السلوك الانحرافي, نظرية الوصم

3
الانحراف مشكلة اجتماعية لا تخلو منها أي بقعة في العالم, المنحرفون في كل أرجاء العالم يقضون مضجع الملايين, ويتراوح الانحراف من مخالفات اجتماعية بسيطة إلى جرائم بشعة, لدى حاول علماء الاجتماع وعلم النفس البحث حول الأسرار الكامنة وراء دفع عدد من الأفراد لسلوك سلوكات منحرفة.

ما هو الانحراف؟
أولا وقبل العروج للحديث عن الأسباب لابد من تعريف الانحراف, فما الذي يمكن اعتباره سلوكا منحرفا؟
في واقع الأمر فإن العلماء وضعوا تعاريف عديدة, وإحداها يعرف السلوك الانحرافي على أنه الخروج عن قيم وقواعد مجتمع ما, وقد يكون هذا السلوك الانحرافي إجراميا أو غير إجرامي.
بمعنى أن سلوكا ما قد يعتبر انحرافا في مجتمع وطبيعيا في مجتمع آخر.
فأنا لو ارتديت سروالا قصيرا دون قميص وخرجت عاريا للشارع فإن المارة سيرمقونني بنظرات استهجان واستغراب لأنني قمت بسلوك غير مقبول وانحرفت عن قواعد مجتمعي, في حين لو قمت بذات الفعل في قبيلة افريقية لا يرتدي سكانها قمصانا فإن تصرفي يعتبر جد طبيعي, ولن ينعتني أحد بالمنحرف.
إذن يحدد كل مجتمع قواعده وما يمكن اعتباره انحرافا في كل مجتمع هو ما يثير استهجانه وغضبه ورفضه.

قد يكون الانحراف إجراميا أو غير إجرامي, فأنا مثلا عندما خرجت للشارع دون قميص فهذا لا يعتبر سلوكا إجراميا ولن تعتقلني الشرطة لأن القانون ببلدي لا يجرم الخروج دون قمصان للرجال, في حين تعتبر سلوكات انحرافية أخرى إجرامية كالسرقة أو النصب أو إغلاق الطريق وغيرها...

أحيانا يكون السلوك انحرافيا في عرف القانون ومقبولا لدى المجتمع, فمثلا تحدد الدول سن الزواج القانوني بحيث يتم معاقبة المخالفين لقواعد الدولة, إلا أن بعض المجتمعات لا ترى غضاضة من الزواج بسن يقل عن السن القانوني الذي حدده قانون دولتهم ولا يعتبر أفراد هذا المجتمع هذا التصرف انحرافا.
إذن يوجد:
سلوك خاطئ بعرف المجتمع والقانون =====> سلوك انحرافي إجرامي
سلوك خاطئ بعرف المجتمع فقط      =====> سلوك انحرافي
سلوك خاطئ بعرف القانون فقط       =====> سلوك إجرامي غير انحرافي

لايمكن اعتبار السلوك الذي يرفضه القانون ويتقبله المجتمع بالسلوك الانحرافي, بغض النظر عما إذا كان صائبا أم خاطئا لأن المجتمع اتفق على أنه سلوك مقبول هم إذن يمارسونه كأي سلوك طبيعي وفاعله ليس منحرفا لأن هذا ما يفعله الكثير بمجتمعه كسلوك "طبيعي", في حين أن القانون يحاول محاربة السلوك لتغيير المجتمع لما يراه في الصالح العام.
عندما يضع المشرعون قانونا يجرم سلوكا مقبولا بالمجتمع فإنه يتم انتهاك هذا القانون مدة طويلة من الزمن بهذا المجتمع من طرف أفراده ويحاول القانونيون أن يكونوا مرنين في وضع عقوبات للمخالفين وفي وضع الحالات الاستثنائية, فإن عدنا لمثال الزواج تحت السن القانوني فإن القاضي في بعض البلدان العربية وفي بعض المناطق التي تعرف نسب زواج تحت السن القانوني جد مرتفعة يوافق فيها على تزويج القاصرين بشروط, مع مرور الزمن قد يصير السلوك بنظر المجتمع سلوكا غير مقبول وفي هذه الحالة يمكن اعتبار فاعله منحرفا لأنه انحرف عن قواعد مجتمعه الجديدة.

