عندما يتحول زبير الموظف الحكومي لموظف بشركة خاصة

7
زبير موظف حكومي بإدارة خدماتية عامة تقتصر مهمته في التأكد من صحة نسخ أوراق المواطنين المصطفين في طابور طويل بشكل يومي أمام مكتبه الذي يعلوه الغبار.
زبير يكره وظيفته كثيرا, فبالإضافة للمشاجرات اليومية مع المواطنين الذين ينفذ صبرهم من الانتظار فإن مرتبه الضئيل بالكاد يسد رمقه ورمق أسرته الصغيرة التي يعيلها.
زبير الذي كان بطموحات كبيرة في الماضي يجد نفسه الآن مدفونا حيا في مكتبه يحرق أعصابه كل دقيقة وكل ثانية مع مرتادي الإدارة, لذا تتغير سلوكاته مع المواطنين يوما بعد يوم من سيء لأسوأ, فهو أحيانا يجلس دون عمل رافضا خدمة الناس معبرا عن سخطه على وضعيته بمعاملتهم بعصبية ثارة وبلامبالاة تارة أخرى, فسواء كان مخلصا في عمله أم لا فإن مرتبه سيتلقاه في آخر المطاف كاملا لا ينقصه سنت واحد.

قرر أسامة وهو مواطن يكره الإداراة العمومية بسبب سلوكات بعض موظفيها أن يذهب ليقضي أغراضه بعد الظهيرة, كون الضغط في هذه الفترة يكون أخف... بعد ولوجه الإدارة رأى مكتب زبير خاليا من الطابور الطويل مما جعله يتنفس الصعداء.

- مرحبا سيدي!
 لم يتلق أسامة أي رد من زبير الذي كان مشغولا بلعب الورق على الحاسب الذي أمامه.
- سيدي مرحبا قلت لك!
ودون أن ينظر إليه زبير سأله بكسل وبصوت جد منخفض:
- نعم! ماذا تريد؟
- أريد قضاء غرضي.
- هات الملف!
ودون أن يفتح زبير ملف أسامة أعاده إليه مجددا قائلا:
- تنقصه بعض الأوراق, أكمل كل النسخ أولا بعدها تعال.
- أي أوراق؟ الأوراق كلها موجودة.
فلم يرد زبير بل استمر في اللعب متجاهلا إياه, وبعد صمت دام بضع ثوان نطق أسامة:
- حسن سيدي أخبرني أي الأوراق تنقصني.
- اذهب إلى اللوح هناك  ستجد كل ما تحتاجه مكتوبا.
- ولكنني أضع كل الأوراق بالملف, من فضلك سيدي أنا مستعجل.
- مستعجل قلت؟ حسن هات الملف مجددا.
تناول زبير الملف ووضعه خلفه فوق الرف ثم نهض متجاهلا لأسامة و دون أن ينظر إليه قال:
- عد غدا صباحا مثل الخلق, علي الذهاب الآن للبيت.
- ولكن لم ينتهي الدوام بعد؟
- هل ستحاسبني؟ إذا لم يعجبك الأمر اذهب واشتكي.. اصعد فوق لرئيس المصلحة إن وجدته بمكتبه اشكوني له, وخذ ملفك معك اذهب لإدارة أخرى لم أعد راغبا فيه.
ثم حمل زبير حقيبته وضاع في الزحام.

بالبيت وهو يتصفح جريدته المفضلة قرأ زبير إعلانا عن وظيفة بشركة خاصة لتقديم الخدمات المدفوعة براتب يعادل ثلاث مرات مرتبه كموظف حكومي, عدل زبير من جلسته وهو يقرأ الخبر وأخذ قلبه يخفق بشدة فقد أحس أن الإعلان قد صمم له هو خصيصا فكل المواصفات والخبرات المطلوبة تنطبق عليه تماما بشكل مفصل.
طار زبير للشركة الخاصة لإجراء مقابلة العمل فتم الموافقة على توظيفه في الحين, ليقدم استقالته من وظيفته الحكومية مودعا لمكتبه البالي الذي قضى فيه سنواته العجاف وكذا زملاءه الذين لا يطيقون بعضهم البعض, ويكرهون الخير لزبير وغير زبير, ورغم أنه يعلم هذا جيدا إلا أنه أصر على توديعهم كي يغيظهم.

ارتدى زبير ملابس أنيقة وربطة عنق ضيقة توالم وظيفته الجديدة وجلس في مكتبه المريح بالشركة وقد ارتسمت ابتسامة عريضة على محياه حتى لا يكاد يعرفه من التقاه بوظيفته الأولى, لقد صفف شعره ووضع عليه متبثا هلاميا ولأول مرة صارت رائحته عطرة على غير العادة, حتى أنه فرش أسنانه صباحا ولم تعد تفوح من فمه رائحة المجاري.

