نظرية سكنر, الإشراط الإجرائي

9
بورهوس فريدريك سكنر (1904- 1990)  عالم نفس سلوكي مرموق, صنفته الجمعية الأمريكية لعلم النفس على رأس قائمة أشهر علماء القرن العشرين متفوقا على فرويد, ويعود الفضل في شهرته لكمّ المؤلفات الهائل التي ألفها طوال حياته ولتجاربه المبتكرة العديدة التي جعلت إسهاماته مرجعا أساسيا لعلم النفس.
يعد سكينر مؤسس المدرسة السلوكية المتطرفة  Radical Behaviorism بمعنى أنه مثل واتسون يرفض أن يعتمد علم النفس على دراسة أي شيء آخر غير السلوك لأنه وحده الذي يمكن دراسته, لكنه ليس بتطرف واتسون الذي رأى أنه ليس للإنسان ذهن وأننا مجرد آلات نولد صفحة بيضاء تماما, فسكينر يؤمن أن للإنسان عقلا لكنه معقد بشكل يصعب دراسته بالإمكانيات المتاحة.

الإشراط الإجرائي:
استلهم سكينر من تجارب من سبقه من سلوكيين خصوصا ثورندايك لاختراع تجارب مشابهة واستخراج قوانين جديدة.
رأى أن الإشراط الكلاسيكي جد مبسط ولا يفسر السلوك بشكله المعقد لذا اخترع تجارب أكثر تعقيدا لمراقبة أسباب السلوك ونتائجه وهذا ما أسماه بالإشراط الإجرائي.
لهذه الغاية اخترع علبة بها قضبان حديدية يمر عبرها تيار كهربائي خفيف وبها مكبس ومصباح وفتحة للطعام كما بالصورة بالأعلى, ثم وضع جرذا جائعا بداخلها ليختبر عدة حالات.

1- التعزيز الإيجابي: يبدأ الجرذ يحوم بالعلبة باحثا عن الطعام فيضغط على المكبس صدفة لينزل الطعام بالفتحة فيأكله ويكرر الجرذ العملية فيتعلم ضغط المكبس كل حين طلبا للطعام, وهذا ما يسمى التعزيز الإيجابي أي أن الجرذ يقوم بعمل وينال عنه مكافآة.
وكمثال بالنسبة للبشر فإن الطفل أو الشخص بشكل عام إن قام بعمل نال عنه مكافأة فإنه سيكرره, والطالب بالمدرسة الذي ينال إشادة من أستاذه بالفصل لإنجازه تمارينه فإنه سيكرر العمل مستقبلا وينجز التمارين.

2- التعزيز السلبي: هذه المرة مرر سكينر تيارا كهربائيا بالقضبان أزعج الجرذ فأخذ يحوم بالعلبة باحثا عن ما يبعد عنه هذا التيار الكهربائي وعند لمسه المكبس صدفة يزول التيار الكهربائي, فيتعلم الجرذ إزالة التيار الكهربائي كلما شعر به بالضغط على المكبس, وقد أضاف سكينر ضوء المصباح ليعلم الجرذ أن التيار الكهربائي قادم, إذ ينير المصباح أولا ثم بعد ذلك يطلق التيار الكهربائي ثانيا, فالجرذ كلما يرى المصباح يستنير يسرع بالضغط على المكبس قبل قدوم التيار الكهربائي لتجنبه قبل حدوثه.
 بالنسبة للبشر يمكن أخذ مثال الطالب دائما أو الموظف أو أي شخص وأي حالة تتمثل في القيام بالعمل لتجنب السوء, كأن ينجز الطالب فروضه ليتجنب عقاب الأستاذ أو الموظف ينجز مهامه ليتجنب إهانة المدير وهكذا..

