لماذا يرفض الشباب العربي تحمل المسؤولية؟

6
الشاب العربي هذه الأيام يتميز وسط أقرانه سكان هذه البسيطة بكونه يولد طفلا ويموت طفلا, حيث يتولى الأبوان تفاصيل حياة ابنهما حتى وإن بدأ الشيب يغزو شعر ساقيه وما بينهما.
كان الأطفال بغابر الزمان يعتمدون على أنفسهم ويساعدون آباءهم بأعمالهم الشاقة بالزراعة والتجارة ويستقلون ماديا ويكونون أسرا بفترة مراهقتهم, بعضهم خاض حروبا وقاد جيوشا بعمر السابعة عشر كمحمد بن القاسم الثقفي, ولكن بفضل تحسن نمط الحياة ولله الحمد, صار المراهق بعمر الثلاثين عاما يسهر ليلا على الأفلام والألعاب وينام صبحا, بينما يتولى والده جلب علفه وأمه تحضيره له, ينتابني شعور أنه ستظهر عما قريب منظمات حقوقية تدعو لمنع تزويج الأطفال دون سن 30 سنة.

حسن بعيدا عن التساخف لندخل صلب الموضوع!
أتحدث عن فئة بعينها ولا أعمم, فلا تشعر عزيزي القارئ أنك مقصود بكلامي لا سامح الله, أنت لست منهم حتى وإن كنت لا أعرفك.
كثيرا ما يتم خلق مقارنات بين شباب القرى والأيام الخوالي الذين حملوا مسؤوليات عديدة على عاتقهم بسبب ضنك وقساوة العيش وبين بعض شباب المدن المدللين الذين يقضون يومهم بالنوم وأنا واحد منهم حاليا بعد أن تركت العمل من أجل الدراسة التي تركتها أيضا.

تعقد وتداخل أسباب هذا الوضع البائس:
تتداخل عدة مسببات في تفاقم الأوضاع وتغير وتبدل السلوكات بين الماضي والحاضر, منها نفسية وبيئية... كل سلوك ممارس وكل وضع محيط ينشأ عليه الطفل يؤثر بنسب متفاوتة على شخصيته لما يكبر, ويمكن تقسيم المسببات لعدة مستويات خارجية كبرى وصغرى, وداخلية تعود للشخص ذات نفسه: كالأوضاع السياسية والاقتصادية. والمسببات الصغرى المرتبطة بالوسط العائلي والاجتماعي والثقافي.
لنركز أكثر على أسباب عدم تحمل المسؤولية المتعلقة بالوسط المعيشي العربي وبالتنشئة ولنتحدث بارتجالية بعيدا عن المسائل العلمية البيولوجية السيكولوجية...لوجية لوجية, لأنني كرهت أي شيء يذكرني بالدراسة التي تركتها.

1- حنان الأمهات وكدح الآباء الزائد عن اللزوم:
لا يراعي عدد كبير من الآباء في تربية أبنائهم مسألة تدرج مراحل نمو الطفل, فيتحملون ويتولون كل أمور حياته من الصغر للكبر ليتحول لكائن عديم للمسؤولية وبشخصية اتكالية.
تشتهر الأم العربية بما يطلق عليه "الحنان" فهي لا تترك أطفالها يحملون صحنا أو كوبا من فوق الطاولة, لا يرتدون ملابسهم بمفردهم إلا بسن متأخر, لا يتقنون طبخ الطعام لسد رمقهم في حال غيابها عنهم, إذا جاع المراهق أكل من الشارع أو مات شهيدا! لا يرتبون أغراضهم بأنفسهم, وتراقبهم صبح مساء ولا تعطيهم إلا هامشا جد ضيق من الحريات والمسؤوليات...والقائمة تطول من السلوكات المدمرة لشخصية الطفل بحسن نية, بعض الأمهات يبلغن مبلغ التعلق المرضي فيرضعن أطفالهن من أثدائهن لغاية سن التمدرس, كل هذا تحت مسمى "حنان", وسأتحدث في موضوع مستقل عن أسباب هذا التعلق المرضي إن شاء الله, وعن من تكون حنان.
في حين يشتهر الأب العربي بأنه كادح من أجل أبنائه حتى وإن تجاوزوا سن اليأس, فهو يكد صبح مساء من أجل توفير ليس فقط لقمة العيش بل آخر صرعات الهواتف لابنه المدلل, وآخر صرعات الموضة لابنته الأميرة المنافسة للدوقة كات ميدلتون, يوصلهم للمدارس, الناطق الرسمي باسمهم, المقرر بدلا عنهم مصائر حياتهم الدراسية والمهنية والعاطفية, يبحث عن وسائط ومعارف ويُذل نفسه أمام المسؤولين من أجل مستقبلهم.

المنتوج المحصل عليه في آخر المطاف شاب مدلل أمه, وشابة أميرة أبيها...أنت إن أنشأت طفلا يعتمد عليك بشكل كامل سيبقى يعتمد عليك في أتفه أموره حتى بعد الكبر, دائما سيعود إليك عند وقوعه في المشاكل ينتظر منك إيجاد الحل له.
هذا ما يحدث لبقية الكائنات أيضا, إن عمدت على تربية قط منذ الصغر بالبيت فإنه سيعتمد عليك اعتمادا كليا في جلب غذائه ولن يخرج للصيد, كما هو حال القط عندي بالبيت, فما بالك بالقطط البشرية.

اقرأ عن تعلم اليأس.

2- الوسط البيئي الفوضوي والمزري:
لا يمكن أن نلقي بكل اللائمة في عدم تحمل الشاب للمسؤولية على كاهل الآباء والأمهات فقط, فالحياة صعبة بأغلب الدول العربية مما يضطر الأب أن يتولى مصير أبنائه مجبرا لا بطلا بسبب الفساد المستشري وتعقيد الإدارات والمحاباة للأقارب والأصدقاء في قضاء المآرب والأغراض بأغلب الدول النامية عموما إلا من رحم ربي.
يضطر الشاب لجر أبيه الشيخ للجامعة لأنهم رفضوا ملفه, وقد تم قبوله بعد أن تحدث والده مع صديقه الذي أجرى مكالمة لقريبه الذي بعث بالملف لأحد معارفه.

تدخل الفتاة الشابة للمستشفى العام الحكومي لا أحد يلتفت لها, لا تعرف أين تذهب وأين تجيء, صعود نزول مع الدرج وكل مكتب يبعثها لمكتب آخر, ثم بعد ثمان ساعات يقدمون لها موعدا بعد خمسة أشهر لإجراء الفحوصات, تتصل بوالدها تبكي ليجيء ويبدأ بالصراخ هنا وهناك, فيقربون الموعد أسبوعين كي يتوقف عن الصراخ. 
القصص عديدة ولابد وأنك تعرفها عزيزي القارئ إن كنت تعيش في وسط مشابه.
وبسبب تدهور أوضاع الإدارات يصير إقحام الآباء من طرف الأبناء في أتفه الأمور ثقافة سائدة لا يرى المجتمع بها أي سوء, إلا بعد أن تحدث مقارنة مع مواطنين بدول لا تعرف مثل هذه السلوكات, حيث يمكن للشاب ابتداء من سن الثامنة عشر سنة الاستقلال بنفسه عن والديه بشكل كلي, وفي اسكتلندا يستقل الشاب قانونيا عن والديه بسن 16 سنة ويمكنه أن يتزوج بهذا السن دون الحاجة لموافقة والديه, ويتم تحميل الطفل المسؤولية الكاملة للجرائم المرتكبة ابتداء من سن 12 سنة.
أما بالدول العربية, فهذا هو الحوار الذي يدور:
3- صعوبة الاستقلال المادي:
لنعد لمقارنة شباب الماضي بشباب الحاضر المدللين, اختلفت الأزمنة واختلفت الوسائل فللدولة قوانين تنظمها وتسيرها, هناك خيارات ضيقة للحصول على المال, لا يمكن للشاب الخروج لزرع الأراضي لأنها أراض الدولة, لا يمكنه الاحتطاب وبيع الحطب لأن شرطة حماية الغابات ستعتقله, لا يمكنه وضع عربة لبيع شيء ما لأنه بحاجة لرخصة, لا يمكنه صنع شيء بيده وبيعه لأنه يستحيل منافسة الشركات والماركات الكبرى التي تبيع أفضل مما قد يصنع وبأبخس الأثمان...إلخ إلخ إلخ
الحياة تطورت لم تعد تخض الحروب بالأحصنة والسيوف المستلة لنقارن مراهقي اليوم بمراهقي الأمس.
الخيارات هي الدراسة لسنوات عديدة مديدة والحصول على شهادات ثم التقدم للوظائف الحكومية أو الشركات للعمل بشكل نظامي, أو العمل على مشروع خاص, وشق طريق طويل وعر.
غير ذلك لا عمل, لا مال! نهج طريق الأجداد والسلف يؤدي للاقتراض والسلف.

والمشكل يكمن في أن عدد الوظائف قليل ولا يسد حاجات كل الشباب العربي, فالاقتصاد يسير بوتيرة بطيئة ويتراجع للوراء في بعض الدول, أما الفرص الخلابة فمقتنصة من الشباب المدلل أبناء الآباء الأكثر قوة بالمجتمع, لذا يبقى دائما عدد كبير جدا لا يستقل ماديا إلا بعد سن متقدم, وهناك من يبقى بلا استقلال مادي من المهد إلى اللحد, خصوصا إن كان ممن أريد لهم أن يكونوا بلا شواهد مؤهلة للعمل, أو شواهد عقيمة.

4- ثقافة المجتمع:
ببعض الدول الغربية يتم تعليم الطفل الاستقلال المادي بسن مبكر, حيث يسمح للأطفال بوضع طاولات أو عربات لبيع عصائر أو حلوى يحضرونها بأنفسهم أيام العطل, ويقبل المارة على الشراء من هؤلاء الأطفال تشجيعا لهم, هي ثقافة سائدة يحصل الطفل من خلالها على مصروفه اليومي بنفسه ويتعلم مبادئ الادخار والاقتصاد, بالإضافة لتنمية مهارات اجتماعيىة عدة.
لا يمكن أن يمارس أطفال الطبقات المتوسطة والغنية بالدول العربية هذا لأن البيئة لا تساعد مطلقا, هناك مخاطر عديدة على الطفل بالشوارع, كما ويرتبط بالمجتمعات العربية وبقية المجتمعات النامية ممارسة الأطفال للتجارة بالشوارع بالفقر المدقع وعدم قدرة الأهل على توفير لقمة العيش.
هل هناك مجال للمقارنة والتطبيق إذن؟

4- المسؤولية بين الرجل والمرأة:
لعبت الأدوار التقليدية في الماضي بالنسبة للرجل والمرأة في بلورة توزيع المسؤوليات بين الجنسين, فالمرأة تتولى أمور المنزل في حين يتولى الرجل أمور الأعمال الخارجية الشاقة.
بقدر بساطة الحياة وعدم تعقيدها  بقدر صعوبتها وارتكازها على القوة الجسدية بشكل أكبر.
كانت الطفلة تساعد أمها بالأعمال المنزلية وجلب الماء والحطب وحلب الماشية, في حين كان الطفل يساعد أباه في الحرث والرعي والبناء والصيد ونحوه...
لكن الوضع اليوم تغير فصارت الحياة بقدر سهولتها ويسرها, معقدة ومتطلبة لإتقان عدة مهارات ومكتسبات وسنوات مديدة من التعلم, فانعكس هذا بآثار إيجابية وسلبية على المجتمع:

لا داعي للتذكير أنني لا أعمم!

- بالنسبة للذكور:
ما حدث أن الطفلة الأنثى بقيت محافظة على دورها التقليدي تساعد أمها في الأعمال المنزلية السهلة (مقارنة بالماضي) في حين لم يعد للطفل الذكر أي دور سوى اللعب لأنه لا يمكنه مساعدة والده في وظيفته المكتبية.
بل قد تعمد الأم على تغذية روح اللامسؤولية لدى طفلها الذكر أكثر بحث أخته على خدمة أخيها, فينشأ الطفل اتكاليا مقارنة بأخته.
وهكذا صرنا نرى ظواهر لم يكن لها وجود بالماضي صارت متقبلة اليوم بصدر رحب, فكثيرة هي الأسر التي تعيلها فتيات رغم وجود الفتيان بها, بل أحيانا تشتغل الفتاة ويأخذ أخوها مرتبها ليبذره على أصدقائه وصديقاته, لأنه لم يتم تحميله بصغره أي مسؤوليات ونشأ على أنه مخدوم من طرف أمه وأبيه وأخته.
قد لا يتحمل حتى مسؤولية أبنائه ويلقيها كلها بعاتق زوجته, أو احدى قريباته إن هو فقد زوجته.
إن توفيت الزوجة فإن الرجل سيسارع بالزواج مرة أخرى من امرأة تهتم بأبنائه, وإن بدأت بالإساءة لهم فإن المجتمع سيحمّل المسؤولية لزوجة الأب وليس للأب, لأنه بالعقل الجمعي العربي الرجل عاجز عن الاعتناء بأبنائه بمفرده, فهو يعمل خارج البيت.
في حين لو تزوجت الأرملة من رجل وبدأ يعنف أبناءها فإنهم سيلقون باللائمة عليها, لأنه بالأذهان دائما المرأة قادرة على الاهتمام بأبنائها بمفردها دون الحاجة للزواج مجددا, ويمكنها العمل داخل وخارج البيت متى شاءت.
ولا تفهم عزيزي القارئ أنني ضد زواج الأرامل والمطلقين بل العكس تماما, وإنما هو مجرد مثال لتفسير ازدواجية المعايير.

- بالنسبة للإناث:
صارت الحياة أسهل وصارت النساء يقضين أغلب أوقاتهن بالمنازل بدل السير مسافات طويلة لجلب الماء والاحتطاب وحلب الماشية وبقية الأعمال الشاقة التي تتطلب مهارات جسدية وفطنة من نوع خاص.
انعكس نمط الحياة هذا على قدرة الفتيات على تحمل المسؤولية وأصبحت المرأة بشخصية اتكالية شبه تامة على الرجل في الأمور المتعلقة بالمجتمع خارج أسوار بيتها أو حتى تلك الأمور التي تتطلب قوة جسدية أو فطنة داخل البيت.
إن وقعت أرضا بالشارع فأنا لن أطلب المساعدة من أي امرأة مارة لأن احتمال أن تساعدني ضعيف جدا أو معدوم, ستبقى تحذق في أحتضر وهي تتأسف وتنظر حولها للبحث عن رجل يساعدني ويساعدها أيضا لأنه قد يغمى عليها من منظري المفزع وأنا أحتضر.

شخصيا عانيت الأمرين في العمل المتروك مع زميلتي, لأن طبيعة العمل تتطلب التعامل مع الآلات (مختبر بيولوجي) ولكل مختبر آلاته الخاصة التي قد تراها لأول مرة في حياتك يستوردها من الخارج, فلما كانت احدى الآلات تصاب بعطل بسيط تافه كانت زميلتي تناديني لأصلح لها العطل رغم أن تكويني وتكوينها واحد, ولما أطلب منها فتح النافذة أمامها تسحب بلطافة بالغة ثم تناديني لفتحها لها لأن النافذة استعصت, رغم أن النوافذ غير مصممة ليفتحها حصرا الرجال الأشداء, لو حاولت مرة أخرى لتمكنت بسهولة من فتحها, أما إن طلبت منها تركيب مصباح بدل المعطل فإنها تنظر إلي وكأنني طلبت منها تركيب قنبلة نووية.
هذا لأنه بأذهان عدد كبير من النسوة أن أي عمل به آلات وأشياء الكترونية أو به تلطيخ للأيدي فهو من اختصاص الرجال حتى وإن كانت قادرة على إنجازه بكل سهولة كتركيب مصباح جديد, هي لا تحاول منذ البداية.
الشيء الإيجابي الوحيد الذي أتذكره بشأن زميلتي هو أنها كانت جميلة وتحضر لي الشاي بشكل يومي.

خلاصة وحلول:
باختصار, فإن الإنسان يزرع ما يحصد...عفوا! أقصد يحصد ما يزرع, أعطني وضعا اقتصاديا واجتماعيا مستقرا, أعطيك مخلوقا مستقلا ومستقرا عاطفيا وماديا ومسؤولا ومقبولا وسط بقية الخلائق.
أما بخصوص الحلول فلو كنت أملكها لما وجدتني جالسا بلا عمل أخرف وأهلوس هنا.

تأثر أسئلة اختبارات الشخصية MBTI بالخلفية الاجتماعية

7
تستخدم اختبارات الشخصية حول العالم في الشركات لتقييم مدى قابلية الشخص على العمل بوظيفة ما, وهذا يعد تقييما كوميديا من كل المناحي فابتداء من كون الشخص سيبدأ بالإجابة الاجابات المثالية التي تناسب المنصب الوظيفي لسان حاله (أنا رائع بالفطرة), قد يوزع مسؤولوا الشركة الوظائف معتمدين على نظريات تتحدث عن نفسيات البشر بالعموم والتي لا تلامس بالضرورة نفسيات الموظفيين على أرض الواقع لسان حالهم (شهاداتك وتجاربك خلابة ولكنك حسب الدراسات تصلح بوابا للشركة).
وهذا جعل أغلب اختبارات الشخصية نقمة على من يجتازها لأنه يتم قولبته في إطار مطبوخ وجاهز مسبقا, فهي لا تراعي خصوصية وتفرد شخصية ونفسية كل إنسان على حدة فيتم الحكم المسبق على تصرفاته وأفكاره وإرجاعها لهذا التقسيم أو ذاك, تماما كما يتم إرجاع سلوك الشخص المشين لجنسه أو جنسيته أو عرقه.

وأنا هنا أتحدث عن اختبارات الشخصية بشكل عام, وقد وضعت كالعادة MBTI بالعنوان كعامل جذب لا غير, مثلما يتم استغلال أسماء بعض الفنانات الفلتانات لجلب المشاهدات.

