقع لسان حالهم (شهاداتك وتجاربك خلابة ولكنك حسب الدراسات تصلح بوابا للشركة).
وهذا جعل أغلب اختبارات الشخصية نقمة على من يجتازها لأنه يتم قولبته في إطار مطبوخ وجاهز مسبقا, فهي لا تراعي خصوصية وتفرد شخصية ونفسية كل إنسان على حدة فيتم الحكم المسبق على تصرفاته وأفكاره وإرجاعها لهذا التقسيم أو ذاك, تماما كما يتم إرجاع سلوك الشخص المشين لجنسه أو جنسيته أو عرقه.

وأنا هنا أتحدث عن اختبارات الشخصية بشكل عام, وقد وضعت كالعادة MBTI بالعنوان كعامل جذب لا غير, مثلما يتم استغلال أسماء بعض الفنانات الفلتانات لجلب المشاهدات.

1- الهدف من أسئلة اختبارات الشخصية:
تعرف الشخصية على أنها تنظيم لمجموع العمليات النفسية والعاطفية والتي نترجمها على شكل سلوكات, وتبدأ شخصية الإنسان بالتطور من الطفولة والمراهقة لتنضج وتصير أكثر استقرارا بسن الرشد فلا تتغير بعدها عبر مختلف المواقف الحياتية, حيث يكون التغير بالشخصية بعد سن الرشد طفيفا للغاية, فيخلط بين تغير السلوكات نتيجة تغير القناعات مع "الشخصية" التي عادة لا تتغير, إلا إن حصل مشكل بالدماغ.
شخص غير منظم, مستهتر, لامبال وغير مخطط بشبابه سيبقى كذلك طوال حياته لأنه عامل مرتبط بمخه وليس بقناعاته.
والآن إن قمت بصنع اختبار وأردت فيه أن أقيس مدى انتظام الشخص وعدم استهتاره وتماطله فإنني لن أطرح عليه سؤالا من قبيل: "- هل أنت مواكب على الصلاة بالمسجد؟" لأنه سؤال متصل بخلفيتي الاجتماعية التي لن تخبرني أبدا ما إذا كان الشخص فعلا منظما في حياته أم مستهترا لأنه قد يكون مسلما منظما في أمور حياته لكنه تارك تماما للصلاة أو يصلي بعمله ومنزله, أو امرأة تصلي ببيتها, أوقد لا يكون مسلما منذ البداية.

إذن هدف صانع أسئلة الاختبارات هو طرح الأسئلة التي ترتبط ببيولوجيا الكائن البشري والتي لا ترتبط مطلقا ببقية العوامل المشوشة للنتائج, لذا تنسج نظريات الشخصية باستقصاءات ومراقبات لسلوك الأفراد بثقافات مختلفة وذلك لاستخلاص السمات بالشخصية البشرية التي لا علاقة لها بالديانات والتقاليد والخلفيات الاجتماعية.

لكن طرح الأسئلة بشكل مباشر لا يجدي نفعا لأن تقييم الفرد لنفسه لا يكون صحيحا في الغالب, فمن أجل معرفة ما إذا كان الشخص انطوائيا أم اجتماعيا طرح سؤال مباشر من قبيل: "- هل أنت انطوائي أم اجتماعي؟" لن يعطينا الإجابة الصحيحة دائما.
إذن بدل طرح أسئلة مباشرة حول السمات التي يرغب المنظر في استخلاصها, يتم وضع من يجتاز الاختبار في مواقف وحالات متخيلة ليُعرفنا كيف يفكر وكيف يتصرف بمختلف المواقف.
- تفضل الجلوس وحدك بدل مخالطة الناس؟
- تفضل تناول الطعام بمفردك أم مع بقية أفراد العائلة؟

من خلال طرح أسئلة مشابهة حول الانطوائية والاجتماعية سنقرب المختبر أكثر حول ما نود معرفته وسيبدأ بالإجابة عن سلوكه وأسلوب تفكيره بالحياة.
المشكلة هنا تكمن في أن الأسئلة قد تمس الخلفيات الاجتماعية للفرد المختبر فيجيب إجابة نابعة عن تأثير وسطه وليس عن شخصيته الحقيقية.
2- مدى ملاءمة أسئلة الاختبارات خلفية المتلقي الاجتماعية:
أغلب الاختبارات يطورها علماء رجال غربيون بمنتصف العمر, أي أن الأسئلة هي من وجهة نظر هذه الفئة ونمط عيشها وخلفيتها الاجتماعية والثقافية, وحتى وهم يدرسون المجتمع وشخصية الفرد فهم يدرسون سلوك الفرد الغربي ويقيمونه حسب وجهة نظرهم, ثم ينسجون أسئلة لمواقف متخيلة حسب وسطهم الاجتماعي.
لنأخذ مثال "- هل تحب الحفلات؟", هو مصمم بالنسبة للحفلات بالغرب التي يتم فيها تناول المخدرات والكحوليات حد الثمالة والتي كثيرا ما تنتهي بحوادث سير قاتلة أو اغتصابات...
المهم!
في مجتمعنا العربي ولآخذ مثالا مدينتي التي أعيش فيها فلو كان المقصود بالحفلات المناسبات العائلية فلا فرق بينها صراحة وبين الجنائز. و أما إن كان المقصود الحفلات الغنائية العامة, فبمدينتي يعتلي منصة الغناء حمير تنهق على هيئة بشر, وبالتالي سيجيب عدد كبير من الاجتماعيين بمدينتي أنهم لا يطيقون الحفلات, لأن هذا هو مفهوم الحفلات لدينا... 

بأحد الأسئلة التي تقيس مدى توهان الشخص بالأفكار, السؤال التالي: "- كثيرا ما تنسى مفاتيح سيارتك."
بالنسبة لعدد كبير ممن لا يملكون سيارات وبالنسبة لمن تقل أعمارهم عن السن القانوني للسياقة سيكون جوابهم لا أنسى مفاتيح سيارتي لأنه ليس لدي سيارة أصلا كي أنسى مفاتيحها.

تركز الأسئلة أيضا على سلوك المُختبِر بالوسط المهني في حين أن نسبة ضخمة من مجتازي الاختبار طلاب أو طالبات, عاطلون عن العمل أو عاطلات, ربات بيوت... أو حتى أرباب!
كما أن بيئة العمل بالعالم الغربي ليست هي نفسها بيئة العمل بالعوالم الأخرى, كالعالم السفلي الذي أعيش فيه مثلا.
ففي سؤال: "- من السهل عليك كمسؤول بشركة التخلص من موظف مخلص لا يقوم بالعمل على أحسن وجه."
سيكون جوابي: لا أبدا ليس سهلا علي بالمرة لأن الموظف سيكون فردا من أفراد أسرتي على الأرجح وإن طردته ستحدث خصومة عائلية, لأنه بثقافتنا العربية يكون صاحب الشركة مجبرا على توظيف أبناء عمومته وبنات خالاته وجيرانه وأبناء أصدقاء والده وبنات صديقات والدته...وإلا سيتبرأ القوم منه.

كما يصعب على المواطن العربي المسؤول طرد موظف لأن هذا يعني أنه سيشرده وأسرته وسيوصم المسؤول من طرف المجتمع بأنه قاطع للأرزاق مشرد للأطفال والنساء, في حين يمكن للمسؤول الأوربي طرد الموظف بشكل أسهل لأن الرجل المطرود لن تتشرد أسرته بل سيجد عملا آخر بسهولة أكبر وإن لم يجد فلديه تعويض مالي عن العطالة من الدولة.
بالإضافة لكون الثقافة الغربية تعطي قيمة أكبر للعمل والمادة مقارنة بالثقافة العربية التي تعطي قيمة أكبر للعلاقات الاجتماعية.
وبالتالي إن طرح سؤال كهذا قد يدفع عددا أكبر من المواطنين العرب للإجابة بأن مسألة الطرد صعبة مقارنة مع المواطن الأوربي, لأن نمط العيش والظروف الاقتصادية والثقافية لكل بيئة تختلف ولها تأثير على الإجابات.