3- العقاب: العقاب عكس التعزيز ولا يجب خلطه مع التعزيز السلبي, إذ أن التعزيز السلبي هدفه تعزيز العمل وحثك على القيام بسلوك ما في حين أن العقاب يحثك على عدم القيام بسلوك ما, وذلك كأن يصعق الجرذ بالكهرباء كلما لمس المكبس فيتوقف عن لمسه نهائيا. الهدف من العقاب إذن هو إضعاف السلوك وعدم تكراره.
 العقاب يمارس بشدة على الأطفال سواء بالمدرسة أو البيت ويعتمد أشكالا متنوعة كالضرب أو الإهانة أو غيره ويمارس على الكبار أيضا كالدخول للسجن مثلا وغيره...
إلا أن العقاب يختلف عن التعزيز من ناحية التأثير فهو لا يزيل السلوك نهائيا وإنما يكبته فترة من الزمن, ويعاود الشخص أو الحيوان القيام بنفس السلوك لاحقا عندما يغيب العقاب.
فالطفل الذي تضربه لأنه أكل الحلوى فوق الطاولة سيكرر نفس العمل خلسة في غيابك والحيوان الذي تضربه كي يبتعد عن المكان سيعود مجددا في غيابك.
أحيانا يسبب العقاب تعميما كما حدث للصغير ألبرت -إن كنت تذكره- الذي صار يخاف من كل شيء به فرو, فالطفل الذي يتعرض للعقاب بالمدرسة من طرف أستاذه سيكره المدرسة ككل ولن يرغب الذهاب حتى لو غادر ذلك الأستاذ المدرسة بصفة نهائية.
قد ينمي العقاب أيضا صفات سلبية كالغضب والعنف لدى الطفل أو الحيوان, فالحيوان الذي يتعرض للعقاب قد يصير عنيفا.
وفي حين كان التعزيز مرتبطا بالسلوك بشكل مباشر فيكرر الشخص العمل لنيل المكافأة فإن العقاب ليس له نفس المتانة في الربط بينه وبين السلوك, لأن التعزيز يخبرك ماذا يجب أن تفعل في حين أن العقاب يخبرك ما الذي يجب ألا تفعله وهنا مكمن الضعف. كما وأنه  في كثير من الأحيان يكون من الصعب التمييز بين التعزيز السلبي والعقاب في الحياة العملية كالطفل الذي يُضرب بسبب إهماله لتمارينه كتعزيز سلبي يعمل عمل العقاب فتكون نتائجه كنتائج  العقاب.
لذا وجب التقليص من استخدام العقاب لأقصى حد ممكن مع الأطفال واستبداله بالتعزيز السلبي.



أنواع التعزيز:
للتعزيز أنواع, وقد حدد سكينر مدى قابلية الكائن للاستمرار في السلوك ومدى قوة ارتباط السلوك بالمثير.
حيث اختبر سلوك الجرذ وذلك بحساب عدد مرات ضغطه للمكبس (قوة السلوك) ومتى يتوقف الجرذ عن الضغط على المكبس عندما لا يجد طعاما (التوقف عن السلوك).

 1- التعزيز المستمر: يعني أن الطعام يُقدّم للجرذ كل مرة يضغط فيها على المكبس بشكل مستمر, في هذه الحالة التوقف عن تقديم الطعام عند ضغط المكبس سيجعل الجرذ يتوقف أيضا بعد مدة عن الضغط على المكبس.
في هذه الحالة قوة السلوك ضعيفة والتوقف سريع.
فالشخص الذي يقوم بعمل يتلقى عنه أجرا سيتوقف عنه فورا إن لم يتلقى عليه أجرا بالتأكيد.
والطفل الذي تقدم له مكافأة كلما راجع دروسه فإنه سيتوقف فورا إذا لم تقدم له مكافأة, أي أن قوة سلوكه ضعيفة.

2- التعزيز المحدد : وهو أن يتم مد الطعام للجرذ بعد دقائق محددة عند ضغطه المكبس مثلا كل عشر دقائق, أو أن يعطى له الطعام بعد ضغطه المكبس عددا محددا مثلا خمس مرات.
في هذه الحالة الاستجابة متوسطة والتوقف متوسط.
كالموظف الذي يأخذ مرتبه آخر الشهر, أو الطفل الذي تحدد له عددا من الدروس التي يراجعها لنيل المكافأة.