1- الهدف من أسئلة اختبارات الشخصية:
تعرف الشخصية على أنها تنظيم لمجموع العمليات النفسية والعاطفية والتي نترجمها على شكل سلوكات, وتبدأ شخصية الإنسان بالتطور من الطفولة والمراهقة لتنضج وتصير أكثر استقرارا بسن الرشد فلا تتغير بعدها عبر مختلف المواقف الحياتية, حيث يكون التغير بالشخصية بعد سن الرشد طفيفا للغاية, فيخلط بين تغير السلوكات نتيجة تغير القناعات مع "الشخصية" التي عادة لا تتغير, إلا إن حصل مشكل بالدماغ.
شخص غير منظم, مستهتر, لامبال وغير مخطط بشبابه سيبقى كذلك طوال حياته لأنه عامل مرتبط بمخه وليس بقناعاته.
والآن إن قمت بصنع اختبار وأردت فيه أن أقيس مدى انتظام الشخص وعدم استهتاره وتماطله فإنني لن أطرح عليه سؤالا من قبيل: "- هل أنت مواكب على الصلاة بالمسجد؟" لأنه سؤال متصل بخلفيتي الاجتماعية التي لن تخبرني أبدا ما إذا كان الشخص فعلا منظما في حياته أم مستهترا لأنه قد يكون مسلما منظما في أمور حياته لكنه تارك تماما للصلاة أو يصلي بعمله ومنزله, أو امرأة تصلي ببيتها, أوقد لا يكون مسلما منذ البداية.

إذن هدف صانع أسئلة الاختبارات هو طرح الأسئلة التي ترتبط ببيولوجيا الكائن البشري والتي لا ترتبط مطلقا ببقية العوامل المشوشة للنتائج, لذا تنسج نظريات الشخصية باستقصاءات ومراقبات لسلوك الأفراد بثقافات مختلفة وذلك لاستخلاص السمات بالشخصية البشرية التي لا علاقة لها بالديانات والتقاليد والخلفيات الاجتماعية.

لكن طرح الأسئلة بشكل مباشر لا يجدي نفعا لأن تقييم الفرد لنفسه لا يكون صحيحا في الغالب, فمن أجل معرفة ما إذا كان الشخص انطوائيا أم اجتماعيا طرح سؤال مباشر من قبيل: "- هل أنت انطوائي أم اجتماعي؟" لن يعطينا الإجابة الصحيحة دائما.
إذن بدل طرح أسئلة مباشرة حول السمات التي يرغب المنظر في استخلاصها, يتم وضع من يجتاز الاختبار في مواقف وحالات متخيلة ليُعرفنا كيف يفكر وكيف يتصرف بمختلف المواقف.
- تفضل الجلوس وحدك بدل مخالطة الناس؟
- تفضل تناول الطعام بمفردك أم مع بقية أفراد العائلة؟

من خلال طرح أسئلة مشابهة حول الانطوائية والاجتماعية سنقرب المختبر أكثر حول ما نود معرفته وسيبدأ بالإجابة عن سلوكه وأسلوب تفكيره بالحياة.
المشكلة هنا تكمن في أن الأسئلة قد تمس الخلفيات الاجتماعية للفرد المختبر فيجيب إجابة نابعة عن تأثير وسطه وليس عن شخصيته الحقيقية.
2- مدى ملاءمة أسئلة الاختبارات خلفية المتلقي الاجتماعية:
أغلب الاختبارات يطورها علماء رجال غربيون بمنتصف العمر, أي أن الأسئلة هي من وجهة نظر هذه الفئة ونمط عيشها وخلفيتها الاجتماعية والثقافية, وحتى وهم يدرسون المجتمع وشخصية الفرد فهم يدرسون سلوك الفرد الغربي ويقيمونه حسب وجهة نظرهم, ثم ينسجون أسئلة لمواقف متخيلة حسب وسطهم الاجتماعي.
لنأخذ مثال "- هل تحب الحفلات؟", هو مصمم بالنسبة للحفلات بالغرب التي يتم فيها تناول المخدرات والكحوليات حد الثمالة والتي كثيرا ما تنتهي بحوادث سير قاتلة أو اغتصابات...
المهم!
في مجتمعنا العربي ولآخذ مثالا مدينتي التي أعيش فيها فلو كان المقصود بالحفلات المناسبات العائلية فلا فرق بينها صراحة وبين الجنائز. و أما إن كان المقصود الحفلات الغنائية العامة, فبمدينتي يعتلي منصة الغناء حمير تنهق على هيئة بشر, وبالتالي سيجيب عدد كبير من الاجتماعيين بمدينتي أنهم لا يطيقون الحفلات, لأن هذا هو مفهوم الحفلات لدينا... 

بأحد الأسئلة التي تقيس مدى توهان الشخص بالأفكار, السؤال التالي: "- كثيرا ما تنسى مفاتيح سيارتك."
بالنسبة لعدد كبير ممن لا يملكون سيارات وبالنسبة لمن تقل أعمارهم عن السن القانوني للسياقة سيكون جوابهم لا أنسى مفاتيح سيارتي لأنه ليس لدي سيارة أصلا كي أنسى مفاتيحها.

تركز الأسئلة أيضا على سلوك المُختبِر بالوسط المهني في حين أن نسبة ضخمة من مجتازي الاختبار طلاب أو طالبات, عاطلون عن العمل أو عاطلات, ربات بيوت... أو حتى أرباب!
كما أن بيئة العمل بالعالم الغربي ليست هي نفسها بيئة العمل بالعوالم الأخرى, كالعالم السفلي الذي أعيش فيه مثلا.
ففي سؤال: "- من السهل عليك كمسؤول بشركة التخلص من موظف مخلص لا يقوم بالعمل على أحسن وجه."
سيكون جوابي: لا أبدا ليس سهلا علي بالمرة لأن الموظف سيكون فردا من أفراد أسرتي على الأرجح وإن طردته ستحدث خصومة عائلية, لأنه بثقافتنا العربية يكون صاحب الشركة مجبرا على توظيف أبناء عمومته وبنات خالاته وجيرانه وأبناء أصدقاء والده وبنات صديقات والدته...وإلا سيتبرأ القوم منه.

كما يصعب على المواطن العربي المسؤول طرد موظف لأن هذا يعني أنه سيشرده وأسرته وسيوصم المسؤول من طرف المجتمع بأنه قاطع للأرزاق مشرد للأطفال والنساء, في حين يمكن للمسؤول الأوربي طرد الموظف بشكل أسهل لأن الرجل المطرود لن تتشرد أسرته بل سيجد عملا آخر بسهولة أكبر وإن لم يجد فلديه تعويض مالي عن العطالة من الدولة.
بالإضافة لكون الثقافة الغربية تعطي قيمة أكبر للعمل والمادة مقارنة بالثقافة العربية التي تعطي قيمة أكبر للعلاقات الاجتماعية.
وبالتالي إن طرح سؤال كهذا قد يدفع عددا أكبر من المواطنين العرب للإجابة بأن مسألة الطرد صعبة مقارنة مع المواطن الأوربي, لأن نمط العيش والظروف الاقتصادية والثقافية لكل بيئة تختلف ولها تأثير على الإجابات.

الأمثلة متعددة التي ستتباين فيها الإجابات من مجتمع إلى آخر والتي قد لا تقيس بشكل صحيح شخصية الفرد الذي لا ينتمي لثقافة ومجتمع من صاغ الأسئلة وبالتالي لن نحصل على نتيجة واقعية.
فرغم أن الأسئلة هي فقط محاولة لوضع الشخص في موقف متخيل ليقيم نفسه بنفسه, إلا أن من يجتاز الاختبار قد لا يدرك الهدف من وراء السؤال, فالشخص الاجتماعي الذي لا يطيق الحفلات بوسطه قد يحب الحفلات بوسط اجتماعي آخر, ولأنه لا يدرك أن المراد من السؤال هو معرفة ما إذا كان يحب المرح بشكل عام رفقة بقية الخلق فسيعطي الإجابة الخاطئة.
كما أن الشخص الذي لا سيارة لديه وتطرح عليه سؤالا من قبيل "هل تنسى مفاتيح سيارتك بشكل مستمر؟" هو لا يدرك أن المراد من السؤال معرفة ما إذا كان فاقدا للتركيز أو غير منظم, لذا قد يتجاوز الإجابة عن السؤال أو يجيب أنه لا ينسى مفاتيح سيارته لأنه ليس لديه سيارة حتى وإن كان كثير النسيان فعلا.

3- تأثير الخلفية الاجتماعية على سلوكات وأسلوب تفكير المتلقي ومن تم تأثر أجوبة أسئلة الاختبارات:
تتباين الخلفية الثقافية والمبادئ والقيم والقواعد المجتمعية المتبعة من فرد لآخر حتى وإن انتموا لنفس المجتمع.
وتتداخل عدة عوامل في التأثير على إجابات الشخص وبالتالي حصول نتائج لا تعكس شخصية الفرد الحقيقية.

1- عامل السن:
تتغير نظرة الإنسان للحياة وسلوكه كلما تقدم بالسن, لا يؤثر التقدم بالسن بالعادة على شخصية الإنسان ومشاعره وأسلوب تفكيره إلا في حالات خاصة وبشكل جزئي, ولكن يحدث أن يحصل الإنسان على نتائج مختلفة تماما باختبارات الشخصية لأن أسئلتها لم تقم بمراعاة عامل السن في صياغة الأسئلة.
في سؤال: "- تفضل ألعاب الفيديو ومشاهدة الأفلام على حضور المناسبات الاجتماعية" الغرض من هذا السؤال معرفة مدى انطوائية واجتماعية الشخص.
المرأة أو الرجل الانطوائيان اللذان تجاوزا الخمسين من العمر لن يجيبا بأنهما يفضلان لعبة فيديو على المناسبات الاجتماعية, بالمقابل فإن نسبة كبيرة من الشباب والمراهقين الاجتماعيين سيجيبون بأنهم يفضلون ألعاب الفيديو على المناسبات الاجتماعية.
وهكذا سيحصل الرجل الانطوائي بمنتصف العمر على نقاط بالاجتماعية, في حين سيحصل الشاب الاجتماعي على نقاط بالانطوائية.
يجب أن تراعي الأسئلة خصوصية كل مرحلة عمرية ولا تطرح أسئلة تتباين فيها الأجوبة حسب سن الفرد المُختبِر.
يقضي الشباب والمراهقون عموما ساعات طوالا أمام شاشات الحواسيب والهواتف والتلفاز أكثر من كبار السن, يجب إذن إذا أردنا صياغة سؤال أخذ هذا المعطى بعين الاعتبار.
وقس على ذلك بقية المعطيات.

2- عامل الجنس:
سلوك الرجل يختلف عن سلوك المرأة واهتمامات الرجل تختلف عن اهتمامات المرأة.
لا تراعي كثير من الأسئلة الاهتمامات والقواعد المجتمعية المتبعة من طرف كل جنس.
كنت أجرب أحد الاختبارات على الانترنت ذات مرة فكان من بين الأسئلة "- أنت تعشق التسوق رفقة الأصدقاء" وقد خمنت في أن صاحبة الاختبار لربما هي امرأة لأن هذا السؤال يرتبط بالعامل الأنثوي بشكل أكبر, تتسوق النساء عادة رفقة بعضهن البعض انطوائيات كن أو اجتماعيات عكس الرجال, وبالتالي طرح سؤال كهذا لمعرفة مدى اجتماعية الفرد غير مجدي, حسب زعمي والله أعلم.
بمدينتي تفوقت أعداد المقاهي فيها على أعداد البشر, لدينا ثقافة الجلوس بالمقاهي وأغلب مرتاديها هم من الرجال, ونجلس بالمقاهي فرادى وجماعات سواء كان الرجل انطوائيا أو اجتماعيا, (أجلس بالمقهى لمراقبة عباد الله غادين ورائحين رفقة أصدقائي أو بمفردي, أحب مراقبة الناس غفر الله لي ولهم). طرح سؤال "- هل تحب الجلوس بالمقهى وحيدا؟" لن يعطيك النتيجة الصحيحة بمدينتي, فالرجال يجلسون بمفردهم حتى وإن كانوا اجتماعيين في حين أن النساء لا يجسلن بمفردهن مطلقا بالمقهى هن يجلسن رفقة أصدقائهن أو أسرهن حتى وإن كن انطوائيات لأن هذه هي الثقافة لدينا.

تقترح بعض الدراسات أن الرجال أكثر انطوائية مقارنة بالنساء, أظن أن من بين العوامل التي أدت لهذا الاستنتاج تركيز أسئلة الاختبارات المبالغ فيه على المناسبات الاجتماعية والعائلية والتي بالعادة ترتبط بالنساء أكثر من ارتباطها بالرجال, فيجيب عدد كبير من الرجال أنهم لا يقومون بتلك السلوكات الاجتماعية ليتم تصنيفهم ضمن الانطوائية, كما تجيب أعداد كبيرة من النساء الانطوائيات بأنهن يقمن ببعض السلوكات برفقة صديقاتهن أو قريباتهن, لأن هذا هو سلوكهن كنسوة بالمجتمع أو ربما بسبب عدم شعورهن بالأمان بمفردهن فيتم تصنيفهن كاجتماعيات.

 3- المعتقدات الشخصية:
 تؤثر المعتقدات الشخصية أيضا عل أجوبة الفرد, فمثلا باختبار الذكاءات المتعددة هناك أسئلة لقياس الذكاء الموسيقي, والذكاء الموسيقي هو ذكاء يرتبط باهتمام الشخص بما يسمع من أصوات وتمييزها كصوت العصافير, والقدرة على تذوق الايقاعات والألحان وشعوره العميق بها... ولكن أسئلة الاختبار تركز على الجانب الموسيقي أكثر, وتطرح سؤالا من قبيل "- هل تمتلك آلة موسيقية تعزف عليها؟", وبالتالي فإن عددا كبيرا من المختبرين بالعالم العربي سيحصلون على ذكاء سمعي منخفض لأنهم يؤمنون بحرمانية الموسيقي أو لا يعزفون على الآلات لأن ثقافة العزف منحصرة على فئة بعينها عكس العالم الغربي... كانوا سيحصلون على ذكاء سمعي مرتفع مثلا لو ركزت الأسئلة على مقرئي القرآن الكريم أو على الإنشاد...أي أن لمعتقدات الشخص علاقة في الحصول على نتائج خاطئة لا تعبر حقيقة عن شخصيته وقدراته الحقيقية.
لا يحب بعض الاجتماعيين حضور الحفلات لأن بها مخالفات شرعية, وليس لأنهم انطوائيين, رغم أنني اجتماعي وأحب حفلات الأصدقاء إلا أنني لا أحضر حفلات الحشاشين التي تقام بالمدينة لعدة اعتبارات سياسية ودينية وإنسانية...وأي كلمة تنتهي ب نية.
وإن كنت أجيب في أسئلة الاختبارات أنني أحب الحفلات فهذا لمعرفتي المسبقة بمراد السؤال بينما بعض من أصدقائي الاجتماعيين الذين يقاسمونني نفس الأفكار السياسية والدينية والإنسانية يجيبون أنهم لا يحبون الحفلات لأن الهدف من السؤال غائب عنهم.

بسؤال "- عادة ما تكون أول المبادرين بالمناسبات الاجتماعية" يسارع بعض الانطوائيون بالمباركة أو التعزية بالمناسبات الاجتماعية بنية كسب الأجر, وليس لأنهم اجتماعيين.

وهكذا هي العديد من الأمثلة سواء التي ترتبط بالمعتقدات الدينية أو بالمبادئ والقيم الشخصية...

4- التقييم الزائف للذات:
مشكلة هذا النوع من الاختبارات الشخصية أنها تعتمد على تقييم الفرد لنفسه, وكثيرا ما يقيم الإنسان سلوكه بشكل خاطئ, فيرى أنه أكثر صرامة في حين أنه جد متساهل أو يرى نفسه جد مرتب في حين أنه مستهتر تماما...

بسؤال: "- أنت تشعر بحاجة لتبرير أفعالك للآخرين" الغرض منه معرفة مدى حزم وعصابية الشخص, قد لا تجيب النساء على هذا السؤال الاجابة الصحيح, فقد جربت أن قدمت هذا السؤال لبعض زميلاتي بالدراسة اللائي أعرف قبليا أنهن يبررن كل حركة وكلمة وتصرف يقمن به بشكل مقرف, فكانت إجابات أغلبهن أنهن لا يشعرن بالحاجة لتبرير أفعالهن, فبُهتت!
فهن يتبعن قواعد مجتمعية خاصة بهن نشأن عليها, لأن على المرأة بالمجتمع أن تعطي انطباعا حسنا عنها وبالتالي تجد نفسها مجبرة على أن تبرر أفعالها وأقوالها دون إدراك منها بأنها تمارس "التبرير", هي لا تشعر بأنها تبرر لأنه هكذا تسري المحادثات بالنسبة لها, يجب إن تأخرت مثلا لخمس دقائق أن تروي لك المسببات الاقتصادية والارهاصات السياسية المؤدية لمشكل تأخرها.
وبالتالي فإن المرأة التي تبرر نفسها كل خمس دقائق ستجيب بأنها لا تبرر نفسها مطلقا.

عودة لسؤال: "- يمكنك التخلص بسهولة من الموظف المخلص الذي لا ينجز العمل بشكل جيد" الغرض منه معرفة مدى القبولية عند الشخص, يستسهل عدد كبير ممن لهم قبولية مرتفعة إمكانية قدرتهم على التخلص من موظف لا يعمل بشكل جيد, لأنه موقف صعب التخيل إذ يحتاج لتجربة واقعية له, طرح مثل هذا السؤال على طلاب مدارس وجامعات لم يسبق لهم أن أقاموا علاقات مهنية لن يمكنهم من تخيل أنفسهم مسؤولين, فقد يجيب أصحاب القبولية الإجابة المدرسية (التلميذ الذي لا ينجز التمارين يطرده المعلم من الفصل).

