هرم ماسلو للاحتياجات

10
يعد أبراهام ماسلو (1908-1970) واحدا من أهم علماء النفس الذين أسهموا في تطوير نظريات نفسية بالنصف الأول من القرن العشرين, ويعد من رواد علم النفس الإنساني.
قام ماسلو في نظريته التي أسماها "المحفزات البشرية" بمحاولة لتفسير الدوافع التي تكمن وراء السلوك البشري..حيث افترض أن الحاجات الإنسانية تنتظم على شكل هرم, وكلما حقق الفرد إشباعا لحاجة أولية انتقل للحاجة الموالية في تدرج متصاعد حسب أهمية الحاجة, من قاعدة الهرم لأعلى قمته.

دعنا إذن نتعرف على هذه الحاجات ونرى أين أنت منها:

1- الحاجات الجسدية:

تتمثل الحاجات الجسدية في الأمور الفيسيولوجية التي يتطلبها الجسد ككائن بيولوجي من أكل وشرب وصحة وجنس وغيرها... تعتبر أهم حاجة وتبنى عليها بقية الحاجات.
إن الشخص الذي يشعر بالعطش لن يرغب لحظتها في تحقيق أي هدف آخر غير الوصول لجرعة ماء, وكذا بقية الحاجات الجسدية... فالجسم إن كان يعاني من نقص أو عدم إشباع فإنه لن يخطو أي خطوة أخرى اتجاه  بقية الحاجات الموالية.
فمثلا إن كنت تشعر بالحر المفرط فإن هدفك سيكون البحث عن درجة حرارة منخفضة تنقد بها جسدك, بعيدا عن بقية الأهداف الأخرى.
ولطالما نسمع مريضا يعاني الأمرين يردد أنه لا يريد من هذه الدنيا شيئا آخر إلا عودة عافيته وصحته كما كانت.

2- الحاجة للأمان:
إذن اتفقنا سابقا على أن أهم حاجة هي الحاجة الفيسيولوجية, الآن وبعد أن حققنا هذه الحاجة فإننا سننتقل للحاجة الموالية التي سنطمح إليها وهي الشعور بالأمان وعدم التعرض للمخاطر سواء نفسية أم جسدية, أظن أن هذا من البديهيات فأنت قد تعرض نفسك للخطر إن لم تجد لقمة العيش أو جرعة ماء لكنك إن وجدتهما فإنك سترغب في تحصين نفسك من الخطر, هذا الجسد الذي أشبعت رغباته الأولية سيحتاج منك لأن تحفظه وتحفظ ذهنك معه ونفسيتك التي هي جزء لا يتجزء من هذا الجسد.
3- الحاجات الاجتماعية:
بعد أن حصلت على حاجاتك الفيسيولوجية وحصنت نفسك فإنك ستحتاج لأن تشعر بالانتماء الاجتماعي, وأن تشعر بالحب...كوننا كائنات اجتماعية فإننا كأي كائن اجتماعي آخر سنرغب في أن تكون لدينا أسرة وأصدقاء ونشعر بأننا ننتمي لعائلة ما, بلد ما.

4- الحاجة للتقدير:
الحاجة للتقدير هي الدرجة التي تلي تحقيق الحاجة للحب والانتماء, إذ أنك ستحتاج لأن تشعر بالاحترام في هذا الوسط الذي تعيش فيه, وأن يتم تقدير كيانك في مجتمعك, لذا ستسلك الطرق التي تؤدي لفرض نفسك واحترامك على الآخر حسب ما يراه مجتمعك الذي تنتمي إليه معيارا للاحترام, كأن تفضل وظيفة على أخرى لأسباب مبنية على التقدير أو أن تدرس تخصصا يفرض نفسه على المجتمع وغير ذلك..

5- الحاجة لتحقيق الذات: 
الآن وصلنا لآخر حاجة سترغب في تحقيقها هي طموحاتك الشخصية التي تسعى من خلالها التحسين من نفسك بشكل مستمر وينضوي تحت هذه الحاجة أي سلوك تسلكه كرفاهية بعيدا عن الحاجات الأساسية للحد الأدنى للعيش, فمثلا قد ترغب في أن تحسن من وضعك المادي أو أن ترتقي في وظيفتك, أو تزين نفسك لتبدو أجمل, أو ترفع من مستواك الثقافي...إلخ