نظرية الوصم:
تركز نظرية الوصم على السلوك الانحرافي, أي الذي يكون مقترنا بوصم المجتمع للمنحرف المخالف للقواعد, وقد عمد عدة علماء اجتماع على مر الزمن في النبش في الأسباب الكامنة وراء بعض الانحرافات السلوكية.
قام عالم الاجتماع إدوين ليميرت (1912 - 1996) بتقسيم الانحراف لقسمين: أولي وثانوي.

الانحرافي الأولي: المقصود بالانحراف الأولي أن الفرد يأتي بسلوك منحرف فيتعرض ربما للعقاب أو لا يتعرض له, ولا يثير تصرفه حفيظة الآخرين مدة طويلة من الزمن فهم لا "يصمونه" بانحرافه, بينما لا يكرر المنحرف في العادة صنيعه مجددا.
مثال: زور أحمد بعض الشيكات فأدى هذا لمحاكمته ودوخله السجن, وبعد خروجه منه عاد لمباشرة عمله وعلاقاته الاجتماعية بشكل طبيعي وقد تسامح محيطه مع صنيعه.
قد نقع جميعا في سلوك انحرافي ما صغيرا كان أو كبيرا, بقصد أو دون قصد, كمخالفة قانون السير, أو الكذب...

الانحراف الثانوي: قد يأتي الفرد بسلوك منحرف فيتم وصمه من طرف المجتمع بنعت يشير لانحرافه, ويصير منبوذا من طرف المجتمع, فيؤدي هذا بالفرد المعني لاتخاذ مسار احترافي في انحرافه كرد فعل على وصم المجتمع له.
لشرح أوفى لنأخذ مثال أحمد الذي زور بعض الشيكات فدخل للسجن وبعد خروجه وجد أن الكل يتجنبه, وتم طرده من عمله كما أن لا أحد وافق على توظيفه لأنه محتال وسبق له دخول السجن, فلجأ أحمد للنصب على الناس وكون شبكة للنصب والاحتيال والتزوير.
إذن أحمد تماهى مع وصم المجتمع له بأنه محتال ونصاب وصار بدوره نصابا محترفا وهذا ما يسمى بالانحراف الثانوي والذي يكون رد فعل على وصم المجتمع للفرد الذي أتى بالسلوك المنحرف, فيصير السلوك الانحرافي مستداما ومتكررا ويتخذ شكلا احترافيا حتى.

في بعض الأحيان يتخذ البعض سلوكا انحرافيا ثانويا دون أن يكون لهم أي سلوك انحرافي أولي.
مثلا حنان تم اغتصابها وقد أبلغت الشرطة وعلم جميع الأهل والجيران قصتها, فصار الجميع يتحدث عنها ويصمونها بالانحراف وبأنها كانت على علاقة بمغتصبها وقد تخلى أهلها عنها, ولم تتمكن من الزواج لأن الجميع يحذر منها, فلجأت حنان للعمل بالدعارة.
إذن هذه الفتاة بهذا المثال لم تقم بعمل منحرف بداية الأمر ولكن وصم المجتمع لها بأنها فتاة بأخلاق سيئة جعلها تتخذ فعلا هذا المسار الذي وصمها المجتمع به.

في أحيان أخرى قد يتخذ المنحرف سلوكا انحرافيا ثانويا من إحساسه الداخلي أنه موصوم بنعت انحرافه دون أن يكون المجتمع قد وصمه بشكل مباشر.
مثال شخص يمارس الشذوذ الجنسي دون علم أحد, فهو يسمع وصم المجتمع لأصحاب الفعل واستهجانهم له ونعتهم لفاعله, لدى قد يلجأ صاحب السلوك للانحراف الثانوي للتماهي مع وصم المجتمع له, فترى مثلا مثليا يتفوه بكلام فاضح عن ممارساته ويتصرف تصرفات فجة, وقد ينخرط في الدعارة.

