أين كنت مختفي؟ رأيي في الكتب الأكثر مبيعا

Image by <a href="https://pixabay.com/users/kerttu-569708/?utm_source=link-attribution&amp;utm_medium=referral&amp;utm_campaign=image&amp;utm_content=1151405">kerttu</a> from <a href="https://pixabay.com/?utm_source=link-attribution&amp;utm_medium=referral&amp;utm_campaign=image&amp;utm_content=1151405">Pixabay</a>
مر زمن على آخر مرة دونت فيها شيئا هنا, أشكر كل من بعث رسائل ود يسأل عني, فلتعذروني على عدم الرد عليكم جميعا لكثرتكم! حسن! أنا الآن ألفق الأكاذيب, لم يبعث لي أحد أي رسائل, لكن هذا ما يصرح به بعض المدونين المغمورين لإعطاء انطباع أنهم أشخاص مهمين في حياة آلاف القراء الوهميين.

على أي لنجب على سؤال أين كنت؟ كنت بالبيت طبعا! ما حدث أن مدينتي موبوءة وإغلاق الصالات الرياضية المتواصل حفز لدي بعض الوساوس وأشعرني برعب فقدان كل ما بنيته طوال سبع سنوات من التدريب الشاق, وهكذا صار شغلي الشاغل ممارسة الرياضة في الهواء الطلق اثني عشر ساعة باليوم ثم قضاء الاثني عشر ساعة المتبقية في النظر إلى المرآة بالبيت...عافاك الله! وهكذا لم يتسع لي كما ترى أي حيز زمني للكتابة, فاستمريت على هذه الحال إلى أن أتاني اليقين وأُصبت بفيروس كورونا, ورغم أنني لم أعان من أية أعراض باستثناء فقدان حاستي الشم والذوق, إلا أن إصابة والدي أشغلتني لأسابيع, والحمد لله دائما وأبدا.

وأخيرا عندما قررت العودة  للكتابة حصلت مشكلة بشبكة الانترنت عاقت نشر تدويناتي لأسابيع أخر, وإلى اليوم مازلت أقاسي الأمرين من صبيب النت ذي السرعة الخارقة أشد مما عانيت من هوس المرآة والرياضة وفيروس كورونا مجتمعين, عزائي الوحيد أنه سمح لي غياب الانترنت الابتعاد قليلا عن متابعة الأخبار السياسية التي ستصيبني بالجلطة لا محالة, وكذا منحتني فرصة إتمام قراءة بعض الكتب التي قمت بتحميلها قبل مدة ليست بالهينة.

هذه إذن هي قصة غيابي المثيرة جدا للاهتمام!

ولخفض منسوب التفاهة والكذب بهذه التدوينة دعني أتحدث قليلا عن الكتب التي قرأتها, فقد طالعت كتابا من الكتب الأفضل مبيعا ولم يخب ظني فيه, فكما توقعته كان سيئا بشكل لم يسمح لي بإتمامه, حاولت عدم الحكم من أولى الفصول ولكن قراءة حوالي ثلث الكتاب أو يزيد كان كفيلا بالنسبة لي بأن أتوقف عن إكمال بقية فصوله, ولكي لا أكون من الظالمين لن أذكر اسمه, لكي لا أفسد متعتك إن كنت تنوي قراءته فلربما يكون لك رأي آخر.

ما تعلمته أن الكتب الأكثر مبيعا هي كفيديوهات يوتيوب الأكثر مشاهدة, وأنا أقصد الكتب التي يكون الغرض منها علميا وليس الروايات التي توقفت عن قراءتها منذ سنوات, ولن أحرج نفسي هذه المرة وأقول لك أن الروايات مضيعة للوقت فالاستعراض دون ملابس أمام المرآة مضيعة أفدح للوقت ولأمور أخرى! كل ما بالأمر هو أنني لم أعد أستمتع بقراءة الروايات المطولة وأفضّل بدلا عنها أدب القصة القصيرة تماما كما أفضل مشاهدة الأفلام بدل المسلسلات, ومشاهدة الانمي ذي الحلقات المعدودة بدل إنمي المواسم التي لا تنتهي.

عودة للكتب الأكثر مبيعا لنضع مقارنة بينها وفديوهات يوتيوب.

الفيديوهات الأكثر مشاهدة جميعها لأغاني شعبية جذابة, والكتب الأكثر مبيعا قاسمها المشترك الأسلوب الشعبي في الكتابة, فيديوهات اليوتيوب المشهورة لمغنيين كانوا مغمورين قبل الفيديو القنبلة, الكتب الأشهر أيضا هي لكتّاب كانوا مغمورين قبل تأليف الكتاب الظاهرة, المغني بقدرات غنائية جد متواضعة أو حتى لا يجيد الغناء, كذلك الكتب الأكثر مبيعا لكتّاب دون خلفيات علمية حول موضوع الكتاب أو بخلفيات متواضعة, الفيديوهات الأكثر مشاهدة هي لأغان ذات إيقاع سريع غير معقد وكلمات بسيطة تافهة, تماما كما هي الكتب الأكثر مبيعا بأفكار بسيطة ساذجة ودون بناء علمي ومنطقي متين, الفيديوهات الأكثر مشاهدة ينسى الناس أمرها بعد زمن وجيز كما هو حال الكتب الأكثر مبيعا تصير من الماضي ولا تستخدم كمراجع في الكتب العلمية المحترمة, لا يكون لصاحب الأغنية الأكثر مشاهدة أي أغان شهيرة أخرى وينسى الناس أمره بسرعة, كذلك هو كاتب الكتاب الأكثر مبيعا لا يكون له أي كتاب آخر يحقق شهرة كاسحة.


