خرافة الأعراق, تاريخ التمييز العرقي

waqi3.com
خُلق البشر بقابلية على تصنيف أنفسهم لمجموعات تستند على ثنائية نحن-هم, وقد اختلفت قواعد التصنيف من حقبة لأخرى ومن مجتمع لآخر, فاعتمدت في فترات من تاريخ البشرية على الانتماء لحضارة ما أو الانتماء لدين ما أو الانتماء الطبقي... وقد كان التصنيف بناء على المظهر الخارجي حاضرا بشكل ضعيف مقارنة مع بقية العوامل.

1- التنوع العرقي بالإمبراطورية الرومانية والخلافة الاسلامية:

في الحضارة الرومانية كان العبيد يتكونون أساسا من الأوروبيين البيض, في حين تمكن بعض الأفارقة الأوثيوبيين من تولي مناصب مميزة بالجيش الروماني, وقد حكم سيبتيموس سيفيروس الإمبراطورية الرومانية في القرن الميلادي الثاني وهو من أصول ليبية (فينيقية أو أمازيغية), فكل سواحل البحر الأبيض المتوسط كانت خاضعة لروما إبانها.

waqi3.com

لوحة للامبراطور سيبتيموس سيفيروس تعود لعام 199 ميلادي ويظهر فيها لون بشرته السمراء, وإلى جانبه زوجته السورية وابنهما.

إن مفهوم العرق والاختلاف بناء على لون البشرة لم يكن حاضرا في روما المترامية الأطراف بسبب تنوع أجناس البشر المنتمين إليها, فقد كان يعتبر لون البشرة الأسود مثل بقية خصائص الجسد الأخرى كلون العيون أو الشعر, التمييز بالامبراطورية الرومانية كان طبقيا نابذا وكارها لغير الروماني بغض النظر عن مظهره الخارجي.

الأمر ذاته ينسحب على الخلافة الاسلامية التي اجتاحت مناطق مختلفة من العالم, فلم يكن هناك تمييز  بناء على لون البشرة أو المظهر الخارجي بقدر ما ارتبط التمييز على أساس الدين, فكان يعتبر كل مسلم مساو لأخيه المسلم, طبعا هذا من الناحية النظرية إذ الأمر لم يكن بهذه المثالية على امتداد قرون الخلافة الاسلامية.

2- وحدة الأصل وتأثير المناخ على الجسم والمزاج عند العرب: 

منذ ظهور الديانات الابراهيمية كانت فكرة الأصل الوحيد المشترك بين جميع البشر هي الفكرة السائدة في العالمين الأوروبي المسيحي والإسلامي, وقد كانت تفسر الإختلافات الجسدية بين البشر بشكل علمي أحيانا فيتم إيعازها للمناخ والبيئة, أو بقصص خرافية في أحيان أخرى.

بعد انهيار الحضارة الرومانية وسيادة الحضارة الاسلامية تفوق الشرق أوسطيون على الأوربيين الذين تدهور فكرهم ودخلوا عصر الظلمات, فكان العرب يجدون بونا شاسعا في القدرات العقلية بينهم وبين الأوروبيين, ففسروا ذلك بأنه من تأثير المناخ.

حاول العالم العراقي أبو الحسن المسعودي بالقرن الرابع الهجري العاشر ميلادي في كتابه "تنبيه الأشراف", تقسيم البشر لأربعة أجناس حسب الخصائص الجسدية والمزاجية وقد فسر هذه الاختلافات حسب التموقع من الشمس فقال:

"...وأما أهل الربع الشمالي، وهم الذين بعدت الشمس عن سمتهم من الواغلين في الشمال كالصقالبة والإفرنجة ومن جاورهم من الأمم, (...) فعظمت أجسامهم وجفت طبائعهم وتوعرت أخلاقهم وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم، وابيضت ألوانهم حتى أفرطت فخرجت من البياض إلى الزرقة ورقت جلودهم وغلظت لحومهم، وازرقت أعينهم أيضاً، (...) ومن كان منهم أوغل في الشمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهايمة وتزايد ذلك فيهم في الأبعد فالأبعد إلى الشمال... وكذلك من كان من الترك واغلاً في الشمال فلبعدهم من مدار الشمس في حال طلوعها وغروبها كثرت الثلوج فيهم وغلبت البرودة والرطوبة على مساكنهم، (...) فاستدارت وجوههم وصغرت أعينهم لاجتماع الحرارة في الوجه حين تمكنت البرودة من أجسادهم إذ كان المزاج البارد يولد دماً كثيراً، واحمرت ألوانهم إذ كان من شأن البرودة جمع الحرارة وإظهارها (...) وأما أهل الربع الجنوبي كالزنج وسائر الأحابش، والذين كانوا تحت خط الاستواء وتحت مسامتة الشمس؛ فإنهم بخلاف تلك الحال من التهاب الحرارة وقلة الرطوبة؛ فاسودت ألوانهم واحمرت أعينهم وتوحشت نفوسهم وذلك لالتهاب هوائهم وإفراط الأرحام في نضجهم حتى احترقت ألوانهم وتفلفلت شعورهم لغلبة البخار الحار اليابس... ".


