أزمة الهوية ومراحل تطور الهوية

8
أزمة الهوية مصطلح يتكرر كل حين في وسائل الإعلام ولابد وأنك سمعت أو قرأت عنه هنا وهناك.
هو مصطلح صاغه عالم النفسي إريك إريكسون حيث اعتبره تحديا من تحديات مرحلة المراهقة ويعدها من بين أهم مراحل حياة الإنسان التي يحاول فيها اكتشاف أناه وذاته وهدفه من الحياة.

ما هي الهوية؟
عمل عالم النفس جيمس مارسيا على إتمام عمل إريكسون وذلك بالتركيز أكثر على مرحلة المراهقة وأزمة الهوية وتفصيلها بشكل أدق.
يعرّف مارسيا الهوية على أنها بناء داخلي يشيّد من طرف الشخص ذاته وتمثل مجموع المعتقدات والقدرات والدوافع وتاريخ الفرد, وكلما كان هذا البناء متينا كلما كان الفرد أكثر وعيا بأوجه التفرّد والتشابه مع الآخرين, كذا نقاط قوته وضعفه في شق طريق حياته بهذا العالم...في حين كلما كان هذا البناء ضعيف التشييد كلما كان الفرد مشوشا حول ما يميزه عن الآخرين وكلما صار أكثر اعتمادا على مصادر خارجية لتقييم ذاته واكتشافها.
يرى مارسيا أن بناء الهوية ديناميكي وغير تابث فهو يتغير كل حين في مراحل حياتية شتى, فتضاف عناصر جديدة لهذه الهوية وتُزال أخرى, فالإنسان دائم البحث والاكتشاف.
إلا أنها تتحدد معالمها الكبرى بسن المراهقة كونها مرحلة عمرية فاصلة بين الطفولة وسن الرشد وهي تعرف تقلبات مزاجية وهرمونية تمهيدا لمرحلة الشباب والمسؤولية والاكتمال الجسدي والنفسي, لذا هي تعرف أسئلة وجودية يطرحها المراهق باستمرار على نفسه لتحديد أناه وهويته, وتعرف مرحلة المراهقة المتأخرة أو سنوات الشباب الأولى تقريبا حوالي 18 سنة إلى 22 سنة ذروة الاكتمال لهذه الهوية.

تطور الهوية:
لدراسة مراحل تطور الهوية ابتكر مارسيا مقابلة شخصية لتحديد هوية هؤلاء الشباب الذين من المفترض أن يعيشوا ذروة اكتمال هوياتهم وأزماتها محاكيا بذلك نموذج إريكسون وقد قسم مراحل الهوية لأربع مستويات هي (تحقق الهوية, تأجيل الهوية, إعاقة الهوية, تشتت الهوية) يعتمد فيهما على بعدين اثنين هما: الاستكشاف والالتزام. حيث يمثل الاستكشاف الأسئلة التي يطرحها الشاب على نفسه حول هويته وماهيتها في حين يمثل الالتزام الاختيارات التي ينهجها الشاب في شتى المجالات, في كل قسم من الأقسام الأربع يعرف المراهق أو الشاب أزمة هوية ويحاول تجاوزها.

1- تحقق الهوية Identity achievement: تمثل أعلى مستويات الاستكشاف والالتزام معا حيث تكون للشاب رؤية واضحة عن هويته وأهدافه والقيم والمبادئ التي يحملها فهو سيتحدث عن معتقدات دينية كجزء من هويته أيا كانت هذه المعتقدات, سيكون لديه توجه سياسي مثلا وإنتماء فكري أو فلسفي...هو تمكن من استكشاف ذاته وصارت له ذاته وأناه التي تميزه كفرد بالمجتمع مستقل بكيانه, سيتمكن من تعريف ذاته وتوجهاته بكل ثقة... كما أنه ملتزم بخياراته وأهدافه الواضحة والتي قد تكون متعددة.
هو إذن يعرف من يكون ويعرف ما يريد. 

