الاضطراب الانفجاري المتقطع

2
وجه الحرب, لوحة للفنان الاسباني سالفادور دالي

جميعنا نشعر بالغضب كعاطفة أساسية مهمة لتسيير حياتنا, ويكون غضبنا أحيانا طفيفا وفي أحيان أخرى جامحا يتناسب والمواقف التي نمر بها, وقد نتصرف في بعض المرات القليلة جدا تصرفا طائشا, عدوانيا أو مؤذيا قد نندم عليه لاحقا, ومن الطبيعي أن يمر الإنسان العادي بهذه الحالة بضع مرات في حياته, إلا أن هذا ليس حال مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع.

ما هو الاضطراب الانفجاري المتقطع؟
يعرف الاضطراب الانفجاري المتقطع أو المتناوب بنوبات قصيرة الأمد من الغضب الجامح والسلوك الاندفاعي المؤذي للغير تمتد حوالي نصف ساعة أو حتى ساعة, حيث تنتاب المريض نوبات غضب شديدة مفاجئة لا تتناسب مع المحرك الأساس لهذا الغضب, أو رغبة جامحة في الاتيان بسلوك ما مؤذي, فيتصرف بسلوك اندفاعي يصعب عليه التحكم فيه كالسب والشتم أو حتى الاعتداء الجسدي أو تكسير الأغراض أو أي تصرف اندفاعي يندم عليه بالغالب لما يعود لحالته الطبيعية, وتذهب عنه النوبة...
 تنتاب المصاب هذه النوبات بضع مرات بالعام أو الشهر أو الأسبوع وتأتيه بشكل مفاجئ دون سبب واضح, مما يؤثر على علاقاته مع أفراد أسرته وأصدقائه وزملائه بالعمل, وقد يقع فريسة اضطرابات أخرى كالاكتئاب مثلا, بسبب الآثار السلبية التي تعود عليه نتيجة تصرفاته الاندفاعية المؤذية.

يكون الاضطراب الانفجاري المتقطع أحيانا عرضا مرافقا لاضطرابات أخرى كاضطرابات الشخصية النرجسية أو المضادة للمجتمع أو الحدية, واضطراب ثنائي القطب...
ينتشر الاضطراب بين صفوف الرجال أكثر من النساء بفارق ضخم جدا إذ أن ثلثي المصابين من الرجال, ولا تفسير واضح للموضوع, إذ تقترح بعض التفاسير تدخل هرمون الذكورة التيستوستيرون في نوبات الغضب والعدوانية, في حين تقترح تفاسير أخرى أن الاضطراب ينتشر بصفوف النساء والرجال على حد السواء إلا أنه ملاحظ بالرجال أكثر بسبب طبيعة الرجل التي تجعل سلوكه الاندفاعي وعدوانيته أكثر وضوحا من اندفاعية وعدوانية المرأة.

يظهر الاضطراب بسن الطفولة بالغالب حيث تنتاب الطفل نوبات غضب جامح يُساء تفسيرها من طرف الأهل والمعلمين ومن يقدمون الرعاية له...يزدهر الاضطراب بسنوات المراهقة والشباب وتبدأ النوبات بالتراجع تدريجيا مع التقدم بالسن وبلوغ 40 عاما.
الأعراض:
تتنوع أعراض الاضطراب الانفجاري المتقطع وقد تختلف حالة كل شخص على الآخر, فقد ينتاب المصاب ثوران وهياج بشكل مفاجئ ومزعج وغير متحكم فيه على شكل:
- شعور بالغضب الشديد.
- هيجان ونزق.
- شعور بالطاقة والقوة.
- ارتعاش.
- خفقان.
- تشوش بالذهن.
- ضيق بالتنفس.
- ارتفاع بدرجة الحرارة.
وأحيانا تأتي النوبة على شكل رغبة جامحة وإثارة للاتيان بسلوك اندفاعي ما.

يقود هذا الهيجان والنزق والإثارة لسلوكات اندفاعية وعدوانية اتجاه الأشخاص أو الأغراض أو حتى الحيوانات منها:
- سب وشتم.
- صراخ في وجه الأشخاص.
- تكسير للأغراض.
- مشاجرات مع الآخرين.
- اعتداءات جسدية على الآخرين أو الحيوانات.
- تحرشات.

 تدوم هذه النوبة أقل من نصف ساعة وأحيانا أكثر من نصف ساعة ولكنها تبقى عموما قصيرة الأمد, فيشعر المصاب بعدها بارتخاء وتعب جسدي ونفسي وندم شديد على صنيعه, لأنه في أغلب الأحيان يكون قد صب جام غضبه على أشخاص يحبهم أو لا ذنب لهم أو كسر أغراض تهمه أو آذى حيوانات بريئة...مما يجعله يعيش في دوامة الشعور بالذنب وقد يقع فريسة الاكتئاب خصوصا وأن تصرفاته تكون مدمرة لعلاقاته الأسرية وصداقاته وعلاقاته المهنية...
يحاول المصاب التكفير عن تصرفه أثناء النوبة ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه, إلا أنه وبشكل عام تعد معاشرة مصاب الاضطراب الانفجاري المتقطع خطرة خصوصا إن اتخذت نوباته منحى العدوانية والاعتداءات الجسدية التي قد تقوده في بعض الأحيان للمحاكم والسجون, لأن الاضطراب الانفجاري المتقطع لا يعد اضطرابا نفسيا يُفقد صاحبه الادراك والتمييز كالفصام مثلا وبالتالي فهو يحاكم كأي إنسان طبيعي بكامل قدراته العقلية على نتائج سلوكاته الاندفاعية.
وكثيرا ما يصف المصاب ما ينتابه على أنه وحش داخلي يخرج من حين لآخر ويؤكد للآخرين أنه لم يكن هو أثناء إقدامه للسلوك العدواني, بعضهم يعتقد أن بداخله شيطانا يحرضه على ذلك كل مرة...

ينتشر بين صفوف مصابي الاضطراب الانفجاري بعض الأمراض بنسب تفوق النسب الطبيعية, كأمراض القلب والشرايين وارتفاع ضغط الدم والسكري وغيرها... نتيجة نمط العيش المتوتر ونوبات الغضب.