وهذا ينطبق على الكتاب الذي قرأته أو بعضا منه والذي يفترض أن يكون "علميا" فهو لا يحتوي على أية مراجع, الكاتب يسوق لك النظريات والفرضيات بالجملة دون ذكر اسم أي عالم أو تيار علمي متبني للنظرية, مع العلم أن الكاتب أستاذ جامعي وخريج أرقى الجامعات العالمية...موضوع الكتاب يوحي لك في بداياته أنه سرد للحقائق أو دراسة علمية للموضوع الذي بالعنوان ولكنك ستتفاجأ بعد التوغل فيه أنه عبارة عن رأي الكاتب الشخصي العاطفي أو بعبارة أخرى ما يرغب الكاتب في أن يكون حقيقة, إذ يمكنك بسهولة أن تستشف نمط حياة الكاتب وممارساته الجنسية والغذائية والسياسية من كتابه "العلمي", فهو يحاول أن يتبث لك بأسلوب غير مباشر أن اختياراته الحياتية أرفع وأعلى شأنا من اختياراتك... بل الألعن من ذلك أن الكاتب لم يحاول حتى أن يبدل مجهودا في بناء آرائه الشخصية بمنهجية علمية, هو ينتقي من النظريات المتناحرة فيما بينها ما يروقه ويوافق هواه ثم يقوم بالتعسف بربط النظريات المختارة فيما بينها ليخرج باستنتاج يقدمه للقارئ على أنه الحقيقة المطلقة, ومن خلال هذا الاستنتاج ذو البناء الواهن يستشرف لك المستقبل تماما كأي منجم.

ربما عزيزي القارئ ستجد أنه من المضيع للوقت قراءة انتقادي لكتاب مجهول, ولكن ما أرغب في إيصاله أن هذا قاسم مشترك بين عدة كتب تحوز على إعجاب القراء وتحقق مبيعات صاروخية, يكمن السر وبكل بساطة في أن هذا ما يريده الجمهور, الكاتب كما سبق وقلت أستاذ جامعي من خريجي أرقى الجامعات العالمية لا تعوزه المنهجية والأدوات للكتابة العلمية, ولكنه على ما يبدو فضل الكتابة الشعبوية لإيصال أفكاره دون أن يبدل أدنى مجهود كما تستدعيه الأمانة العلمية, هو ليس كتابا أكاديميا وليس دراسة علمية, ولكنه عبارة عن خواطر وأضغاث أحلام خطها الكاتب كإنسان يرغب في إيصال خوالجه وليس كأستاذ باحث, من جهة أخرى الكتاب خط بأسلوب لغوي جميل جدا, جذاب وساخر, بالنسبة لمن لا يفقه شيئا في مجال الكتاب العلمي أو يفقه القدر اليسير, فهو مفيد لسرده النظريات بشكل عمومي مبسط للعامة مثلي, كان بإمكاني القراءة والمضي قدما ولكن على ما يبدو فأنا مثل ظاهرة Karen بأمريكا, أتعرف هذه الظاهرة؟

لقد غلب على عدد من الكتابات بالسنوات الأخيرة الطابع التجاري, كان المفكرون يخطون أفكارهم ويحاولون قدر المستطاع أن تكون متقبلة بالوسط الفكري والعلمي, اليوم صار همّ عدد كبير من الكتاب الكتابة حسب ما يطلبه الجمهور وتحقيق أعلى المبيعات وتصدر الشاشات... وأنا أقصد الكتاب الغربيين طبعا فبيع البطيخ بالعالم العربي أجلب للمال والرزق من بيع الكتب.

هذا توجه عام بأمريكا خصوصا والغرب والمستغربين عموما يمكن أن نحيله حتى على مجالات الأدب و الرياضة والفن, حيث صار العامل التجاري أهم من أي اعتبار رياضي, فني, فكري... أكثر الراوايات الغربية تحقيقا للمبيعات بالسنوات الأخيرة هي مؤلفات من طرف أمهات عاطلات عن العمل قررن الكتابة لأول مرة بحياتهن قصد تحسين مدخولهن الأسري, أما في مجال الفن فيتم الإشهار المبالغ فيه لمواهب مراهقة جد متواضعة أو منعدمة فقط لامتلاك المراهق مقومات تجارية كالمظهر الحسن والكاريزما على حساب الموهبة الغائبة, في المجال الرياضي أيضا وخصوصا بالملاكمة تم الإعلان قبل أيام عن مقابلة بطل عالمي سابق بولد هاو من مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي من أجل حصد أموال تذاكر الخلق... إذن المجال الفكري والعلمي ليس استثناء, فمن حق الباحثين الأكاديميين اقتحام مجال المال والأعمال أيضا والاسترزاق بما مَنّ الله عليهم من علم.