خلاصة:
إذن كخلاصة أنا هنا وضعت بعضا من الأمثلة التي تتعلق بشخصي ووسطي الاجتماعي لتقريب المسألة, ويمكنك عزيزي القارئ أن تسقط الأسئلة على مجتمعك وطبيعة الثقافة بوسطك ومعتقداتك وتقاليدك وأنت تقرأ أسئلة الاختبارات, لتفكر فيما إذا كان الوضع سيختلف لو أنك تعيش بوسط آخر, قد يصعب عليك الأمر قليلا أو قد تراه مضيعة للوقت, لذا لا تهتم, دعك مني!
يمكنك أيضا أن تفكر في الهدف من السؤال بدل التركيز على إجاباتك أنت شخصيا لتستشف ما يود صاحب الاختبار معرفته بطرح هذا السؤال؟ وبالتالي الإجابة الإجابة المثالية التي تظهر لك نتيجة تبهجك وتدخل على قلبك السرور, بدل النتيجة الواقعية.

لماذا يعتقد كثر أن الصعود للقمر كذبة؟

4
 لن أستعرض هنا أدلة صعود أو نزول أحد, لم يسبق لي أن اشتغلت بأي وكالة فضاء.
لا يتوفر أحد من العامة على العلم الكافي لمناقشة مسألة صعود إنسان أو حيوان للقمر, لأنها مرتبطة بعلوم شتى تقع تحت مظلة علوم الفضاء (هندسة الطيران الجوي والفضاء,الفلك وتفرعاته: فيزياء فلكية, علم الكون الفيزيائي, علم الكواكب ... الطب الفضائي والعديد من العلوم الأخرى غير المتوفرة لدينا) وبالتالي من يخرج علينا من العامة يدعي تمكنه من تحليل الأدلة فهو يعاني من مستوى جد متقدم من وهم التفوق.

لكن السؤال يبقى مطروحا وهو لماذا يوجد عدد كبير من الناس حول العالم قاطبة يكذّبون مسألة صعود الأمريكان للقمر بل وتتزايد أعدادهم مع مرور السنوات؟ في حين لم يكذّب أحد الرّوس لما أرسلوا أول إنسان للفضاء مثلا.
وهذا ما سأناقشه وأفسره, بتناول النفسيات والخلفيات والحيثيات.

لنتفلسف إذن بما فيه الكفاية.

1- الصعود للقمر حدث بشري وليس نظرية علمية:
النظرية العلمية: هي تفسير لظاهرة من الظواهر الطبيعية بشكل يمكن اختباره والتحقق من صحته مرارا وتكرارا وفق منهجية علمية واضحة المعالم.
ولنأخذ مثال كروية الأرض فإن الأرض إن كانت كروية فهي كروية دائما وليس لبضع ساعات قبل ست سنوات, وبالتالي يمكن التحقق من كرويتها عن طريق عدة طرق علمية وبشكل متكرر.
صعود الأمريكان للقمر: ليس نظرية علمية بل حدث بشري حصل في مدة زمنية معينة ولم يتكرر طبعا.

وبالتالي فإن مناقشة الأدلة بخصوص هذا الموضوع أخذت على مر العقود شكل تحريات واستقصاءات صحفية بالعادة, كإجراء حوارات مع رواد الفضاء الذين صعدوا للقمر, وخبراء بهذا الخصوص ورجال استخبارات عاصروا الأحداث إلخ...
ولأن المسألة حدث بشري حصل بالماضي فإنه يسهل انتشار فكرة التكذيب والتشكيك في حدوثه بين العامة بسهولة.
والتفلسف حول الأدلة العلمية لن يجدي نفعا في إقناع من تسرب الشك إلى نفسه وصار في ريب عظيم.

ولأفسر أكثر سأقترح السيناريو التالي: أنا جواد سافرت لزيمبابوي بعد العيد السعيد وصادفت أثناء تجولي بالسافانا أسدا كان على بعد مائتي متر فركضت بسرعة نحو معداتي واستخرجت سكين المطبخ وما إن وصل الأسد ونط لينتهش رقبتي قفزت وطعنته باتجاه القلب مباشرة فوقع صريعا.
طبعا ستكذبني حتى وإن أرفقت لك أدلة علمية مفصلة عن أن الإنسان قادر فيزيائيا على السفر من المغرب لزيمبابوي بالطائرة ومن تم العودة في ظرف وجيز, كما يمكن للإنسان فيزيائيا وبيولوجيا القفز بارتفاع أزيد من المتر كما يمكن لسكين المطبخ فيزيائيا أن يخترق أضلاع الأسد إن كان مندفعا بقوة وفيزيولوجيا فإن الأسد سيموت بظرف وجيز بعد تلقي طعنة بالقلب.
لكن رغم كل الأدلة العلمية المفصلة لن تصدقني, لأن الأمر مرتبط بحدث وبشخصي أنا وليس بنظرية علمية حول ظاهرة طبيعية وستقول لي أنت جواد معتاد على تأليف التفاهات المثيرة للغثيان والآن أنت تؤلف لنا فيلما بوليوديا ماسخا بعد إفلاسك طمعا في لفت الانتباه!

وهذا ما حدث للأمريكان تماما, بسبب بعض الحيثيات المرافقة لسياساتهم, يكذّبهم الناس حتى وإن صدقوا.
صدقوا أم لم يصدقوا صراحة لا أدري!
على أي

لنروي القصة منذ بداياتها:
باختصار بالموسم الأول من المسلسل دخلت العمة والخالة أمريكا وروسيا (الاتحاد السوفياتي سابقا) حربا باردة بعد انتحار هتلر, شملت هذه الحرب سباقا محموما نحو غزو الفضاء, إذ أطلقت روسيا أول قمر صناعي بالخمسينات, ثم أول إنسان للفضاء الطيار الروسي يوري غاغارين عام 1961 ولارتفاع حوالي 300 كيلومترا فوق سطح الأرض, وقد عاد عودة الأبطال, ثم بعد عامين أرسل الروس أول امرأة للفضاء فالنتينا تريشكوفا تلاها حدث أول إنسان يخرج من قمرته ليسبح بالفضاء وهو الروسي أليكسي ليونوف عام 1965..
حتى أول حيوان بالفضاء كانت كلبة روسية... ولقد حقق الأمريكان في الستينات إنجازات فضائية أيضا إلا أنها لم تكن خلابة بذلك الوقت كإنجازات الروس لذا كانوا بحاجة لانتصار فضائي خارق للعادة إذ انتشر بين عامة الشعوب أن روسيا هي القوة العظمى الغازية للفضاء, ولم يكن للأمريكان من خيار إلا المضي قدما لإتباث العكس, لذا سأل الرئيس الأمريكي كيندي معاونيه عن وسيلة لهزيمة الروس سواء بإطلاق مختبر بالفضاء أو إرسال رجل يحلق حول القمر أو حتى يحط فوق سطحه, فأعلموا الرئيس أن المسألة قد تكون صعبة جدا أو حتى مستحيلة وأن الميزانية ستكون خيالية كما أن  ذلك لن يتحقق إلا بعد عمل دؤوب لعشر سنوات, فلم يردع هذا كيندي لأنه كان بحاجة ماسة لتحقيق انتصار خارق على الروس, وبعد معارضة شديدة بدأ العمل فعلا على مشروع أبولو ولم يتحقق الصعود للقمر إلا بعهد الرئيس نيكسون لأن كينيدي كان حينها مقبورا تحت التراب.
فبعثت فعلا وكالة ناسا الأمريكية ست رحلات للقمر بين أعوام 1969 و 1972 وعلى بعد أزيد من 300 ألف كيلومتر.لينتصر الأمريكان أخيرا بشكل أبهر العالم.
فبكى الروس... انتهى.

مكالمة نيكسون التاريخية للقمر
بالموسم الثاني من المسلسل مباشرة بعد ذهاب الأمريكان للقمر خرج المكذبون والمشككون من داخل أمريكا ذات نفسها وانتشرت فكرة التكذيب بتأليف بيل كايسينغ كتابا بعد أربع سنوات فقط من انتهاء برنامج أبولو يفنذ فيه مسألة الصعود للقمر, بيعت منه ملايين النسخ وانتشرت نظرية المؤامرة كالنار على الهشيم, حتى هوليود أخرجت فيلما تدور أحداثه حول تلفيق ناسا لكذبة إرسال بشر للمريخ مستوحية الفكرة من كتاب كايسينغ, ثم أنتجت قناة فوكس الأمريكية فيلما وثائقيا يكذب حدث الصعود للقمر, فتوسعت رقعة التكذيب لتشمل بقية دول العالم وباتت أعداد المكذبين والمشككين تزداد عاما بعد آخر.

2- الصعود للقمر قرار سياسي وليس لأغراض علمية:
وضعنا الأحداث بسياقها التاريخي إذن, الصعود للقمر لم يكن مجرد رحلة استكشافية ذات أغراض علمية محضة, بل قرارا سياسيا لتحقيق انتصار على الروس.
ولأن المسألة سياسية ولأن أغلب البشر لا يصدقون السياسيين خصوصا الأمريكان منهم فإن التشكيك لاقى صداه ترحابا لدى الكثيرين, فالسياسة هي فن الممكن وليس بالسياسة أخلاق بل تحقيق للمصالح, فإن كان تلفيق مسألة الصعود للقمر ممكنة وأسهل من الصعود بحد ذاته فإنهم سيعملون على الفبركة بكل بساطة, وأي دولة إن تمكنت من تلفيق انتصار ما ستفعل حتما إن كان هذا يصب في مصلحتها ويعود عليها بالمنفعة, أي دولة "حرفيا".

يعتبر الشعب الأمريكي من بين أكثر الشعوب المؤمنة بنظريات المؤامرة في شتى المجالات, ولهذا التشكيك مبرراته لأن السياسة الأمريكية جد مراوغة ومحتالة وقد افتضح أمر العديد من السياسيين الأمريكان في أكثر من مناسبة في خضم صراعاتهم الداخلية بالتسريبات ونحوه, كما أن طبيعة النظام لديهم يبعث في النفوس الريبة والشعور أن هناك الكثير مما يتم إخفاؤه على المواطنين ويتم خداع الآخرين به لكسب المصالح...وإذا كان الشعب الأمريكي ذات نفسه يشكك عدد كبير منه في عدة مسائل فمن الطبيعي أن ينقلوا هذه المشاعر لبقية سكان العالم بوسائل الإعلام والتواصل التي يهيمنون عليها.

طبعا هذا لا يؤكد ما إن كانت المسألة ملفقة فعلا, هو مجرد تفسير لأسباب التشكيك.
3- هوليود مبهرة:
لقد أبهرت أفلام هوليود على مر الزمن العالم بأفلامها المتقنة ذات التقنيات العالية والميزانيات الخيالية في إنتاج الأعمال السينيمائية, كما وأن هوليود لعبت دورا جد محوري في توجيه الرأي العام حسب أهواء الحكام فهي سلاح بأيد السياسيين بل أن بعض السياسيين ذات أنفسهم خرجوا من رحم هوليود كالرئيس الأمريكي رونالد ريغان الذي لم يكن سوى ممثلا محترفا.

هذا جعل البعض يطرح تساؤلا حول إمكانية أن تخرج هوليود بقدراتها وتقنياتها العالية وبالتعاون مع وكالة ناسا فيلما محكم الدقة يحاكي الصعود للقمر؟
خصوصا وأن هوليود دأبت على تحسين صورة أمريكا أمام العالم وخلق تصور ذهني حول السوبرمان الأمريكي الخارق الذي ينقذ العالم ويحقق انتصارات للبشرية جمعاء, مثلما هو الحال عند إخراج أفلام الغرض منها التعاطف مع الجيوش الأمريكية بالحروب الفاشلة, كحرب فيتنام وما تلاها من أفلام لأبطال خارقين.

4- عدم تكرار المسألة:
من الأمور التي جعلت رقعة المشككين تتسع وهو عدم تكرار الذهاب للقمر مجددا, وكما أسلفت الذكر بالأعلى فإن الميزانية كانت جد خيالية للصعود للقمر من أجل تحقيق انتصار سياسي على الروس إبان الحرب الباردة, فالقمر ليس سوى كتلة صخرية بلا غلاف جوي, لا يمكن خسارة ميزانية ضخمة جدا مجددا للحط فوقه بهذا الظرف الوجيز, لأن لا فائدة من تكرار ذلك فهناك أولويات أخرى.
مؤامرة عدم الصعود للقمر
ولنضرب مثالا وهو أن وكالة ناسا كانت قد قررت بعث امرأتين للسباحة بالفضاء بمفردهما بدون رفقة رجالية لأول مرة بالتاريخ قبل ثلاثة أشهر من اليوم ولكن بسبب توفر بدلة فضاء واحدة بمقاس صغير ألغيت المسألة, وتم بعث امرأة واحدة فقط.
لو كنا بالستينات لتكلفت الدولة ميزانية ضخمة لتصميم بدلة أخرى صغيرة شفافة لتحقيق انتصار على الروس ببعث أول عارضتي أزياء تسبحان بالفضاء, ولكن لأننا ب2019 فهناك أولويات أهم من تحقيق الألقاب غير المجدية, تصميم بدلة فضاء جد مكلف, يمكن صرفه في أبحاث علمية أو مشاريع مستقبلية, إذ يتم التخطيط لبعث النساء والرجال للمريخ, حسب زعم ترامب والله أدري وأعلم!

5- إشعاعات حزام فان ألان وعدم تجاوز مدار الأرض:
ليس كل المشككين على مستوى واحد من العلم والاطلاع, فهناك مشككون لا يملكون أي فكرة حول موضوع علوم الفضاء مطلقا في حين يمتلك بعض المشككين خلفيات علمية تؤهلهم للتساؤل حول الموضوع.

إذ ليس فقط عدم تكرار الصعود للقمر ما أثار الريبة في نفوس العباد بل عدم تجاوز البشر لمدار الأرض.
تطوق الكرة الأرضية حزمة من الإشعاعات القادمة من كل أرجاء الفضاء مشكلة حزامات من الجسيمات المشحونة حول الكرة الأرضية على ارتفاع حوالي 1000 كيلومتر وأحيانا في بعض المناطق تنخفض لأقل من 600 كيومترا, وقد أطلق عليها اسم حزام فان ألان حسب اسم مكتشفه, وتعد إشعاعات الحزام قاتلة للخلايا البيولوجية محطمة لحمضها النووي ومدمرة للعديد من الأجهزة الالكترونية, لذا يحلق البشر حول مدار الأرض المنخفض للبقاء بعيدا عن حزام فان ألان الذي يشكل ومازال تحديا أمام العبور الآمن.
لقد فسرت ناسا كيفية عبور الحزام القاتل في رحلات أبولو ونشرت دراسة مفصلة ومتوفرة للعموم حول الكميات الاشعاعية التي تلقاها المكوك, حيث لم يستغرق الأمر إلا بضع دقائق بالنسبة للمكوك وهو يخترق الحزام الإشعاعي أي ما يعادل تلقي أشعة مقطعية بالمستشفيات, وهي كمية ضعيفة جدا وغير قاتلة, إلا أن المشككين ينكرون تماما إمكانية عبور حزام فان آلان بالنسبة للكائن البشري, وأن الإشعاعات جدا قوية وقاتلة وليست بتلك البساطة التي تصورها ناسا.

وبالتأكيد لا أحد من العامة يمكنه مناقشة حزام فان ألان لأنه بعيد المنال.

6- الجهل بعلوم الفضاء:
من أهم أسباب التكذيب الجهل بعلوم الفضاء.
أغلب من يكّذب صعود الأمريكان للقمر من العامة, قلة قليلة جدا من علماء الفضاء حول العالم يشككون في المسألة, ستجد أن الأدلة المبعثرة هنا وهناك على قارعة اليوتيوب تتناول أدلة تم تفسيرها ودحضها بتفصيل.
وأكثر الكتب مبيعا حول نظرية المؤامرة ليست لعلماء, كما أن أكبر قنوات اليوتيوب الأجنبية التي تناولت المسألة وحظيت بملايين المشاهدات هي لشباب لم يكملوا تعليمهم بعد الثانوية مطلقا فبالأحرى تناول مسألة معقدة كعلوم الفضاء.
حتى العلماء الذين يشككون بالمسألة بينهم وبين أنفسهم "افتراضا" لا يملكون الشجاعة العلمية للإنتقاد لأنهم على دراية بتعقيد المسائل, ولا يمكنهم الاعتماد على مشاعرهم وتعريض أنفسهم للسخرية والانتقاد اللاذع بوسطهم العلمي, عكس غير العالم الذي لا يملك ما يخسره.
شخصيا شاهدت فيديو لشخص يناقش الأصوات بفيديو رحلة أبولو على سطح القمر وكيف أنه يستحيل سماع صوت الطرق بوسط فارغ لا يوجد به هواء ينقل الصوت وقد أقنعني كلامه, وبعد أن بحثت عن الموضوع وجدت ردا من مهندس صوت يفسر أن الصوت ينتقل ليس فقط عبر الهواء ويمكن سماع الطرق عبر الميكروفون الذي يتبثه رائد الفضاء لأنه يحمل المطرقة بيده, وقد أقنعني كلام مهندس الصوت, لأنه بكل بساطة ليس لدي خلفيات علمية حول الموضوع ولست بمهندس صوت أو صورة وبالتالي أي تكذيب أو تفنيذ قد يسهل إقناعي به, أي أن جهلي بعلوم الفضاء يجعلني أصنف نفسي مع الذين كانوا لا يعلمون, ولا أدري ما إذا كانوا قد صعدوا أم لا.
لا أستطيع الجزم.
ولنكن صرحاء حتى لو افترضنا جدلا أن ناسا لفقت القضية هم ليسوا بهذا الغباء الذي يجعلهم يهملون مسائل مهمة, لابد وأن يكون كل شيء محكم الدقة لأنه تطلب سنوات عديدة قبل إخراجه للناس, المسألة ليست بهذه السذاجة.