3- التعزيز النسبي: وهو أن يعطى الطعام للجرذ بعد ضغط المكبس عددا من المرات غير محدد, فيبدأ الجرذ بالضغط دون توقف إلى أن ينزل له الطعام.
السلوك في هذه الحالة قوي والتوقف بطيء.
فالجرذ لا يتوقف عن الضغط على المكبس لأنه لا يعلم متى سينزل الطعام.
وهذا أخطر أنواع التعزيز وهو أصل الإدمان على القمار ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من السلوكات التي يُدمن عليها الإنسان, فالمقامر لا يدري متى ينال المكافأة وهذا ما يجعله يستمر في القمار واستجابته تكون سريعة وسلوكه صعب التوقف, وكذا مدمن المواقع التواصلية فهو ينال المكافأة على شكل (إعجابات, تعليقات, مشاركات....) بشكل غير متوقع إذ أنه لا يدري كم ومتى سيحصل على الاعجابات والتعليقات لذا سيتفقد حساباته كل دقيقة.
لذا كانت مكافأة الطفل من حين لآخر كلما قام بسلوك جيد تريده أن يستمر عليه كترتيب غرفته مثلا أو مراجعة دروسه أفضل من مكافأته كل مرة يقوم فيها بالعمل, لأنه لن يتوقع متى ستعطيه المكافأة وسيستمر على السلوك عكس التعزيز المستمر الذي قد يجعل الطفل يتوقف بسرعة إن لم تعطه مكافأة عودته عليها بشكل دائم كلما قام بذلك السلوك.

مازال هناك الكثير للتحدث عنه بالنسبة لنظريات سكينر لكن أكتفي بهذا القدر لأنك مللت بالتأكيد وبما أنك وصلت إلى هذه الأسطر الأخيرة  فأنا أحيي فيك روح المثابرة, على أمل ألا تكون قد قرأت سطرا وقفزت عشرا.
وهكذا سأختم المذهب السلوكي المتطرف وسأنتقل إن شاء الله لمذهب آخر عن نظريات الشخصية التي تروقك طبعا والتي لا تروقني, قبل أن أعود مجددا للسلوكيين بحلتهم الجديدة ونظريات تعلم أكثر إثارة لأفقع مرارتك بهم.

التعليقات

  1. مقال جميل من افضل المقالات وابسطها ليت الحديث في هذا المجال يكون بإسهاب اكثر ...
    اتوقع من اسوأ البرامج في التأثير على سلوك الانسان من غير ان يشعر سناب شات ... اتمنى كتابة مقال عن تأثير هذه البرامج على سلوك الانسان

    واصل كتابة هذه المقالات النافعه والماتعه 👍🏻

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك.
      أجل إن شاء الله سأعود لاحقا للسلوكيين لأنه لا يمكن الحديث عن علم النفس دون الحديث عن السلوكيين, مازال هناك علماء طوروا تجارب بمراقبة سلوك البشر, وقدموا شرحا مسهبا عن الإدمان, العنف والتقليد وغيرها من السلوكات.
      فقط كي لا يمل المتابع سأنتقل لمذهب آخر...
      شخصيا لم يسبق لي أن استخدمت سناب شات ولا أعرف حتى ما هو ههههه

      حذف
    2. في مجتمعنا الذي لايستخدم سناب شات يعتبر شخص عنده مشكله 😕

      حذف
    3. ذكرتيني بزميلة لي سألتني عن إذا كان أحد حسابات السناب لي فقلت لها أني لا أملك سناب شات ..أعطتني هي وصديقاتها نظرة التعجب والصدمة وكأنني اقترفت ذنب كبير ..مشكلة إذا اعتقدوا الناس أن برنامج معين أساس حياتهم

      حذف
  2. سكينر هذا شخصية فريدة بحق، يا ترى له علاقة بسيمور سكينر من السيمبسونز؟؟ :)

    ردحذف
    الردود
    1. تماما هههههه
      سكينر هو جد سيمور سكينر ولابد

      حذف
  3. جواد أنت كالمعلم الذي دخل تخصص لا يطيقه وبعد ذلك يرغم نفسه بإعطاء الدروس لطلابه 😂
    إذًا التعزيز المحدد هو الأفضل للطفل ليكمل عمل جيد .. أنا أحزن على الأطفال الذين يتحمسون في كل مرة أحد الوالدان يقولوا له أنه سيحصل على مكافأة إذا فعل أمر ما ..ولكن بعد ذلك لا يعطوه شيئًا انها تشبه المكافأة المستمرة ولكن بمسمى (الكذب المستمر)

    مقال رائع وبإنتظار نظريات الشخصية التي لا تروقك🌚

    ردحذف
    الردود
    1. هههه صرت أبدو كالمعلم إذن.
      آخر ما قد أرغب فيه أن أعمل أستاذا, لأنني سأرمي أحد الطلاب من النافذة ولابد.
      أنا عصبي أكثر من أي ESTJ بالكون ههههه

      حذف
  4. موضوع رااائع اعجبني كثييييرا يساعد في التربية

    ردحذف