إيفان بافلوف والإشراط الكلاسيكي

6

كنا قد تحدثنا عن أهم رواد مدرسة التحليل النفسي ومن تم الانتقادات التي تلقوها من طرف المعارضين, وقد رأينا كيف أن أغلب
الانتقادات تصب في كون أن مدرسة التحليل النفسي غير علمية وتفتقر للتجارب والمعطيات.
الآن سنتناول مدرسة علم نفس مضادة لمدرسة التحليل النفسي أنشئت على يد علماء اتخذوا من البحث العلمي والتجريبي منهجا صارما لا يحيدون عنه رافضين أي نظرية فلسفية لا تحمل إتباثات.. أطلق عليها المدرسة السلوكية أو التعلم.
 كان التأسيس على يد عالم النفس الأمريكي واتسون, وقد بنى نظرياته إنطلاقا من تجارب إيفان بافلوف, لذا قبل التحدث عن مبادئ المدرسة السلوكية وفلسفتها لابد من الحديث عن تجارب بافلوف.

لم يكن الروسي إيفان بافلوف (1849-1936) عالم نفس, وإنما عالم فيسيولوجيا أجرى تجارب عدة وأبحاثا بخصوص الجهاز الهضمي وقد نال جائزة نوبل في هذا المجال.. لكن تجربة مهمة قام بها فيما أسماه الإشراط الكلاسيكي عُدّت من بين الإسهامات الجد مهمة في مجال علم النفس لاحقا, صُنّف بافلوف من خلالها من بين أهم علماء نفس القرن العشرين.

ما هو الإشراط الكلاسيكي؟
كان بافلوف يجري تجاربه الفيسيولوجية على الكلاب وقد لاحظ أنه كلما سمعت الكلاب وقع أقدامه من بعيد يسيل لعابها لأنها كانت تعلم أنه قادم بالطعام إليها, فحذاه هذا لإجراء تجربة.
التجربة كانت كالتالي: يدق الجرس وهو يقدم الطعام للكلب, ومن تم يقيس كمية اللعاب السائل من فم الكلب عبر أنبوب.
أخذ يكرر العملية عدة مرات, كلما يجلب للكلب الطعام يدق الجرس ثم يدفع بالطعام للكلب... وبعد أيام من التكرار دق الجرس دون أن يقدم للكلب شيئا فوجد أن اللعاب سال من فم الكلب عند سماعه لصوت الجرس.
حينها استخرج بافلوف عدة مفاهيم من هذه التجربة:

1- المثير الطبيعي الغير شرطي:
 المثير الغير شرطي هو المحفز الطبيعي الذي يثير الكائن بشكل تلقائي, فالكلاب يسيل لعابها تلقائيا عند رؤيتها للطعام.
إذن الطعام هنا هو المثير الطبيعي الغير مشروط, ليس هناك أي تدخل خارجي في هذه الحالة, وكذا البشر فأنت ستُفرز غددك اللعبية اللعاب بشكل أكبر إذا رأيت طعاما لذيذا وكنت جائعا...أي أن الطعام مثير غريزي لنا كأي كائن آخر.

2- المثير الشرطي:
المثير الشرطي هو المثير الغير طبيعي والغير غريزي, والذي يصير بالتعلم مثيرا أيضا, كما هو الجرس في التجربة الذي تحول بالنسبة للكلب مثيرا وصار لعابه يسيل كلما سمع رنين الجرس, في حين أن الجرس ليس مثيرا غريزيا للكلب فهو لم يولد بهذه الخاصية ولكنه "تعلم" هذا عبر ربط المثير الطبيعي الذي هو الطعام مع المثير الشرطي الذي هو الجرس.