الأمثلة متعددة التي ستتباين فيها الإجابات من مجتمع إلى آخر والتي قد لا تقيس بشكل صحيح شخصية الفرد الذي لا ينتمي لثقافة ومجتمع من صاغ الأسئلة وبالتالي لن نحصل على نتيجة واقعية.
فرغم أن الأسئلة هي فقط محاولة لوضع الشخص في موقف متخيل ليقيم نفسه بنفسه, إلا أن من يجتاز الاختبار قد لا يدرك الهدف من وراء السؤال, فالشخص الاجتماعي الذي لا يطيق الحفلات بوسطه قد يحب الحفلات بوسط اجتماعي آخر, ولأنه لا يدرك أن المراد من السؤال هو معرفة ما إذا كان يحب المرح بشكل عام رفقة بقية الخلق فسيعطي الإجابة الخاطئة.
كما أن الشخص الذي لا سيارة لديه وتطرح عليه سؤالا من قبيل "هل تنسى مفاتيح سيارتك بشكل مستمر؟" هو لا يدرك أن المراد من السؤال معرفة ما إذا كان فاقدا للتركيز أو غير منظم, لذا قد يتجاوز الإجابة عن السؤال أو يجيب أنه لا ينسى مفاتيح سيارته لأنه ليس لديه سيارة حتى وإن كان كثير النسيان فعلا.

3- تأثير الخلفية الاجتماعية على سلوكات وأسلوب تفكير المتلقي ومن تم تأثر أجوبة أسئلة الاختبارات:
تتباين الخلفية الثقافية والمبادئ والقيم والقواعد المجتمعية المتبعة من فرد لآخر حتى وإن انتموا لنفس المجتمع.
وتتداخل عدة عوامل في التأثير على إجابات الشخص وبالتالي حصول نتائج لا تعكس شخصية الفرد الحقيقية.

1- عامل السن:
تتغير نظرة الإنسان للحياة وسلوكه كلما تقدم بالسن, لا يؤثر التقدم بالسن بالعادة على شخصية الإنسان ومشاعره وأسلوب تفكيره إلا في حالات خاصة وبشكل جزئي, ولكن يحدث أن يحصل الإنسان على نتائج مختلفة تماما باختبارات الشخصية لأن أسئلتها لم تقم بمراعاة عامل السن في صياغة الأسئلة.
في سؤال: "- تفضل ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام على حضور المناسبات الاجتماعية" الغرض من هذا السؤال معرفة مدى انطوائية واجتماعية الشخص.
المرأة أو الرجل الانطوائيان اللذان تجاوزا الخمسين من العمر لن يجيبا بأنهما يفضلان لعبة فيديو على المناسبات الاجتماعية, بالمقابل فإن نسبة كبيرة من الشباب والمراهقين الاجتماعيين سيجيبون بأنهم يفضلون ألعاب الفيديو على المناسبات الاجتماعية.
وهكذا سيحصل الرجل الانطوائي بمنتصف العمر على نقاط بالاجتماعية, في حين سيحصل الشاب الاجتماعي على نقاط بالانطوائية.
يجب أن تراعي الأسئلة خصوصية كل مرحلة عمرية ولا تطرح أسئلة تتباين فيها الأجوبة حسب سن الفرد المُختبِر.
يقضي الشباب والمراهقون عموما ساعات طوالا أمام شاشات الحواسيب والهواتف والتلفاز أكثر من كبار السن, يجب إذن إذا أردنا صياغة سؤال أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار.
وقس على ذلك بقية المعطيات.

2- عامل الجنس:
سلوك الرجل يختلف عن سلوك المرأة واهتمامات الرجل تختلف عن اهتمامات المرأة.
لا تراعي كثير من الأسئلة الاهتمامات والقواعد المجتمعية المتبعة من طرف كل جنس.
كنت أجرب أحد الاختبارات على الانترنت ذات مرة فكان من بين الأسئلة "- أنت تعشق التسوق رفقة الأصدقاء" وقد خمنت في أن صاحبة الاختبار لربما هي امرأة لأن هذا السؤال يرتبط بالعامل الأنثوي بشكل أكبر, تتسوق النساء عادة رفقة بعضهن البعض انطوائيات كن أو اجتماعيات عكس الرجال, وبالتالي طرح سؤال كهذا لمعرفة مدى اجتماعية الفرد غير مجدي, حسب زعمي والله أعلم.
بمدينتي تفوقت أعداد المقاهي فيها على أعداد البشر, لدينا ثقافة الجلوس بالمقاهي وأغلب مرتاديها هم من الرجال, ونجلس بالمقاهي فرادى وجماعات سواء كان الرجل انطوائيا أو اجتماعيا, (أجلس بالمقهى لمراقبة عباد الله غادين ورائحين رفقة أصدقائي أو بمفردي, أحب مراقبة الناس غفر الله لي ولهم). طرح سؤال "- هل تحب الجلوس بالمقهى وحيدا؟" لن يعطيك النتيجة الصحيحة بمدينتي, فالرجال يجلسون بمفردهم حتى وإن كانوا اجتماعيين في حين أن النساء لا يجسلن بمفردهن مطلقا بالمقهى هن يجلسن رفقة أصدقائهن أو أسرهن حتى وإن كن انطوائيات لأن هذه هي الثقافة لدينا.

تقترح بعض الدراسات أن الرجال أكثر انطوائية مقارنة بالنساء, أظن أن من بين العوامل التي أدت لهذا الاستنتاج تركيز أسئلة الاختبارات المبالغ فيه على المناسبات الاجتماعية والعائلية والتي بالعادة ترتبط بالنساء أكثر من ارتباطها بالرجال, فيجيب عدد كبير من الرجال أنهم لا يقومون بتلك السلوكات الاجتماعية ليتم تصنيفهم ضمن الانطوائية, كما تجيب أعداد كبيرة من النساء الانطوائيات بأنهن يقمن ببعض السلوكات برفقة صديقاتهن أو قريباتهن, لأن هذا هو سلوكهن كنسوة بالمجتمع أو ربما بسبب عدم شعورهن بالأمان بمفردهن فيتم تصنيفهن كاجتماعيات.

 3- المعتقدات الشخصية:
 تؤثر المعتقدات الشخصية أيضا عل أجوبة الفرد, فمثلا باختبار الذكاءات المتعددة هناك أسئلة لقياس الذكاء الموسيقي, والذكاء الموسيقي هو ذكاء يرتبط باهتمام الشخص بما يسمع من أصوات وتمييزها كصوت العصافير, والقدرة على تذوق الايقاعات والألحان وشعوره العميق بها... ولكن أسئلة الاختبار تركز على الجانب الموسيقي أكثر, وتطرح سؤالا من قبيل "- هل تمتلك آلة موسيقية تعزف عليها؟", وبالتالي فإن عددا كبيرا من المختبرين بالعالم العربي سيحصلون على ذكاء سمعي منخفض لأنهم يؤمنون بحرمانية الموسيقي أو لا يعزفون على الآلات لأن ثقافة العزف منحصرة على فئة بعينها عكس العالم الغربي... كانوا سيحصلون على ذكاء سمعي مرتفع مثلا لو ركزت الأسئلة على مقرئي القرآن الكريم أو على الإنشاد...أي أن لمعتقدات الشخص علاقة في الحصول على نتائج خاطئة لا تعبر حقيقة عن شخصيته وقدراته الحقيقية.
لا يحب بعض الاجتماعيين حضور الحفلات لأن بها مخالفات شرعية, وليس لأنهم انطوائيين, رغم أنني اجتماعي وأحب حفلات الأصدقاء إلا أنني لا أحضر حفلات الحشاشين التي تقام بالمدينة لعدة اعتبارات سياسية ودينية وإنسانية...وأي كلمة تنتهي ب نية.
وإن كنت أجيب في أسئلة الاختبارات أنني أحب الحفلات فهذا لمعرفتي المسبقة بمراد السؤال بينما بعض من أصدقائي الاجتماعيين الذين يقاسمونني نفس الأفكار السياسية والدينية والإنسانية يجيبون أنهم لا يحبون الحفلات لأن الهدف من السؤال غائب عنهم.

بسؤال "- عادة ما تكون أول المبادرين بالمناسبات الاجتماعية" يسارع بعض الانطوائيون بالمباركة أو التعزية بالمناسبات الاجتماعية بنية كسب الأجر, وليس لأنهم اجتماعيين.

وهكذا هي العديد من الأمثلة سواء التي ترتبط بالمعتقدات الدينية أو بالمبادئ والقيم الشخصية...

4- التقييم الزائف للذات:
مشكلة هذا النوع من الاختبارات الشخصية أنها تعتمد على تقييم الفرد لنفسه, وكثيرا ما يقيم الإنسان سلوكه بشكل خاطئ, فيرى أنه أكثر صرامة في حين أنه جد متساهل أو يرى نفسه جد مرتب في حين أنه مستهتر تماما...

