نظرية العجز المتعلم, كيف نكتسب اليأس

5
نظرية العجز المتعلم أو المكتسب واحدة من النظريات المهمة بعلم النفس والتي سلطت الضوء على ظاهرة نفسية خطيرة ألا وهو اكتساب العجز عن طريق التعلم, إذ يصاب الكائن بالعجز ويستسلم أمام محفز مزعج أو مؤلم دون محاولة التخلص منه.
اكتشف هذه الظاهر عالم النفس الأمريكي مارتن سليجمان (ولد عام 1942) في ستينيات القرن الماضي عن طريق الصدفة, إذ كان الشاب سليجمان حينها يحاول محاكاة إشراط بافلوف الكلاسيكي على الكلاب فأحضر بضعة كلاب ربطها كي لا تهرب ووضع أمامها
مصباحا كلما استنار صعقهم تيار كهربائي مؤلم, وذلك قصد تعليم الكلاب الهرب كلما استنار أمامهم المصباح لاحقا.
بعد ذلك وضع سليجمان هذه الكلاب بدون رباط في ما يشبه القفص به جانبان أحدهما به تيار كهربائي والآخر بدون تيار فكان ينير المصباح معلما الكلب أن الصعقة قادمة قصد الهرب للجهة الأخرى الآمنة
ولكن هذا لم يحدث إذ أن الكلب كان ينبطح أرضا في استسلام تام كلما رأى المصباح يستنير ويبدأ بالأنين من آلام الصعقة الكهربائية منتظرا زوالها.
استغرب سليجمان من تصرف الكلاب, فأحضر كلابا أخرى لم يسبق أن صعقها بأي تيار كهربائي ووضعها في القفص وعند تسليط الصعقة الكهربائية أخذت الكلاب تعوي وتئن وتتبول على نفسها من الفزع باحثة عن مهرب ومن تم تقفز للجانب الآخر من القفص لتنجو من الصعقة.
استنتج سليجمان حينها أن الكلاب التي قام بربطها بداية مسلطا عليها الصعقة الكهربائية تعلمت أنه مهما حاولت الهرب والافلات من الصعقة فإنه لافائدة ترجى من المحاولات بسبب الرباط وحتى بعد إزالة الرباط لم تحاول أبدا الكلاب الهرب رغم أن الحل موجود أمامها وما عليها إلا الخطو خطوة واحدة للتخلص من الآلام, أي أن الكلاب تعلمت العجز.
التجربة على البشر:
بعد مضي بضعة أعوام قرر سليجمان تكرار التجربة وهذه المرة على البشر وبالتأكيد ليس عن طريق الصعقات الكهربائية بل بالضجيج.
حيث أحضر مجموعة من المتطوعين وأفهمهم أنه سيسلط عليهم ضجيجا مزعجا وعليهم إيقاف الضجيج عن طريق الضغط على مجموعة من الأزرار فيما يشبه  حل لغز فإذا قاموا بحل اللغز اختفى الضجيج.
قسم سليجمان المتطوعين لمجموعيتن إحداهما كان يسلط على أفرادها الضجيج باستمرار مهما ضغطوا من أزرار, والمجموعة الأخرى كان الضجيج يتوقف كلما ضغطوا الأزرار بشكل صحيح.
قام بعد ذلك بمراقبة سلوك المجموعتين لاحقا,فلاحظ أن المجموعة التي سلط عليها الضجيج باستمرار توقف أغلب أفرادها عن تجريب ضغط الأزرار وجلسوا منزعجين من الضجيج منتظرين زواله كما فعلت الكلاب, في حين استمرت المجموعة الأخرى في الضغط على الأزرار كلما أتى الضجيج.
أي أن نتيجة التجربة على البشر كانت مماثلة لتلك التي تخص الكلاب.

مؤثرات العجز المتعلم:
 بعد اكتشافه للظاهرة صاغ سليجمان بمساعدة  زملائه نظرية العجز المتعلم والتي فسر فيها آلية حدوثها وذلك بتفصيل ثلاث مؤثرات أساسية:
1- التأثيرات التحفيزية: أي كائن يقوم بمحاولة ما أيا كان هدفها فهو يكون مدفوعا من توقعاته المنتظرة بالحصول على النتيجة المرجوة, بمعنى أن الكلاب لما صعقت بالكهرباء وهي مربوطة فقد كانت تقوم بمحاولات للتخلص من الكهرباء, والبشر الذين كانوا يضغطون الأزرار فلأجل التخلص من الضجيج أي أن الذي يحفزهم على العمل وتكرار المحاولة هو توقع الحصول على النتيجة المنتظرة, وبالتالي فعدم حصولهم على نتائجهم المرجوة يضعف الحافز لديهم للاستمرار في المحاولات.