الأسباب:
الأسباب وكأي اضطراب نفسي آخر مجهولة إلا أن عوامل عدة تتدخل لظهور الاضطراب كالعامل البيولوجي والبيئي, حيث يعتقد تدخل عوامل جينية فيمرر الآباء جينات الاضطراب لأبنائهم.
ينتشر الاضطراب أكثر في صفوف الشباب الذين نشؤوا ببيئة مضطربة بها عنف لفظي وجسدي وتلقوا تعليما متواضعا, كما أن الاعتداء الذي قد يتعرض له الطفل بسنواته الأولى قد يرفع من احتمالية إصابته بالاضطراب الانفجاري المتقطع.
أحيانا تسبب بعض أنواع المخدرات التي قد يتناولها المراهق أو الشاب أو التناول العشوائي لبعض أنواع الأدوية لظهور أعراض انفجارية.

العلاج:
لا يوجد علاج شاف للاضطراب طبعا, لذا تعمل العلاجات المقترحة على السيطرة قدر الإمكان على الأعراض حسب كل حالة, يقوم الطبيب المعالج أولا باستبعاد بعض الأمراض كأورام الدماغ مثلا التي قد تسبب أعراضا مشابهة, وعند تشخيص الحالة على أنها اضطراب انفجاري متقطع يتم تقدير خطورة الحالة, فإن كانت للمصاب اندفاعات عدوانية مؤذية قد يتم اللجوء للخيار الدوائي كمضادات الاكتئاب التي تعمل على المحافظة على مستوى السيروتونين بالدماغ والتخفيف من النوبات.
أيضا يتم اللجوء للعلاج السلوكي المعرفي لتوعية المصاب بما ينتابه من نوبات وكذا أفراد أسرته, ومحاولة اكتشاف ما التصرفات والأشياء التي تحرض نوبات المصاب لتجنبها, كذا تعلم ضبط النفس أثناء النوبة وتقنيات التنفس السليم والاسترخاء لتقليص احتمالية الاتيان بسلوك اندفاعي مؤذي.

ما الفرق بين العواطف, المشاعر والمزاج؟

2
تتحكم العواطف بمجريات حياتنا فنحن نشعر بها كل لحظة, تؤثر على علاقاتنا بالآخرين (خجل, تعاطف, حب, كره...) وتؤثر على اختياراتنا وقراراتنا, كما يمكن التلاعب بعواطفنا بشكل كبير جدا حتى دون أن نشعر عن طريق الإعلانات ووسائل الاعلام والخطابات وغيرها...نحاول أحيانا إخفاء بعض منها لدواع اجتماعية وثقافية كإخفاء الحزن أو الغضب, أو القلق ونحوه...كما نحاول السيطرة عليها قدر الإمكان.

ما هي العواطف؟
هي تجارب ذاتية تنطوي على الإثارة الفيسيولوجية والتقييم المعرفي, فلو كنت تسير على سبيل المثال فاعترض سبيلك شخص مسلح (مثير) سيتملكك الرعب لأنك تدرك أنه يود قتلك (تقييم معرفي).
نشترك والحيوانات  العديد من العواطف لذا فهي غرائز من شأنها دفعنا للبقاء على قيد الحياة.
عمد عدد كبير من العلماء على مر الزمن على تحديد هذه العواطف, واستخراج العواطف الرئيسية, من العلماء من حدد أربعة عواطف وهناك من حدد ست أوثمان ...
لنكتفي بست عواطف هنا:
- الخوف: عاطفة تستثار عن طريق التعرض للتهديد أو الخطر, وهي تدفع الكائن لتجنب مصدر الخطر أو الهروب منه.
- الغضب: عاطفة تستثار عن طريق مواجهة المعيقات أو الأعداء, وهي تدفع الكائن لتحطيم المعيق وتجاوزه.
- السرور: عاطفة تستثار بالحصول على شيء قيّم, وهي تدفع الكائن للسعي نحو المزيد منه أو المحافظة عليه.
- الحزن: عاطفة تستثار بسبب فقد شيء قيّم, وهي تدفع الكائن للسعي نحو الحصول عليه مجددا أو تعويضه.
- التقزز: عاطفة تستثار عند مجابهة شيء خطر يجب الابتعاد عنه, كالطعام المتعفن أو الفضلات...
- المفاجأة: عاطفة تستثار بمجابهة شيء غير متوقع وهي تدفع الكائن للتوقف برهة لاستكشاف الوضع.

هذه العواطف الست نجدها لدى أغلب الحيوانات وهي تشكل بقية العواطف الأخرى, بمعنى أن الاحتقار مثلا هو مزيج بين التقزز والغضب.
عواطف الوعي الذاتي: هي مجموعة من العواطف تتشكل لدى الكائن البشري بعد تجاوزه سنته الثانية وهي عواطف مركبة من عدة عواطف رئيسية: الذنب, الاحراج, العار, الحسد, الفخر..
لانجد هذه العواطف لدى الحيوانات وهي تتشكل لاحقا لدى الإنسان بالتفاعل مع الآخر والإدراك والوعي للذات واختلافها عن الكيانات الأخرى.

تختلف استجابة جسدنا مع كل عاطفة على حدة فكل منطقة بالدماغ مسؤولة عن عاطفة أو مجموعة من العواطف للقيام بتهيئ الجسد للقيام برد الفعل المناسب.
 عند الخوف يصير جسدك مهيأ للهرب, في حين بحالة الغضب ستشعر بحرارة وقوة جسدية أكبر ويصير جسدك مهيأ للمواجهة وتحطيم العائق, فقد يدخل المرء في شجار مع شخص آخر سبب عاطفة الغضب, وقد يحطم غرضا حدث به خلل كالهاتف, فكون العواطف عمياء فإنه بالنسبة للغضب الهاتف الذي رفض الاشتغال عائق وبالتالي قد يحطمه لأنه بالنسبة للدماغ قد دفعه لإنجاز مهمة التخلص من العائق (الهاتف).
رائع أليس كذلك!

هناك عدة نظريات حول العواطف تحاول الإجابة عن كيفية اشتغالها: نظريات فيسيولوجية, نظريات معرفية... سأذكر هنا أربعا منها فقط:
- نظرية جيمس ولانج: يرى هذان العالمان أنه عند رؤية المثير تحدث استجابة فيسيولوجية ومن تم يشعر بالعاطفة
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستبدأ بالتصبب عرقا والارتعاش (استجابة) ثم تشعر بالخوف (عاطفة).