7- نظرية الأرض مسطحة:
سبب آخر يجعل الناس تنكر تماما الصعود للقمر وهو انتشار موضة الأرض المسطحة, وهي نظرية ظهرت قبل سنوات عديدة من طرف مجموعة من الفلكيين والفيزيائيين الأمريكان أصحاب الخلفيات الدينية (يهود, مسيحيين) والذين كان هدفهم التوفيق بين الكتب المقدسة والعلم, فرؤوا أن كتبهم المقدسة تنكر كروية الأرض, وأننا محور الكون.
توسعت النظرية مع ثورة مواقع التواصل الاجتماعي, وتبناها أناس كثر بدون أي خلفيات دينية وعلمية على الأرجح, دافعهم هو الإثارة والغموض والتميز بين الآخرين بالإيمان بما يخالف معتقدات المجتمع.
وفي استقصاءات الرأي يصرح عدد كبير من الأمريكان بأنهم يؤمنون أن الأرض مسطحة, وفي هذا إشارة إلى فقدان الثقة التام بحكومة بلادهم وروايات الوكالات التابعة لها, (عدد كبير من الأمريكان يكنون الكره لناسا).
ومن أمريكا انتشرت نظرية الأرض المسطحة طبعا إلى كافة بلدان العالم, حتى وإن كانت النظرية ظهرت بدول أخرى (لاأدري) ولكن الجديد يصلنا دائما من أمريكا بسبب الهيمنة على وسائل الاتصال والاعلام.
شخصيا أرى نظرية الأرض المسطحة ما هي إلا ردة فعل من طرف بعض أفراد المجتمع ضد أكاذيب السياسيين, لقد صار الناس يعيشون في شكوك وريبة طول الوقت من السياسات بسبب الغموض الذي يلف كل القضايا حول العالم حتى صاروا يشككون في البديهيات ككروية الأرض, وهذا يعد مستوى أعلى من التشكيك بناسا تجاوز مجرد التشكيك بالصعود للقمر.

8- نظريات المؤامرة ممتعة:
من بين الأسباب التي تدفع الناس للإقبال على نظريات المؤامرة عموما هو كونها ممتعة ومثيرة, فالإنسان بطبيعته يحب الأشياء الخارجة عن المألوف والغامضة التي تدفعه للتحري والتقصي, فلو كنت تسير بالشارع ورأيت طفلا رفقة أمه يبكي فإنك على الأرجح لن تهتم لأن الأطفال يبكون طول الوقت وهذا أمر مألوف, لكن لو رأيت رجلا رفقة أمه يبكي بالشارع فإنك قد تهتم وتتساءل بفضول عن الأسباب التي دفعته للبكاء, لأنه ليس بالأمر المألوف.
صعود الأمريكان للقمر هو الأمر المألوف والرواية الرسمية التي يسوقها الكل حول العالم, وبالتالي الحديث عن أنه كذبة أمر مثير وغامض ويحب الناس البحث فيه وحتى تصديقه.
شخصيا لو سألتني هل تريد أن تكون المسألة حقيقة أم كذبة سأخبرك أنه لو تم الاعتراف بأنها كذبة فهذا سيكون ممتعا أكثر بالنسبة لي, تصور أن الرئيس الأمريكي يخرج بخطاب يعتذر فيه للعالم مثلا, أو تسريب من ناسا يقيني بأن كل شيء كان ملفقا, أو اعترافا من أحد رواد الفضاء الأحياء أنه لم يصعد مطلقا للقمر, سأتابع الأخبار طول الوقت بكل تأكيد.
نحن نحب الفضائح أكثر لأنها لا تحدث دائما ولأنها خارجة عن المألوف, إنها الحقيقة! مرة كانت أم حلوة لا يهم.

خلاصة:
إذن خلاصة القول أن الناس يكذبون الصعود للقمر بسبب ارتباطه تحديدا بأمريكا ذات الباع الطويل في الكذب والتلفيق السياسي, وبسبب توفرها على هوليود.
وهذا أدى بالناس للبحث عن أدلة الإدانة لسياسيي أمريكا وما التفصيل في "الأدلة العلمية" إن جاز لنا تسميتها كذلك ما هي إلا نتيجة للتكذيب وليست الأصل في التشكيك.
تماما مثلما ستكذبني عندما أخبرك أنني ذهبت للسافانا, حتى وإن كنت فعلا قد ذهبت أليس كذلك؟

عمى العواطف أو ألكسيثيميا

2
ألكسيثيميا
يمكنك إجراء الاختبار من هنا

ألكسيثيميا والتي تعني باليونانية "لامفردات لوصف العواطف" يصطلح عليها بفقد العواطف أو بشكل أصح عمى العواطف هي بنية نفسية يتم تعريفها على أنها عجز وعسر في قدرة الشخص على التعرف وإدراك العواطف وعدم قدرته على التمييز بين الأحاسيس الجسدية المرافقة.
تعد العواطف المحرك الأساس للكائنات الحية وعن طريقها نستطيع تدبير حياتنا اليومية, فنحن نستاء ونغضب ونخاف ونبتهج ونتفاجأ ونحب إلى آخره من العواطف بشكل يومي وهي الدافع الأساس لنا للمضي قدما في تفاعلاتنا بالحياة الروتينية, نحن قادرون على التعرف والتمييز بين مختلف هذه العواطف التي نشعر بها والأحاسيس الجسدية المرافقة لها, لكن فئة من البشر تعاني من عمى بالعواطف فهي غير قادرة على التعرف على عواطفها وطبيعة ما تحسه.

جوانب عمى العواطف:
1- صعوبة في التعرف على العواطف والأحاسيس الجسدية المرافقة لها:
يعطي من يعاني من الألكسيثيميا انطباعا أنه يخلو من العواطف, وفي واقع الأمر فإن لديه عواطف مثل بقية الخلق ولكنه يصعب عليه التعرف عليها وكأن هناك انفصالا بين ذاته وعواطفه, إنه شخص عاجز عن وصف مشاعره لذا ليس لها الأثر في تعاملاته اليومية لأنها مبهمة بالنسبة له. 
يجد المصاب أن من الصعب التعرف على الحالة العاطفية التي يمر بها, فهو قد يفكر فيما انتابه لاحقا بعد مرور الحالة, ويحاول البحث في الأسباب التي أدت به لهذه الحالة العاطفية المشفرة, قد يمر بحالة غضب جامح وهو لا يدري ما الذي أغضبه أو ينفجر باكيا وهو لا يدري ما الذي أحزنه ولا ما هذه العاطفة التي يمر بها والتي تسمى حزن, فهو لا يجد المفردات  لوصف هذه العاطفة لنفسه أو لغيره, هو فقط لا يشعر بخير ومتضايق ومنزعج... ولكن ما الذي يضايق وما هو هذا الضيق؟ لا يدري.
عندما يشعر الإنسان بالخوف فإن دقات قلبه ستزداد وقد يشعر بألم أو عدم ارتياح مؤقت بالمعدة من تدفق هرمونات الخوف بالجسد وسيبدأ البدن  بالارتعاد وسيتصبب العرق, ولن يخطئ الإنسان الطبيعي في تفسير ما يمر به جسده نتيجة عاطفة الخوف, ولكن مصاب الألكسيثيميا سيخطئ في التعرف على الأحاسيس المرافقة لخوفه ولن يجد تفسيرا لهذه الحالة الجسدية وقد يزور الطبيب يخبره بأن دقات قلبه ترتفع أحيانا ومعدته تؤلمه أحيان أخرى بلا سبب, فيفحصه الطبيب ليخبره أنه لا يعاني من شيء...
2- صعوبة في وصف العواطف للآخرين:
بكل تأكيد فإن الإنسان غير القادر على التعرف على عواطفه سيجد صعوبة في وصفها, لذا إذا ما طلب من المصاب وصف غضبه الجامح الظاهر للعيان فإنه سيعجز عن ذلك, وسيجد صعوبة كبيرة في وصف غضبه.
هو سيجيبك أنه لا يشعر بخير وإذا ما سألته هل أنت قلق أم غاضب أم حزين؟ فإنه سيعجز عن التعبير بمفردات لوصف عاطفته, وقد ينزعج من السؤال بحد ذاته.
لا يتواصل المصاب مع الناس كثيرا وتتميز حواراته مع الآخرين عموما بخلوها من العواطف, هو لن يتحدث عن أن هذا الحدث أبهجه أو أنه شعر بالقلق والخوف جراء ذاك الحدث, بل سيبدأ برواية تفاصيل مملة تحوم حول الحدث ذات نفسه وهي ستبدو بالنسبة للمتلقي غير مهمة بالمرة...لذا تعد أحاديثه بالنسبة للمحيطين به جد مطولة ومملة.

3- افتقار للمخيلة:
كما أشرت فإن العواطف تلعب دورا محوريا في حياتنا اليومية وفي مخيلتنا أيضا, فمصاب عمى العواطف يفتقر للخيال وللفنتازيا, فهو عاجز عن كتابة قصة أو تخيل قصة بمخيلته لأن العواطف مبهمة, أحلام اليقظة بالنسبة له غائبة فهو عاجز عن رسم صورة ذهنية لوضعية متخيلة يحضرها البشر أو حوار متخيل مع مجموعة من الناس لأن البشر كتلة من العواطف المتحركة التي يجد صعوبة في فك شيفرتها وتوقع ردات فعلها.
المشاعر المرافقة لمختلف الروائح والأصوات والذكريات, فهو عندما يشم عطرا كان يشمه بالماضي ستنتابه عواطف ذاكرته المخزنة لهذا العطر والتي يجهل  مصدرها وما الذي يجعله يشعر على هذا النحو, لن يتخيل نفسه بذلك المكان برفقة أولائك الأشخاص بالماضي.
يفتقر مصاب عمى العواطف لأحلام النوم أيضا, فهو عادة لا يتذكر أحلامه وتميل معظمها حول الحياة اليومية الروتينية.

4- نمط تفكير موجه للعالم الخارجي:
ولأن العوالم الداخلية لمصاب عمى العواطف مبهمة ومشفرة فإنه يميل للعالم الخارجي أكثر, ويتميز أسلوب تفكيره بالمادية والحقائق المجردة, لذا قد يبدو للمحيطين به باردا قاسيا كروبوت يعيش الملموس وقاتلا للمتعة, فهو سيرى أن الزواج مثلا لممارسة الجنس وإنجاب الأطفال واستمرار النسل, سيهمل الجانب العاطفي للزواج, لن يتحدث عن شغفه لهذا الصنف أو ذاك من الأطعمة قد يبدأ بالحديث عن مكونات الطعام بحد ذاته ولكنك سترى غيابا لعواطف الشغف والحب للطبق الذي يصف لك مكوناته, سيميل لتحليل عواطفه ومشاعره ومشاعر غيره بشكل مادي يكون بعيدا عن واقع الأمور, لأنه يجد صعوبة في فهم دوافع الآخرين وخلفيات تصرفاتهم...لذا سيخطئ كثيرا في تحليلاته لدوافع البشر.

5- افتقار التعاطف:
من غير المعقول أن ننتظر من مصاب عمى العواطف أن يتعاطف مع الآخرين.
هو قد يسيء التصرف وسيهمل ما يسببه من أدى عاطفي للآخرين لأنه يميل للتفكير المجرد بأن هذا التصرف أو ذاك هو الأنسب للوضعية.
فقد يعاقب ابنه عقابا جد قاس لأنه لم ينجز أعماله, بنية أن هذا العقاب هو الذي سيحفزه على العمل, في حين أن الابن سيشعر بالإحباط والحزن الشديد ولن ينجز قيد أنملة مما طلب منه جراء ذلك, هو عاجز عن إيجاد الخلل الكامن في أسلوب معالجته للأمور مع الآخرين.
قد يتفوه بكلام جارح لا يدري مدى سوئه بالنسبة للمحيطين به, كالكلام العنصري مثلا والذي لا يكون بنوايا سيئة لأنه لا يستطيع تقييم كلامه كي يدرك منذ البداية ما إذا كان كلامه سيئا أم جيدا, ومدى أثره العاطفي على المتلقي.
قد يطلب من شخص مهموم بالمشاكل أن يقدم له بعض الخدمات التافهة دون مراعاة لهمومه.
وغيرها من الأمثلة التي تجعل مصاب عمى العواطف يبدو للآخرين بمظهر القاسي أو المغفل أو الأناني ونحوه...

سمات شخصية مصاب الألكسيثيميا:
ما هو مسطور بالأعلى حول جوانب عمى العواطف يشكل لنا شخصية بسمات واضحة المعالم للعيان من المحيطين بالشخص.
- اتخاذ المواقف والقيام بالأعمال بشكل اندفاعي سريع.
- شخصية مستقلة بشكل سلبي مع ميل لتجنب الآخرين أحيانا.
- طباع حادة وعصبية وتوتر.
- بعض سمات النرجسية أحيانا والعدوانية, بسبب ضعف التعاطف.
- حركات الجسد جامدة وتدل على شخصية قلقة.
- غياب طبعا للخيال وميل للتفاصيل بالحياة اليومية.
- سوء التصرف اتجاه الآخرين بسبب عدم إدراك السلوكات المناسبة.
- الشكوى من الآلام والأحاسيس الجسدية.
 
مسببات عمى العواطف:
لعمى العواطف مسببات عدة بيولوجية ونفسية.
إذ أن الدماغ هو المتحكم بالعواطف والتعرف عليها وقد تؤدي إصابة الدماغ نتيجة حادث ما أو جلطة... لتلف ببعض المناطق المسؤولة عن العواطف, وفي العادة يكون عمى العواطف شديدا بسبب التلف.
يتم رصد عمى العواطف بمن يعاني من بعض الأمراض والاضطرابات التي تستهدف الجهاز العصبي كالتصلب اللويحي وباركينسون...إلخ أيضا بعض ممن يعاني من التوحد.
للصدمات التي يتلقاها الإنسان بطفولته الأثر البالغ في عمى العواطف, كالاعتداء الجنسي أو الأذى الجسدي ... عدم التفاعل العاطفي السليم مع الطفل من طرف والديه والذين يقدمون له الرعاية قد يجعله متبلد العواطف.
بعض الاضطرابات النفسية يرافقها عمى العواطف إذ يلاحظ في بعض مرضى الاكتئاب, واضطراب الشخصية الحدية, الفصام, اضطرابات الجسدنة...

أحيانا لا يكون عمى العواطف مرافقا لأي اضطرابات عضوية أو نفسية وإنما يكون مجرد سمة بشخصية الإنسان يولد بها, ولا يكون هذا العمى شديدا وإلا فعد حالة مرضية.

المآلات:
لأن العواطف هي المحرك الأساس للسلوك البشري فإن من يعاني من عمى العواطف يجد صعوبات جمة في التأقلم بالحياة الاجتماعية, وهو دائم البحث عن تفسيرات لما يعانيه من أحاسيس غير مفهومة. وبشكل عام فإن عمى العواطف يؤثر سلبا على جودة الحياة للمصاب.بعض الاحصاءات وجدت أن عددا من المصابين يعانون من آلام مزمنة لا تنفع معها مسكنات, كالصداع وآلام جسدية أخرى.

يرى الناس شخصية المصاب منفرة وغير صالحة للعشرة, لذا قد يفقد المصاب عمله أو تتدمر حياته الأسرية نتيجة الطلاق, قد يجد أن الكل يتجنبه فيعيش حياة عزلة وهو لا يدري ما الخلل بشخصيته, لأن العواطف لا يستطيع فهمها وبالتالي من الصعب شرح المسألة له, فالإنسان غير قادر على وصف شيء لم يره أو يلمسه.

العلاج:
يمكن لمن يعاني من عمى العواطف غير المرتبط بمشكل جسدي أو نفسي آخر أن يطور من قدراته على فهم العواطف.
قد يقترح المعالج وصف بعض العواطف وتعريفها للمصاب مع محاولات لبناء أساس متين بين المفردات والمشاعر التي تنتاب المصاب, لأنه بالعادة يبدأ المصاب بتكرار كلام المعالج وحسب.
للفنون دور جد مهم لتنمية الخيال وخلق روابط بين المصاب وعواطفه, لذا فممارسة الرسم مثلا تبلي البلاء الحسن.
أيضا قراءة الروايات والقصص والمسرحيات التي تحتوي على وصف حالات عاطفية قد يساعد على تنمية قدرات المخيلة.
المحاورات الجماعية حول المشاعر والعواطف مع الآخرين أيضا قد تساهم في تحسين علاقة المصاب بالعواطف.

اختبار عمى العواطف ألكسيثيميا

2
تم تطوير اختبار لعمى العواطف "ألكسيثيميا" يطرح أسئلة تغطي كل جوانب عمى العواطف الخمس وقد أتبث نجاعته في الدراسات التي تتناول مجموعة ضخمة من المواطنين من مختلف الجنسيات, قمت بترجمته والتصرف في بعض الجمل لتوالم المتلقي العربي.
قد يظهر لبعض الأفراد أنهم يعانون من عمى العواطف خطأ ... حسب فهم كل فرد للأسئلة, وحسب الخلفية الثقافية للفرد الذي قد يكون تربى على عدم المصارحة بالعواطف. (بعدة مجتمعات عربية, التعبير عن العواطف أمر معيب).
لذا لا تأخذ الاختبار كمعيار لمعرفة ما إذا كنت تعاني فعلا من الألكسيثيميا, خصوصا إن كنت بسن المراهقة لأنها مرحلة تعرف بعض الارتباك العاطفي وعدم النضج النفسي.
وإن كنت تشك من أنك تعاني من خلل فعليك بزيارة الطبيب نفسي للتشخيص الصحيح.




كره البشر وبغض المجتمع الإنساني

5
بغض البشر
كره البشرية أو مسنثروبيا, سمة من سمات الشخصية السلبية التي يمكن وصفها على أنها شعور عميق مستمر لدى الإنسان بالكراهية أو الاشمئزاز أو الازدراء أو عدم الثقة اتجاه بني جلدته, والتي قد تؤدي لتطور بعض الأفكار أو السلوكات العدوانية اتجاه المجتمع أو فئات معينة من المجتمع.