اقرأ عن تحقيق الهوية الذاتية 

المشاكل مع الهرم:
والآن بعد أن تعرفنا بشكل مختصر عن الحاجات الخمس دعنا نفصل قليلا في ماهية المشاكل التي قد يواجهها الفرد مع هذه الحاجات.
بداية عليك أن تعلم أن الهرم ليس دائما بهذا الترتيب, فهذا الترتيب المفترض الذي وضعه ماسلو قد يتغير بالنسبة لكل فرد منا.
ولنبدأ بالحاجات الجسدية, فإنه كما علمنا مسبقا فإن هذه الحاجات دائما ما تكون بقاعدة الهرم بالنسبة لكل البشر, والخلل في هذه الحاجة قد تكلف المرء حياته, كرفضه تناول الطعام مثلا أو أن يكون في حالة قسرية تمس بحاجاته الجسدية, كتعرضه للمرض أو العيش في بيئة تؤذي جسده كالثلوت أو المناخ الغير مناسب...وسنجد أن هناك من هو عالق في هذه الحاجة غير قادر على الانتقال لتحقيق بقية الحاجات, كالشعوب التي تعاني من المجاعة ونقص المصادر أو التطبيب, فإن كل همها هو إشباع هذه الحاجات.. كل مساعي هؤلاء الفئة هو تحقيق إكتفاء لهذه الحاجة مهملين بقية الحاجات كالأمن مثلا, فنرى حروبا بين البشر بسبب ندرة المياه أو أن الكل مستعد لتعريض نفسه للخطر من أجل لقمة العيش وقد يذل المرء نفسه من أجل إشباع هذه الحاجة فيمتهن التسول من أجل سد رمقه... وبالمقابل هناك من يعاني من تضخم في هذه الحاجة, كأن يكون أكولا مدمنا على الطعام أو على نوع من المخدرات والتي يلح عليه جسده كل حين لتناولها... والأمثلة عديدة...هؤلاء إذن عالقون في هذا المربع.

ننتقل للحاجة للأمان, والتي تعد لدى ماسلو الحاجة رقم اثنان من ناحية الأهمية, وكتذكير فإننا اتفقنا على أن الشخص الذي أشبع حاجاته الجسدية فإنه سيسعى لتحصين هذا الجسد والسعي نحو الأمن من المخاطر, وبالتالي فإن من يعاني مشاكل في هذا المربع سنجده يعاني كثيرا من مشاكل نفسية تؤثر على حياته أشد التأثير, فمن كان يعيش في منزل مضطرب أثناء طفولته قد يكبر ليبقى الشعور بعدم الأمان ملاصقا له, فتجده يتوقع حلول الكارثة في أي لحظة, يشعر بخوف وقلق غير مبررين كل حين.
وكذا الأمر بالنسبة للشعوب التي تعاني من الحروب أو الكوارث الطبيعية والتي يكون كل همها بعد تلبية حاجاتها الجسدية هو البحث عن مكان آمن بالتخلي عن كل حاجاتها الأخرى والنزوح إلى مناطق الأمان بعيدا عن هذه المخاطر التي تحذق بها, إن عدم الشعور بالأمان من شأنه أن يخلق نفسية متزعزعة, فيعاني الخارجون من أماكن الخطر لصدمات نفسية تبقى لصيقة بهم مدة طويلة من الزمن كرد فعل مبالغ فيه من الجسد لحماية نفسه, فيبقى الخوف والقلق حاضرا بشكل مؤذي للفرد.
وقد يحدث وأن يكون الشخص يعاني من خلل في الشعور بالخطر وعدم الأمان فتجده يعرض نفسه للمخاطر بشكل أهوج, هذا شخص إذن حاجة الأمان لديه ليست جدا مهمة.

الحاجات الاجتماعية هي ثالث الحاجات أهمية حسب ماسلو, والخلل هنا يتمثل بأن يتعرض الشخص للعنصرية مثلا في مجتمعه فيرفضه الكل لسبب ما من الأسباب فيتبلور لديه شعور بأنه لامنتمي وغير مرغوب فيه, أو أن يكون الشخص بلا عائلة وحيدا دون إرادته...هذا شخص إذن أشبع حاجاته الجسدية وحاجته للأمان لكنه يعاني في مربع الحاجات الاجتماعية, هو عرضة إذن للاكتئاب وقد لا يكون لسعيه نحو بقية الحاجات أي مبرر بالنسبة له, أو أن يسعى لتلبية بقية الحاجات الأعلى لأجل إشباع حاجاته الاجتماعية, مثلا كأن يسعى لتحقيق حاجة التقدير بغاية إيجاد محبين وتكوين أسرة أو لكي يقبله مجتمعه ويتوقف التمييز ضده, وبالتالي فإنه في حقيقة الأمر لا يريد تلبية حاجة التقدير كهدف بل كوسيلة فقط لغاية الوصول لإشباع حاجاته الاجتماعية.
وللتوضيح فدعنا نتخيل شابا ابن زنا لفظه مجتمعه وليس له عائلة, فإنه سيعاني في هذا المجتمع الذي يعيش فيه رغم أن لديه مأوى يحميه من الخطر ومصدرا للقوت يحقق بهما حاجتيه الجسدية والأمان, ولكنه لم يحقق حاجته الاجتماعية: الحب والانتماء, بالتالي قد يسعى للبحث عن وظيفة مرموقة يستطيع بها أن يحقق حاجة التقدير فيصير محترما في مجتمعه وعن طريق تحقيق حاجة التقدير سيتمكن من تحقيق حاجة الحب والانتماء, فهو عندئذ سيحصل على أصدقاء وسيستطيع الزواج وتكوين أسرة.
بالمقابل فهناك من لا تعنيه هذه الحاجة بالمرة, فهو لا يرغب في أن يشعر بالانتماء أو الحب أو غير قادر على الشعور بالحب كما هي حالة السيكوباثيين وهو اضطراب نفسي يجعل صاحبه ليس بحاجة للحب أو الشعور بالانتماء وغير قادر على حب أحد عموما, هو إذن متجاهل لهذا المربع وبالنسبة إليه حاجة لا يحتاجها فعلا, وكذا حال بعض الاضطرابات النفسية الأخرى كالشخصية الشبه فصامية مثلا...إلخ.