- نظرية كانون وبراد: لا يوافق هذان العالمان جيمس ولانج فقد يرتجف الإنسان بردا ولكنه سيدرك أنه ليس خائفا, حسب كانون وبراد فإن الاستجابة الفيسيولوجية والشعور بالعاطفة يأتيان دفعة واحدة.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستشعر بالخوف وستتصبب عرقا وترتعش في ذات الوقت (استجابة وعاطفة).

- نظرية شاتر وسنجر: يوافق هذان العالمان جيمس ولانج إلا أنهما يضيفان عنصر التقييم المعرفي كضرورة للشعور بالعاطفة, فعند رؤية المثير يقيم الشخص الموقف ويأتي برد فعل.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) سترتفع دقات قلبك وترتعش (استجابة) تفكر في أنه حيوان قد يقتلك (تقييم معرفي) تشعر بالخوف (عاطفة)

- نظرية لازاروس: يرى هذا العالم أن تخمينا سريعا يحدث لنا عند رؤية مثير, فنستجيب له عن طريق الاستجابة الفيسيولوجية والعاطفة في ذات الوقت.
مثال: رأيت حيوانا مفترسا (مثير) ستفكر في كونه حيوانا مفترسا خطيرا قد يقتلك (تخمين) فتشعر بالخوف وترتفع دقات قلبك وترتعش (عاطفة واستجابة)

عواطف أم مزاج؟
العواطف تكون وليدة اللحظة حسب الحدث وتختفي في ظرف وجيز, أنت عند رؤيتك لعقرب سام ستشعر بالخوف مدة قصيرة من الزمن وستقفز من مكانك مبتعدا عن العقرب ثم سيختفى الخوف بعد تخلصك منه, في حين أن المزاج هي حالة يدخلها الدماغ تدوم مدة أطول, فهناك من سيرى العقرب فيصاب بالانزعاج اليوم كله وقد لا يرغب بتناول الطعام ولا القيام بنشاطاته المعتادة وهذا ما نسميه مزاجا سيئا.
المزاج إذن حالة عاطفية تدوم مدة طويلة من الزمن وهو نوعان إيجابي وسلبي, والمزاج قد يتغير أحيانا دون أن يكون هناك سبب واضح لصاحب المزاج كأن تستيقظ بمزاج جيد أو تستيقظ بمزاج سيء, لأنه عكس العاطفة التي تكون مقترنة بمثير لحظي كرؤية عقرب, فإن المزاج قد يتأثر بالنوم الجيد أو السيء أو تناول مايكفي من الطعام أو حتى بالعواطف, كرؤية عقرب, أو صديق قديم, أو غيرها...
ويعتبر الاكتئاب وثنائي القطب اضطرابان من اضطرابات المزاج, حيث يعرف الاكتئاب بالمزاج المنخفض, في حين ثنائي القطب تناوب بين المزاج المنخفض والمزاج الجد مرتفع.

عواطف أم مشاعر؟
اللغة العربية كالانجليزية (Emotions, Feelings) كالفرنسية وكعدة لغات أخرى تحتوي على مصطلحات يتم استخدامها بشكل عشوائي, فهل هناك فرق بينهما؟
العواطف كما رأينا هي حدث يتوقف على مثير تحدث استجابة في كامل جسدنا, في حين أن المشاعر هي حبيسة ذهننا فقط.
المشاعر هي مخزون ما نملكه من تجارب عاطفية مرت بنا على مر حياتنا.
تحدث العواطف على مستوى الجهاز الحوفي بدماغنا وهي المنطقة التي توجد لدى الحيوانات من ثديات وسحالي, مجموع هذه العواطف التي نختبرها نسجلها في ذاكرتنا ونكوّن حولها معتقداتنا وفلسفاتنا الخاصة حول الحياة التي لا تشبه فلسفات غيرنا هي مايمكن أن نطلق عليها مسمى المشاعر.
عكس العواطف التي تنشأ بالجهاز الحوفي فإن المشاعر منشؤها بالقشرة الجديدة وهي منشأ الأفكار, والتي تحدد من أنت وكيف تفكر وكيف تشعر حول مختلف المواقف التي تختبرها بحياتك, لايمكننا قياس مشاعر الناس, لذا لا يقيس العلماء المشاعر كون العلم حاليا غير قادر على معرفة ما يدور بخلد كل واحد منا, فمشاعري تختلف عن مشاعرك.
فالشخص الذي فقد شخصا عزيزا أنت لا تعرف "شعوره الشخصي" عند رؤيته لصور الفقيد, والتي ستختلف عن مشاعر شخص آخر تعرض لنفس الموقف... هو سيشعر بعاطفة الحزن لكن كيف يختبرها؟ كيف هو شعور الحزن لديه؟ وما الأفكار التي انتابته لحظتها؟ وماذا تذكر؟ وما العواطف الأخرى التي انتابته؟ قد يبتسم عند رؤية الصور, غيره قد يبكي, آخر قد يبعد الصور عنه....كل هذا يشكل ما قد نسميه "الشعور".

ولنلخص العواطف والمزاج والمشاعر بمثال واحد:
كنت تسير فأبصرت صديقا قديما لم تره منذ سنوات فتتفاجأ (عاطفة المفاجأة) وتتبادل أنت وهو أطراف الحديث ثم تودعه وتكمل طريقك وأنت سعيد ونشيط طول اليوم (مزاج عال) ستشعر أن الحياة مليئة بالمفاجآت السارة مع بعض الحزن كونك لا تعرف متى ستقابله مجددا (مشاعر).