من الطبيعي أن تنتاب الإنسان من حين لآخر مشاعر كراهية مؤقتة اتجاه البشر كرد فعل على أحداث سيئة يمر بها, فكثير من الأصدقاء يصدعون رؤوسنا بعد يوم عصيب بأن الكل بلا استثناء ملعون, إلا أن كاره البشر قد رسخ مشاعر الكراهية حتى في أفضل حالاته, مما يؤدي به لتقليص تفاعله مع الآخرين أو حتى أذيتهم.
بشكل عام تكثر مشاعر الكراهية في الأوساط التي تعيش تدنيا اقتصاديا وأوضاع اجتماعية مزرية.

 أنواع كارهي البشر:
لكل إنسان أسبابه الخاصة وفلسفاته وعواطفه التي أفضت به في نهاية المطاف لتطوير مشاعر الكراهية للجنس البشري.
وقد يكون كاره البشر أحيانا مزيجا من هذا وذاك.

1- عيش حياة صعبة:
قد يتعرض الإنسان في حياته ومنذ نعومة أظفاره لمضايقات وأذية وخيبات أمل من المحيطين به, فيحدث له تعميم ويصير حاقدا ناقما على الجنس البشري ككل...هو إذن كمن يخاف الحبال بسبب عضة أفعى.
أو كالطفل ألبرت الصغير الذي أفزعه فأر عالم النفس واتسون والذي صار يخاف من كل ما به فرو.
لذا ينتشر كره البشر بين العاطلين عن العمل, والفاشلين دراسيا, والذين يعيشون في وسط مجحف ظالم...إلخ

2- الفلسفات التشاؤمية:
بعض الأشخاص من كارهي البشر يحملون أفكارا تشاؤمية حول الطبيعة البشرية, وهي محاولة لعقلنة مشاعرهم.
فهم يرون أن الشر هو أصل الطبيعة البشرية, وأن الإنسان شرير بطبعه.
وقد عرف التاريخ عدة فلاسفة متشائمين ابتداء من الرواقيين الاغريق إلى شوبنهاور, أما بالثقافة العربية فإننا نجد العديد من الشعراء من أصحاب القصائد التشاؤمية الخلابة.
يروج حاملوا الفلسفات التشاؤمية للاانجابية التي تدعوا للحد من تكاثر الجنس البشري.

3- الأفكار والمعتقدات المتطرفة:
من كارهي البشر من يتبنى أفكارا وأيديولوجيات أو معتقدات دينية متطرفة تكرس كراهية البشر.
يمكن للإنسان أن يتطرف في أي فكرة يحملها مهما كانت تبدو سمحة أو داعية للعدل والمساواة والسلام, يمكن أن تنقلب بالنسبة لهذه الفئة أداة لنشر الكراهية ولأذية الغير.
وفي العادة تجد أن حاملي هذه الأفكار المتطرفة يوجهون كراهيتهم لفئة أو فئات معينة من البشر كالكراهية المبنية على العرق, أو الاستعلاء الاثني ethnocentrism: كفكرة تفوق العرق الأبيض مثلا التي أدت لجريمة نيوزيلاندا مؤخرا.
أيضا الأفكار الداعية لكراهية النساء misogyny والأخرى الداعية لكراهية الرجال misandry, والتي يكون غالبية حامليها من المقهورين والمقهورات الذين يبكون ليلا على وسائدهم, وأنا هنا عزيزي القارئ لا أستنقص من آلام أحد ولا أبرر لأحقاد أحد وإنما هي حقيقة عدد كبير جدا من هذه الفئة التي قد تظهر للآخرين متجبرة.
ويلقى دعاة الأفكار المتطرفة بالعادة آذانا صاغية لهم من طرف الشباب صغار السن الذين يعيشون حياة مزرية عموما في مجتمعات غير مستقرة تحمل اختلالات جمة, وبالخصوص المجتمعات السلطوية التي توفر بيئة مناسبة لتفريخ كارهي البشر من المقهورين.
وسأخصص موضوعا مستقلا إن شاء الله حول أثر مشاعر القهر والصدمات النفسية في التطرف.

4- المثالية:
عكس الأفكار المتطرفة, يشعر بعض المثاليون بمشاعر اشمئزاز من البشر لكثرة ما يرونه من تجاوزات وجرائم وأعمال لاأخلاقية, فلأنهم أشخاص طيبوا القلب وأخلاقيون ونبلاء في تصرفاتهم فإنهم يشعرون وكأنهم يعيشون بعالم كالح بسبب الخراب الذي يسببه الإنسان, فيتحولون لكارهين للجنس البشري, وهذا النوع لا يتسبب بأذية الناس بل عكس ذلك قد تجده منخرطا بالأعمال الخيرية, ويكون تعاطفه مع البشر جد مرتفع.

5- المواهب والأفكار المختلفة:
أحيانا يشعر بعض أصحاب الاهتمامات والأفكار المختلفة بأنهم غرباء بين الناس, فلا يطيقون التواجد مع البشر ويطورون كراهية للبشر بسبب عدم إيجاد من يستطيع فهمهم أو مقاسمتهم أفكارهم واهتماماتهم.

6- الاضطرابات النفسية:
كره البشر ليس اضطرابا نفسيا بحد ذاته ولكنه قد يكون عرضا مصاحبا لبعضها, حيث أن من بين أعراض بعض الاضطرابات النفسية إظهار اشمئزاز ونفور وعدم ثقة بالبشر.
يؤدي الاكتئاب المزمن غير المعالج لكراهية الحياة والبشر فيبدأ المكتئب بالتعبير عن بغضه للبشر ويبدأ بتبني أفكار وفلسفات تشاؤمية بسبب الانخفاض الحاد بالمزاج.
بعض اضطرابات الشخصية قد ترافقها كراهية للبشر, كاضطراب الشخصية الحدية, والشخصية المرتابة والنرجسية...
الاضطرابات الذهانية أيضا كالفصام الارتيابي يؤدي بالشخص لسلوكات عدوانية ضد البشر.
الصدمات التي يتعرض لها الطفل بالصغر والتي ترافقه طوال حياته خصوصا إن كانت من طرف أحد والديه قد تغذي مشاعر الضغينة ضد البشر, إذ أن الطفل يكتسب الثقة والأمان في سنواته الأولى من طرف أمه أولا وأبيه ثانيا, فإن تزعزعت هذه الثقة وتعرض للإساءة البالغة من طرف أحدهما أدى به هذا لفقدان الثقة بالإنسان ككل أو كراهية جنس أمه أو جنس أبيه.
اقرأ نظرية اريكسون.

كره البشر واتخاذ الأصدقاء:
كاره البشر ليس شخصا منعزلا اجتماعيا, قد تكون له علاقات وصداقات ولكنها بالعادة جد ضيقة, ولا يمنح ثقته بسهولة للآخرين, قد يحيط نفسه بدائرة ضيقة من أفراد أسرته وبعض من أصدقائه الذين في العادة يتقاسمون معه الاهتمامات والأفكار.
هو يفضل الانترنت والعوالم الافتراضية من ألعاب فيديو وشبكات للتواصل لنشر سمومه بدل عيش العالم الواقعي.

كره البشر وحب الحيوان:
أظهرت بعض الدراسات أن هناك رابطا جد قوي بين حب الحيوان وكره البشر, حيث صرح عدد من العينة التي تم اختيارها للدراسة من محبي الحيوانات أنهم يبغضون البشر.
بالتأكيد ليس كل محبي الحيوانات كارهون للبشر, وإنما كارهوا البشر يتخذون من حب الحيوان ملاذا لهم لتعويض مشاعر النقص والوحدة.
ورغم أن الإنسان حيوان أيضا إلا أن كارهي البشر يميلون لتفضيل بقية الكائنات على الإنسان, لذا سترى كيف أن عددا كبيرا من محبي الحيوانات يصرحون أن قضاء وقت مع كلب أفضل من قضائه مع إنسان, وبالعادة يدعوا محبوا الحيوانات كارهوا البشر للتوقف عن استخدام الحيوانات في المختبرات حتى وإن كان هذا يصب في الصالح العام للبشر, كمختبرات الأدوية وغيرها...

شخصيا نجاني الله من جمعية تساعد الحيوانات كنت من ضمن أعضائها, حيث أن بعض العناصر بالجمعية سمموا أجواءها فقلوبهم مليئة بالأحقاد والكراهية ولا يتوقفون عن سب وشتم البشر ويدعون على الناس بالهلاك كما لو أنهم من فصيلة القردة.
لذا كنت أحلم وأنا نائم ليلا بإنشاء جمعية لمساعدة حيوانات الشارع من بين شروط الانتساب لها خوض اختبار نفسي يقيس مستوى كراهية البشر.

كره البشر وارتكاب الجرائم:
يرتبط كره البشر كما رأينا بالفلسفات التشاؤمية والأفكار المتطرفة وببعض الاضطرابات النفسية والاجتماعية, لذا يعد كره البشر من المؤشرات المتوقعة لانتشار الجرائم.
يعرف عدد من كارهي البشر انخفاضا حادا بالتعاطف مع البشر, انخفاضا بالقيم الأخلاقية, لذا لا يرى البعض منهم غضاضة في الكذب أو النصب والاحتيال أو الأذية لأن البشر يستحقون الأذية ولأن الكل سيء وبغيض, حسب ما يحمله فكر كل فرد على حدة.

اقترحت بعض الدراسات القديمة أن أعداد كارهي البشر من الرجال يفوق أعداد كارهي البشر من النساء مستدلين بالجرائم المرتكبة وبالعدوانية التي يظهرها الرجل أكثر من المرأة, إلا أن دراسة حديثة قامت باستقصاء الطلاب حول كره البشر ومن تم تتبع مسارهم طوال ثلاث سنوات, وجدت انعدام أي فارق إحصائي معتبر بين الرجال والنساء بشأن كره البشر, فالنسب متساوية, إلا أن الانخراط في الشجارات والسرقة والأعمال التخريبية كانت نسبتها عند الرجال أكبر منها عند النساء.
الأسباب طبيعية واجتماعية: فالرجل بداية أكثر مخاطرة وإقداما مقارنة بالمرأة...أقوى جسديا مما يسمح له بالاثيان بجرائم عنف وتخريب أكثر من المرأة, كما أن القواعد الاجتماعية تحد من جرائم المرأة التي تفضل ممارسة العنف السلبي أكثر من الرجل كنشر الشائعات مثلا.

تلميع كره البشر بوسائل الإعلام والانترنت:
تعمد بعض الأعمال الفنية والأدبية على تزيين كره البشر كما ببعض ألعاب الفيديو التي تكون من بين أهداف شخصياتها تدمير الأبرياء, والأعمال الأدبية والسينيمائية والانمي, حيث يتم تحبيب المراهقين والشباب في الشخصيات الكارهة الحاقدة على البشر...فمن النادر أن تجد انمي خال تماما من شخصية كارهة للبشر يتم تقديمها بشكل محبب للمتابعين, وإظهارها على أنها شخصية كاريزمية بذكاء مرتفع وجمال أخاذ, وأنها محقة تماما في آرائها... ليعجب المتابع أكثر بهذه الشخصية المريضة التي صنعها المؤلف الذي كل همه طبعا شهرة العمل, فهذه هي نوعية الشخصيات التي تحظى بالشهرة بين أوساط المراهقين أكثر.
كما لا يخلو الانترنت من رسائل كره البشر, حيث يتم تمرير الفلسفات الغابرة وتجديدها ويتم تلميع صورة شخصيات إجرامية عنصرية, وقد دقت بعض الدراسات ناقوس الخطر عن كون الانترنت صار وسيلة لنشر الكراهية, فكبرى المنصات على الانترنت تتساهل مع حسابات كارهي البشر, وتمارس الانتقائية في حجب الحسابات المخالفة.
عرف بغض البشر تناميا بين أوساط الشباب والشابات بفضل غسيل الأدمغة الذي يسري على قدم وساق بشتى أنواع وسائل التواصل والترفيه المتاحة.
تعمد بعض الدول الغربية على سن قوانين زجرية لناشري الكراهية بشتى أنواعها, وقد أثارت بعض القوانين المقترحة جدلا وتخوفا من حظر حرية الفكر والتعبير, مثلما هو الحال مع بعض الشماعات المنتشرة هنا وهناك على قارعة المجتمع الدولي التي تستخدم لتصفية الخصوم.

العنف النفسي والعاطفي

5
بعد أن تحدثنا عن العنف الجسدي سنتحدث عن العنف النفسي الذي يترك إعاقات وتشوهات بنفسية وذهنية الإنسان.
وعلى غرار الموضوع السابق سأركز أكثر على العنف النفسي الممارس بالبيوت أيضا وخصوصا على الأطفال, لعل وعسى يتنبه بعض القراء من الآباء المستقبليين لتصرفاتهم ويتوقفوا عن تعذيب أبنائهم المفترضين بدعوى التأديب والمراقبة والصرامة, وتخريج دفعة جديدة من أصحاب العقد من أشباه السيكوباثيين والسيكوباثيات الذين صرنا نراهم يتكاثرون كالفطريات بمواقع التواصل الاجتماعي يتبادلون المسبات فيما بينهم.

ما هو العنف النفسي العاطفي؟

من الصعب تعريف العنف النفسي والعاطفي لأنه يتمظهر بأشكال عديدة, ولايمكن رصده بسهولة, لكن لنحاول تفسيره على أنه كل سلوك يسلكه شخص اتجاه شخص آخر يؤدي لخلق مشاعر سلبية لديه بشكل متكرر ومستمر لمدة طويلة كفيلة بالتأثير على الصحة النفسية والعاطفية والذهنية للضحية, وفي العادة يكون المعنف ذا سلطة على الضحية أو تربطه بها علاقة قرابة أو زمالة أو غيرها  (أب, أم, أخ, مدير, أستاذ..إلخ)
ولأنني أركز على ما يجري ويدور بالمنازل فإنه غالبا ما يحدث التعنيف النفسي المنزلي عندما يعمد المعنف على التجريح أو الاستنقاص من مشاعر الضحية أو رغباتها أو مظهرها أو احتياجاتها أو علاقاتها أو إنجازاتها...أو إنتقاذها والتقليل من شأنها وإظهارها بشكل غير منطقي أو غير سليم, وكل هذا تحت مسمى عملية التأديب والتقويم للضحية, إذ يقوم المعنف بمحاولة إلغاء وجود ما لا يروقه بالضحية وهدمه ومن تم إعادة بنائه وفق شروطه ورغباته هو, وغالبا ما يكون هذا عن حسن نية كما يفعل الآباء مع أبنائهم أو الإخوة الأكبر سنا...
يعد العنف النفسي أخطر من العنف البدني لأنه بداية يصعب رصده, فعكس الضرب واضح المعالم يتخفى العنف النفسي تحت عدة مسميات (نصائح, تأديب, مراقبة...) فلا يكون المعنف واعيا لحقيقة أنه يمارس تعنيفا على الضحية, ولا يكون الشخص الذي يمارس عليه التعنيف أيضا واعيا بحقيقة ما يعيشه من تنكيد, كما أن تأثيره يبقى مستمرا وملازما للضحية وقد يزعزع شخصيتها للأبد وقد يخلق صدمات نفسية واكتئابا وغيرها من المشاكل والاضطرابات النفسية التي لا تعد ولا تحصى...

أشكال العنف النفسي عديدة  وسأحاول تعداد بعض من الممارسات التي لربما يمارسها عدد كبير جدا من الناس بمجتمعاتنا, وربما مورست عليك أنت أيضا عزيزي القارئ أو تمارسها على غيرك بلا وعي.
العنف اللفظي:
ويشمل كل أنواع الإساءة اللفظية الممارسة ضد الضحية بشكل مستمر, من سباب وشتائم وإهانات مباشرة أو حط من قدر الضحية بعبارات مسيئة أو الصراخ في وجهها, يلجأ عدد كبير من الآباء لشتم أبنائهم أو نعتهم بألقاب مسيئة فيكبر الطفل يحمل هذا اللقب المسيء, وأحيانا تكون الإساءة اللفظية مغلفة على شكل مزاح أونصائح, كحث الطفل ذو القدرة الاستيعابية المحدودة على الفهم السريع بنعته بشتى أنواع النعوت, في حين أن الفهم من عدمه ليس قرارا يتخذه الطفل بنفسه.

العنف غير اللفظي:
عنف يستخدم فيه حركات وسلوكات وإيماءات ونظرات تسيء للضحية دون التلفظ بالكلام, كنظرات التهديد أو الاحتقار أو غيرها من السلوكات التي تشكل عنفا غير لفظي...

إهانة أمام الآخرين:
كإهانة الآباء لأبنائهم بالشارع العام أو أمام الضيوف أو أمام أصدقائهم, حيث يرى الآباء أن من الطبيعي جدا إهانة الابن أو الابنة أمام الغرباء للتدليل على أنهم آباء حريصون على عملية تأديب وتقويم الطفل أو المراهق, مغفلين تماما مشاعر أبنائهم التي تكون أرهف بكثير عن مشاعر الراشدين, وهذا ما لا يستوعبه بعض البشر وكأنهم لم يسبق لهم أن كانوا أطفالا أو شيء من هذا القبيل لا أدري.

التحكم بتفاصيل الحياة:
بعض الآباء يتحكمون بحياة أبنائهم بحجة أنهم يعرفون مصالحهم أكثر منهم, فيضيقون الخناق على أبنائهم في كل تفصيل تافه بالحياة, فتشتري الأم ملابس لأبنائها حسب ذوقها هي والألوان والأشكال التي تروقها هي, وتتحكم بألعابهم, وطريقة جلوسهم وأسلوب كلامهم حتى وإن لم يكن يعيب أسلوبهم شيء, وذلك حسب مزاج الأم, وقد يتحكم الأب بمسار أبنائه الدراسي حسب مزاجه أيضا فيفرض عليهم تخصصات هو يحبها, ويدفع أبناءه لممارسة رياضة هو كان يمارسها وهكذا...