3- تعدد الأصل وأولى شرارات العنصرية بأوروبا:

يعتبر المستكشف الفرنسي فرونسوا بيرنيير أول من تطرق للفروق الجسدية بين البشر بأوروبا وذلك أواخر القرن السابع عشر, وقد كان أول من ذكر مصطلح "race عرق" في مقالته التي قسم فيها البشر لأربعة أعراق, ويبدو أنه ومنذ القرن السابع عشر لم تخرج تقسيمات الأنتروبولوجيين الحديثة للأعراق عن تقسيم بيرنيير كثيرا.

وعند بزوغ عصر الأنوار بأوروبا بالقرن الثامن عشر وصعود النزعة العلمانية بفرنسا بدأ يعلو صوت نابذ لوحدة الأصل بين طبقة المثقفين, إذ اعتبر العلماء الفرنسيون والفلاسفة أن وحدة الأصل هي فكرة نابعة من معتقدات دينية خرافية مجانبة تماما للصواب, وقد اعتقدوا بتعدد الأصول, فكل عرق ينحدر من أصل منفصل عن بقية الأعراق, ومن هنا كانت أولى شرارات العنصرية قد بدأت تلوح في الأفق بين المجتمع الأوربي الذي صار أقوى مما كان عليه بعصر الظلمات وأكثر توحدا من الناحية الثقافية والعقائدية, فرأى الأوربيون أنه يستحيل أن يكونوا بحضارتهم مشتركين في الأصل مع أقوام بدائيين, فاعتقد الفيلسوف هيوم أن الزنوج هم أقل درجة من البيض, أما الفيلسوف كانط فاعتقد أن البيض هم الأكثر مثالية بين كل البشر والأمريكيون الأصليون هم أدنى البشر, في حين قال الفيلسوف فولتير تاجر الرقيق ساخرا أنه لا يدري ما إذا كان الزنوج نوعا من القردة ولكنه متأكد تماما بأنهم ليسوا من البشر.

حاول الأنثروبولوجي الأمريكي ومالك الرقيق جوسياه سي نوت بالقرن التاسع عشر المزاوجة بين وحدة الأصل وتعدد الأصل, فبعد تقصي لآثار المصريين القدامى وقصص الكتاب المقدس استنتج أن البيض وبعض الشعوب بأصل مشترك هم أبناء نوح, أما الزنوج فهم من بني آدم ولكنهم ليسوا من أبناء نوح, مما يفسر الاختلافات الجسدية الكبيرة.

رسم توضيحي يبين فيه نوت كيف أن الزنوج يقعون بين البشر البيض والشامبانزي.

4- نظرية التطور:  

ظلت فكرة تعدد الأصل سائدة بين الفلاسفة والعلماء الأوربيين عموما والفرنسيين خصوصا ولم يؤمن بوحدة الأصل إلا رجال الدين وعامة الناس, إلى غاية ظهور العالم داروين بالقرن التاسع عشر والذي قدم نظريته القائلة بالتطور وبالتالي إرجاع البشر قاطبة لمربع الأصل المشترك مجددا, ففكرة تعدد الأصول تتعارض مع نظرية التطور.

تغيرت النظرية فتغيرت معها صياغة الفكرة العنصرية فوضع الأنتروبولوجيون الرجل الأبيض في أعلى هرم التطور وبقية البشر في مرتبة أدنى إلى أن نصل إلى القاع حيث يقبع الزنوج الذين يمثلون حلقة الوصل بين تطور الإنسان من شامبانزي إلى زنجي فرجل أبيض مثالي, حسب استنتاجات علماء البيولوجيا والانتروبولوجيا في ذلك العصر طبعا.

5- التقسيمات العرقية بالقرن العشرين:

مع مرور العقود ومع تطور التكنولوجيات والعولمة والاستكشافات الأثرية, تعرف البيض أكثر على بقية الشعوب وأدركوا آدميتهم فتوالت التفسيرات والتقسيمات والأبحاث العلمية حول موضوع العرق وقد خلص الأنتروبولوجيون أخيرا بتقسيم البشر إلى ثلاثة أعراق كبرى يضم كل عرق عدة أعراق صغرى, ولنأخذ مثال ما جاء في موسوعة Meyers Konversations-Lexikon إلى غاية عام 1984.
waqi3.com

1- العرق القوقازي ويضم ثلاثة أعراق صغرى: العرق الآري وهم السكان الأصليون لأوروبا وإيران وباكستان وأفغانستان والقوقاز وشمال الهند... الناطقون باللغات الهندوأوروبية. العرق الحامي, وهم السكان الأصليون لشمال افريقيا من مصر وشمال السودان ودول القرن الافريقي والدول المغاربية وشمال مالي... الناطقون باللغات الأفروآسيوية. والعرق السامي وهم السكان الأصليون لشبه الجزيرة العربية والعراق وبلدان الشام... والناطقون باللغات السامية.