لماذا الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الذهني؟

0
تتحكم العواطف في تفاصيل عديدة بحياتنا اليومية وتتدخل في قراراتنا وتفكيرنا ومحفزاتنا حتى وإن اعتقدنا عكس ذلك, بل إننا في واقع الأمر لا ندرك حقيقة أن عواطفنا تقودنا كما تقود بقية الحيوانات.
نحن نشعر بالتحفيز والاحباط والحزن والسرور والقلق والغضب... فنفهم مختلف هذه المشاعر التي تنتابنا وتنتاب غيرنا كما أننا نحاول السيطرة عليها وإدارتها بما ويتناسب مع مختلف المواقف الحياتية بدل أن تتولى هي التحكم بنا, وهذا ما يمكن اعتباره ذكاء عاطفيا.
يعتبر الذكاء العاطفي مفهوما جد حديث إن نحن قارناه بمفهوم الذكاء الذهني إذ ظهر بشكله المفصل بتسعينات القرن الماضي, فقبلها كانت تتم الإشارة له فقط دون تحديد مفهوم محدد له, إلا أنه صار بعد ذلك العامل الأهم في تحديد نجاح الأفراد بمساراتهم الدراسية والمهنية والأسرية... إذ أجريت دراسات عدة حول مدى أهمية الذكاء الذهني في نجاح الفرد, وفي احدى هذه الدراسات تم قياس مدى قدرة 450 طفلا على التحكم بالغضب ومختلف العواطف, كذا تم قياس عامل الذكاء IQ لديهم, وبعد مرور أربعين سنة تم تتبع مساراتهم ونجاحاتهم بالحياة فتبين أن النجاح كان مرتبطا بالقدرة على التحكم بالعواطف أكثر من عامل الذكاء الذي لعب دورا جد متواضع, وهذا ما جعل بعض علماء النفس يركزون أكثر على القدرة على التحكم بالعواطف.

ما هو الذكاء العاطفي؟
على غرار الذكاء الذهني فإن للذكاء العاطفي تعاريف ونماذج عدة, إذ حاول كل عالم نفس إيجاد الصيغة الأكثر شمولا للذكاء العاطفي, إلا أنه يمكننا اختصار التعريف بالقدرة على إدراك وإدارة مختلف العواطف لصالح الفكر.
هناك ثلاث نماذج كبرى للذكاء العاطفي تعتبر الأكثر شهرة: نموذج غولمان, ونموذج بارون, ونموذج ماير وسالوفاي.

يقول غولمان: "إن معايير النجاح في العمل آخذة في التغير مع مرور الزمن, يتم الحكم علينا من خلال مقياس جديد: ليس فقط من خلال مدى ذكائنا، أو من خلال التداريب التي تلقيناها والخبرات التي لدينا، ولكن أيضا عن كيفية التعامل مع أنفسنا والتعامل مع بعضنا البعض, يتم تطبيق هذا المقياس بشكل أكبر في اختيار من سيتم تعيينهم والذين لن يتم تعيينهم، والذين سيتم التخلي عنهم والذين سيحتفظ بهم، والذين سيتم تجاوزهم والذين سيتم الترويج لهم"

إن أنت أردت كتابة سيرتك الذاتية أو طلب عمل أو طلب الانتساب لاحدى الجامعات المرموقة فإنك ستركز في صياغة طلبك وسيرتك الذاتية على جوانب تمثل خاصية من خاصيات الذكاء العاطفي, كالقدرة على العمل الجماعي والصبر والاصرار وغيرها من الخصائص...وعند إجرائك لمقابلة عمل أو غيره فإنه يتم التركيز بشكل أكبر على ذكائك العاطفي.
إذن لنتعرف على محددات الذكاء العاطفي.
حدد غولمان أربعة نطاقات للذكاء العاطفي تتضمن تسعة عشر كفاءة.
النطاق الأول: الوعي الذاتي ويتضمن الكفاءات التالية:
1- الوعي العاطفي الذاتي: القدرة على قراءة مشاعر الفرد الخاصة والتعرف على تأثيرها.
2- التقييم الذاتي: معرفة نقاط القوة وحدودها.
3- الثقة بالنفس: الشعور السليم نحو الذات.
اقرأ عن الثقة بالنفس

النطاق الثاني: إدارة الذات:
4- التحكم بالعواطف الذاتية: القدرة على الإبقاء على المشاعر المدمرة والاندفاعية تحت السيطرة.
5- الشفافية: الصدق مع الذات والنزاهة.
6- التكيف: القدرة على التكيف مع الأوضاع وتجاوز العقبات.
7- تحقيق الذات: القدرة على التعرف على معايير التميز الذاتية.
اقرأ عن تحقيق الهوية
8- المبادرة: استعدادية للعمل واقتناص الفرص.
9- التفاؤل: النظرة للجانب المفيد من الأحداث.

النطاق الثالث: الوعي الاجتماعي:
10- التعاطف: القدرة على التقمص الوجداني للآخرين.
اقرأ المزيد عن التعاطف.
11- الوعي التنظيمي: القدرة على قراءة الأحداث والقرارات المتخذة من طرف الآخرين.
12- الخدمة: القدرة على التعرف على احتياجات الآخرين.

النطاق الرابع: إدارة العلاقات الاجتماعية:
13- القيادة الملهمة: القدرة على قيادة الآخرين وتحفيزهم بشكل مقنع.
14- التأثير: القدرة على وضع استراتيجيات للتأثير على الآخرين بشكل إيجابي.
15- تطوير الآخرين: القدرة على اكتشاف وتطوير قدرات الآخرين عن طريق التوجيه.
16- تغيير الحافز: القدرة على تغيير محفز الآخرين وإدارته لاتجاه جديد.
17- إدارة النزاعات: القدرة على حل النزاعات.
18- بناء الروابط: القدرة على خلق شبكة من الروابط الاجتماعية.
19- العمل الجماعي والتعاون: القدرة على العمل بفريق بانسجام.

يختلف نموذج بارون عن نموذج غولمان ببعض التفاصيل ولكن الفكرة العامة تبقى هي ذاتها والكفاءات تقريبا متشابهة في كلا النموذجين.
إن أنت اطلعت على هذه الكفاءات ستجدها متوفرة لدى عدد كبير من القادة الملهمين ومديري الشركات والمؤسسات الكبرى حول العالم, تم استخراج هذه الكفاءات انطلاقا من مراقبة ما يميز النماذج الناجحة في المجالات السياسية والعلمية والدينية, إذ أن علماء الغرب يعتبرون الأنبياء يتوفرون على أعلى درجات الذكاء العاطفي, (نحن كمسلمين نؤمن أنهم رسل من الله).
يتطلب توفر الذكاء العاطفي حتى لدى العلماء في عصرنا الحالي, فلكي تصير عالما بعصرنا أنت بحاجة لبعض الكفاءات التي تؤهلك للقدرة على إدارة القلق والعواطف وكذا قدرات للعمل ضمن فريق مكتمل من العلماء بمختبر يجري التجارب والدراسات, لأن عصر العالم الذي يعمل وحيدا بمختبره الخاص قد ولى.