بسؤال: "- أنت تشعر بحاجة لتبرير أفعالك للآخرين" الغرض منه معرفة مدى حزم وعصابية الشخص, قد لا تجيب النساء على هذا السؤال الاجابة الصحيح, فقد جربت أن قدمت هذا السؤال لبعض زميلاتي بالدراسة اللائي أعرف قبليا أنهن يبررن كل حركة وكلمة وتصرف يقمن به بشكل مقرف, فكانت إجابات أغلبهن أنهن لا يشعرن بالحاجة لتبرير أفعالهن, فبُهتت!
فهن يتبعن قواعد مجتمعية خاصة بهن نشأن عليها, لأن على المرأة بالمجتمع أن تعطي انطباعا حسنا عنها وبالتالي تجد نفسها مجبرة على أن تبرر أفعالها وأقوالها دون إدراك منها بأنها تمارس "التبرير", هي لا تشعر بأنها تبرر لأنه هكذا تسري المحادثات بالنسبة لها, يجب إن تأخرت مثلا لخمس دقائق أن تروي لك المسببات الاقتصادية والارهاصات السياسية المؤدية لمشكل تأخرها.
وبالتالي فإن المرأة التي تبرر نفسها كل خمس دقائق ستجيب بأنها لا تبرر نفسها مطلقا.

عودة لسؤال: "- يمكنك التخلص بسهولة من الموظف المخلص الذي لا ينجز العمل بشكل جيد" الغرض منه معرفة مدى القبولية عند الشخص, يستسهل عدد كبير ممن لهم قبولية مرتفعة إمكانية قدرتهم على التخلص من موظف لا يعمل بشكل جيد, لأنه موقف صعب التخيل إذ يحتاج لتجربة واقعية له, طرح مثل هذا السؤال على طلاب مدارس وجامعات لم يسبق لهم أن أقاموا علاقات مهنية لن يمكنهم من تخيل أنفسهم مسؤولين, فقد يجيب أصحاب القبولية الإجابة المدرسية (التلميذ الذي لا ينجز التمارين يطرده المعلم من الفصل).

خلاصة:
إذن كخلاصة أنا هنا وضعت بعضا من الأمثلة التي تتعلق بشخصي ووسطي الاجتماعي لتقريب المسألة, ويمكنك عزيزي القارئ أن تسقط الأسئلة على مجتمعك وطبيعة الثقافة بوسطك ومعتقداتك وتقاليدك وأنت تقرأ أسئلة الاختبارات, لتفكر فيما إذا كان الوضع سيختلف لو أنك تعيش بوسط آخر, قد يصعب عليك الأمر قليلا أو قد تراه مضيعة للوقت, لذا لا تهتم, دعك مني!
يمكنك أيضا أن تفكر في الهدف من السؤال بدل التركيز على إجاباتك أنت شخصيا لتستشف ما يود صاحب الاختبار معرفته بطرح هذا السؤال؟ وبالتالي الإجابة الإجابة المثالية التي تظهر لك نتيجة تبهجك وتدخل على قلبك السرور, بدل النتيجة الواقعية.

لماذا يعتقد كثر أن الصعود للقمر كذبة؟

4
 لن أستعرض هنا أدلة صعود أو نزول أحد, لم يسبق لي أن اشتغلت بأي وكالة فضاء.
لا يتوفر أحد من العامة على العلم الكافي لمناقشة مسألة صعود إنسان أو حيوان للقمر, لأنها مرتبطة بعلوم شتى تقع تحت مظلة علوم الفضاء (هندسة الطيران الجوي والفضاء,الفلك وتفرعاته: فيزياء فلكية, علم الكون الفيزيائي, علم الكواكب ... الطب الفضائي والعديد من العلوم الأخرى غير المتوفرة لدينا) وبالتالي من يخرج علينا من العامة يدعي تمكنه من تحليل الأدلة فهو يعاني من مستوى جد متقدم من وهم التفوق.

لكن السؤال يبقى مطروحا وهو لماذا يوجد عدد كبير من الناس حول العالم قاطبة يكذّبون مسألة صعود الأمريكان للقمر بل وتتزايد أعدادهم مع مرور السنوات؟ في حين لم يكذّب أحد الرّوس لما أرسلوا أول إنسان للفضاء مثلا.
وهذا ما سأناقشه وأفسره, بتناول النفسيات والخلفيات والحيثيات.

لنتفلسف إذن بما فيه الكفاية.

1- الصعود للقمر حدث بشري وليس نظرية علمية:
النظرية العلمية: هي تفسير لظاهرة من الظواهر الطبيعية بشكل يمكن اختباره والتحقق من صحته مرارا وتكرارا وفق منهجية علمية واضحة المعالم.
ولنأخذ مثال كروية الأرض فإن الأرض إن كانت كروية فهي كروية دائما وليس لبضع ساعات قبل ست سنوات, وبالتالي يمكن التحقق من كرويتها عن طريق عدة طرق علمية وبشكل متكرر.
صعود الأمريكان للقمر: ليس نظرية علمية بل حدث بشري حصل في مدة زمنية معينة ولم يتكرر طبعا.

وبالتالي فإن مناقشة الأدلة بخصوص هذا الموضوع أخذت على مر العقود شكل تحريات واستقصاءات صحفية بالعادة, كإجراء حوارات مع رواد الفضاء الذين صعدوا للقمر, وخبراء بهذا الخصوص ورجال استخبارات عاصروا الأحداث إلخ...
ولأن المسألة حدث بشري حصل بالماضي فإنه يسهل انتشار فكرة التكذيب والتشكيك في حدوثه بين العامة بسهولة.
والتفلسف حول الأدلة العلمية لن يجدي نفعا في إقناع من تسرب الشك إلى نفسه وصار في ريب عظيم.

ولأفسر أكثر سأقترح السيناريو التالي: أنا جواد سافرت لزيمبابوي بعد العيد السعيد وصادفت أثناء تجولي بالسافانا أسدا كان على بعد مائتي متر فركضت بسرعة نحو معداتي واستخرجت سكين المطبخ وما إن وصل الأسد ونط لينتهش رقبتي قفزت وطعنته باتجاه القلب مباشرة فوقع صريعا.
طبعا ستكذبني حتى وإن أرفقت لك أدلة علمية مفصلة عن أن الإنسان قادر فيزيائيا على السفر من المغرب لزيمبابوي بالطائرة ومن تم العودة في ظرف وجيز, كما يمكن للإنسان فيزيائيا وبيولوجيا القفز بارتفاع أزيد من المتر كما يمكن لسكين المطبخ فيزيائيا أن يخترق أضلاع الأسد إن كان مندفعا بقوة وفيزيولوجيا فإن الأسد سيموت بظرف وجيز بعد تلقي طعنة بالقلب.
لكن رغم كل الأدلة العلمية المفصلة لن تصدقني, لأن الأمر مرتبط بحدث وبشخصي أنا وليس بنظرية علمية حول ظاهرة طبيعية وستقول لي أنت جواد معتاد على تأليف التفاهات المثيرة للغثيان والآن أنت تؤلف لنا فيلما بوليوديا ماسخا بعد إفلاسك طمعا في لفت الانتباه!

وهذا ما حدث للأمريكان تماما, بسبب بعض الحيثيات المرافقة لسياساتهم, يكذّبهم الناس حتى وإن صدقوا.
صدقوا أم لم يصدقوا صراحة لا أدري!
على أي

لنروي القصة منذ بداياتها:
باختصار بالموسم الأول من المسلسل دخلت العمة والخالة أمريكا وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا) حربا باردة بعد انتحار هتلر, شملت هذه الحرب سباقا محموما نحو غزو الفضاء, إذ أطلقت روسيا أول قمر صناعي بالخمسينات, ثم أول إنسان للفضاء الطيار الروسي يوري غاغارين عام 1961 ولارتفاع حوالي 300 كيلومترا فوق سطح الأرض, وقد عاد عودة الأبطال, ثم بعد عامين أرسل الروس أول امرأة للفضاء فالنتينا تريشكوفا تلاها حدث أول إنسان يخرج من قمرته ليسبح بالفضاء وهو الروسي أليكسي ليونوف عام 1965..
حتى أول حيوان بالفضاء كانت كلبة روسية... ولقد حقق الأمريكان في الستينات إنجازات فضائية أيضا إلا أنها لم تكن خلابة بذلك الوقت كإنجازات الروس لذا كانوا بحاجة لانتصار فضائي خارق للعادة إذ انتشر بين عامة الشعوب أن روسيا هي القوة العظمى الغازية للفضاء, ولم يكن للأمريكان من خيار إلا المضي قدما لإتباث العكس, لذا سأل الرئيس الأمريكي كيندي معاونيه عن وسيلة لهزيمة الروس سواء بإطلاق مختبر بالفضاء أو إرسال رجل يحلق حول القمر أو حتى يحط فوق سطحه, فأعلموا الرئيس أن المسألة قد تكون صعبة جدا أو حتى مستحيلة وأن الميزانية ستكون خيالية كما أن  ذلك لن يتحقق إلا بعد عمل دؤوب لعشر سنوات, فلم يردع هذا كيندي لأنه كان بحاجة ماسة لتحقيق انتصار خارق على الروس, وبعد معارضة شديدة بدأ العمل فعلا على مشروع أبولو ولم يتحقق الصعود للقمر إلا بعهد الرئيس نيكسون لأن كينيدي كان حينها مقبورا تحت التراب.
فبعثت فعلا وكالة ناسا الأمريكية ست رحلات للقمر بين أعوام 1969 و 1972 وعلى بعد أزيد من 300 ألف كيلومتر.لينتصر الأمريكان أخيرا بشكل أبهر العالم.
فبكى الروس... انتهى.