3- الاستجابة الطبيعية والشرطية:
الاستجابة هو رد الفعل الناتج عن الإثارة, في حالة الكلب فسيلان اللعاب هو الاستجابة للمثير الطبيعي أو الشرطي.
أي: مثير طبيعي (الطعام)         ----->     استجابة طبيعية (سيلان اللعاب)
     مثير إشراطي (الجرس)     ----->     استجابة إشراطية (سيلان اللعاب)

4- الفارق الزمني:
يلعب الفارق الزمني بين المثير الطبيعي والمثير الإشراطي دورا مهما في الاستجابة, فمثلا كان بافلوف يقوم بقرع الجرس قبل تقديم الطعام ب10 ثوان ثم 30 ثانية ثم 50 ثانية, فلاحظ أنه كلما كانت الفترة الزمنية أقرب كلما كانت الاستجابة أفضل, فالكلب الذي كان يقرع الجرس قبل تقديم الطعام له ب50 ثانية لم يكن يسيل لعابه بقرع الجرس وحده لأن الكلب لم يربط قرع الجرس بالطعام لطول الفارق الزمني بين قرع الجرس وتقديم الطعام.
5- الاسترجاع التلقائي:
لاحظ بافلوف أن الكلاب التي صارت تستجيب لرنين الجرس لا تبقى تستجيب للجرس دائما إن لم يربط مجددا دق الجرس مع المثير الطبيعي الذي هو الطعام, أي أن بافلوف إن ظل يرن الجرس وحده دون أن يقدم الطعام للكلاب لأيام عديدة فستنسى أن الجرس مرتبط بالطعام ولا تستجيب له ويسيل لعابها...فيدخل المثير الإشراطي الذي هو الجرس في حالة من الخمود لكن قد يحدث ويعود فجأة مثيرا للكلاب بعد أيام دون سابق إنذار حتى وإن لم يربط الجرس مجددا بالمثير الطبيعي, فسمى هذه الحالة بالاسترجاع التلقائي.

وكمثال من الحياة للتفسير لنفترض أنك كنت تنفر من طعام ما لأنه كان قد سبب لك في فترة ما من حياتك تسمما فصرت تكره الأكلة ككل, وكلما تشم رائحتها تشعر بالمرض, لكن أسرتك صاروا يطبخون تلك الأكلة بشكل مستمر فتعودت على رائحتها ولم تعد تسبب لك المرض والشعور بالنفور عندما تشمها, بعدها توقفوا عن تحضير تلك الأكلة مدة من الزمن وفي يوم من الأيام اشتاقوا إليها وقاموا بتحضيرها فشممت رائحتها وهذه المرة شعرت بالغثيان والشعور بالنفور مجددا, أي أن الأكلة عادت كمثير بالنسبة إليك مجددا بشكل تلقائي.

6- التعميم:
 كان بافلوف يجرب على الكلاب أصواتا مشابهة لصوت الجرس ليرى هل تستجيب أيضا فكانت الكلاب تستجيب بسيلان اللعاب حتى وإن كان ذلك الصوت ليس صوت المثير الإشراطي الذي هو الجرس والذي تم ربط صوته بالطعام, أي أنه قد حدث للكلاب تعميم.
لكن هذا التعميم مع الزمن زال وصارت الكلاب تميز بين صوت الجرس وبقية الأصوات.

مثال من الحياة لنفترض أن شخصا عضه كلب ما, فإنه سيخاف من كل الكلاب ولكن خوفه قد يُعمّم فيخاف من القطط أيضا ومن كل الحيوانات المشابهة للكلاب أو من كل الحيوانات بصفة عامة ذات الفرو, لكن خوفه من الكلاب أقوى بكثير من خوفه من بقية الحيوانات.

إذن الآن وقد اكتشفت ما هو الإشراط الكلاسيكي وتطبيقه على الكلاب سنرى بالموضوع القادم إن شاء الله تطبيقه على البشر.
ومبادئ علماء النفس السلوكيين.

التعليقات

  1. فكرة مشوقة، شكرًا لك على هذا الطرح الجاد جواد!

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا معاذ.
      شكرا على التشجيع بالمواضيع الجادة.
      أظن مدرسة السلوك ستعجبك كثيرا لأنها تُطبق على الحيوان والإنسان معا وتستخدم في تدريب الحيوانات أكثر.

      حذف
  2. إذًا الآن نستطيع القول مرحبًا بأرض الواقع و وداعًا للشطحات والخيال هههه😄
    متحمسة لرؤية التطبيق على البشر .. شكرًا على التلخيص

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو
      أجل الآن دخلنا عالم الواقع وإن كان يشطح أيضا لكن على الأقل في إطار العلم وليس الميتافيزيقا.

      حذف
  3. طرح راع متشوقة لبقية المواضيع

    ردحذف