يختلف نموذج ماير وسالوفاي عن سابقيه, فهما يعتمدان على القدرات وقد حددا أربعة أفرع لهذه القدرات:
1- إدراك العواطف: القدرة على التعرف وتفسير مختلف العواطف بملامح الوجه والصور والأصوات, بما في ذلك القدرة على فهم الشخص لعواطفه الذاتية.
يمكن قياس هذه القدرة عن طريق مدك بمجموعة من الصور لوجوه بها مختلف الحالات العاطفية ومن تم قياس مدى قدرتك على التعرف على مختلف العواطف بدقة.

2- استخدام العواطف: القدرة على استخدام العواطف لتسهيل مختلف الأنشطة المعرفية والذهنية, مثل التفكير وحل المشكلات, فيمكن للذكي عاطفيا أن يغير مزاجه بما يتناسب مع العمل.

3- فهم العواطف: القدرة على فهم اللغة العاطفية وتقدير العلاقات المعقدة بين مختلف العواطف, وتشمل أيضا القدرة على التمييز بين الاختلافات الطفيفة بين العواطف.

4- إدارة العواطف: القدرة على التحكم وإدارة العواطف الشخصية وإدارة عواطف الآخرين.

لماذا الذكاء العاطفي أهم من الذكاء الذهني؟
أولا لنتفق منذ البداية أنه لا يمكننا الحديث عن شخص ناجح يعاني من تخلف عقلي, يحتاج المرء لمستوى من الذكاء  في حدود المتوسط على الأقل ليتمكن من حجز مقعد مع الناجحين.
اقرأ عن الذكاء الذهني
إلا أننا لو افترضنا مجموعة من الأشخاص كما بالتجربة السابقة, بعضهم بمستوى ذكاء ذهني جد مرتفع لكنهم بذكاء عاطفي منخفض وآخرين بذكاء ذهني أقل لكنهم بذكاء عاطفي مرتفع, فإن أعداد الناجحين بالمجموعة الثانية أكبر من أعداد الناجحين بالمجموعة الأولى...
هذا لأن نظام العيش يتطلب هذه الكفاءات, جميعنا نعرف في حياتنا أشخاصا أذكياء جدا ولكنهم يعانون من عدم قدرتهم على التحكم بالقلق أوالغضب أو غير قادرين على العمل الجماعي والتعاون مع الآخرين أو يدخلون في صدامات دائما, أو يصابون بالاحباط بسرعة, هم إذن يجدون صعوبة في إنجاح مشاريعهم وأهدافهم.
عندما يتم الجمع بين الذكاء الذهني المرتفع والذكاء العاطفي المرتفع فإن الطريق للنجاح تكون جد ممهدة لأصحابها.

يمكننا اختصار الموضوع بهذه المعادلات:
ذكاء ذهني منخفض + ذكاء عاطفي منخفض= نجاح جد منخفض
ذكاء ذهني مرتفع + ذكاء عاطفي منخفض = نجاح منخفض
ذكاء ذهني منخفض + ذكاء عاطفي مرتفع = نجاح مرتفع
ذكاء ذهني مرتفع + ذكاء عاطفي مرتفع = نجاح جد مرتفع

لا تأخذ المعادلات على أنها مسلمة فهذه ليست بقوانين فيزيائية أي أنك ستجد في الحياة أشخاصا بذكاء ذهني مرتفع وذكاء عاطفي منخفض وجد ناجحين في حياتهم, وكذا عباقرة بالذكاء الذهني والذكاء العاطفي وفاشلين في حياتهم, نحن هنا  نتحدث عن إحصاءات لأعداد الناجحين في كل معادلة.

هل يمكن إنماء الذكاء العاطفي؟
من بين الأسباب التي تدفع عددا كبيرا من المنظمات وعلماء النفس للتركيز أكثر على الذكاء العاطفي هو القدرة على تنميته, أنت سترى كيف يركز "مدربوا التنمية البشرية" على إنماء الكفاءات التسعة عشر للمتدربين, كإدارة النزاعات وإدارة القلق والعواطف, وكذا فهم الآخرين وشخصياتهم والقدرة على التعاطف معهم.
تعمل بعض الدول المتقدمة على إنماء هذه الكفاءات لدى الأطفال بالمدارس.
بعض العلماء يعتبرون أن هذا الإنماء وإن وجد إلا أنه يبقى محدودا أي أن الذكاء العاطفي خاصية يولد بها الفرد تماما كالذكاء الذهني...إلا أنهم لا ينكرون إمكانية إنمائها ولو جزئيا عكس الذكاء الذهني الذي لا يمكن إنماؤه مطلقا, يمكنك تطوير مستوى ثقافتك ووعيك وتوسيع معارفك كدراسة الرياضيات والفزياء ولكن الذكاء الذهني بحد ذاته لن يزيد, عكس الذكاء العاطفي.

اختبارات الذكاء العاطفي:
 لربما اجتزت اختبارا هنا أو هناك على بعض المواقع, يؤسفني أن أخبرك أنها جميعا لا تقيس حقيقة الذكاء العاطفي بل مجرد اختبارات من إنشاء أصحاب المواقع أنفسهم للتسلية أو كسب الزيارات أو غيره.
فيما مضى كان يتم قياس الذكاء العاطفي بالتقييم الذاتي, بمعنى أنك تقرأ لائحة الكفاءات المسطورة فوق وتقيم نفسك بنفسك, أين ترى نفسك؟ لربما أنت جيد بكفاءة وسيء بأخرى, إلا أن هذا الأسلوب في التقييم غير دقيق كون الشخص لا يمكنه تقييم ذاته بنفسه, لذا اخترع ماير وسالوفاي وكذا بارون وغيرهم اختبارات لقياس الذكاء العاطفي وهو اختبار جد مطول يستغرق اجتيازه حوالي 40 دقيقة, لن تجده على الانترنت مجانا إلا إن أنت دفعت المال لاجتيازه, ويعتبر اختبار ماير وسالوفاي (MSCEIT) الأكثر دقة وعلمية.
لذا يمكنك الاكتفاء فقط بالتقييم الذاتي ومحاولة استكشاف نقاط الضعف والقوة والعمل على إنماء الجانب الأضعف.