مثال: أحمد شاب مسلم مقتنع بمعتقده له جنسية عربية يعتز بها, كما أنه سياسيا ذو توجه رأسمالي ويدعم هذا الخيار, هو يعبر عن اهتمامه بدراسة الاقتصاد والتجارة بالجامعة لأنه يرغب في إدارة عمله الخاص, كما أنه يحمل أفكار فلسفية وقيما ذاتية يحاول تطويرها كل حين.
مثال آخر: كريستين فتاة لا دينية فهي مقتنعة بأن ليس هناك دين يجب إتباع تعاليمه كما أنها تحمل جنسية أوربية تعتز بها وإنتمائها لها, هي ناشطة بيئية وتنتخب المرشح الذي برنامجه يدافع عن البيئة أيا كان توجهه السياسي, تود دراسة علوم البيئة كما أنها نباتية وتحمل قيما وفلسفات منبثقة من توجهها البيئي.

إذن كانت هذه مجرد أمثلة تعبر عن تحقق الهوية سواء وافقت أم لم توافق توجه أحمد وكريستين, لأن تحقق الهوية ليست حول ما الصحيح وما الخاطئ, بل حول هل لك هوية أم لا, هما قد اكتشفا هويتيهما والتزما بها وبالتالي فهما يعرفان ما يودانه في حياتهما. الوصول لهذا المستوى ليس بالأمر الهين بل هو نتيجة الاستكشاف المقترن بأزمة بالهوية التي مر بها الفرد.

2- إعاقة تكوين الهوية Foreclosure: تمثل مستوى ضعيفا في الاستكشاف وعاليا في الالتزام حيث أن الشاب يسلك منحى سلبيا في استكشاف ذاته, فهويته مكتسبة من وسطه العائلي ومجتمعه المحيط به كما أنه ملتزم بهذه الهوية المكتسبة, فهو يدين بدين أسرته ومحيطه الاجتماعي ويمارس نفس الطقوس الدينية, وإن سألته لماذا يفعل هذا أو ذاك فإنه سيجيبك أن هذا ما يجب فعله وأن الكل يفعله أي أن قناعته ليست نابعة من ذاته, كما أنه سياسيا قد يتبع ما هو سائد وما يراه واجبا عليه اتباعه, وقد يحدد له وسطه العائلي مساره الدراسي, وبقية القيم والمبادئ التي تكون مكتسبة من الوسط الخارجي لا من قناعاته الذاتية, وهو رغم ذلك فهو ملتزم بها, أي أنه لا يواجه أزمة هوية, ولم يمر بها.

مثال: كريم شاب مسلم اعتاد توزيع الصدقات كل يوم جمعة كما هو دأب أفراد أسرته على مر عقود, كما أنه سياسيا يدعم حزب اشتراكيا لأن جده كان من بين رجالاته, هو يود أن يصير طبيبا لأن هذا حلم والدته ولأنها المهنة الأفضل بمجتمعه.

إذن كريم يعاني من إعاقة في تكوين هويته الذاتية المستقلة عن محيطه الخارجي, وهو ملتزم بهوية مكتسبة لم يستكشفها بنفسه, ولا يواجه أي أزمة هوية.

3- توقيف أو تأجيل الهوية Moratorium:  عكس إعاقة تكوين الهوية فإن توقيف الهوية تمثل مستوى عاليا في الاستكشاف وضعيفا في الالتزام وهي تعبر عن مرحلة يمر فيها الفرد بأزمة الهوية, فالشاب يطرح عدة تساؤلات يتركها مفتوحة بلا إجابة سعيا للاستكشاف, هو غير ملتزم بهوية محددة لأنه مازال يبحث مؤجلا هويته, يريد أن يعرف من هو تحديدا ويعيد النظر في معتقداته وإنتماءاته, كما أنه ربما لم يحدد هدفه في هذه الحياة وما يرغب في أن يفعله.

مثال: أسماء غير مقتنعة بعادات وتقاليد أسرتها, هي تحاول استكشاف ما يصلح منها, كما أنها لا تعرف ماذا تود أن تصير بالمستقبل بعد التخرج من الثانوية, لذا تسأل وتبحث عن شتى التخصصات ولم يعجبها ما اختاره لها والداها.

مثال آخر: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الثاني من قصيدة الطلاسم
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنّني أدري ولكن...
لست أدري!