مكالمة نيكسون التاريخية للقمر
بالموسم الثاني من المسلسل مباشرة بعد ذهاب الأمريكان للقمر خرج المكذبون والمشككون من داخل أمريكا ذات نفسها وانتشرت فكرة التكذيب بتأليف بيل كايسينغ كتابا بعد أربع سنوات فقط من انتهاء برنامج أبولو يفنذ فيه مسألة الصعود للقمر, بيعت منه ملايين النسخ وانتشرت نظرية المؤامرة كالنار على الهشيم, حتى هوليود أخرجت فيلما تدور أحداثه حول تلفيق ناسا لكذبة إرسال بشر للمريخ مستوحية الفكرة من كتاب كايسينغ, ثم أنتجت قناة فوكس الأمريكية فيلما وثائقيا يكذب حدث الصعود للقمر, فتوسعت رقعة التكذيب لتشمل بقية دول العالم وباتت أعداد المكذبين والمشككين تزداد عاما بعد آخر.

2- الصعود للقمر قرار سياسي وليس لأغراض علمية:
وضعنا الأحداث بسياقها التاريخي إذن, الصعود للقمر لم يكن مجرد رحلة استكشافية ذات أغراض علمية محضة, بل قرارا سياسيا لتحقيق انتصار على الروس.
ولأن المسألة سياسية ولأن أغلب البشر لا يصدقون السياسيين خصوصا الأمريكان منهم فإن التشكيك لاقى صداه ترحابا لدى الكثيرين, فالسياسة هي فن الممكن وليس بالسياسة أخلاق بل تحقيق للمصالح, فإن كان تلفيق مسألة الصعود للقمر ممكنة وأسهل من الصعود بحد ذاته فإنهم سيعملون على الفبركة بكل بساطة, وأي دولة إن تمكنت من تلفيق انتصار ما ستفعل حتما إن كان هذا يصب في مصلحتها ويعود عليها بالمنفعة, أي دولة "حرفيا".

يعتبر الشعب الأمريكي من بين أكثر الشعوب المؤمنة بنظريات المؤامرة في شتى المجالات, ولهذا التشكيك مبرراته لأن السياسة الأمريكية جد مراوغة ومحتالة وقد افتضح أمر العديد من السياسيين الأمريكان في أكثر من مناسبة في خضم صراعاتهم الداخلية بالتسريبات ونحوه, كما أن طبيعة النظام لديهم يبعث في النفوس الريبة والشعور أن هناك الكثير مما يتم إخفاؤه على المواطنين ويتم خداع الآخرين به لكسب المصالح...وإذا كان الشعب الأمريكي ذات نفسه يشكك عدد كبير منه في عدة مسائل فمن الطبيعي أن ينقلوا هذه المشاعر لبقية سكان العالم بوسائل الإعلام والتواصل التي يهيمنون عليها.

طبعا هذا لا يؤكد ما إن كانت المسألة ملفقة فعلا, هو مجرد تفسير لأسباب التشكيك.
3- هوليود مبهرة:
لقد أبهرت أفلام هوليود على مر الزمن العالم بأفلامها المتقنة ذات التقنيات العالية والميزانيات الخيالية في إنتاج الأعمال السينيمائية, كما وأن هوليود لعبت دورا جد محوري في توجيه الرأي العام حسب أهواء الحكام فهي سلاح بأيد السياسيين بل أن بعض السياسيين ذات أنفسهم خرجوا من رحم هوليود كالرئيس الأمريكي رونالد ريغان الذي لم يكن سوى ممثلا محترفا.

هذا جعل البعض يطرح تساؤلا حول إمكانية أن تخرج هوليود بقدراتها وتقنياتها العالية وبالتعاون مع وكالة ناسا فيلما محكم الدقة يحاكي الصعود للقمر؟
خصوصا وأن هوليود دأبت على تحسين صورة أمريكا أمام العالم وخلق تصور ذهني حول السوبرمان الأمريكي الخارق الذي ينقذ العالم ويحقق انتصارات للبشرية جمعاء, مثلما هو الحال عند إخراج أفلام الغرض منها التعاطف مع الجيوش الأمريكية بالحروب الفاشلة, كحرب فيتنام وما تلاها من أفلام لأبطال خارقين.

4- عدم تكرار المسألة:
من الأمور التي جعلت رقعة المشككين تتسع وهو عدم تكرار الذهاب للقمر مجددا, وكما أسلفت الذكر بالأعلى فإن الميزانية كانت جد خيالية للصعود للقمر من أجل تحقيق انتصار سياسي على الروس إبان الحرب الباردة, فالقمر ليس سوى كتلة صخرية بلا غلاف جوي, لا يمكن خسارة ميزانية ضخمة جدا مجددا للحط فوقه بهذا الظرف الوجيز, لأن لا فائدة من تكرار ذلك فهناك أولويات أخرى.
مؤامرة عدم الصعود للقمر
ولنضرب مثالا وهو أن وكالة ناسا كانت قد قررت بعث امرأتين للسباحة بالفضاء بمفردهما بدون رفقة رجالية لأول مرة بالتاريخ قبل ثلاثة أشهر من اليوم ولكن بسبب توفر بدلة فضاء واحدة بمقاس صغير ألغيت المسألة, وتم بعث امرأة واحدة فقط.
لو كنا بالستينات لتكلفت الدولة ميزانية ضخمة لتصميم بدلة أخرى صغيرة شفافة لتحقيق انتصار على الروس ببعث أول عارضتي أزياء تسبحان بالفضاء, ولكن لأننا ب2019 فهناك أولويات أهم من تحقيق الألقاب غير المجدية, تصميم بدلة فضاء جد مكلف, يمكن صرفه في أبحاث علمية أو مشاريع مستقبلية, إذ يتم التخطيط لبعث النساء والرجال للمريخ, حسب زعم ترامب والله أدري وأعلم!

5- إشعاعات حزام فان ألان وعدم تجاوز مدار الأرض:
ليس كل المشككين على مستوى واحد من العلم والاطلاع, فهناك مشككون لا يملكون أي فكرة حول موضوع علوم الفضاء مطلقا في حين يمتلك بعض المشككين خلفيات علمية تؤهلهم للتساؤل حول الموضوع.

إذ ليس فقط عدم تكرار الصعود للقمر ما أثار الريبة في نفوس العباد بل عدم تجاوز البشر لمدار الأرض.
تطوق الكرة الأرضية حزمة من الإشعاعات القادمة من كل أرجاء الفضاء مشكلة حزامات من الجسيمات المشحونة حول الكرة الأرضية على ارتفاع حوالي 1000 كيلومتر وأحيانا في بعض المناطق تنخفض لأقل من 600 كيومترا, وقد أطلق عليها اسم حزام فان ألان حسب اسم مكتشفه, وتعد إشعاعات الحزام قاتلة للخلايا البيولوجية محطمة لحمضها النووي ومدمرة للعديد من الأجهزة الالكترونية, لذا يحلق البشر حول مدار الأرض المنخفض للبقاء بعيدا عن حزام فان ألان الذي يشكل ومازال تحديا أمام العبور الآمن.
لقد فسرت ناسا كيفية عبور الحزام القاتل في رحلات أبولو ونشرت دراسة مفصلة ومتوفرة للعموم حول الكميات الاشعاعية التي تلقاها المكوك, حيث لم يستغرق الأمر إلا بضع دقائق بالنسبة للمكوك وهو يخترق الحزام الإشعاعي أي ما يعادل تلقي أشعة مقطعية بالمستشفيات, وهي كمية ضعيفة جدا وغير قاتلة, إلا أن المشككين ينكرون تماما إمكانية عبور حزام فان آلان بالنسبة للكائن البشري, وأن الإشعاعات جدا قوية وقاتلة وليست بتلك البساطة التي تصورها ناسا.