نظرية التنافر المعرفي

2
تعد نظرية التنافر المعرفي واحدة من بين أهم نظريات علم النفس الاجتماعي والتي أتبثت حقيقة كيف أننا كبشر نميل لعقلنة اللامعقول للشعور بالرضى عند حدوث تنافر بين معتقداتنا وتصرفاتنا, بل أننا ننتهج هذا السلوك لاشعوريا في حياتنا اليومية.
صاغ النظرية عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر (1919 - 1989) بخمسينيات القرن الماضي, ولاتباث صحة نظريته ابتكر تجربة مثيرة أجراها على بعض الطلبة تفاصيلها كالتالي:

 قسم مجموعة من الطلبة لثلاث مجموعات طلب منهم إجراء مهمة جد مملة تمتد ساعة من الزمن, حيث على الطالب أن يدير بعض الأعمدة باتجاه عقارب الساعة, ولم يكن الطالب يعرف الهدف من هذه التجربة مما زاد من مللها.
بعد إتمام المهمة طلب من المجموعة الأولى أن يتجهوا لاحدى الغرف لملئ استمارة بها أسئلة حول المهمة التي أنجزوها, في حين طلب من المجموعة الثانية أن يكذبوا على بقية زملائهم الطلبة بقاعة الانتظار وإخبارهم أن التجربة جد ممتعة مقابل مدهم بدولار واحد (دولار بذلك الزمان يعادل حوالي 8 دولارات بزماننا هذا), أما آخر مجموعة فقد طُلب منهم الكذب على زملائهم وإخبارهم أن التجربة ممتعة مقابل 20 دولارا (حوالي 160 دولارا).
 بعد الإنتهاء من كل التجربة تم إجراء مقابلة مع الطلبة من كل مجموعة من طرف الأستاذ وطرح أسئلة حول مدى استمتاعهم بالمهمة ومدى اعتقادهم أنها تخدم العلم, وذلك بوضع علامة من 5 إلى -5 حيث أعلى درجة تمثل الاستمتاع الكامل بالتجربة, في حين أدنى درجة تمثل أقصى درجات الملل, فكانت نتائج المقابلة كالتالي:

مجموعة 20 دولار
مجموعة 1 دولار
المجموعة الأولى
الأسئلة بالمقابلة
مملة
ممتعة
مملة جدا
ما مدى استمتاعك بالمهمة؟
مهمة
مهمة جدا
مهمة
ما مدى أهمية التجربة علميا؟
أبدا
أجل
أبدا
هل تود المشاركة  في تجربة أخرى مشابهة؟

ماذا لاحظت في نتائج المقابلة؟ ألا يبدو لك أن نتائجها عزيزي القارئ نوعا ما غريبة؟ لماذا صرّحت مجموعة دولار واحد بأن التجربة ممتعة ومهمة للعلم في حين أن مجموعة عشرين دولارا صرّحت نفس تصريحات المجموعة التي لم تنل شيئا بأن التجربة مملة؟
بالنسبة لفستنغر وفريقه فإن النتائج كانت متوقعة, ذلك أن المجموعة الأولى والتي لم تنل شيئا هي مجموعة شاهدة يمكن قياس النتائج عن طريقها فهي الأصدق بين الثلاث لأنها لم تكسب شيئا وبالتالي فهي تجيب إجابة صريحة بأن التجربة مملة, في حين أن مجموعة الدولار الواحد اضطرت للكذب على الزملاء مقابل دولار واحد فقط وهذا بالنسبة لها غير مبرر للكذب على بقية الطلبة, لذا تولد ضغط نفسي وتنافر لدى هذه المجموعة لأن الكذب سلوك مذموم فاضطروا لتغيير معتقدهم بأن التجربة غير مملة بل ممتعة لكي يشعروا بالارتياح وأنهم لم يكذبوا على الطلبة بل قالوا لهم الحقيقة, أي أن مجموعة الدولار الواحد في واقع الأمر يكذبون على أنفسهم لاشعوريا ويقنعون أنفسهم أن التجربة ممتعة... بينما مجموعة العشرين دولارا لها مبرر قوي للكذب ألا وهو المال الوفير وبالتالي بالنسبة لهم الكذب على زملائهم مبرر مقابل عشرين دولارا, ولم تكن لديهم حاجة للكذب على أنفسهم بأن التجربة ممتعة بل هي بالنسبة لهم تبقى مملة.
بنى فستنغر نظرية التنافر المعرفي على ثلاث قواعد أساسية والمتبثة من خلال التجربة ألا وهي:
1- البشر جد حساسون اتجاه التناقض بين السلوك والمعتقد:
يمكننا إدراك التناقض الذي يحدث في حياتنا بين معتقداتنا وسلوكنا بسهولة, والتمييز بين ما نعتقده صوابا وبالتالي حدوث تناقض يؤدي لتنافر معرفي وانزعاج وعدم ارتياح, فنسعى لاشعوريا للموازنة بين السلوك والمعتقد لإزالة التنافر.

2- إدراك التناقض يؤدي للتنافر ومحاولة إيجاد حل لهذا التنافر:
نعيش في حياتنا تناقضات عدة بين معتقادتنا وسلوكاتنا, قد يدخن الإنسان وهو مدرك أن التدخين مضر للصحة مثلا, أو يسهر الليل وهو يعلم مضار السهر, أو غيرها من الأمثلة...
نحاول طول الوقت إيجاد حلول لهذه التنافرات المعرفية لنشعر بالارتياح, لذا قد يكذب ساهر الليل على نفسه ويخبرها أن الساهرين ليلا أشد ذكاء, وأن سهره هو نتيجة عبقريته الفذة, أو غيرها من الأكاذيب لحل معضلة التنافر المعرفي...

3- نحن نلجأ لثلاث مستويات لحل هذا التنافر:
- تغيير المعتقد: وهي أسهل طريقة لحل التنافر, فإذا كان الشخص بوسط اجتماعي يحرم الموسيقى في حين ينصت هو لها فقد يطمئن للتفسيرات التي تقول أن الموسيقى ليست حراما, أي أنه سيغير معتقده بما يتناسب وسلوكه...(هذا مجرد مثال ولا ينطبق على كل حالة) نحن نغير معتقداتنا مع مرور الزمن في أمور شتى بما يتناسب وسلوكاتنا, الأمر يطال أتفه التفاصيل, كأن يغير الإنسان اعتقاده بأن السهر مضر مثلا أو إفراط تناول السكريات أو أي معتقد مهما كان...