أسماء بالمثال لديها استكشاف عال لهويتها إلا أنها لم تلتزم بعد بهوية محددة هي تؤجل هويتها لحين التزامها وقد تحصل على مبتغاها وقد تعاني من أزمة بالهوية فلا تلتزم أبدا وتبقى في دوامة الاستكشافات. 
الشاعر بقصيدة الطلاسم يطرح أسئلة وجودية هو يحاول استكشاف ذاته وماهيتها وتاريخها ككائن بشري.
من بين الأمثلة الحية أبناء الجنسيات المختلفة أو الديانات المختلفة الذين يجدون أنفسهم في عزلة ببلد ولدوا فيه, فيكون إنتماؤهم مشوشا ألبلدهم الأم أم لبلدهم الذي ولدوا فيه أم لكلاهما مع اختلاف الثقافات, فالقيم التي يتلقونها بالبيت ليست هي القيم التي يصطدمون بها  بالشارع.

4- تشتت الهوية Identity diffusion: طبعا هي تمثل مستوى ضعيفا بالاستكشاف وضعيفا بالالتزام أيضا, فالشاب في هذا المستوى يعاني من هوية مشتتة هو لا يحاول استكشاف ذاته ولا معتقداته ولا أهداف محددة له, يعيش اللحظة وحسب, سلوكه بالحياة سلبي, فهو يدرس لأن عليه أن يدرس وليس له تخصص محدد يود دراسته بالجامعة, قد يكون بديانة ما لمجرد أنها ديانة ولد بها, ليس له رأي محدد في كثير من جوانب الحياة المهمة, يعيش فقط لأنه حي يرزق.

مثال: قول الشاعر إليا أبو ماضي في المقطع الأول من قصيدة الطلاسم
جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

الشاعر بالمقطع الأول من قصيدة الطلاسم يعبر عن حالة من العدمية التي قد تمثل بشكل أو بآخر عن تشتت الهوية, فهو يعيش ولا يعلم شيئا عن هدفه من الحياة ولا من وجوده ويسير في طريق أبصره أمامه وحسب لا هو سعى إليه ولا اختاره.
وهذا مجرد مثال للتوضيح وحسب فلا تأخذ شعر إليا أبو ماضي على أنه فعلا يمثل حالة تشتت الهوية.

في أي مستوى أنت؟
 حسب مارسيا فقد يمر المراهق بهذه المراحل الأربع جميعا أو مرحلتين فقط أو قد لا يمر بأي مرحلة من هذه المراحل, وتمثل مرحلة تحقق الهوية هي المرحلة الأكثر نضجا والتي يجب على الشاب السعي للوصول لها.
والآن ماذا عنك؟
في أي مرحلة تجد نفسك؟

التعليقات

  1. اعتقد انني في مرحلة تأجيل الهوية ربما ، حقيقة لسنوات وانا في هذه المرحلة يبدو انني لن اخرج منها😂
    جدا رائع المقال استمر

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك
      من الرائع أنك في هذه المرحلة فهذا يعني أنك في بحث وتطلع للأفضل, إن شاء الله تتحقق الهوية :)

      حذف
  2. أعتقد إني في مرحلة تأجيل الهويه لا أعلم أحب اشياء كثيره مثل علم الفلك والفضاء وأيضا احب اللغات واحب الطب النفسي واحب رياضة الجمباز وأيضا أنا مقتنعه في ديني وأحاول أن اعرف عنه اكثر ولكني اكره بعض العادات والتقاليد لذلك انا حائرة نوعاً ما😂😂

    ردحذف
    الردود
    1. من الجيد أنك تحاولين اكتشاف ذاتك, أتمنى أن تسلكي ما ترينه مناسبا لك :)

      حذف
  3. مقالة رائعة كالعادة، لم أعلم أن للهوية أربع مراحل.
    أعتقد أن هويتي ترسخت اﻵن.

    ردحذف
  4. اعتقد اني في مرحلة ما بين التشتت والتاجيل

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا mysa :)
      إذن إن شاء الله ستصلين لمرحلة اكتمال هويتك

      حذف