عزل اجتماعي:
يقوم بعض الآباء بعزل أبنائهم عن المجتمع واغتيال مهاراتهم الاجتماعية, فيطلبون منهم عدم اتخاذ الأصدقاء مطلقا أو يطلبون منهم مصادقة شخص بعينه لأنهم يطمئنون له حتى وإن كان لا يرغب الابن مصادقته.
عدم السماح للأبناء بالتحدث مع الآخرين لقضاء حاجياتهم حيث يتولى الآباء الحديث بدلا عنهم, يزداد الأمر سوء عند الأطباء الذين يعانون الأمرين مع هذا النوع من الآباء الذين يتحدثون بلسان ابنهم المريض.
يصير الطفل عندما يكبر شخصا لا يجيد السفر وحده ولا حل مشاكله لمفرده ولا حتى الكلام كبقية الخلق.

التجسس:
بعض الآباء يتجسسون على أبنائهم, ويسمون هذا التجسس مراقبة, ومن الطبيعي أن يراقب الآباء الأطفال والمراهقين بتفتيش غرفهم إن شكوا في سلوك مشين كتعاطي المخدرات مثلا أو اتخاذ علاقات مريبة, إلا أن بعض الآباء يتجسسون على أبنائهم طول الوقت ويقومون بعمليات تفتيش دورية لحاجياتهم.
بعض الأمهات يلاحقن أبناءهن بالشارع مما يشكل إحراجا شديدا للأبناء, قد تراقبهم عبر النوافذ أو تبدأ بتفتيش هواتفهم بشكل دوري أو لا تسمح لهم بإغلاق غرفهم أو خزاناتهم بالمفتاح, وللعلم فإن للطفل خصوصية أيضا وأسرارا لا يرغب للآخرين الاطلاع عليها مهما كانت تافهة بالنسبة للراشدين كمذكراته اليومية أو رسوماته أو ألعابه...ويزداد الأمر سوء بالنسبة للمراهقين لأن مشاعر الاستقلالية والخصوصية تبدأ بالتطور لديهم وتكون مشاعر الحرج والخجل لديهم قوية فينتهك الآباء خصوصياتهم خالقين لديهم مشاعر جد سلبية.
وضع الطفل أو المراهق محط شبهة وشعوره الدائم أنه متهم طول الوقت وعليه إتباث براءته وحسن سيرته, من خلال مراقبة والديه له بهذا الشكل غير الصحيح قد يأتي بمفعول عكسي فيقع الطفل أو المراهق في المحظور الذي يخشاه والداه.

خلق مشاعر العار والذنب: 
عندما يخطئ الطفل أو المراهق أو عندما لا يحصل على النتائج المرجوة التي كان يتطلع إليها الأبوان فإنهما قد يستعظمان الأمور في أعين الابن ويشعرانه كما لو أنه اقترف ذنبا عظيما أو أنه أتى بما لم تأت به الأوائل من الفظائع, وأنه صار مجرما بحق نفسه وأسرته, وتكون ردات فعل الأبوين دائما غير متناسبة مع حجم الخطأ المرتكب...وهذا يخلق مشاعر العار والذنب بنفس الطفل أو المراهق, ترافقه كل مرة يخطئ فيها.

الانتقاد المستمر:
البعض لا يعجبهم العجب, ومهما كان الطفل أو المراهق مثاليا في سلوكاته وإنجازاته, فإنه لن يسمع أي كلام طيب من أبويه, وبدل ذلك سيسمع الانتقادات حتى وهو ناجح, لن يتوقفا عن انتقاد سفاسف الأمور بدعوى الحث على الاستمرار في تحسين الأداء, فيخلقان ضغطا كبيرا على نفسية الطفل الذي يعيش وهو لا يدري أين الخلل بحياته وأفعاله.

الاستنقاص من الآلام:
بعض الآباء يرون أن أبناءهم صغار بالسن وبالتالي كل إنسان صغير بالسن لا مشاكل ولا آلام لديه, فإذا حاول الطفل أو المراهق التعبير عن مشاكله أو مشاعره السلبية بالمدرسة أو مع أصدقائه ونحوه... تلقى تسفيها وتحقيرا لها من طرف أبويه أو في أحسن الأحوال تجاهلا وآذانا صماء, لأن مشاكله تافهة مقارنة بمشاكلهما, متجاهلين أن تأثير المشاكل على نفسية الإنسان لا تقاس بالمتر أو الكيلوغرام بل بما يشعر به الطفل بداخله ومدى تأثير هذا المشكل على صحته الذهنية والنفسية, فيشعر الطفل أو المراهق بأنه مزعج ودرامي.

تسفيه وتحقير الأحلام والهوايات:
تكون أحلام الطفل والمراهق في العادة فوق المعقول بالنسبة للراشدين, وهذه استراتيجية طبيعية للدفع نحو التقدم, حيث تكون الأحلام كبيرة جدا وتبدأ باتخاذ شكل عقلاني مع مرور السنوات حسب القدرات الحقيقية للإنسان ... لذا لا يجب أن تلقى هذه الأحلام سخرية أو تسفيها وتحقيرا من طرف الراشدين, لأن الجميع مر بهذه المرحلة, التحقير يكسب انعدام الثقة بالنفس وعدم السعي نحو النجاح.
يقوم بعض الآباء أيضا بمحاربة هوايات أبنائهم وقتل الإبداع فيهم بدعوى الاهتمام بالدراسة من باب أولى, فيصير الطفل والمراهق مجرد آلة لتنفيذ الأوامر بلا هوية ولا أحلام ولا هوايات أو تطلعات, وأحلامه هي أحلام أبويه.

تحميل فوق الطاقة:
أحيانا وعكس تسفيه وتحقير الأحلام قد يرغب الآباء أن يحقق أبناءهم طموحاتهم ذات السقف المرتفع بالنسبة للطفل ذو القدرات المحدودة, حيث لا تتوافق تطلعات الآباء مع قدرات الأبناء الحقيقية أو لا تتوافق مع رغبات الأبناء, مما يشكل ضغطا نفسيا هائلا على الطفل أو المراهق لتحقيق أهداف والديه.
يعود الطفل من المدرسة فتتجه به أمه مباشرة لنيل دروس إضافية بالرياضيات والفيزياء لأنها تطمح في أن يصير أينشتاين العرب ثم تعود به للبيت حيث ينتظره مدرس اللغة الانجليزية, ثم بيوم العطلة يأخذه والده لمدرسة تعليم الموسيقى لأن والده يحب الموسيقى ويريده أن يتحول لموزارت العصر, في حين أن كل ما يرغب فيه الطفل هو اللعب كبقية البشر, بدل الركض لتحقيق أهداف أبويه.

مآلات التعنيف النفسي العاطفي:
وبعد سنوات من التعذيب النفسي المستمر ينتحر الطفل أو المراهق فيقولون إنه الحوت الأزرق, إنه تأثير سبيستون, أما إذا انحرف وصار يتعاطى المخدرات أو يقيم العلاقات المشبوهة, أو انظم لجماعة مطلوبة يقولون إنه تأثير رفاق السوء, حتى وإن كان يتزعم عصابة كونها هو ذات نفسه يقولون أن رفاق السوء هم من نصبوه زعيما عليهم لتدمير مستقبله لأنهم يغارون من ذكائه الخارق.
فالغبي بعين أمه أينشتاين.

للتعنيف النفسي آثارا خطيرة جدا على نفسية الإنسان أكثر من التعنيف الجسدي, وتتفاوت المشاكل والآثار التي يتركها التعنيف النفسي بشخصية ونفسية الطفل عند الكبر, وتتأرجح هذه الآثار حسب أنواع التعنيف النفسي التي مورست على الطفل والمراهق وشدتها وطول مدتها.

- الاكتئاب: وماذا يا ترى تنتظر من المراهق وهو يعيش حياة مزرية كلها ضغوط نفسية, يحاول أبواه إقناعه أنها أروع حياة من الممكن أن يعيشها أي مراهق, لأن كل شيء متوفر لديه.

- الانحراف: قد يكبر الطفل ليتحول لمنحرف فيتبنى قيما مضادة تماما لقيم أبويه, بسبب الضغط الكبير الذي عاشه طوال حياته, فيقوم بترجمة فشله في مجارات ما يطمح إليه والديه بالرفض التام لرغباتهما وقيمهما, وهذه استراتيجية يلجأ إليها عدد كبير من المنحرفين بالمجتمعات حسب نظرية الضغط النفسي العام.

- انخفاض الثقة بالنفس: من غير المعقول أن تنتظر من طفل يتم تسفيهه وتحقيره طول الوقت وسبه وشتمه واتخاذ القرارات بدلا عنه, وعزله اجتماعيا أن يطور شخصية قيادية ستالينية, فهو بكل تأكيد سيصاب بانخفاض حاد بالثقة بالنفس, ويصير غير قادر حتى على النظر بأعين الناس مباشرة عند الحديث معهم, هذا إن افترضنا جدلا أنه يستطيع الحديث معهم أصلا.

- النرجسية: أحيانا يؤدي التحقير والتسفيه طول الوقت لتطوير شخصية أنانية  نرجسية كرد فعل دفاعي لحماية النفس, فيكره المراهق الآخرين ويطوق نفسه بدفاعات عالية ترفض الانتقادات مطلقا ويبدأ بتعظيم وتبجيل نفسه وإنجازاته بشكل لا يعكس الواقع.

- اضطرابات القلق: قد يطور الطفل أو المراهق مع مرور الزمن مشاعر القلق والتوتر بسبب الضغوط النفسية التي يخلقها الأبوان, فكلما اقتربت الامتحانات تصبب عرقا واضطرب نومه وارتعدت أوصاله وصار غير قادر على ابتلاع الطعام, خوفا من خيبة أمل والديه لأنهما يرغبان في أن يصير رائد فضاء, وتبقى اضطرابات القلق ملازمة للمراهق حتى بعد الكبر تجتاحه النوبات كل حين لأتفه الأسباب.
عدد كبير من الطلاب ينتحرون بعد إعلان نتائج الامتحانات الثانوية كل سنة وكأن هذه الامتحانات "التافهة" هي الصراط المستقيم الذي سيعبرون من خلاله لجنة الخلد... هي تافهة لأن حياة وصحة الإنسان أهم منها بكل تأكيد, ولا تتوقف عندها حياة المرء.

- آلام جسدية: من مسببات الآلام الجسدية ذات الأصل النفسي, التعذيب النفسي بلا تردد.


- أمراض عضوية: حسب الإحصاءات فإن من تعرضوا للتعنيف النفسي يزورون الأطباء أكثر من غيرهم ممن عاشوا حياة سليمة, لضعف جهاز المناعة بسبب القلق والتوتر المستمر, وارتفاع الضغط والسكري وغيرها من الأمراض التي ترتفع نسبتها لدى المعنَّف أكثر من غيره.

- تجنب الآخرين: قد يؤدي التعنيف النفسي بالطفل بعد أن يكبر للعزلة التامة وعدم تطوير مهارات اجتماعية بسبب البوتقة التي كان يحيطه بها أبواه.

- عدم القدرة على اتخاذ القرارات: ولأن الأبوان قد يتخذان القرارات كل حين بدلا عن ابنهما, فإن الطفل بعد أن يكبر يصير عاجزا عن اتخاذ أتفه قرار بحياته بمفرده, فيحتاج لمن يتخذ القرارات بدلا عنه.

- عدم القدرة على الاستقلالية: يصير الشاب والشابة أطفالا كبارا بحاجة لماما وبابا طول الوقت لتولي أمورهما فقد يخاف الشاب من الزواج لأن هذا سيحمله مسؤولية لم يتحملها في حياته, فيفضل العيش مع أبويه اللذان يزوجانه ويجلبان الزوجة للعيش معهم أجمعين, دون أي إمكانية للاستقلال, في حين تتزوج الشابة وتعيش رفقة والديها وتزور زوجها مرة أو مرتين بالأسبوع ربما.

- عدم تحقيق الهوية الذاتية: يصير الشاب بلا هوية, يعيش حياته من خلال أبويه, وما يرغبان فيه ومالا يرغبان فيه, فهو ليس إلا منفذا لرغبات الغير.

وغيرها الكثير من الاختلالات والاضطرابات...

وختاما:
لن ألقي عليك عزيزي القارئ دروسا في أساليب تربية الأبناء لأن هذا آخر ما أجيده, ولكن مهما اختلفت الأساليب يجب أن تبقى في حدود المعقول, ولا ينبغي أن تشكل أسلوب تعذيب لنفسية الطفل, لأنه بآخر المطاف الطفل إنسان بمشاعر وذهنية ونفسية جد هشة لا يمكن أن نحمله ما لا يمكن لبالغ تحمله من إهانات وانتقادات وملاحقات وأوامر لا تنتهي.
سيكون من الرائع أن يُبنى أسلوب التربية على الثقة والصدق والحوار مع الطفل وتوجيه تطلعاته ورغباته للمكان الصحيح, بدل جعله مجرد أذات وموضوع لتحقيق أحلام الآباء ومثالياتهم.

الانتقام الدنيوي بالخطاب الديني

15
التحذير من الانتقام الدنيوي بالخطاب الديني تفاقم حتى صار محط تنذر وسخرية ومن المسائل التي يستشهد بها البعض للدلالة على تخلف المسلمين, في حين هو  ليس من الدين في شيء حسب زعمي, أو هكذا تبدت لي الأمور.
فأنا كما تعودت من حين لآخر أرتدي جبة العالم وأتسلق وأتصدر للعلم الشرعي!
وكتنبيه فقد استعرت مصطلح "الخطاب الديني" وهو مصطلح تستخدمه في الغالب جهات وفئات تحمل أيديولوجيات وأفكارا المقال بعيد عنها تماما, وإنما استخدمت المصطلح لغاية في نفسي أقضيها.

مظاهر الانتقام الدنيوي بالخطاب الديني:
لاحظت أن عددا كبيرا من الناس بخطاباتهم يتوعدون أصحاب الآثام بعقاب دنيوي وإنتقام إلاهي بحياتهم الدنيا سواء بغرض نهيهم عن ارتكاب المزيد من الآثام أو رغبة منهم في نيل المجرمين جزاءهم دنيويا أمام أعين الأشهاد تشفيا وشفاء لغليلهم, مما سطّح كثيرا من التشريعات الإسلامية بأذهان البعض, حتى لإنه يصل أحيانا مبلغ مناقضة صريح النصوص وعمق الدين الاسلامي.
ولحث المسلمين على العبادات صاروا يركزون على فوائد الصيام الصحية وأهمية صلاة الفجر لنشاط الذهن وطاقة الجسم.
وهذا لايقتصر أحيانا على العامة من الناس بل حتى بعض ممن يتصدرون للإفتاء والدعوة الذين نراهم بالتلفاز وبالكتيبات والمؤلفات وصراحة لا أدري ما مدى أهليتهم لأكون أكثر إنصافا, ربما من نراهم بالتلفاز هم أيضا من العامة المترامين على الدعوة والإفتاء مثلي تماما الآن وخيل إلي عكس ذلك.
بعض من الأمثلة:

1- اعمل ذنبا مع غيرك وستجده بأهلك:
- امرأة ركلت جروا وعندما عادت للبيت وجدت طفلها قد رفسه جحش... فكما تدين تدان!
- شاب خدع فتاة بريئة ووعدها بالزواج فمن شدة البراءة خلعت ملابسها, وعندما عاد لمنزله وجد أمه بأحضان صديقه... تكبير!
- عذبته زوجة أبيه فدخلت السجن فتزوج أبوه من امرأة أخرى عذبت أبناء الزوجة المسجونة, فبكت الزوجة بسجنها ندما.

2- اعمل ذنبا مع نفسك وستمرض وتموت:
- لحم الخنزير يحتوي على ديدان قاتلة!
- إذا تناولت الكحول ستفقد توازنك وتقع أرضا من الطابق السادس!
- العادة السرية تسبب مع مرور الزمن العجز الجنسي!

وإلى آخره من الأمثلة التي تتوعدك بالويل والثبور وعظائم الامور "دنيويا" إن أنت أقدمت على ذنب من الذنوب, أو خالفت شريعة من الشرائع, في حين إذا لم ينل أحد هاتكي أعراض الإنسان والحيوان على حد سواء جزاءه الدنيوي وعاش ومات مليونيرا محاطا بالجواري والغلمان, وإذا أتبث العلم أن لحم الخنزير لا يحتوي على ديدان, بهت الذين ينتظرون الانتقام الدنيوي, فنراهم ينقسمون لثلاث فئات:
- فئة كفرت بالذي بعث تبدأ بسب الدين والملة تنثر الدراسات العلمية يمنة ويسرة وبمناسبة وبدون مناسبة, تسأله كيف الحال يرد عليك برابط دراسة علمية حول مخاطر صوم رمضان, وإن أصريت عليه السؤال عن حاله اتهمك بأنك إرهابي داعشي.
- فئة تكذب الواقع وتعيش في الوهم وتروي لك كيف أن جارهم زنى فمرض بالايدز ثم تعذب فمات, وتستمر بنشر فيديو خروج الديدان من لحم الخنزير, وإن أخبرتهم أنه فيديو كذب يشتمونك ويقذفون عرضك من شدة نور الإيمان.
- وفئة تحاول تفسير المسألة مثلما أفعل أنا حاليا على أمل ألا أكون من الذين تعسّفوا.

اقرأ عن التنافر المعرفي.

أسباب التفكير الانتقامي بالخطاب الديني:
لدى الإنسان عموما حساسية نحو ثنائية الخير والشر والعدل والظلم, ويعود تقدير لما هو عدل وما هو ظلم لكل فرد ومجتمع على حدة,  ولهذا في أغلب القصص والأعمال السينمائية والدرامية تدخل البهجة على نفوس المتفرجين بهلاك الشرير أخيرا.

التفكير الانتقامي سمة إنسانية موجودة إذن قصد تحقيق العدل على وجه البسيطة, فأنت عزيزي القارئ لربما سيسعدك سماع خبر رسوب زميل لك سبق له وأن سرق بحثك.

عندما يتبنى إنسان ما مجموعة من المعتقدات التي يرى أن على الآخرين نهجها في حياتهم, وأيا كانت طبيعة هذه المعتقدات, فإنه سيقع في شراك التفكير الرغبوي, وسيطور مع مرور الزمن أفكارا انتقامية بالنسبة لمن لا يؤمن بمعتقداته, وسيبدأ بالبحث فقط عما يعزز معتقداته من أبحاث.