أي أن لسان حال هؤلاء المنحرفين: "أنا منحرف؟ إذن سأريكم كيف يكون الانحراف!"
هم في واقع الأمر لا يرددون هذا في أذهانهم فعلا ولكنهم يلجؤون للانحراف الثانوي لأن هذا ما يرغبه المجتمع بوصمه لهم, هم إذن يتماهون مع الوصم.

قام تلميذ ليميرت عالم السوسيولوجيا جون كيتسوس (1923 - 2003) لاحقا بإضافة الانحراف الثالث كمستوى أعلى من المستوى الثانوي لبعض السلوكات الانحرافية.

الانحراف الثالث: هو رد فعل ايجابي من طرف المنحرف لعقلنة انحرافه ودفع الوصم عنه بالمطالبة بجعل سلوكه الانحرافي مقبولا من طرف المجتمع, أي أنه سيتحول لناشط اجتماعي.
مثال: المثليون (الشواذ) بالغرب, كان يعتبر سلوكهم قبل عقود عديدة انحرافيا بمجتمعهم, وقد أدى هذا الانحراف لدفع عدد منهم للدفاع عن أنفسهم وخلق منظمات للدفاع عن سلوكهم والسعي لجعله مقبولا بالمجتمع الغربي.

مثال آخر: تصور معي أنه تم رصد شاب وشابة بالشارع يقبلان بعضهما باحدى الدول العربية, هذا سلوك يرفضه هذا المجتمع كما أن القانون يجرمه, إذن سلوكهما (انحراف أولي) وقد تم اعتقالهما وإطلاق سراحهما لاحقا وقد وصمهما المجتمع بالفاسدين والداعرين, فتبرأ الأهل منهما وهجرهما الأصدقاء, فلجأ هذان الثنائي لطلب اللجوء باحدى الدول الأوربية والانخراط بمنظمة للدفاع عن نفسيهما بالمطالبة بالحريات الفردية (انحراف ثالث).

اقرأ عن التنافر المعرفي

رغم أن الأمثلة التي وضعتها متطرفة قليلا إلا أن الواقع بالانحراف الثالث تجده لدى عدد كبير من الأشخاص يدافعون عن حقوق تعتبر مقبولة بمجتمعك ومرفوضة بمجتمعهم.
لأن السلوك الانحرافي كما بينت بالأعلى هو سلوك مرفوض بمجتمع ما بغض النظر عن صوابه من خطئه, فمضغ العلكة ببعض المجتمعات سلوك انحرافي, رفض الزوجة تحضير الغذاء لزوجها دون سبب بمجتمعي سلوك انحرافي وإن أخبرني صديقي أن زوجته ترفض تحضير الطعام له فإنني سأستهجن سلوكها, ربما في مجتمع آخر أنت تنتمي له أو غيرك يراه سلوكا غير انحرافي ولايرى أن الزوجة مطالبة بتحضير الغذاء لزوجها, تغطية المرأة لوجهها ببعض المجتمعات (فرنسا مثلا) سلوك انحرافي ويعاقب عليه القانون...وغيرها العديد من الأمثلة.

باختصار فإن السلوكات الانحرافية والمراحل التي يمر بها الشخص المنحرف لا علاقة لها بالصواب والخطأ حسب معتقدي أنا أو معتقدك أنت, لأن هذا راجع لمعتقد المجتمع وقيمه ومبادئه وما إذا كانت متعارضة مع سلوك الفرد المنتمي لها.

التعليقات

  1. شكرا لك على هذا التوضيح سيد جواد.

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  3. يا جماعة ألا يوجد زر لايك في المدونات ؟! ان المواضيع التي تطرحها بالفعل تستحق

    ردحذف