- تغيير السلوك: وهو أصعب من تغيير المعتقد لارتباط السلوك بالمحفزات التي لا نستطيع مقاومتها, لايمكن للمدخن الاقلاع بسهولة عن التدخين, لايمكن للكسول أن يتحول لمجد, لذا قد يغير معتقده بأن الدراسة أصلا بلا أي فائدة فهذا أسهل من فتح كتاب.

- تغيير الرؤية: أو وجهة النظر أو باختصار المراوغة والكذب على الذات كما حدث بالتجربة, حيث كان أمام مجموعة الدولار الواحد ثلاث اختيارات, إما تغيير معتقدهم بأن الكذب مذموم ويصير الكذب سلوكا رائعا باعتقادهم وهذا مستحيل, أو تغيير السلوك ورفض الدولار مقابل الكذب على الزملاء وقد استحال عليهم الأمر أيضا لأن المال لا يقاوم, لذا بقي أمامهم تغيير رؤيتهم بشكل كلي واعتبار التجربة ممتعة وبالتالي فهم لم يكذبوا على الزملاء منذ البداية لأن التجربة ممتعة.
أليس هذا حلا رائعا؟
المشكلة هنا أننا نفعل هذا لاشعوريا وبلا تفكير!!
أي أن الطلبة مقتنعون أن التجربة ممتعة, وهنا مكمن الخطورة.
لذا تجد شخصا يحب فنانا أو سياسيا قد ينزهه من أي خطئ فإذا سرق السياسي المال, أو لكم الفنان معجبة, قد يبحث له عن مبرر لتصرفه لاشعوريا وعن اقتناع بصحة المبرر.

 نحن جميعنا معرضون للتنافر المعرفي طول الوقت, أنا وأنت عزيزي القارئ يقودنا عقلنا كثيرا لاشعوريا ولا نستطيع معرفة متى يحدث ذلك لأنه يحدث طول الوقت, هل حاولت اكتشاف مرات حدوث ذلك لك؟ صعب جدا.
في واقع الأمر فإن هذا السلوك الذي ننتهجه للحد من التنافر المعرفي وإن كان يبدو مضحكا إلا أنه مهم جدا لنا كي نبقى بصحة نفسية جيدة, فأساس النظرة التفاؤلية هو إيجاد حل للتنافر المعرفي, فيمكن اعتبار مجموعة الدولار الواحد مجموعة متفائلة إن نحن قارناها بالمجموعيتن الأخرتين.

تقابل نظرية التنافر المعرفي بعلم النفس الاجتماعي نظرية ميكانيزمات الدفاع النفسي بعلم النفس التحليلي لدى فرويد.
اقرأ عن آليات الدفاع النفسي.

التعاطف العاطفي والتعاطف المعرفي

9
كثيرا ما نردد عبارات من قبيل أنا مدرك لشعورك, أنا أفهم جيدا ما تمر به...وغيرها من العبارات, وفي أحيان أخرى قد نشعر بالحزن والأسى من مصاب شخص, أو نفرح لفرحه, وكلها حالات تدل على تعاطفنا وتقمصنا الوجداني.
التعاطف هو قدرة الإنسان على الشعور وإدراك مختلف الحالات العاطفية التي يمر بها الغير من حزن وأسى وغضب وفرح في مختلف المواقف, للتعاطف أهمية كبيرة جدا في حياتنا فنحن كبشر كائنات اجتماعية نحتاج بعضنا البعض, لذا يلعب التعاطف دورا جد محوري في التعايش فيما بيننا.

إن كُسرت ساق أحدهم ووقع أرضا أمامك يصرخ ويتلوى ألما فإنه لو سبق ومررت بتجربة كسر العظم ستشعر بألمه وكأن تجربة الكسر تمر بها مجددا وأنت تشاهده يتألم, لكن لو لم يسبق لك أن تعرضت للكسر فإنك رغم ذلك ستفهم أن هذا الشخص على الأرض يشعر بألم شديد, أنت حينها لن تشعر بألمه حقيقة ولاتعرف إحساسه لأنه لم يسبق لك أن اختبرته لكنك مع ذلك قادر على فهمه وتقديره.
وبالتالي التعاطف أو ما قد يسمى أيضا التقمص الوجداني نوعان: تعاطف عاطفي كما بالحالة االأولى وتعاطف معرفي كما بالحالة الثانية.

 التعاطف العاطفي:  أن تشعر بشعور الآخر, أنت ستحس بالألم أو الفرحة أو الغضب الذي يشعر به الطرف الآخر لأنك ستتقمصه عاطفيا وستتخيل نفسك مكانه وتشعر بشعوره.

التعاطف المعرفي: أن تدرك وتتفهم ما يمر به الشخص وبالتالي تتعاطف معه معرفيا, أنت لم يسبق وأن مررت بالتجربة كما أنك غير قادر على الشعور بشعوره.

غالبا ما نتعاطف عاطفيا مع من يشبهنا, ولنضع مثالا كلاسيكيا نصادفه كل مرة وهو صراع الزوج والزوجة, فلو أن زوجة قتلت زوجها بسبب المشاكل ستتعاطف النساء مع المجرمة وسيتوقعن أن الزوج كان سيئا معها مما دفعها لقتله, هن إذن تعاطفن معها لأنها امرأة مثلهن, في حين لو أن زوجا قتل زوجته بسبب المشاكل سيتعاطف الرجال مع المجرم وسيعتبرون صنيعه نتيجة تنكيد الزوجة عليه عيشه وإفقاده صوابه.