وبالتأكيد لا أحد من العامة يمكنه مناقشة حزام فان ألان لأنه بعيد المنال.

6- الجهل بعلوم الفضاء:
من أهم أسباب التكذيب الجهل بعلوم الفضاء.
أغلب من يكّذب صعود الأمريكان للقمر من العامة, قلة قليلة جدا من علماء الفضاء حول العالم يشككون في المسألة, ستجد أن الأدلة المبعثرة هنا وهناك على قارعة اليوتيوب تتناول أدلة تم تفسيرها ودحضها بتفصيل.
وأكثر الكتب مبيعا حول نظرية المؤامرة ليست لعلماء, كما أن أكبر قنوات اليوتيوب الأجنبية التي تناولت المسألة وحظيت بملايين المشاهدات هي لشباب لم يكملوا تعليمهم بعد الثانوية مطلقا فبالأحرى تناول مسألة معقدة كعلوم الفضاء.
حتى العلماء الذين يشككون بالمسألة بينهم وبين أنفسهم "افتراضا" لا يملكون الشجاعة العلمية للإنتقاد لأنهم على دراية بتعقيد المسائل, ولا يمكنهم الاعتماد على مشاعرهم وتعريض أنفسهم للسخرية والانتقاد اللاذع بوسطهم العلمي, عكس غير العالم الذي لا يملك ما يخسره.
شخصيا شاهدت فيديو لشخص يناقش الأصوات بفيديو رحلة أبولو على سطح القمر وكيف أنه يستحيل سماع صوت الطرق بوسط فارغ لا يوجد به هواء ينقل الصوت وقد أقنعني كلامه, وبعد أن بحثت عن الموضوع وجدت ردا من مهندس صوت يفسر أن الصوت ينتقل ليس فقط عبر الهواء ويمكن سماع الطرق عبر الميكروفون الذي يتبثه رائد الفضاء لأنه يحمل المطرقة بيده, وقد أقنعني كلام مهندس الصوت, لأنه بكل بساطة ليس لدي خلفيات علمية حول الموضوع ولست بمهندس صوت أو صورة وبالتالي أي تكذيب أو تفنيذ قد يسهل إقناعي به, أي أن جهلي بعلوم الفضاء يجعلني أصنف نفسي مع الذين كانوا لا يعلمون, ولا أدري ما إذا كانوا قد صعدوا أم لا.
لا أستطيع الجزم.
ولنكن صرحاء حتى لو افترضنا جدلا أن ناسا لفقت القضية هم ليسوا بهذا الغباء الذي يجعلهم يهملون مسائل مهمة, لابد وأن يكون كل شيء محكم الدقة لأنه تطلب سنوات عديدة قبل إخراجه للناس, المسألة ليست بهذه السذاجة.

7- نظرية الأرض مسطحة:
سبب آخر يجعل الناس تنكر تماما الصعود للقمر وهو انتشار موضة الأرض المسطحة, وهي نظرية ظهرت قبل سنوات عديدة من طرف مجموعة من الفلكيين والفيزيائيين الأمريكان أصحاب الخلفيات الدينية (يهود, مسيحيين) والذين كان هدفهم التوفيق بين الكتب المقدسة والعلم, فرؤوا أن كتبهم المقدسة تنكر كروية الأرض, وأننا محور الكون.
توسعت النظرية مع ثورة مواقع التواصل الاجتماعي, وتبناها أناس كثر بدون أي خلفيات دينية وعلمية على الأرجح, دافعهم هو الإثارة والغموض والتميز بين الآخرين بالإيمان بما يخالف معتقدات المجتمع.
وفي استقصاءات الرأي يصرح عدد كبير من الأمريكان بأنهم يؤمنون أن الأرض مسطحة, وفي هذا إشارة إلى فقدان الثقة التام بحكومة بلادهم وروايات الوكالات التابعة لها, (عدد كبير من الأمريكان يكنون الكره لناسا).
ومن أمريكا انتشرت نظرية الأرض المسطحة طبعا إلى كافة بلدان العالم, حتى وإن كانت النظرية ظهرت بدول أخرى (لاأدري) ولكن الجديد يصلنا دائما من أمريكا بسبب الهيمنة على وسائل الاتصال والاعلام.
شخصيا أرى نظرية الأرض المسطحة ما هي إلا ردة فعل من طرف بعض أفراد المجتمع ضد أكاذيب السياسيين, لقد صار الناس يعيشون في شكوك وريبة طول الوقت من السياسات بسبب الغموض الذي يلف كل القضايا حول العالم حتى صاروا يشككون في البديهيات ككروية الأرض, وهذا يعد مستوى أعلى من التشكيك بناسا تجاوز مجرد التشكيك بالصعود للقمر.

8- نظريات المؤامرة ممتعة:
من بين الأسباب التي تدفع الناس للإقبال على نظريات المؤامرة عموما هو كونها ممتعة ومثيرة, فالإنسان بطبيعته يحب الأشياء الخارجة عن المألوف والغامضة التي تدفعه للتحري والتقصي, فلو كنت تسير بالشارع ورأيت طفلا رفقة أمه يبكي فإنك على الأرجح لن تهتم لأن الأطفال يبكون طول الوقت وهذا أمر مألوف, لكن لو رأيت رجلا رفقة أمه يبكي بالشارع فإنك قد تهتم وتتساءل بفضول عن الأسباب التي دفعته للبكاء, لأنه ليس بالأمر المألوف.
صعود الأمريكان للقمر هو الأمر المألوف والرواية الرسمية التي يسوقها الكل حول العالم, وبالتالي الحديث عن أنه كذبة أمر مثير وغامض ويحب الناس البحث فيه وحتى تصديقه.
شخصيا لو سألتني هل تريد أن تكون المسألة حقيقة أم كذبة سأخبرك أنه لو تم الاعتراف بأنها كذبة فهذا سيكون ممتعا أكثر بالنسبة لي, تصور أن الرئيس الأمريكي يخرج بخطاب يعتذر فيه للعالم مثلا, أو تسريب من ناسا يقيني بأن كل شيء كان ملفقا, أو اعترافا من أحد رواد الفضاء الأحياء أنه لم يصعد مطلقا للقمر, سأتابع الأخبار طول الوقت بكل تأكيد.
نحن نحب الفضائح أكثر لأنها لا تحدث دائما ولأنها خارجة عن المألوف, إنها الحقيقة! مرة كانت أم حلوة لا يهم.

خلاصة:
إذن خلاصة القول أن الناس يكذبون الصعود للقمر بسبب ارتباطه تحديدا بأمريكا ذات الباع الطويل في الكذب والتلفيق السياسي, وبسبب توفرها على هوليود.
وهذا أدى بالناس للبحث عن أدلة الإدانة لسياسيي أمريكا وما التفصيل في "الأدلة العلمية" إن جاز لنا تسميتها كذلك ما هي إلا نتيجة للتكذيب وليست الأصل في التشكيك.
تماما مثلما ستكذبني عندما أخبرك أنني ذهبت للسافانا, حتى وإن كنت فعلا قد ذهبت أليس كذلك؟

عمى العواطف أو ألكسيثيميا

2
ألكسيثيميا
يمكنك إجراء الاختبار من هنا

ألكسيثيميا والتي تعني باليونانية "لامفردات لوصف العواطف" يصطلح عليها بفقد العواطف أو بشكل أصح عمى العواطف هي بنية نفسية يتم تعريفها على أنها عجز وعسر في قدرة الشخص على التعرف وإدراك العواطف وعدم قدرته على التمييز بين الأحاسيس الجسدية المرافقة.
تعد العواطف المحرك الأساس للكائنات الحية وعن طريقها نستطيع تدبير حياتنا اليومية, فنحن نستاء ونغضب ونخاف ونبتهج ونتفاجأ ونحب إلى آخره من العواطف بشكل يومي وهي الدافع الأساس لنا للمضي قدما في تفاعلاتنا بالحياة الروتينية, نحن قادرون على التعرف والتمييز بين مختلف هذه العواطف التي نشعر بها والأحاسيس الجسدية المرافقة لها, لكن فئة من البشر تعاني من عمى بالعواطف فهي غير قادرة على التعرف على عواطفها وطبيعة ما تحسه.