بعيدا عن المبالغات الوضع ليس بهذه المادية! فرغم أن الرياضيين لا يزاولون رياضاتهم في سبيل الله بل في سبيل المال إلا أن المجال مازالت تحكمه أعراف وقوانين اتحادات دولية, ومازال البشر ينتجون أعمالا فنية وأدبية تحوز جوائز عالمية ذات معايير عالية, كما يوجد من ينتج أعمالا فكرية وعلمية لا ينتظر جزاء ولا شكورا دافعه شغفه بعرض رؤاه للعالم...المشكل إذن في من يجري خلف انتاجات المرتزقة, كان بإمكاني تجنب إضاعة وقتي -ووقتك أيضا لأنك مازلت تقرأ ما كتبت-  بالامتناع عن تحميل كتب وفيديوهات الأعلى مبيعا ومشاهدة, فبدل لعن الظلام لا توقد شمعة فقط أخرج ولا تدخل أماكن مظلمة مجددا.

هناك عدة كتب خلابة بأفكار تغير نظرة مطالعيها بشكل كامل ولكنها تحتاج لقراء من نوع خاص مهتمين بمجال الكتاب وجادين في القراءة, لذا لن تجد للكتب المتخصصة ذات الأفكار الغنية إلا قلة من القراء, فلكل إنسان تخصصه أو تخصصاته وقدراته على الاستيعاب وفهم مصطلحات الكتاب, بينما الكتابات الشعبية تجد سبيلا إلى الجميع من متخصصين وغير متخصصين, أصحاب مستوى ثقافي عال ومنخفض, قدرات عقلية عالية ومتوسطة, وهكذا تشق طريقها نحو الشهرة بين العامة, كأغاني اليوتيوب الشعبية التي تتكرر فيها كلمة واحدة  أو كلمتين طوال الخمس دقائق.

تعليقات

  1. نورت المدونة يا سيد جواد. مشكلة هذه الجائحة .. نعم كارين تحب قراءة كتاب Wish it want it do it للكاتب Brian Griffin وتسمع Baby Shark كثيرا

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك أخ معاذ, لقد بحثت سريعا عن اسم الكتاب في غوغل, تبا! يبدو أنه قد فاتني الكثير.

      حذف
  2. أتفق معك بعض الكتب الأكثر مبيعا لا تستحق القراءة.
    في بداية مشواري القراءي كنت أقرأها الكترونيا واذا أعجبتني أقتنيها، لكن الآن في أخر سنتين اختلطت الأعمال الجيدة بالرديئة فأصبح من الصعب التفريق بينهما إلا إن قرأت للكاتب عملا سابقا قد تجازف وتقرأ له.
    أهلا بعودتك مجددا، والحمدلله على سلامتك من كورونا

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك, وشكرا على إضافتك
      حفظك الله من كل سوء.

      حذف
  3. اتفق معك فيما ذكرته بخصوص الأكثر مبيعًا ومشاهدة، ثقافة الاستهلاك هذه والجري وراء التريند ستخسف بنا قريبًا، حمدلله على سلامتك وعودًا حميدًا.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك,
      نعم لقد استهلكنا
      شكرا لك, الله يسلمك

      حذف
  4. أعذرني لأني لم أسأل عنك عندما غبت هذه الفترة الطويلة .. أنا أسف جداً .. الواقع أنني لم أكن أعرف أنك موجود .. منذ ساعات أرسل لي صديق رابط تدوينتك وكنت ممتن له حقاً .. ها هو مدون آخر أتعرف عليه .. مدون يملك عضلات ومرآة ينظر لها طوال الوقت .. هذا مدون مميز حقاً .
    بالنسبة للكتب ذات صفة الأكثر مبيعاً وغيرها من هذا القبيل .. معك حق .. هذه مجرد ترندات .. عموما ما يناسبك لا يناسب غيرك والتفاهات لها أصحابها أيضاً.

    ردحذف
    الردود
    1. مرحبا بك,
      شكرا على اهتمامك والشكر موصول لصديقك.

      حذف
  5. ليس لدي أكثر من قول: أنتَ محق؛ ثم إن أسلوبك اللاذع و الواقعي جذاب، سجلني ممن سيرسلون لك المرة القادمة ليستفسروا عن غيابك😅

    ردحذف
  6. هذه أول موضوع أقرأه على مدونتك، أسلوبك لي الكتابة رائع ،أتفق معك تماما فيما يخص الكتب و الفيديوهات الأكثر شهرة trendy و على رأئ المثل المصري "كل فولة و لها كيال"، بمعنى إن كل منتج يجد من يشتريه ويعجب به، هذه طبيعة البشر

    ردحذف