دخل أسامة مجددا للشركة الخاصة لشراء احدى الخدمات من أجل تجارته التي ستبور بسبب تأخر الموظفين الحكوميين في تسوية معاملته وملفه الذي طاف به كل مكاتب الإدارة واحدا واحدا, حيث أن كل مكتب يبعثه للمكتب المجاور ليعود للمكتب الأول وهكذا, مثل السعي بين الصفا والمروة بالحج لكن دون أجر ولا ثواب.
تفاجأ أسامة وهو يرى أمامه زبير لما دخل مكتب الاستعلامات, فانتابه شعور بأن اليوم لن يمر على خير, ولكن عكس ما توقع فإن زبير استقبله بوجه بشوش صبوح محييا إياه ومستفسرا عن الخدمة التي من الممكن أن يقدمها له... لقد صعق أسامة وهو ينظر لهذا التحول والتلون الحربائي بين الأمس واليوم.

- أنت هو زبير الموظف بالإدارة العمومية!!
- آه! عفوا سيدي, أنا صراحة لم أعد أعمل هناك أنا موظف هنا.
- هكذا إذن!

انشرحت أسارير أسامة وشعر برغبة ملحة في الانتقام من زبير وإذلاله, فأخذ ينظر إليه نظرات ساخرة من أسفل لأعلى, في حين تصبب زبير عرقا وقد بدا الارتباك جليا عليه, فهو غير قادر على الإساءة للزبون وإلا فقد عمله الجديد.

- حسن سيد أسامة لدينا هنا خدمات عدة, يمكنني أن أشرح لك كل الخدمات بالتفصيل وإن كان لديك أي أسئلة فأنا بالخدمة سيدي.
- آه حقا!! سبحان مغير الأحوال, على كل حسن اشرح لي اشرح.

فأخذ زبير يشرح له بالتفاصيل ودون كلل أو ملل جميع الخدمات, وأسامة يحذق بنظراته الساخرة.

- حسن سيد أسامة, إذا لم تكن لك أي أسئلة إضافية يمكنك أن تأخذ هذه الورقة لتقييم خدمتي وما إذا كنت قد كفيت ووفيت الشرح, ومن تم ضعها بذاك الصندوق ليطلع عليها المدير ولن أطلع عليها أنا.
فتناول أسامة الورقة من يد زبير المرتعشة وهو يبتسم ابتسامة شر وكيد.

بعد انصراف أسامة استدعى الرئيس زبير ليطلب منه بعض الأعمال الإضافية:
- زبير من فضلك أريد منك أن تنسخ على حاسبي هذه الأوراق.
- حاضر سيدي.
- ولا تنسى من فضلك أن ترتب هذه الكتب بالخزانة.
- حاضر سيدي.
- زبير من فضلك إن لم يكن لديك مانع أريد منك أن توصل أطفالي للمدرسة غدا فوالدتهم مسافرة.
- حاضر سيدي.
- وإن كنت تسمح أن تأتي زوجتك للبيت عندي لتحضر لهم العشاء فإنني سأكون ممتنا.
- حاضر سيدي.
- زبير سمعت أنك رزقت بطفل ذكر قبل أسابيع, أنا لدي إناث فقط أريد إن لم تكن تمانع أن أتبناه وأكتبه باسمي.
- حاضر سيدي.

وهكذا يا سادة تغير حال زبير وتحسنت ظروفه المادية وصار راضيا تمام الرضى بوضعه الجديد, كيف لا وقد حصل على وظيفة الأحلام ورغم أنه يحن لأيام العمل أربع ساعات باليوم ولعب الورق للأربع ساعات المتبقية إلا أن المرتب السمين قد عوضه هذا الشعور بالنقص والحنين, صحيح أنه لا يخاف الله ويخاف رئيس عمله, لكنه مع ذلك مرتاح جدا بالمرتب,  أما عن العلاوات فهي بالنسبة إليه أروع ما في هذه الحياة.
زبير موظف حكومي كسول وموظف بشركة خاصة مذلول, زبير شاب يحب المال لكن دون أعمال.
لا تكن مثل زبير.

التعليقات

  1. ماشاء الله عندك أسلوب ساخر جميل جداً.
    عسى أن تتطور المصالح الحكومية حتى لا يبقى فيها زبيراّ.
    -محسن0

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك أستاذ محسن.
      شكرا على الإطراء, أسعدني أن المقال أعجبك.
      وإن شاء الله تتطور الإدارات بالعالم العربي لأننا هرمنا من أجل لحظة لم تأتي بعد.

      حذف
  2. رائع متابع لجديدك,, أعجبني مثل الطواف بالصفا والمروة لكن بلا أجر ولا ثواب ههههههه

    ردحذف
    الردود
    1. هههههه أهلا موزع السعادة.
      الله يصلح حال زبير ههههه

      حذف
  3. نريد منك تكتب مقالات عن [مصاص الطاقة]

    ردحذف
  4. إلهي كم أمقت الزبيريين.

    ردحذف