جوانب عمى العواطف:
1- صعوبة في التعرف على العواطف والأحاسيس الجسدية المرافقة لها:
يعطي من يعاني من الألكسيثيميا انطباعا أنه يخلو من العواطف, وفي واقع الأمر فإن لديه عواطف مثل بقية الخلق ولكنه يصعب عليه التعرف عليها وكأن هناك انفصالا بين ذاته وعواطفه, إنه شخص عاجز عن وصف مشاعره لذا ليس لها الأثر في تعاملاته اليومية لأنها مبهمة بالنسبة له. 
يجد المصاب أن من الصعب التعرف على الحالة العاطفية التي يمر بها, فهو قد يفكر فيما انتابه لاحقا بعد مرور الحالة, ويحاول البحث في الأسباب التي أدت به لهذه الحالة العاطفية المشفرة, قد يمر بحالة غضب جامح وهو لا يدري ما الذي أغضبه أو ينفجر باكيا وهو لا يدري ما الذي أحزنه ولا ما هذه العاطفة التي يمر بها والتي تسمى حزن, فهو لا يجد المفردات  لوصف هذه العاطفة لنفسه أو لغيره, هو فقط لا يشعر بخير ومتضايق ومنزعج... ولكن ما الذي يضايق وما هو هذا الضيق؟ لا يدري.
عندما يشعر الإنسان بالخوف فإن دقات قلبه ستزداد وقد يشعر بألم أو عدم ارتياح مؤقت بالمعدة من تدفق هرمونات الخوف بالجسد وسيبدأ البدن  بالارتعاد وسيتصبب العرق, ولن يخطئ الإنسان الطبيعي في تفسير ما يمر به جسده نتيجة عاطفة الخوف, ولكن مصاب الألكسيثيميا سيخطئ في التعرف على الأحاسيس المرافقة لخوفه ولن يجد تفسيرا لهذه الحالة الجسدية وقد يزور الطبيب يخبره بأن دقات قلبه ترتفع أحيانا ومعدته تؤلمه أحيان أخرى بلا سبب, فيفحصه الطبيب ليخبره أنه لا يعاني من شيء...
2- صعوبة في وصف العواطف للآخرين:
بكل تأكيد فإن الإنسان غير القادر على التعرف على عواطفه سيجد صعوبة في وصفها, لذا إذا ما طلب من المصاب وصف غضبه الجامح الظاهر للعيان فإنه سيعجز عن ذلك, وسيجد صعوبة كبيرة في وصف غضبه.
هو سيجيبك أنه لا يشعر بخير وإذا ما سألته هل أنت قلق أم غاضب أم حزين؟ فإنه سيعجز عن التعبير بمفردات لوصف عاطفته, وقد ينزعج من السؤال بحد ذاته.
لا يتواصل المصاب مع الناس كثيرا وتتميز حواراته مع الآخرين عموما بخلوها من العواطف, هو لن يتحدث عن أن هذا الحدث أبهجه أو أنه شعر بالقلق والخوف جراء ذاك الحدث, بل سيبدأ برواية تفاصيل مملة تحوم حول الحدث ذات نفسه وهي ستبدو بالنسبة للمتلقي غير مهمة بالمرة...لذا تعد أحاديثه بالنسبة للمحيطين به جد مطولة ومملة.

3- افتقار للمخيلة:
كما أشرت فإن العواطف تلعب دورا محوريا في حياتنا اليومية وفي مخيلتنا أيضا, فمصاب عمى العواطف يفتقر للخيال وللفنتازيا, فهو عاجز عن كتابة قصة أو تخيل قصة بمخيلته لأن العواطف مبهمة, أحلام اليقظة بالنسبة له غائبة فهو عاجز عن رسم صورة ذهنية لوضعية متخيلة يحضرها البشر أو حوار متخيل مع مجموعة من الناس لأن البشر كتلة من العواطف المتحركة التي يجد صعوبة في فك شيفرتها وتوقع ردات فعلها.
المشاعر المرافقة لمختلف الروائح والأصوات والذكريات, فهو عندما يشم عطرا كان يشمه بالماضي ستنتابه عواطف ذاكرته المخزنة لهذا العطر والتي يجهل  مصدرها وما الذي يجعله يشعر على هذا النحو, لن يتخيل نفسه بذلك المكان برفقة أولائك الأشخاص بالماضي.
يفتقر مصاب عمى العواطف لأحلام النوم أيضا, فهو عادة لا يتذكر أحلامه وتميل معظمها حول الحياة اليومية الروتينية.

4- نمط تفكير موجه للعالم الخارجي:
ولأن العوالم الداخلية لمصاب عمى العواطف مبهمة ومشفرة فإنه يميل للعالم الخارجي أكثر, ويتميز أسلوب تفكيره بالمادية والحقائق المجردة, لذا قد يبدو للمحيطين به باردا قاسيا كروبوت يعيش الملموس وقاتلا للمتعة, فهو سيرى أن الزواج مثلا لممارسة الجنس وإنجاب الأطفال واستمرار النسل, سيهمل الجانب العاطفي للزواج, لن يتحدث عن شغفه لهذا الصنف أو ذاك من الأطعمة قد يبدأ بالحديث عن مكونات الطعام بحد ذاته ولكنك سترى غيابا لعواطف الشغف والحب للطبق الذي يصف لك مكوناته, سيميل لتحليل عواطفه ومشاعره ومشاعر غيره بشكل مادي يكون بعيدا عن واقع الأمور, لأنه يجد صعوبة في فهم دوافع الآخرين وخلفيات تصرفاتهم...لذا سيخطئ كثيرا في تحليلاته لدوافع البشر.

5- افتقار التعاطف:
من غير المعقول أن ننتظر من مصاب عمى العواطف أن يتعاطف مع الآخرين.
هو قد يسيء التصرف وسيهمل ما يسببه من أدى عاطفي للآخرين لأنه يميل للتفكير المجرد بأن هذا التصرف أو ذاك هو الأنسب للوضعية.
فقد يعاقب ابنه عقابا جد قاس لأنه لم ينجز أعماله, بنية أن هذا العقاب هو الذي سيحفزه على العمل, في حين أن الابن سيشعر بالإحباط والحزن الشديد ولن ينجز قيد أنملة مما طلب منه جراء ذلك, هو عاجز عن إيجاد الخلل الكامن في أسلوب معالجته للأمور مع الآخرين.
قد يتفوه بكلام جارح لا يدري مدى سوئه بالنسبة للمحيطين به, كالكلام العنصري مثلا والذي لا يكون بنوايا سيئة لأنه لا يستطيع تقييم كلامه كي يدرك منذ البداية ما إذا كان كلامه سيئا أم جيدا, ومدى أثره العاطفي على المتلقي.
قد يطلب من شخص مهموم بالمشاكل أن يقدم له بعض الخدمات التافهة دون مراعاة لهمومه.
وغيرها من الأمثلة التي تجعل مصاب عمى العواطف يبدو للآخرين بمظهر القاسي أو المغفل أو الأناني ونحوه...

سمات شخصية مصاب الألكسيثيميا:
ما هو مسطور بالأعلى حول جوانب عمى العواطف يشكل لنا شخصية بسمات واضحة المعالم للعيان من المحيطين بالشخص.
- اتخاذ المواقف والقيام بالأعمال بشكل اندفاعي سريع.
- شخصية مستقلة بشكل سلبي مع ميل لتجنب الآخرين أحيانا.
- طباع حادة وعصبية وتوتر.
- بعض سمات النرجسية أحيانا والعدوانية, بسبب ضعف التعاطف.
- حركات الجسد جامدة وتدل على شخصية قلقة.
- غياب طبعا للخيال وميل للتفاصيل بالحياة اليومية.
- سوء التصرف اتجاه الآخرين بسبب عدم إدراك السلوكات المناسبة.
- الشكوى من الآلام والأحاسيس الجسدية.
 