اقرأ عن الهوية الاجتماعية

الآن لنعد لمثال الشاب ابن الزنا الذي حقق حاجاته الجسدية وحاجة الأمان ولنفترض أنه حقق الحاجات الاجتماعية وكان يعيش وسط أسرة تحبه وله أصدقاء ويشعر بالانتماء, لكن المشكلة التي لازال يعاني منها هي الحاجة للتقدير, سيشعر هذا الفرد دائما أنه شخص غير محترم من طرف الآخرين, إذن لنتخيل معاناته مع هذا الشعور, وسعيه الدؤوب لتحقيق هذه الحاجة, إن عدم مقدرته لتحقيق حاجة التقدير بشكل مرغوب فيه من طرف المجتمع قد تدفعه لسلوك منحرف لتحقيق هذه الحاجة بشكل آخر كأن ينضم لعصابة ترعب الآخرين, سلوكه هذا ما هو إلا محاولة لتحقيق حاجة التقدير, إذ سينتابه شعور بالتقدير عندما يرى أن الآخرين يخافونه ويتجنبونه...وهذا ما يحصل أحيانا مع الطلاب الذين يعانون من مشاكل في تحصيلهم الدراسي, فقد يلجؤون للشغب داخل الفصل لتحقيق حاجة التقدير لديهم كونهم غير قادرين على تحقيقها بالتحصيل العلمي كما هو مطلوب منهم أن يفعلوا... اللجوء للانحراف أحيانا يكون وسيلة من وسائل تحقيق حاجة التقدير.
بالمقابل هناك من لا يشعر بحاجة لتحقيق هذه الحاجة, فهو يعيش في مجتمعه محتقرا وغير محترم وغير مقدر ولا يجد أي إشكال لديه في هذا.

أخيرا الحاجة لتحقيق الذات, هناك من تأخذ هذه الحاجة أكبر حيز لديه, فهو لا يريد أن يشعر بالانتماء والحب ولا بالتقدير ولكنه يسعى لإشباع حاجة تحقيق الذات, ولنتخيل هذه المرة سيدة تعمل في مجال الدعارة باحدى البلدان مثلا التي لا تشعر فيها بأي انتماء وليس لها أي أسرة تحبها وحيدة بهذا العالم ولا تحظى بأي احترام ولا تقدير, ولا تجد أي مشكلة في هذا أبدا وإنما سعيها الأوحد نحو تحقيق ذاتها بجمع المال وإجراء عمليات التجميل لولوج عالم السينما وثاني أهم حاجة بعد تحقيق الذات لديها هو الزواج وتكوين أسرة ثم التقدير. إذن سيكون هرمها بهذا الشكل:
1- الحاجات الجسدية
2- الحاجة للأمان
3- الحاجة لتحقيق الذات
4- الحاجات الاجتماعية
5- الحاجة للتقدير.
وبالمقابل فإن هناك من لا يرغب بتحقيق ذاته, بل توقف هرمه في مربع التقدير ولنتخيل هذه المرة سيدة ربة بيت كل همها حفظ أسرتها وأن تبقى محط تقدير واحترام من طرف المجتمع وكفي...هي إذن لا تسعى لتحقيق ذاتها, غير مهتمة بشكلها ولا جمالها وليس لديها أهداف شخصية, ولا تسعى للرفع من ثقافتها ولا تقوم بأي نشاط ترفيهي, هرمها إذن يتوقف عند حاجة التقدير.

حسن لقد كانت هذه لمحة مبسطة ومختصرة عن نظرية ماسلو ربما يشوبها بعض التخبط نوعا ما خصوصا في الأمثلة, لأنني لا أجيد إيصال الأفكار بالشكل المطلوب...وعلى كل حال الآن وقد فهمت واكتشفت هرم ماسلو, حاول أن تحدد حاجاتك, هل هي كما رسمها ماسلو؟ أم أن ترتيبها لديك يختلف كأن تكون حاجة تحقيق الذات مثلا أهم لديك من الحاجات الاجتماعية أو غير ذلك؟
وإذا كنت تعاني من بعض المشاكل, ففي أي مربع تندرج؟ في مربع الحاجة للأمان أم الحاجات الجسدية؟
أرسم هرمك الخاص ورتب حاجاتك وضع مشاكلك في مربع الحاجات التي لديك فيها مشاكل.

تجدر الإشارة أن نظرية ماسلو مثلها مثل أي نظرية نفسية أخرى.. غير مقدسة وغير مثبتة علميا وإنما مجرد اجتهاد ورؤية ماسلو للأمور. تعرضت نظريته للانتقادات العلمية مثلها مثل بقية النظريات.