يتعاطف الإنسان بشكل أكبر مع من يشبهه سواء الجنس (تعاطف النساء مع النساء والرجال مع الرجال) أو مع عرقه وديانته ومجموعته بشكل عام, فأنت لو رأيت إنسانا غربيا أشقر يتعرض للتعذيب ستتعاطف معه بشكل أقل من تعاطفك مع إنسان عربي بملابس عربية يتعرض للتعذيب لأنه من نفس جماعتك ويذكرك بنفسك وأهلك.
وكملاحظة مهمة  فإنه وإن كان لا يد لنا في تحديد مقدار تعاطفنا العاطفي مع الآخرين, إلا أنه يمكننا التحكم في ردات فعلنا وأحكامنا المسبقة.
إفتقار التعاطف:
يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا بالذكاء العاطفي.
لا نتعاطف مع الآخرين جميعا بنفس المستوى, قد يحزنك بشدة مصاب أحدهم وقد يشعر شخص غيرك بحزن بسيط في حين قد لا يشعر آخر بالحزن مطلقا, لذا تم تطوير عدة اختبارات لتحديد مقدار التعاطف العاطفي, والجدول بالأسفل مجرد مثال يحتوي عينة من أسئلة أحد الاختبارات التي تضم 60 سؤالا:

الأسئلة
تعاطف
افتقار للتعاطف
1- أجد من السهولة وضع نفسي مكان الآخر
نعم
لا
2- أنا جيد في توقع كيف سيشعر الآخر
نعم
لا
3- أكتشف بسهولة ما إذا كان فرد من أفراد المجموعة يشعر بعدم الارتياح بيننا
نعم
لا
4- يخبرني الآخرون أنني جيد في فهم مشاعرهم وكيف يفكرون
نعم
لا
5- أجد صعوبة في معرفة التصرف الصحيح بالمواقف الاجتماعية
لا
نعم
6- من الصعب أن أدرك لماذا بعض الأمور تجعل الآخرين غاضبين
لا
نعم
7- أحيانا أجد صعوبة في اكتشاف ما إذا كان تصرف ما قليل الأدب أم حسن
لا
نعم
8-  أحيانا يخبرني الآخرون أنني بلا مشاعر, ولا أعرف لماذا
لا
نعم

  
يعد افتقار التعاطف سبب العنصرية والتنمر والعديد من الجرائم والتعذيب والاغتصاب...
في احدى الدراسات تم قياس التعاطف لدى الأمهات اللائي قمن بتعنيف أبنائهن فتبين أن 80 بالمائة منهن يفتقرن للتعاطف, ولقد كان فيما مضى يتم ربط تعنيف الأمهات لأبنائهن بالقلق والتوتر والضغط النفسي, لأن تصريحاتهن وتبريرهن للتعنيف دائما كان يدور حول أن الطفل مشاغب جدا ويسبب لهن ضغطا نفسيا, في حين أنه ليس بمبرر بالنسبة للأمهات ذوات مستوى التعاطف الطبيعي.
لذا عد افتقار التعاطف مؤشرا جد مهم لتوقع تعنيف الأطفال من قبل آبائهم مستقبلا.

بعض الاضطرابات النفسية تتميز بافتقار شديد في التعاطف مما يجعل أصحابها قادرين على أذية الآخرين كاضطراب الشخصية النرجسية والشخصية المضادة للمجتمع ومصابي اضطراب الشخصية الحدية...وغيرها من الاضطرابات النفسية.
الأشخاص الذين تعرضوا للصدمات النفسية بالطفولة يكبرون ليصيروا أقل تعاطفا مع الآخرين لأن عقلهم يركز على الذات أكثر من تركيزه على الآخر من أجل حماية صاحبه من صدمات مجددة, فيقوم بإخماد التعاطف معهم.
أيضا يتم رصد افتقار التعاطف لدى بعض مرضى التوحد.
العاملون في مجالات الرعاية, كدور الحضانة والصحة ودور رعاية المسنين وغيرها من المجالات, يصابون بإرهاق عاطفي جراء عطائهم العاطفي المستمر لذا يقوم العقل بإخماد التعاطف, فكثيرا ما يصف الناس بعض الممرضين أوالأطباء بالقسوة, هم ليسوا قساة ولكن من المستحيل أن يتعاطف الإنسان مع عشرات الحالات التي يصادفها بشكل يومي, لذا قد يبدو للمريض أن الطبيب أو الممرض يتصرف معه كحالة وليس كإنسان يرغب بالتواصل والتعاطف.
نحن نطور التعاطف في مرحلة الطفولة المبكرة ويستمر التطوير إلى غاية النضج الكامل لذا يتميز المراهقون بافتقار التعاطف مقارنة بالشباب لأنهم بمرحلة تطوير شخصياتهم, فتركيزهم منصب حول ذواتهم, وهذا سبب يدفع عددا كبيرا من الأطفال والمراهقين لأذية زملائهم بالمدارس.
وإن كانت هذه الأسباب وغيرها تؤدي لافتقار التعاطف إلا أنها لا تبرر أذية الآخرين بالتأكيد.

هل يمكن تغذية التعاطف؟
يعد التعاطف العاطفي أهم من التعاطف المعرفي, وهو ما يتم قياسه بالاختبارات إذ أن التعاطف العاطفي هو الدافع والحافز للفرد في مساعدة الآخر وعدم أذيته بالفعل والقول, قد لا يفتقر الشخص المضاد للمجتمع للتعاطف المعرفي ومع ذلك سيعمل على أذية الآخرين لأنه لا يشعر حقيقة بمشاعرهم بل يدركها فقط.
ومع ذلك لا يجب الاستهانة بالتعاطف المعرفي كونه يمكن اكتسابه بسهولة ويمكن للفرد السوي تفهم مختلف الحالات التي تتطلب تعاطفا, ولنضرب مثال مريض الاكتئاب فإن البعض قد لا يتعاطفون معه بسبب عدم قدرتهم على تفهم حالته, إلا أن الملم بمرض الاكتئاب قادر على إدراك حالته جيدا وتفهمها ومن تم التعاطف معه معرفيا...قد يقود التعاطف المعرفي للتعاطف العاطفي.

بسبب الأهمية العظمى للتعاطف بالمجتمع فإن بعض الدول المتقدمة تقوم بتغذية التعاطف لدى الأطفال بالمدارس, إذ يمكن أن يكتسب الإنسان التعاطف.
سنجد مثلا بالأديان وبالدين الاسلامي خصوصا تأكيد وحث على التعاطف مع الآخرين, يرتبط التعاطف بشكل كبير جدا مع الأخلاق, نبذ العنصرية والتمييز وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه", هو حديث يصب ضمن خانة التعاطف.