2- التأثيرات المعرفية: بسبب المحاولات الفاشلة لوضعية غير متحكم بها كالصعقات الكهربائية والضجيج فإن الكائن يتعلم أن هناك انفصالا بين محاولاته وتوقف الضرر, أي أن دماغ الكائن سيحدد المعادلة (أ) لا تؤدي إلى (ب) وسيتوقف عن القيام ب(أ) وينتظر حدوث (ب) التي لا يعرف كيف ومتى تحدث, أي أن عجزا معرفيا يحدث للكائن, فالكلاب والبشر بالتجربة لا يعرفون ما هو الإجراء الذي يجب القيام به للحصول على النتيجة ولا الفعل الذي يؤدي لتوقف الصعقة والضجيج.
هذا العجز المعرفي يبقى ملازما للكائن, فحتى عندما وضعت الكلاب في صندوق يمكنهم الهرب من الصعقات عن طريق خطوة واحدة فضلوا الانبطاح وانتظار زوال الصعقة, وكذا فعل البشر مع الضجيج الذين لم يجربوا أبدا مجددا الضغط على الأزرار حتى وإن كان الضغط هذه المرة سيجعل الضجيج يزول, أي صار لديهم ما يشبه القصور المعرفي, والخطير بالموضوع أن الكائن يتعلم بسرعة فائقة العجز ويصعب تغيير هذا التعلم, حيث أن الكلاب التي تعلمت العجز استغرقت مدة طويلة جدا كي تقتنع مجددا بأن خطو خطوة واحدة سيبعدها عن الصعقة وكذا البشر.
 

3- التأثيرات العاطفية: عند وضع كائن ما في حالة مشابهة بتسليط محفز كريه مؤلم أو مزعج غير قادر على التحكم به فإن هذا الكائن سيختبر بالتأكيد عواطف سلبية من غضب وخوف وقلق وغيرها من العواطف السلبية, وستتطور حالته العاطفية إلى الرضوخ التام والاستسلام للأمر الواقع فيصير متقبلا بوضعه الحالي كما حصل مع الكلاب التي انبطحت منتظرة الصعقة لتتألم وهي مستكينة صابرة عكس الكلاب التي صعقت أول مرة والتي فزعت وتبولت ونطت من مكان لآخر قصد التخلص من التيار الكهربائي.

العجز المتعلم بالحياة:
الآن عزيزي القارئ لابد وأنك تفكر في نماذج حياتية للعجز المتعلم, بالتأكيد قام سليجمان وزملاؤه بدراسة العجز المتعلم في حياتنا اليومية, ودعنا نخمن في بعض النماذج ولنبدأ بالمدرسة, فإن الأستاذ الذي يعطي طلابه اختبارات صعبة كل حين سيكسبهم العجز فيتعلمون أنه مهما درسوا مادة هذا الأستاذ فإن مصيرهم الفشل وبالتالي حتى وإن كان اختبار الأستاذ سهلا فإن النتائج لن تكون كنتائج من يختبر تلك المادة لأول مرة دون المرور بتجارب فاشلة.
قد نرى بعض الأفراد الذين يعيشون عنفا أسريا غير قادرين على التخلص من الحالة التي يعيشون فيها حتى وإن بدا الحل بالنسبة للملاحظ سهلا لأنهم عاشوا العجز طوال سنوات عديدة فحتى عند توفر الحل فإنهم لا يلجؤون إليه.
هذا ما يحدث مع الاغتصاب أيضا حيث يعتاد الطفل الذي يتعرض لاعتداء جنسي على أن محاولاته للتخلص من المغتصب تبوء دائما بالفشل كونه طفلا, فيصير عاجزا مستسلما حتى بعد بلوغه سنا يمكنه من التخلص من المعتدي, فيتساءل الناس بعدها ... ولكن لماذا لم يقاوم المعتدي بعد أن كبر بالسن؟
الأسوء من ذلك أن الشخص الذي يتعرض للتعنيف في صغره قد يبدي عجزا لاحقا في مجالات عديدة, فلو افترضنا أن طفلا تعرض للتعنيف من والديه باستمرار لأسباب لا يتم شرحها للطفل مسبقا, فإن الطفل سيتعلم العجز لأنه غير مدرك لمكمن الخلل الذي يؤدي به للعقاب وقد يصير عاجزا فاشلا حتى في أمور حياته كالعمل والزواج وغيرها, فلا يلجأ لتغيير حياته للأفضل بالشكل المطلوب لأنه تعلم منذ صغره أن المحاولات لا ترتبط بالنتائج.

وعلى أي فإنه لا يكون هذا هو الحال دائما فمهما كان الأمر نبقى بشرا نختلف بتركيبتنا المعقدة عن بقية الكائنات, فقد يمر الإنسان بظروف يحصل فيها عجز ولكنه يتجاوز هذا العجز أو لا يتوقف عن الاستمرار بالمحاولات قصد التغيير للأفضل, ومسألة الاستسلام تتفاوت من فرد لآخر بتدخل معايير أخرى عديدة.
وبالتالي لا يمكنك توقع سلوك كل فرد من البشر على حدة بعد اختباره لحالة العجز, ولكننا نستطيع على الأقل تفسير جانب منه.