مسببات عمى العواطف:
لعمى العواطف مسببات عدة بيولوجية ونفسية.
إذ أن الدماغ هو المتحكم بالعواطف والتعرف عليها وقد تؤدي إصابة الدماغ نتيجة حادث ما أو جلطة... لتلف ببعض المناطق المسؤولة عن العواطف, وفي العادة يكون عمى العواطف شديدا بسبب التلف.
يتم رصد عمى العواطف بمن يعاني من بعض الأمراض والاضطرابات التي تستهدف الجهاز العصبي كالتصلب اللويحي وباركينسون...إلخ أيضا بعض ممن يعاني من التوحد.
للصدمات التي يتلقاها الإنسان بطفولته الأثر البالغ في عمى العواطف, كالاعتداء الجنسي أو الأذى الجسدي ... عدم التفاعل العاطفي السليم مع الطفل من طرف والديه والذين يقدمون له الرعاية قد يجعله متبلد العواطف.
بعض الاضطرابات النفسية يرافقها عمى العواطف إذ يلاحظ في بعض مرضى الاكتئاب, واضطراب الشخصية الحدية, الفصام, اضطرابات الجسدنة...

أحيانا لا يكون عمى العواطف مرافقا لأي اضطرابات عضوية أو نفسية وإنما يكون مجرد سمة بشخصية الإنسان يولد بها, ولا يكون هذا العمى شديدا وإلا فعد حالة مرضية.

المآلات:
لأن العواطف هي المحرك الأساس للسلوك البشري فإن من يعاني من عمى العواطف يجد صعوبات جمة في التأقلم بالحياة الاجتماعية, وهو دائم البحث عن تفسيرات لما يعانيه من أحاسيس غير مفهومة. وبشكل عام فإن عمى العواطف يؤثر سلبا على جودة الحياة للمصاب.بعض الاحصاءات وجدت أن عددا من المصابين يعانون من آلام مزمنة لا تنفع معها مسكنات, كالصداع وآلام جسدية أخرى.

يرى الناس شخصية المصاب منفرة وغير صالحة للعشرة, لذا قد يفقد المصاب عمله أو تتدمر حياته الأسرية نتيجة الطلاق, قد يجد أن الكل يتجنبه فيعيش حياة عزلة وهو لا يدري ما الخلل بشخصيته, لأن العواطف لا يستطيع فهمها وبالتالي من الصعب شرح المسألة له, فالإنسان غير قادر على وصف شيء لم يره أو يلمسه.

العلاج:
يمكن لمن يعاني من عمى العواطف غير المرتبط بمشكل جسدي أو نفسي آخر أن يطور من قدراته على فهم العواطف.
قد يقترح المعالج وصف بعض العواطف وتعريفها للمصاب مع محاولات لبناء أساس متين بين المفردات والمشاعر التي تنتاب المصاب, لأنه بالعادة يبدأ المصاب بتكرار كلام المعالج وحسب.
للفنون دور جد مهم لتنمية الخيال وخلق روابط بين المصاب وعواطفه, لذا فممارسة الرسم مثلا تبلي البلاء الحسن.
أيضا قراءة الروايات والقصص والمسرحيات التي تحتوي على وصف حالات عاطفية قد يساعد على تنمية قدرات المخيلة.
المحاورات الجماعية حول المشاعر والعواطف مع الآخرين أيضا قد تساهم في تحسين علاقة المصاب بالعواطف.

اختبار عمى العواطف ألكسيثيميا

2
تم تطوير اختبار لعمى العواطف "ألكسيثيميا" يطرح أسئلة تغطي كل جوانب عمى العواطف الخمس وقد أتبث نجاعته في الدراسات التي تتناول مجموعة ضخمة من المواطنين من مختلف الجنسيات, قمت بترجمته والتصرف في بعض الجمل لتوالم المتلقي العربي.
قد يظهر لبعض الأفراد أنهم يعانون من عمى العواطف خطأ ... حسب فهم كل فرد للأسئلة, وحسب الخلفية الثقافية للفرد الذي قد يكون تربى على عدم المصارحة بالعواطف. (بعدة مجتمعات عربية, التعبير عن العواطف أمر معيب).
لذا لا تأخذ الاختبار كمعيار لمعرفة ما إذا كنت تعاني فعلا من الألكسيثيميا, خصوصا إن كنت بسن المراهقة لأنها مرحلة تعرف بعض الارتباك العاطفي وعدم النضج النفسي.
وإن كنت تشك من أنك تعاني من خلل فعليك بزيارة الطبيب نفسي للتشخيص الصحيح.




كره البشر وبغض المجتمع الإنساني

6
بغض البشر
كره البشرية أو مسنثروبيا, سمة من سمات الشخصية السلبية التي يمكن وصفها على أنها شعور عميق مستمر لدى الإنسان بالكراهية أو الاشمئزاز أو الازدراء أو عدم الثقة اتجاه بني جلدته, والتي قد تؤدي لتطور بعض الأفكار أو السلوكات العدوانية اتجاه المجتمع أو فئات معينة من المجتمع.

من الطبيعي أن تنتاب الإنسان من حين لآخر مشاعر كراهية مؤقتة اتجاه البشر كرد فعل على أحداث سيئة يمر بها, فكثير من الأصدقاء يصدعون رؤوسنا بعد يوم عصيب بأن الكل بلا استثناء ملعون, إلا أن كاره البشر قد رسخ مشاعر الكراهية حتى في أفضل حالاته, مما يؤدي به لتقليص تفاعله مع الآخرين أو حتى أذيتهم.
بشكل عام تكثر مشاعر الكراهية في الأوساط التي تعيش تدنيا اقتصاديا وأوضاع اجتماعية مزرية.

 أنواع كارهي البشر:
لكل إنسان أسبابه الخاصة وفلسفاته وعواطفه التي أفضت به في نهاية المطاف لتطوير مشاعر الكراهية للجنس البشري.
وقد يكون كاره البشر أحيانا مزيجا من هذا وذاك.

1- عيش حياة صعبة:
قد يتعرض الإنسان في حياته ومنذ نعومة أظفاره لمضايقات وأذية وخيبات أمل من المحيطين به, فيحدث له تعميم ويصير حاقدا ناقما على الجنس البشري ككل...هو إذن كمن يخاف الحبال بسبب عضة أفعى.
أو كالطفل ألبرت الصغير الذي أفزعه فأر عالم النفس واتسون والذي صار يخاف من كل ما به فرو.
لذا ينتشر كره البشر بين العاطلين عن العمل, والفاشلين دراسيا, والذين يعيشون في وسط مجحف ظالم...إلخ

2- الفلسفات التشاؤمية:
بعض الأشخاص من كارهي البشر يحملون أفكارا تشاؤمية حول الطبيعة البشرية, وهي محاولة لعقلنة مشاعرهم.
فهم يرون أن الشر هو أصل الطبيعة البشرية, وأن الإنسان شرير بطبعه.
وقد عرف التاريخ عدة فلاسفة متشائمين ابتداء من الرواقيين الاغريق إلى شوبنهاور, أما بالثقافة العربية فإننا نجد العديد من الشعراء من أصحاب القصائد التشاؤمية الخلابة.
يروج حاملوا الفلسفات التشاؤمية للاانجابية التي تدعوا للحد من تكاثر الجنس البشري.

3- الأفكار والمعتقدات المتطرفة:
من كارهي البشر من يتبنى أفكارا وأيديولوجيات أو معتقدات دينية متطرفة تكرس كراهية البشر.
يمكن للإنسان أن يتطرف في أي فكرة يحملها مهما كانت تبدو سمحة أو داعية للعدل والمساواة والسلام, يمكن أن تنقلب بالنسبة لهذه الفئة أداة لنشر الكراهية ولأذية الغير.
وفي العادة تجد أن حاملي هذه الأفكار المتطرفة يوجهون كراهيتهم لفئة أو فئات معينة من البشر كالكراهية المبنية على العرق, أو الاستعلاء الاثني ethnocentrism: كفكرة تفوق العرق الأبيض مثلا التي أدت لجريمة نيوزيلاندا مؤخرا.
أيضا الأفكار الداعية لكراهية النساء misogyny والأخرى الداعية لكراهية الرجال misandry, والتي يكون غالبية حامليها من المقهورين والمقهورات الذين يبكون ليلا على وسائدهم, وأنا هنا عزيزي القارئ لا أستنقص من آلام أحد ولا أبرر لأحقاد أحد وإنما هي حقيقة عدد كبير جدا من هذه الفئة التي قد تظهر للآخرين متجبرة.
ويلقى دعاة الأفكار المتطرفة بالعادة آذانا صاغية لهم من طرف الشباب صغار السن الذين يعيشون حياة مزرية عموما في مجتمعات غير مستقرة تحمل اختلالات جمة, وبالخصوص المجتمعات السلطوية التي توفر بيئة مناسبة لتفريخ كارهي البشر من المقهورين.
وسأخصص موضوعا مستقلا إن شاء الله حول أثر مشاعر القهر والصدمات النفسية في التطرف.