اقرأ عن الانحياز التأكيدي

ولنأخذ مثال بعض الأشخاص النباتيين بالغرب, ففئة عريضة منهم لديهم ثقافة أن الإنسان كحيوان ليس أرفع مقاما من بقية الحيوانات وبالتالي من الناحية الأخلاقية لا يجب استغلال بقية الحيوانات بأي شكل من الأشكال لصالحنا...ورغم أن هذه هي الفكرة الرئيسية لهؤلاء النباتيين الغربيين "الأخلاقيين" ولكنهم بسبب غضبهم من بقية البشر الذين يتناولون المشتقات الحيوانية طوروا أفكارهم وصاروا ينشرون في مواقعهم دراسات وهمية عن كون اللحم يسبب السرطان وأن الحليب سبب أمراض المناعة الذاتية والمضار الكارثية لتناول البيض وغيرها من الأوهام الانتقامية.
سترى أيضا مجموعة من الملحدين بالعالم الاسلامي ينشرون دراسات وهمية كل شهر رمضان عن مخاطر الصيام وأنه يسبب السرطان, وعن مخاطر ختان الذكور والمشاكل الجنسية التي يسببها وغيرها من الهلوسات الانتقامية والأفكار الرغبوية.
فيرد عليهم بعض المسلمين بدراسات تشير إلى أن الصيام يقي من السرطان وأن عدم الختان يسبب السرطان.

المهم وباختصار شديد أنه لردع أي شخص وجعله يؤمن بمعتقداتك عليك أن تنقلب لاختصاصي في علم الأورام Oncology و تخبره أن تصرفه يسبب السرطان وتصرفك يقي من السرطان, وإن وُجد مستقبلا علاج شاف للسرطان بإذن الله فحينها عليك أن تخبره أن تصرفه سيؤدي لانتشار فيروس الايبولا بمؤخرته لعل وعسى يقتنع بمعتقداتك.

مثال واقعي:
ليس لدي شخصيا أي مشكلة مع الشق الأول من الفتوى ولا أدري لماذا لم يكتف بها الشيخ المفتي هنا لأن كلامه بالشق الثاني غير صحيح وهو يتعلق بالمدمنين, مع احتراماتي للمفتي ولكنه تحمس كثيرا حتى حسبته سيقول أنها تسبب السرطان.

أهداف الشريعة الاسلامية:
بشكل عام هدف التشريعات الدينية سواء الإسلام أو غيره الكثير من الأديان هو تنظيم المجتمع ونبذ ما يهدد كيانه, وقد أعطت هذه التشريعات الأولوية لتماسك المجتمع على حساب مصلحة الفرد, وهذا هدف التشريعات الوضعية أيضا, فمن مصلحة الفرد احتكار السوق, ولكنه تصرف يهدد الاقتصاد وكيان المجتمع إن أطلق له العنان, لذا أطره الفقه الاسلامي وكذا القوانين الوضعية, كقانون منع الاحتكار بالاتحاد الأوربي, من مصلحة التاجر الفردية أن يخسر الميزان ويغش بالسلعة وهكذا...

إذن الإسلام لما شرع حرمانية شرب المسكرات كمثال فهذا لمصلحة المجتمع حتى وإن كانت فيه بعض المنفعة للأفراد.
والآية صريحة: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما".
لذا أن تنتظر من مسلم يشرب الكحول باعتدال أن يصاب بالسرطان ويموت لأنه فاسق متحدي لحدود الله, فيؤسفني أن أخبرك وبعيدا عن التفكير العاطفي الرغبوي أن احتمال وفاته بسبب الكحول ضعيف جدا, بل أن دراسة تقول أن شرب كمية يسيرة من الكحول يقي من الازهايمر وبعض أنواع السرطانات.... ولكن لو فكر الجميع بهذا الأسلوب وقرروا شرب الكحول باعتدال فإنه سينتهي المطاف بعدد كبير منهم للوقوع ضحية الإفراط فيه من حين لآخر حد السكر أو حتى الإدمان ومن تم انتشار المشاكل الصحية والاجتماعية بالمجتمع ولنا في إحصاءات معهد الولايات الأمريكية لإدمان الكحول عبرة.
لذا تسن الدول قوانين للحد من استهلاكه المفرط, كاحتكار الحكومة لبيعه بالدول الاسكندنافية وعدم ترخيص بيعه بالمحلات, ومنع شرب المواد الكحولية بالأماكن العامة بعدة دول أوروبية وغير أوروبية كالشوارع والحدائق والمنشآت الحكومية وأماكن العمل...إلخ.

وهناك تشريعات إسلامية أهدافها غير واضحة لنا يخترع لها المخترعون أهدافا من أمخاخهم وكلها تحوم حول الوقاية من السرطان.
كحرمانية لحم الخنزير فنحن لا ندري هل الحكمة من تحريمه صحي أم بيئي, أم روحاني فقط كتحريم الشحوم على بني اسرائيل بقوله تعالى: "ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما".

انتقام الله تعالى من أهل المذنب:
هذا ما يروج له البعض بشكل غير مباشر وأحيانا بشكل مباشر, كما بالأمثلة التي سقتها سابقا, من أن على الرجل حفظ عرض أخته بعدم اللهو بأعراض بقية النساء, أو عدم الإساءة لأبناء الآخرين كي لا يسيء أحد لابنه...
يصل هذا الاقتناع أحيانا حد التطاول على أبرياء لا ذنب لهم سوى صلة القرابة مع المذنب وتمني وقوع سوء لهم, في حين الآية هنا صريحة أيضا: "ولا تزر وازرة وزر أخرى ۚ وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ۗ إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ۚ ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه ۚ وإلى الله المصير ".

الخلفيات وراء هذا التفكير الرغبوي في حصول سوء لأهل المذنب تعود للنظرة المستنقصة من الطفل كإنسان له كيانه المستقل واعتباره مجرد تابع لوالديه وكذا اعتبار المرأة تابعا لرجال أسرتها كمتاع البيت وأغراضهم الشخصية.
بمعنى لو حطم أحدهم سيارتك قد تنتقم منه بتحطيم سيارته, لأنه غرض تابع له.
والآن لنأخذ مثال امرأة ضربت طفلا فإن أم الطفل قد لا تعتبر الطفل ندا للمرأة وكي تنتقم منها ستضرب طفل المعتدية, تماما كما حطمت أنت سيارة خصمك بعد أن حطم سيارتك, أي أن النظرة للطفل قاصرة واعتباره من طرف المرأة غرضا من أغراض أمه الشخصية, وكثير من النساء بالمجتمع ينتقمن من قريباتهن بأذية أبنائهن.

لو اعتدى رجل على رجل آخر بالضرب فإن أخ الضحية سينتقم من المعتدي بالاعتداء عليه هو شخصيا انتقاما لأخيه لأنه ند له, ولو فر المعتدي ولم يتمكن من الانتقام منه, لن ينتقم من قريب له, لأنه لا يعتبره تابعا له ومن أغراضه الشخصية.
لكن لو قلبنا الجنس وكان الضحية هذه المرة امرأة صفعها رجل وفر بعيدا وعلم أخ الضحية بالحادث, فإنه قد يبحث عن أخت المعتدي لينتقم منه لسان حاله (مثلما صفعت أختي أوسع أختك ضربا), أي أنه يعتبر أخت المعتدي تابعا لأخيها كأنها غرض شخصي له وليس لها كينونة مستقلة.

وفي خبر قرأته أنه ببعض قرى احدى الدول النامية الآسيوية التي تعرف نظام أحكام عرفية, أقدم رجل على اغتصاب امرأة, فاجتمع كبار القبائل وحكموا على الرجل أن يقوم أفراد أسرة المرأة الضحية باغتصاب النساء من أسرة الرجل المجرم.

طبعا لا يصل الأمر بمجتمعاتنا حد الاعتداء على الأبرياء إلا في حالات شاذة, ولكن الفكرة تبقى حاضرة بالذهن, بمعنى أن الناس لن يعذبوا أبناء زوجة الأب الشريرة ولكنهم سيشعرون بشيء من الارتياح وتحقق العدالة إذا علموا أن الزوجة الشريرة التي عذبت طفلا قامت امرأة أخرى بتعذيب أبنائها.
وستبتهج بعض النسوة من سماع خبر أن أخت رجل كان يخدع الفتيات قد تعرضت للاغتصاب.

اعبد الله كما أمر:
أطلت الثرثرة حتى نسيت ما المطلوب.
على أي!
وأنا هنا أتحدث إلى المسلمين
ما حدث لعدد كبير من الناس أنهم صاروا ينظرون للتشريعات نظرة غير واقعية بالمرة تغلب عليها العاطفة, فلأنهم نشؤوا عليها وصارت جزء من هويتهم الذاتية فإنهم يشعرون بالتهديد لشخصهم إن أتى أحدهم بما قد يحسبونه مسا للمعتقد.
لذا عزيزي القارئ المسلم المؤمن إن رأيت دراسة تنصح بشرب الكحول من حين لآخر للوقاية من بعض الأمراض فلا داعي للوقوع فريسة الفزع والبدء بالبحث عن تكذيب لها, لأنها قد تكون صحيحة -وقد تكون خاطئة- ولكن التحريم باق لا يتزعزع ولأن الآفات التي تسببها باقية أيضا لا تتزعزع, فلا حاجة للإنسان بتكذيب العلم كل مرة شعر فيها بالتهديد.
فلو فرضنا جدلا أن دراسة علمية نشرت أن الصلاة تضر مفاصل الجسد سيكذبها عدد كبير جدا من المسلمين, وسينكرونها ويهاجمون أصحابها وناشريها.
شخصيا كمسلم سأنظر مدى مصداقيتها وإن تبثت مصداقيتها وكان البحث دقيقا سأصدقها وأستمر بالصلاة لأن الحياة يا أخي العزيز ويا أختي العزيزة لا تحوم حول الهوس بالصحة, الصلاة عبادة وتقرب إلى الله ومن المفترض أننا نصلي ليس كممارسة للرياضة وليس لتعزيز الذاكرة ولا لأي هدف دنيوي مادي محض, ونحن لا نصوم كحمية غذائية لفقدان الوزن أو لتنظيف الجسم من السموم كما يشاع بل نصوم لنشعر بالجوع والتعب تقربا إلى الله كما أمر, ولو فيه مضرة طفيفة -جدلا وفرضا طبعا لم يتبث العلم ذلك أبدا- فإننا سنستمر بالصوم.
 
بسبب التفكير الدنيوي بالخطابات الدينية لم نعد مسلمين بالمرة, تسطحت النظرة كثيرا, المراهق يخشى العادة السرية كي لا يصاب بالعجز والبنت تخاف على غشاء البكارة وبعض المسلمين ممن يسمون أنفسهم عقلانيين يقولون لك لا أشرب الكحول لأنه مضر ويحسب أنه أفحم الأعداء, وهذا العقلاني يقول لك أن المرأة ترتدي الحجاب لأن أشعة الشمس تسبب السرطان -آسف ولكن من الضروري إقحام السرطان- وهكذا انتقل النقاش والحوار مع غير المسلمين لمنافع ومضار كل تشريع.
في حين ببقية الديانات طقوس تضر وطقوس لا تنفع ومع ذلك يتمسك بها معتنقوها ولا ينكرون ضرر بعضها ولكن بالنسبة لهم الضرر الطفيف غير مهم, وإنما المسألة روحانية محضة.
لازال اليهود المتدينون يمارسون طقوس سبتهم كل أسبوع, فما فائدة تحريم بعض الأعمال الروتينية بالسبت؟ كعدم إيقاد النار؟
ما فائدة إنارة الشموع لدى المسيحيين؟ يوجد أزيد من مليار إنسان معمد, فما فائدة التعميد؟ وتبليل الرضيع بالماء؟
ما المضار التي يحملها لحم البقر بالنسبة للهندوس؟

الكثير الكثير من الطقوس بمختلف الديانات...

ولكن موضة البحث عن الدراسات العلمية التي تتبث صحة الدين لا توجد إلا لدينا على ما أظن, ربما ظهرت مع موجة ما يسمى بالإعجاز العلمي.
حسن أظن أنني خرجت تماما عن الموضوع.

سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الثاني)

4
الكابالا كما عرفناها في الجزء الأول هي الجانب الباطني من اليهودية ظهرت بقرون أوربا الوسطى وقد تم تبنيها وتطويرها في العصر الحديث من طرف اليهود الحاسيديم ويعد اليهود الحاسيديم الأكثر اعتناقا للكابالا وهم فرقة يهودية باطنية روحانية نشأت في أوربا الشرقية نهاية القرن السابع عشر عمدوا على تطوير التراث الكابالي والمعتقدات الكابالية, وكان فرويد ينتمي لأسرة حاسيدية.
ولد سيغموند شلومو فرويد بامبراطورية النمسا سابقا, وهو سليل أسرة متدينة فقد كان جده الأكبر حاخاما كما وجده لأبيه شلومو فرويد حاخاما بدوره وقد سمي على اسمه...تلقى سيجموند فرويد منذ صغره تعاليم الديانة اليهودية الحاسيدية والتي تعد الكابالا جزء لا يتجزء منها, إلا أنه لم يستطع الاطلاع على كتب الكابالا بشكل مباشر إلا بعد بلوغ سن الخامسة والثلاثين كما هو التقليد الجاري به العمل, عندما أهداه والده كتاب الزوهار.

مظاهر الكابالا بنظريات فرويد: 
إن مظاهر الأفكار الكابالية بنظريات فرويد عديدة وقد عمد فرويد على إخراجها من سياقها الديني الروحاني ليسقطها على عالمنا المادي النفسي, ثم ليقدمها في قالب علمي, أي أنه وكما وصف دافيد باكان في كتابه "فرويد والتراث الصوفي اليهودي" أقدم على علمنة الأفكار الكابالية بوعي منه أو بلاوعي, وأعاد صياغة الموروث الباطني اليهودي بشكل معاصر ليوالم علم النفس.
لقد سبق وأفردت بعض التدوينات حول مختلف النظريات لذا ستكون المقارنة غير مفصلة لكي لا يطول المقال, ويمكنك عزيزي القارئ العودة إليها لفهم أدق.
كما سيصعب عليك فهم أوجه الشبه إن لم تكن قد قرأت الجزء الأول الذي تطرقت فيه لبعض مبادئ الكابالا.

أولا الوعي واللاوعي:
يشتهر التحليل النفسي الفرويدي بمفهوم الوعي واللاوعي, ورغم أن كُتّابا أشاروا لمصطلح اللاوعي قبل فرويد, إلا أن هذا الأخير كان أول من قدمه بشكل علمي وأكسبه شهرة كاسحة, حيث يتمثل هدف التحليل النفسي إلى استكشاف أهداف هذا اللاوعي ودوافعه والتحكم به قدر الإمكان, وفي واقع الأمر فإنهما مفهومان وجدا بالكابالا وغيرها من المعتقدات الدينية.
إن شجرة الحياة بالكابالا (سيفيروت) تقسم أيضا الوعي الإنساني إلى مستويات وعي عليا وسفلى, فالثالوث (تاج - حكمة - فهم) يمثلان أعلى مستويات الوعي التي يحاول الإنسان الحكيم أن ينشدها من خلال استكشاف الذات العميق والتأمل الروحاني, فيكون مدركا لدوافع نزواته متخلصا من شرورها, ولايقع في شباك "آليات الدفاع النفسي" كما عرفها فرويد, والتي ترتبط بالمستوى الإنساني السفلي "الراوخ" كما بالكابالا.

ثانيا أقسام النفس البشرية:
قسم فرويد النفس البشرية لثلاثة أقسام وهي:
1- الهو:  التي تمثل الجانب الغرائزي الشهواني من النفس البشرية, يسعى دائما هذا الجانب لحث النفس على تلبية مختلف الرغبات.
2- الأنا الأعلى: وهي الجانب المثالي من النفس البشرية وتضم مختلف المبادئ والقيم التي راكمها الإنسان على طول حياته, وهي تسعى لتطبيق هذه القيم والمبادئ وتحييد الهو.
3- الأنا: وهي الأنا الظاهرة للعيان والتي تجمع بين الأنا الأعلى والهو وتحاول الموازنة بينهما بتلبية الرغبات الغريزية الشهوانية تحت وصاية الأنا الأعلى.

يمكنك القراءة بتفصيل عن الموضوع: أقسام النفس عند فرويد
 
إذن لو عدنا للكابالا فإننا سنجد تقسيما للروح البشرية مطابقا تماما للتقسيم الفرويدي للنفس البشرية, وما الهو إلا (نفيش - نفس) بالكابالا وما الأنا الأعلى إلا (نشامة - نسمة) ومقر الأفكار العليا بالكابالا, في حين أن الأنا التي توازن بين الهو والأنا الأعلى والتي تمثل هوية الإنسان وصورته الظاهرة هي ذاتها (راوخ - روح) التي تمثل المستوى الإنساني الظاهر بالكابالا.
وقد تجاهل فرويد المستويين الأخيرين بالكابالا لأنهما يرتبطان بالمعتقدات الدينية الخالصة الروحانية ولم يكن فرويد الملحد بحاجة إليهما لضمهما لنظريته التي من المفترض أنها علمية خالصة لا تشوبها عقائد دينية.