(ويجب الإشارة هنا أن استخدام مصطلح سام وحام في هذا التقسيم هو فقط للتمييز ولا يقصد به مطلقا الانحدار من الشخصيات المذكورة بالمعتقدات الدينية, لأن العلم بالقرن العشرين تحول بشكل كامل تماما للعلمانية.)

2- العرق المغولي ويضم بدوره عدة أعراق صغرى (أنظر الصورة) يتمركزون بآسيا والقارة الأمريكية وبعضا من شمال شرق أوروبا.

3- العرق الزنجي ويضم كل سكان افريقيا باستثناء العرق الحامي بالإضافة إلى سكان جنوب الهند واستراليا وغينيا الجديدة.

وقد قام آخرون بعزل سكان استراليا وما جاورها عن العرق الزنجي واعتبروهم عرقا قائما بذاته.

5- الحمض النووي والعرق كتصنيف ثقافي:

ظل الأنثروبولوجيون يصنفون البشر لأعراق ويتحدثون عن اختلافات بيولوجية يمكن رصدها بجماجم مختلف الشعوب إلى غاية اكتشاف الحمض النووي وتطور تقنيات دراسة الجينات, حينها فقط تأكد وبشكل قطعي أنه لا اختلاف جيني بين البشر وأن رجلا أسود  بأدغال افريقيا ربما يشترك بجد أو جدة عاش قبل التاريخ مع رجل أبيض بأقصى شمال أوروبا.

وقد تبين أن ما يطلق عليه عرقا هو في واقع الأمر خرافة, وأن الخصائص الجسدية المشتركة لا تعني شيئا بالمرة في البيولوجيا, هي فقط كاختلاف لون العيون والشعر والفصائل الدموية...إلخ.

لو دققت النظر في هاتين التوأم سترى كيف أن ملامحهما تتطابق تماما رغم الاختلاف في الشعر ولون البشرة والعينين, إن تصنيفهما لعرقين مختلفين سيكون ضربا من الجنون لأنهما تشتركان بجيناتهما أكثر من أي فتاتين من نفس "عرقهما"...

لم يعد العالم يتحدث عن أعراق Races, فقد صارت مسألة جد متجاوزة, بل انتقل التقسيم والتصنيف إلى ما بات يسمى بالاثنيات, وسيكون موضوعي القادم بحول الله.

6- العنصرية لا علاقة لها بالنظريات:  

استحوذت فكرة الأعراق حيزا زمنيا من تاريخ البشرية الحديث واتخذت ذريعة لارتكاب أبشع الانتهاكات تحت غطاء العلوم المزيفة, وأيا كان التفسير العلمي الذي تسوقه للأوروبيين في "عصر الأنوار" , سواء وحدة الأصل أو تعدده أو نظرية التطور فإنهم كانوا سيجدون وسيلة لجعلها ملائمة للأفكار العنصرية القائلة بتفوق العرق الأبيض, المسألة راجعة لمحاولة تبرير التوسع الاستعماري وتجارة الرقيق التي ازدهرت وقتها, فقد احتاجت المستعمرات الأوروبية لقوى عاملة ذات بنية قوية وكان هذا يتوفر بالسود, تماما كما احتاج اليهود قبلهم والعرب والعثمانيون وغيرهم للأحباش والزنوج لتولي الأعمال الشاقة.

وكما رأينا فإن العنصرية في البشر هي هي رغم اختلاف الزمان والمكان, نعت الشعوب الأخرى بالبلادة والبهائمية قديم قدم الحضارات, فقد كان سكان الحضارات المزدهرة أعلى وعيا وأسرع بديهة من سكان الحضارات المنهارة ومن القبائل التي تعيش حياة بدائية, ولأننا نحن نعيش في دورة ازدهار الحضارة الأوروبية (الذين سبق ونعتهم أبو الحسن بالقرن العاشر بالبلادة والغباوة) فإن العنصرية التي تسود العالم هي وفق قواعدهم, فالشعوب المهزومة اليوم يمدحون البشرة البيضاء ويذمون السمراء, يتغزلون بالمتشبهين بالأوروبيين مظهرا وفكرا ويذمون المتشبثين بموروثهم الثقافي في حين أن العكس تماما كان بالماضي, حيث كان الأوروبيون بعصر الظلمات تأثروا بالحضارة الاسلامية فكانوا يتشبهون بالعرب في اللبس والمظهر وحتى الأفكار والفلسفات.

تعليقات

  1. طريقة سردك رائعة ومُبسطة، بانتظار مقالاتك القادمة.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك
      شكرا على القراءة والإطراء.
      ابق بالقرب.

      حذف
  2. أنت أسطورة حقيقية ياجواد 😘

    ردحذف