4- المثالية:
عكس الأفكار المتطرفة, يشعر بعض المثاليون بمشاعر اشمئزاز من البشر لكثرة ما يرونه من تجاوزات وجرائم وأعمال لاأخلاقية, فلأنهم أشخاص طيبوا القلب وأخلاقيون ونبلاء في تصرفاتهم فإنهم يشعرون وكأنهم يعيشون بعالم كالح بسبب الخراب الذي يسببه الإنسان, فيتحولون لكارهين للجنس البشري, وهذا النوع لا يتسبب بأذية الناس بل عكس ذلك قد تجده منخرطا بالأعمال الخيرية, ويكون تعاطفه مع البشر جد مرتفع.

5- المواهب والأفكار المختلفة:
أحيانا يشعر بعض أصحاب الاهتمامات والأفكار المختلفة بأنهم غرباء بين الناس, فلا يطيقون التواجد مع البشر ويطورون كراهية للبشر بسبب عدم إيجاد من يستطيع فهمهم أو مقاسمتهم أفكارهم واهتماماتهم.

6- الاضطرابات النفسية:
كره البشر ليس اضطرابا نفسيا بحد ذاته ولكنه قد يكون عرضا مصاحبا لبعضها, حيث أن من بين أعراض بعض الاضطرابات النفسية إظهار اشمئزاز ونفور وعدم ثقة بالبشر.
يؤدي الاكتئاب المزمن غير المعالج لكراهية الحياة والبشر فيبدأ المكتئب بالتعبير عن بغضه للبشر ويبدأ بتبني أفكار وفلسفات تشاؤمية بسبب الانخفاض الحاد بالمزاج.
بعض اضطرابات الشخصية قد ترافقها كراهية للبشر, كاضطراب الشخصية الحدية, والشخصية المرتابة والنرجسية...
الاضطرابات الذهانية أيضا كالفصام الارتيابي يؤدي بالشخص لسلوكات عدوانية ضد البشر.
الصدمات التي يتعرض لها الطفل بالصغر والتي ترافقه طوال حياته خصوصا إن كانت من طرف أحد والديه قد تغذي مشاعر الضغينة ضد البشر, إذ أن الطفل يكتسب الثقة والأمان في سنواته الأولى من طرف أمه أولا وأبيه ثانيا, فإن تزعزعت هذه الثقة وتعرض للإساءة البالغة من طرف أحدهما أدى به هذا لفقدان الثقة بالإنسان ككل أو كراهية جنس أمه أو جنس أبيه.
اقرأ نظرية اريكسون.

كره البشر واتخاذ الأصدقاء:
كاره البشر ليس شخصا منعزلا اجتماعيا, قد تكون له علاقات وصداقات ولكنها بالعادة جد ضيقة, ولا يمنح ثقته بسهولة للآخرين, قد يحيط نفسه بدائرة ضيقة من أفراد أسرته وبعض من أصدقائه الذين في العادة يتقاسمون معه الاهتمامات والأفكار.
هو يفضل الانترنت والعوالم الافتراضية من ألعاب فيديو وشبكات للتواصل لنشر سمومه بدل عيش العالم الواقعي.

كره البشر وحب الحيوان:
أظهرت بعض الدراسات أن هناك رابطا جد قوي بين حب الحيوان وكره البشر, حيث صرح عدد من العينة التي تم اختيارها للدراسة من محبي الحيوانات أنهم يبغضون البشر.
بالتأكيد ليس كل محبي الحيوانات كارهون للبشر, وإنما كارهوا البشر يتخذون من حب الحيوان ملاذا لهم لتعويض مشاعر النقص والوحدة.
ورغم أن الإنسان حيوان أيضا إلا أن كارهي البشر يميلون لتفضيل بقية الكائنات على الإنسان, لذا سترى كيف أن عددا كبيرا من محبي الحيوانات يصرحون أن قضاء وقت مع كلب أفضل من قضائه مع إنسان, وبالعادة يدعوا محبوا الحيوانات كارهوا البشر للتوقف عن استخدام الحيوانات في المختبرات حتى وإن كان هذا يصب في الصالح العام للبشر, كمختبرات الأدوية وغيرها...

شخصيا نجاني الله من جمعية تساعد الحيوانات كنت من ضمن أعضائها, حيث أن بعض العناصر بالجمعية سمموا أجواءها فقلوبهم مليئة بالأحقاد والكراهية ولا يتوقفون عن سب وشتم البشر ويدعون على الناس بالهلاك كما لو أنهم من فصيلة القردة.
لذا كنت أحلم وأنا نائم ليلا بإنشاء جمعية لمساعدة حيوانات الشارع من بين شروط الانتساب لها خوض اختبار نفسي يقيس مستوى كراهية البشر.

كره البشر وارتكاب الجرائم:
يرتبط كره البشر كما رأينا بالفلسفات التشاؤمية والأفكار المتطرفة وببعض الاضطرابات النفسية والاجتماعية, لذا يعد كره البشر من المؤشرات المتوقعة لانتشار الجرائم.
يعرف عدد من كارهي البشر انخفاضا حادا بالتعاطف مع البشر, انخفاضا بالقيم الأخلاقية, لذا لا يرى البعض منهم غضاضة في الكذب أو النصب والاحتيال أو الأذية لأن البشر يستحقون الأذية ولأن الكل سيء وبغيض, حسب ما يحمله فكر كل فرد على حدة.

اقترحت بعض الدراسات القديمة أن أعداد كارهي البشر من الرجال يفوق أعداد كارهي البشر من النساء مستدلين بالجرائم المرتكبة وبالعدوانية التي يظهرها الرجل أكثر من المرأة, إلا أن دراسة حديثة قامت باستقصاء الطلاب حول كره البشر ومن تم تتبع مسارهم طوال ثلاث سنوات, وجدت انعدام أي فارق إحصائي معتبر بين الرجال والنساء بشأن كره البشر, فالنسب متساوية, إلا أن الانخراط في الشجارات والسرقة والأعمال التخريبية كانت نسبتها عند الرجال أكبر منها عند النساء.
الأسباب طبيعية واجتماعية: فالرجل بداية أكثر مخاطرة وإقداما مقارنة بالمرأة...أقوى جسديا مما يسمح له بالاثيان بجرائم عنف وتخريب أكثر من المرأة, كما أن القواعد الاجتماعية تحد من جرائم المرأة التي تفضل ممارسة العنف السلبي أكثر من الرجل كنشر الشائعات مثلا.

تلميع كره البشر بوسائل الإعلام والانترنت:
تعمد بعض الأعمال الفنية والأدبية على تزيين كره البشر كما ببعض ألعاب الفيديو التي تكون من بين أهداف شخصياتها تدمير الأبرياء, والأعمال الأدبية والسينيمائية والانمي, حيث يتم تحبيب المراهقين والشباب في الشخصيات الكارهة الحاقدة على البشر...فمن النادر أن تجد انمي خال تماما من شخصية كارهة للبشر يتم تقديمها بشكل محبب للمتابعين, وإظهارها على أنها شخصية كاريزمية بذكاء مرتفع وجمال أخاذ, وأنها محقة تماما في آرائها... ليعجب المتابع أكثر بهذه الشخصية المريضة التي صنعها المؤلف الذي كل همه طبعا شهرة العمل, فهذه هي نوعية الشخصيات التي تحظى بالشهرة بين أوساط المراهقين أكثر.
كما لا يخلو الانترنت من رسائل كره البشر, حيث يتم تمرير الفلسفات الغابرة وتجديدها ويتم تلميع صورة شخصيات إجرامية عنصرية, وقد دقت بعض الدراسات ناقوس الخطر عن كون الانترنت صار وسيلة لنشر الكراهية, فكبرى المنصات على الانترنت تتساهل مع حسابات كارهي البشر, وتمارس الانتقائية في حجب الحسابات المخالفة.
عرف بغض البشر تناميا بين أوساط الشباب والشابات بفضل غسيل الأدمغة الذي يسري على قدم وساق بشتى أنواع وسائل التواصل والترفيه المتاحة.
تعمد بعض الدول الغربية على سن قوانين زجرية لناشري الكراهية بشتى أنواعها, وقد أثارت بعض القوانين المقترحة جدلا وتخوفا من حظر حرية الفكر والتعبير, مثلما هو الحال مع بعض الشماعات المنتشرة هنا وهناك على قارعة المجتمع الدولي التي تستخدم لتصفية الخصوم.