ثالثا العضو الذكري رمز القوة:
يشير فرويد في نظريته الجنسية إلى قلق الإخصاء لدى الأطفال الذكور وإلى الحسد القضيبي لدى الإناث.
فالطفل الذكر يخاف من أن يفقد عضوه لأنه يميزه عن أمه ويمثل هويته ورمزا للقوة والهيمنة فيخاف من الأدوات الحادة بسن الأربع والخمس سنوات, في حين أن الطفلة الأنثى التي سماها فرويد في بداية تكوينها "الرجل الصغير" ستكتشف كيف أنه ليس لديها رمز القوة والهيمنة هذا وستشعر بالغيرة, وستبدي الطفلة بعمر الأربع خمس سنوات ولعا بالأشكال التي تشبه العضو كتعويض لهذا النقص.
عودة للكابالا فإننا نجد أن انبثاق (ياسوود - الأساس) يرتبط بالعضو الذكري وهو الانبثاق الذي يشكل أساس الوجود والذي تمر منه كل الانبثاقات التي يتم الدفع بها (للملكوت).
بمعنى أنه بإسقاطنا مراحل الخلق الكابالية على تكوين النفس الإنسانية فإنه يجب على النفس أن تمر عبر هذا (الأساس) كيفما كان جنسها ذكرا أو أنثى, وبالتالي فسرها فرويد على أن الذكر يدرك لأهمية هذا العضو في حين أن الأنثى أيضا تمر عبر هذا الأساس فتعتقد أن لها عضوا وهي طفلة قبل أن تكتشف أنه غير موجود.

رابعا الجنس يفسر كل شيء:
يفسر فرويد كل مشكل نفسي على أن له أساسا جنسيا.

يمكنك القراءة عن النظرية الجنسية عند فرويد.

بالكابالا حسب مفهوم انبثاق (الأساس) الذي يعد أصل انبثاق (الملكوت), فإن كل الخطايا ذات أصل جنسي لذا تم تشريع الختان تطهيرا وترفعا وعهدا مقدسا بين الله وشعبه.

خامسا الأنا الأعلى عند المرأة أقل منزلة عند الرجل:
من بين الأفكار التي جرّت على فرويد انتقادات واسعة من عالمات النفس تحديدا هو رأيه القائل أن الأنا الأعلى لدى المرأة أضعف من الأنا الأعلى لدى الرجل وأنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
في واقع الأمر فإن رأي فرويد في المرأة برسائله الخاصة المتبادلة كانت أكثر تطرفا منها في كتاباته العامة.
وهذه هي النظرة اليهودية القديمة للمرأة, لأن الختان المرتبط بالعهد بين الله وشعبه للتطهر من الخطايا هو للرجال وليس للنساء, فيتم ربط بذرات الشر كعنصر أنثوي, وبالكابالا لا يمكن أن يصل أعلى درجات الوعي إلا الرجال طبعا, كما كان يحرّم على النساء الاطلاع على كتب الكابالا في قديم الزمان ولا حتى بقية الكتب الدينية.
ففي تعاليم بعض الحكماء بالأدبيات اليهودية أن المرأة "لا يجب أن تدرس التوراة فعقلها خفيف وغير مهيأ لهذا", وفي تعاليم أخرى أنه "إذا سقط رجل وامرأة بالنهر فيجب عليك أن تنقذ الرجل أولا لأنه ملزم بتطبيق المزيد من الوصايا في حين أن حكمة المرأة تكمن في مغزل الصوف".  ومن بين الأدعية الواردة أن على الرجل "شكر الله أنه لم يخلقه وثنيا أو امرأة أو جاهلا".
في عصرنا الحالي قام اليهود الأورتوذكس الغربيون بتطوير وإعادة قراءة للنصوص بما يتناسب مع مستجدات العصر, لذا يقدمون تفاسير لمثل هذه المقولات وإعادة لصياغتها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتغير نظرة العالم الغربي للمرأة إلخ...أي لو عاش فرويد عصرنا الحالي لكانت أفكاره تشابه أفكار الكاباليين المعاصرين.

سادسا الرمز بالأحلام وزلات اللسان:
يقوم فرويد بتفسير الأحلام على أنها رموز تشير لمعاني خفية في حياة الإنسان فيتم إعادة صياغة الحلم على أساس ما يشير إليه من رمز في الحياة الواقعية تماما كما يفسر "الشيخ مفسر الأحلام بالتلفاز", إلا أن تفسير فرويد "علماني" لا يرتبط بالعالم الروحاني بل بالحياة المادية الدنيوية للفرد.
التفسير وقراءة الرموز وفك شيفرة النصوص, هذا ما يطبقه اليهود الأحبار في قراءاتهم للنصوص المقدسة في أدبيات "المدراش" وقد طُبّقت في كتاب الزوهار لاستخراج معاني جديدة خفية حسب المعتقد غير ظاهرة للقارئ العامي.

سابعا العلاج بالتداعي الحر:
عالج فرويد مرضاه عن طريقة أسلوب التداعي الحر, وهو الأسلوب المتبع بالتحليل النفسي الفرويدي, أي أن الشخص يتمدد في أريكة ويبدأ بالتحدث عن نفسه ومشاكله بحرية تامة, والمحلل النفسي الذي هو فرويد يجلس خلف المريض, بحيث لا يرى المريض المحلل ليشعر بالأمان وليسترسل بالكلام حول طفولته ومخاوفه, بينما يدون فرويد الكلام المهم الصادر من المريض والذي يمكن تحليله وفك شيفرته على أنه رمز لمكبوتات يحاول المريض إخفاءها...فإذا قال له المريض أنه يخاف من الأفاعي فإن فرويد سيفسر الأفاعي على أنها رمز للعضو التناسلي.
أي أن أسلوب التداعي الحر لا يختلف أبدا عن منهجية المدراش في التفسير التي تستخرج معاني خفية من النص الظاهر, بإعتبارها رموزا.

ثامنا الله هو رمز للأب:
حسب فرويد -الملحد بلا شك- فإن الدين ما هو إلا عصاب جماعي, والله مجرد وهم يمثل حاجة الطفل لصورة الأب القوي في حياته, فيترعرع الإنسان باحثا عن صورة أب قوي متمثلة في مفهوم الله.
لقد خلص فرويد إلى هذه النتيجة لأن الله في التلمود والكتب المقدسة اليهودية كثيرا ما يشار إليه على أنه الأب وأن اليهود أبناء الله وأحبابه, كما وأن بالدين المسيحي ثالوث الله الأب والابن والروح القدس, وهذا ما رآه فرويد بالديانتين السائدتين بمجتمعه, ولكن مفهوم الله بديانات عدة لا يشار إليه بالأب أبدا أو على أنه ذكر, وهناك ديانات عدة منقرضة ومستحدثة بها آلهة إناث.
أي أن محاولة تحليله لمفهوم الله من الناحية النفسية لا تنطبق على جميع البشر, في حين من المفترض أن دراسات علم النفس تتناول الإنسان كموضوع, فلا يكون مرتبطا بعرق دون آخر أو بمعتنقي ديانة دون أخرى, فالنظرية يجب أن تنطبق على الإنسان بشكل عام.
لماذا استوحى فرويد نظرياته من الكابالا؟
لا يمكن الجزم ما إذا كان فرويد قد بنى نظرياته من الثرات الكابالي بوعي منه وبتعمد مع إخفاء مصادره, أم أنه فعل ذلك وهو لا يعي أن نظرياته هي نتاج معتقدات وسطه الذي ترعرع فيه.
فقد يكون فرويد وقع في ظاهرة ما يطلق عليها "Cryptomnesia" النسيان المشفر, إذ يحدث للإنسان أن يقرأ مؤلفات وأفكار ينسى أمرها مع مرور الزمن ويكتب حول نفس الأفكار ظنا منه أنها أفكاره الخاصة الخالصة.


فمثلا لنفترض أن عالم نفس ملحد من العالم الاسلامي ترعرع ببيت والده شيخ وجده شيخ, فصاغ نظرية نفسية تقسم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام:
نفس سماها الضمير المؤنب الذي يؤنب ضمير الإنسان كلما أقدم على تصرف يناقض قيمه ومبادئه التي نشأ عليها.
ونفس لاأخلاقية تهتم بالمصالح الذاتية بعيدا عن القيم والمبادئ.
ونفس هادئة تمكنت من المزاوجة بين مصالها وقيمها.
إذن سيأتي من يستخرج الأصل الاسلامي لهذه النظرية وأن الأمر يتعلق بالنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة, وكلها واردة بالقرآن الكريم, وقد يكون هذا العالم الملحد المفترض غير مدرك لأصل نظرياته ويعتقد أنها من إنتاجه الخالص.

وسواء كان الأمر هذا أم ذاك فإنه لن يختلف كثيرا فحتى لو اقتبس فرويد عن قصد ووعي منه فهذا لأنه وجد هذه الأفكار قابلة للتطبيق العملي.
إذ أن فرويد كملحد كان يصنف هذا التراث اليهودي على أنه أعمال أدبية وإنتاجات فكرية بشرية تثير الإعجاب ومحاولات بدائية لتفسير الكون والنفس البشرية ونحوه...وهي محاولات مبنية على ملاحظات رجال أذكياء يمكن الاستفادة منها ومعالجتها.
فاليهودي الكابالي المؤمن مقتنع أن كتاب "الزوهار" مثلا وحي من الله أملاه نبي من أنبياء بني اسرائيل على أحد الأحبار لتفسير خفايا الكون الواردة بالتوراة, وأن عمره أزيد من ألفي عام.. لكن بالنسبة لغير المؤمنين بالكابالا, فإنه إنتاج فكري لموشي بالقرن الثالث عشر وهو رجل عبقري بلا شك لأن كتابه أثر على ملايين من البشر على مر التاريخ بغض النظر عن محتواه وعقائده.

هل هذا يعني أنه يجب عدم الأخذ بنظريات فرويد؟
من المسائل التي تصيبني بالصداع كتابات البعض حول الحذر من نظريات فلان أو علان لأن أصلها يهودي أو هندوسي أو وثني...
لاعلاقة لأصل النظرية للحكم عليها!!  إن كانت نظرية علمية فيجب عرضها على ميزان العلم وما إذا كانت صحيحة أم خاطئة ...لأنه بالنسبة لنا كمسلمين الديانات التي لا نؤمن بها هي إنتاجات بشرية مبنية على ملاحظات وتخمين وتأمل البشر في محاولة لتفسير كيفية سيرورة الكون.
فإن ورد مثلا باحدى الديانات الوثنية أن الأرض كروية فهل هذا يعني أنه علينا أن نؤمن أن الأرض مسطحة لنخالفهم؟ هم بشر مثلنا وخمنوا وأعملوا عقولهم وتأملوا الكون ووصلوا لنتيجة مفادها أن الأرض كروية ضمنوها معتقداتهم وصنعوا أشكال كروية مثلا عبدوها, وهذا شأنهم ومعتقداتهم...ولكن من الناحية العلمية فإن رأيهم صواب كون الأرض كروية, إلا إن أتبث العلم العكس.
فالغربيون أخذو العديد من التشريعات الاسلامية وضمنوها قوانينهم الوضعية, ولايعني هذا أنهم يعشقون المسلمين بل لأنه بالنسبة لهم إنتاج إنساني لحضارة من الحضارات به الكثير مما يمكن الاستفادة منه..

إذن نظريات فرويد ذات الأصل اليهودي هل هي علميا معتبرة؟
الإجابة: قليل منها جدا كذلك وأغلبها متجاوز وتبث خطؤه "علميا" بغض النظر عن أصله اليهودي البوذي الهندوسي...

يجب أن يكون حكمنا للأمور "واقعيا" كما أفضل أن أطلق عليه, بعيدا عن الحس المؤامراتي الذي ابتلينا به.

هل كان فرويد يهوديا أم ملحدا؟
كان فرويد يطلق على نفسه لقب اليهودي الملحد.

لاتعد اليهودية مجرد ديانة ومعتقدات يعتنقها الإنسان فهي بالنسبة لليهود هوية متكاملة وعلى خلاف الإسلام والمسيحية فإن اليهودية تتحدد منذ الولادة, حيث يعتبر كل مولود من أم يهودية يهوديا حتى وإن ترك دينه لأنه يبقى من بني اسرائيل ومن شعب الله المختار حسب معتقداتهم, ولا يعتبر كل إنسان ولد لأم غير يهودية يهوديا حتى وإن اعتنق دينهم, فاليهودية ديانة غير تبشيرية عكس المسيحية والإسلام.
لذا ستجد عددا من الملاحدة اليهود يقدمون أنفسهم على أنهم يهود ملاحدة  فهم يقصدون باليهودي كعرق أو اثنية, في حين لن تجد من يقدم نفسه على أنه ملحد مسلم أو مسيحي.
لقد كان فرويد يشير ليهوديته ويعتز بها كل حين فهو مستوعب لحقيقة أن شطحاته في الدين لن تنفي عنه هذه الهوية, وقد غذى هذا الشعور بالإنتماء النظرة الأوربية في ذلك الوقت التي رأت اليهودية صفة ملازمة لليهودي حتى وإن تخلى عن دينه كما حدث مع ألفرد أدلر وإريك إريكسون وغيرهما, مما جعلهم يتكتلون كعرقية وليس كطائفة دينية, أي أن فرويد عندما كان يدافع عن شعبه اليهودي فلأنها بالنسبة له هويته الاجتماعية وليست مجرد ديانة أو معتقد يمكن التخلي عنه والتبرء منه...تماما كما يتكثل أبناء الأقليات في أي بلد دفاعا عن أنفسهم.

هل كان فرويد صهيونيا؟
إن قلت نعم وسكتت, فهذا مثل قراءة الآية منقوصة: ويل للمصلين.
عاش فرويد في حقبة عرفت اضطهادا لليهود بأوربا, حيث كانت تشن حملات عدوانية كحرق محلاتهم وحتى قتل وتنكيل بهم في بعض الأحيان ولم تكن الدول الأوربية الشرقية تدافع عن مواطنيها اليهود بالشكل اللازم بل كانت تخلق جوا من الميز العنصري ضدهم, ففضل عدد كبير منهم التحول للدين المسيحي مثل عالم النفس ألفرد أدلر الذي لم يشفع له تحوله للدين المسيحي من إغلاق عيادته من طرف النازيين لأن علمه بالنسبة لهم "علم يهودي", كما كان يقوم بعض اليهود  بتنشئة أبنائهم على الدين المسيحي لينذمجوا وسط المجتمع الأوربي بدل العيش في تجمعات يهودية منعزلة تجلب لهم الوبال, في حين فضل آخرون الهجرة إلى أمريكا هربا من النازيين كما فعل ألفرد أدلر واريك اريكسون وأينشتاين وغيرهم الكثير...
كان فرويد ناقما على هذا الوضع وكان يؤكد كل حين أنه يهودي مفتخر بإنتمائه الثقافي, وقد انضم لعدة تنظيمات يهودية, وكان ينصح الآباء بعدم تحويل أبنائهم للدين المسيحي لأن اليهودية حسب ما جاء في رسائله "تحمل عمقا وأسرار أكبر", وقد كان عضوا شرفيا بالصهيونية, ولا ننسى أن الصهيونية في عهد فرويد كانت في بداياتها ولم يكن الصراع العربي اليهودي قد احتدم بقوة.
كان فرويد يرغب في أن يكون للقومية اليهودية دولتهم الخاصة وقد كان من بين المقترحات أوغندا, أي أن فرويد كان موافقا مبدئيا على الاستيلاء على دولة مواطنين آخرين, ولكنه كان يعارض أن تقام بدولة فلسطين ليس لأنه يحب المسلمين بل كان يعارض أن تقام دولة يهودية بأي دولة بها مقدسات دينية لأقوام آخرين تخلق صراعا مطولا معهم.

ولأنه ملحد فلا تهمه المقدسات التاريخية ولا الهيكل ولا حائط المبكى ولا أرض الميعاد, لأن رأيه كان أن اليهود متفوقون بعقولهم وفكرهم وتراثهم وبالتالي يجب إنشاء دولة قوية بعيدا عن صراعات لا طائل من ورائها حسب رأيه
وهذا يظهر جليا في رسالته التي رد فيها على أحد الصهاينة الذين طالبوه بتوقيع عريضة استنكار وإدانة للعرب وتقديمها لبريطانيا عن أحداث 1929 بفلسطين, حيث وقع اشتباك عنيف بين اليهود المستوطنين والمسلمين بسبب حائط البراق, الذي حاول اليهود المهاجرون الاستيلاء عليه.
ولأن فرويد كان يتساءل طوال حياته سبب الكره والحقد الذي يطاله وشعبه بأوربا والذي عجز عن إيجاد تفسير تاريخي شامل له, أشعره فتح صراع جديد وأحقاد جديدة على شعبه من طرف فئات جديدة بالعالم  بالأسى.

فكتب فرويد الآتي في رده:

"لا أستطيع القيام بما ترغب فيه (توقيع العريضة) أنا غير قادر على تجاوز شعوري بالنفور من إقحام اسمي لدى العامة, وحتى في هذه اللحظات لا يبدو لي الأمر مبررا.
كل من يرغب في التأثير على الجماهير عليه أن يقدم لهم أمرا مثيرا ومحفزا في حين أن حكمي الرصين على الصهيونية ليس كذلك, بكل تأكيد أتعاطف مع أهداف الصهيونية وفخور بجامعتنا بالقدس ومسرور لرخاء مستوطناتنا, لكن من ناحية أخرى لا أعتقد مطلقا أن فلسطين يمكن أن تصير دولة يهودية, فلا العالمين المسيحي والإسلامي على استعداد بأن تخضع أماكنهم المقدسة لوصاية اليهود. كان يبدو أكثر عقلانية أن تقام دولة يهودية في منطقة أخف ثقلا من الناحية التاريخية, لكنني أعلم أن وجهة نظر عقلانية كهذه ما كانت لتثير حماس الجماهير ولا الدعم المالي من الأثرياء.
أنا أعترف بكل أسى أن تعصب شعبنا الأعمى يتحمل جزء من اللوم في إيقاظ مشاعر عدم الثقة بنا لدى العرب. لا يمكنني أن أبدي أي مشاعر بالتعاطف بالمرة مع التدين الخاطئ الذي حول جزء من جدار هيروديان (حائط البراق) إلى مقدسات وطنية, وبالتالي الإساءة لمشاعر السكان الأصليين.
والآن احكم بنفسك, وبوجهات نظري المحرجة, ما إذا كنت أنا هو الشخص المناسب الذي تقدمه كعزاء لشعبنا المخدوع بالآمال الكاذبة.

خادمك المطيع فرويد."  

Vienna: 26 February 1930: Letter to the Keren Hajessod (Dr. Chaim Koffler)