نظرية الهوية الاجتماعية

8
كنت قد تحدثت سابقا عن الهوية الذاتية, وكيف أن الإنسان يمر بمراحل عديدة في حياته بحثا عن هويته الذاتية, الآن سنتحدث عن الهوية الاجتماعية والتي تمثل جزء مهما من الهوية الذاتية.

ما هي الهوية الاجتماعية؟
اقترح هنري تاجفيل (1919 - 1982) عالم النفس الاجتماعي البولندي أننا نقوم بتصنيف أنفسنا والآخرين في عدة مجموعات, حيث تشكل مجموعاتنا مصدر فخر لنا وجزء لا يتجزء من هويتنا (جنسية, عقيدة دينية, عرق, قبيلة, عائلة....), وقد يؤدي هذا التصنيف لما يسمى بالمحاباة أو التحيز لأفراد الجماعة, من خلال شعور (نحن vs هم).
يرى تاجفيل أن مفهوم الشخص لذاته ينبثق من إنتمائه للمجموعات, إذ ليس للإنسان هوية واحدة بل هويات متعددة بتعدد المجموعات التي ينتمي لها, وبالتالي فهو سيتصرف بشكل مختلف في كل مجموعة بناء على ما تتطلبه.

مثلا: أحمد رجل (مجموعة الرجال) شاب (مجموعة الشباب) عربي (مجموعة العرب) مسلم (مجموعة المسلمين) يلعب كرة القدم في احدى الأندية (مجموعة لاعبي كرة القدم + ناديه) أعسر (مجموعة مستخدمي اليد اليسرى) ....إلخ
بمعنى أنه يمكننا تصنيف أي شخص وتصنيف أنفسنا لما لا نهاية لها من المجموعة, نحن نعدد مجموعات لا متناهية, وكل شخص يتصرف داخل مجموعته على هذا الأساس.
وإن أردت أن تصنف نفسك للمجموعات الاجتماعية التي تنتمي لها واحترت في أمرك فما عليك إلا أن تطرح عليك أسئلة من قبيل: هل إذا أهان شخص مجموعتي سأتضايق وأشعر أنني معني بالأمر؟
مثلا لنثير ضيق أحمد الذي بالمثال واستفزازه لنضع مقولات لشخصيات متخيلة من مجموعات لا ينتمي لها:
- منى (مجموعة النساء) قالت أن الرجال تافهين.
- كريم (مجموعة لاعبي التنس) قال أن التنس أفضل من كرة القدم.
- جون (مجموعة اليهود) قال أن المسلمين متخلفين.
هذه المقولات المتخيلة ستستفز أحمد لأنها صادرة من مجموعات مختلفة لا ينتمي لها وتنال من مجموعاته, وقد يكون رده على هذه الشخصيات مشابها بالنيل من مجموعاتهم قصد الرفع من مجموعته.

كيف يصنف البشر أنفسهم في مجموعات؟
رأى تاجفيل وزميله عالم النفس الاجتماعي ترونر أن عملية تصنيف البشر تنطوي على ثلاث عمليات ذهنية:
 
1- التصنيف الاجتماعي: نحن في مسار حياتنا لا نتوقف عن تصنيف البشر لمجموعات وذلك قصد فهم المحيط الاجتماعي لكل مجموعة وفهم سلوك أفرادها وكيفية التعامل معهم, والأهم من ذلك أننا بتصنيف البشر نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن المجموعات التي ننتمي لها, كمثال (أحمد) فوق.
نحن نقوم بهذا التصنيف بشكل تلقائي, أي أننا ولدنا بخاصية تصنيف البشر للتمكن من التفاعل بشكل أفضل في المحيط الاجتماعي.

2- تحديد الهوية الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا فنحن سنتبنى هوية مجموعاتنا التي ننتمي لها وسنتصرف كما يتصرف منتموا كل مجموعة ونتبنى مجموع الأفكار والحمولة الاجتماعية التي تحملها كل مجموعة, بمعنى لو أخذنا مثال أحمد فكونه رجلا يدعوه لأن يتصرف كما يحدده له مجتمع الرجال, ابتداء من نوع الملابس والمهام الموكولة له ونظرته لنفسه, وكونه مسلما يجعله يسلك سلوك المسلمين, كما أنه لاعب كرة قدم بناد معين مما يجعله يتبنى مبادئ وقيم وأخلاق لاعبي كرة القدم وناديه.

إلا أن رأيا آخر عرف الهوية الاجتماعية كبنية معرفية إدراكية لا ترتبط بالضرورة بأي سلوك أو تبني لقيم وأهداف المجموعة, حيث أن السلوكات حسب هذا الرأي لا تعد إلا نتائج هذه المعرفة الإدراكية.
وكمثال: كريم رجل (مجموعة الرجال) ويصنف نفسه رجلا مثلي الجنس (شاذ جنسيا) يضع زينة نسائية وليست لديه اهتمامات الرجال.
أو أحمد يصنف نفسه رجلا مسلما (مجموعة المسلمين) لكنه لا يصلي ولا يصوم ويشرب الخمر ولديه العديد من الخليلات.
إذن من خلال المثالين فإن كريم وأحمد لا يسلكان سلوكات مجموعتهما ولا يتبنيان قيمهما وأهدافهما ولكنهما مع ذلك يصنفان نفسيهما ضمن هاتين المجموعتين لأنهما مرتبطان نفسيا بها معرفيا وإدراكيا.

3- المقارنة الاجتماعية: بعد أن نقوم بتصنيف أنفسنا ضمن مختلف المجموعات وبعد أن نحدد الهوية الاجتماعية لكل مجموعة ننتمي لها, فإننا سنبدأ بخلق مقارنات مع باقي المجموعات, وهذه المقارنات تكون غالبا في صالح مجموعتنا حيث نفضل مجموعتنا في أكثر الأحيان وذلك لما يمنحه التفضيل من رفع بالثقة بالنفس والفخر.
هذا التفضيل يتمظهر في شكلين مختلفين: مقارنة بالرفع من مجموعتنا على حساب المجموعة الثانية, ومقارنة بالحط من المجموعة الأخرى.
فلكي يشعر الشخص بالثقة بالنفس والفخر فإنه إما سيمدح مجموعته أو يحط من قدر المجموعة الأخرى.

الهوية الاجتماعية والعنصرية:
المقارنات هي الدافع نحو التحيز الذي يقود للتمييز والعنصرية.
 فأصحاب الجنسيات المختلفة يتبادلون المقارنات فيما بينهم بتفضيل كل شخص لجنسيته وأرضه ووطنه, والرجال والنساء في صراع دائم وكل جنس يحاول أن يعري مساوئ الجنس الآخر, وأصحاب الأديان المختلفة في صراع عقائدي وأصحاب الطوائف من نفس الديانة وأصحاب المذاهب المختلفة من نفس الطائفة, وعشاق كل رياضة ومشجعي مختلف الأندية من نفس الرياضة...إلى آخره من الأمثلة التي لا تنتهي, بل أن البشر في خلق مستمر لمجموعات جديدة كل حين للشعور بالانتماء والفخر والتميز.