الوسواس القهري: أفكار وسلوكات لاخلاص منها

20
الخزانة البشرية, رسمة للفنان السريالي الاسباني دالي سلفادور

يعد الوسواس والسلوك القهري اضطرابا جد شائع يصيب عددا كبيرا من الأشخاص, وقد لا يعلم المصاب أن ما يعاني منه وسواس قهري مما يكلفه الكثير.

ربما خلط البعض موضوع السلوك الإدماني السابق بالوساوس القهرية...لا يعد الوسواس القهري سلوكا إدمانيا, لأن مفهوم السلوك الإدماني أنه نشاط محبب إلى النفوس جالب للمتعة والنشوة للجميع, إلا أن المدمن يمارسه بشكل مفرط يؤثر على مجرى حياته كتناول الطعام أو الانترنت أو ألعاب الفيديو أو الجنس أو التحدث مع شخص يحبه إلى آخره...ولا يعد السلوك الإدماني اضطرابا لأن المدمن في واقع الأمر قادر على التخلص من إدمانه إن كانت لديه إرادة قوية أو مساعدة من الآخرين أو إن وجد بديلا يعوض الاشباع العاطفي الذي يحققه ذلك النشاط.
قد تتحول بعض السلوكات الإدمانية لسلوكات قهرية كالمقامرة أو الجنس ولكن ليس العكس...فالوسواس القهري اضطراب يمكنك أن تستنتج من اسمه أن الشخص يفعله غصبا ,قهرا و رغما عنه دون أن يكون القيام به مبعثا للنشوة والمتعة بل عكس ذلك مقيتا ومبعثا للقلق والتوتر والضيق.

ينقسم الوسواس القهري لقسمين: 
1- أفكار وسواسية استحواذية: وهي أن تستحوذ فكرة أو صورة غير مرحب بها على ذهن المصاب لتتردد كل حين دون أن تكون لديه المقدرة على طردها, هو يحاول جاهدا مقاومتها ومحاولة تجاهلها دون فائدة, والمشكلة هنا أنها تكون أحيانا أفكارا جد مقيتة ومرفوضة بحيث يصعب على الشخص البوح بها للآخرين.

2- سلوكات قهرية: بعض الأفكار الوسواسية تتحول لأفعال وسلوكات يقوم بها الشخص بشكل متكرر عددا غير معقول من المرات دون أن يشعر بالراحة بعد القيام بها, كالاطمئنان من أن الباب مغلق عدة مرات أو غسل اليدين أو إعادة الوضوء عدة مرات أو إعادة الصلاة أو غيرها من السلوكات...

نصاب جميعنا ببعض الوساوس من حين لآخر وهذا أمر طبيعي فنكرر سلوكا نعلم أن تكراره غير ضروري أو أن تستحوذ علينا فكرة مزعجة لا نستطيع طردها, لكن مصاب الاضطراب يعيش هذه الوساوس بشكل عنيف باعث للقلق والضيق.
وعلى غرار دوامة السلوك الإدماني فإن الموسوس يعيش دوامة أسوء بكثير
تراود المصاب أفكاره الوسواسية فيشعر بعدها بقلق شديد حيالها ليقوم بممارسة سلوكه القهري فيمر بفترة كمون مؤقتة لتعود الأفكار الوسواسية مرة أخرى.
مثال: يشعر مصاب بالوسواس أنه نسي الغاز مفتوحا (أفكار وسواسية) فيشعر بقلق شديد حيال ذلك ثم يهرع للمطبخ للتأكد من أنه أغلق الغاز أو يتصل بعد خروجه من البيت بشخص ليتأكد بدلا عنه (سلوك قهري) فيطمئن مدة من الزمن ثم تعود الأفكار الوسواسية مجددا وهكذا....
مثل آخر: يشعر المصاب أنه مريض بالسرطان بعد جسه لانتفاخ بجسده يشعر بقلق وتوتر فيلجأ للطبيب أو يبحث بالنت عن الأعراض أو يسأل الآخرين, فيطمئن من أن ما يعاني منه مجرد انتفاخ طبيعي, ثم تعود الأفكار الوسواسية مجددا والقلق والتوتر حول الموضوع ويعود لزيارة طبيب آخر ليطمئن من أن الانتفاخ ليس ورما وهكذا يبقى في دوامة.

وعليك عزيزي القارئ المعافى أن تعلم أن الوسواس القهري مرض حقيقي وليس مجرد أفكار غبية تراود الشخص, فالمصاب يعلم أن ما يوسوس بشأنه غير منطقي ولكنه مريض هو ذاته يريد التخلص من الحالة التي يعيشها, لذا إن كنت صديقا أو قريبا لشخص يعاني من الوسواس فلا داعي لدعوته كل حين بالتوقف عن ما يفعل أو يفكر فيه لأنه يود فعلا التوقف عن ذلك أكثر منك ولكنه غير قادر.


بعض أنواع الوساوس القهرية:
يمكن للشخص أن يوسوس بشأن أي موضوع وأن يكرر سلوكا بشكل قهري إلا أن هناك سلوكات وأفكارا أكثر شيوعا ونذكر هنا بعضا منها:

- أذية الذات أو الآخرين: قد تستحوذ على الشخص أفكار وسواسية بخصوص أذية نفسه كالانتحار فيتخيل أنه يقفز من أعلى أو أنه يطعن نفسه بسكين, أو أن يؤذي شخصا آخر سواء كان محددا كفرد من أفراد العائلة أو صديق أو بشكل عام... قد تنتاب المصاب فكرة ضرب والديه أو اغتصاب أبنائه, وطبعا لا يستطيع أحد البوح بما يختلجه لأنها أفكار جد مقيتة لن يتقبلها أحد منه.
هو لايفكر جديا في الانتحار ولا في أذية أي مخلوق بل بالعكس قد تجده يحب الحياة أو والديه وأبناءه بشدة
الأمر أشبه بلحن موسيقي رديء يتردد صداه في ذهنك, فأنت لا تحب ذلك اللحن ولا تود سماعه ولكنه مع ذلك يتكرر في ذهنك.
وقد كان فرويد من أوائل من فصلوا في الموضوع بذكره قصة رجل مصاب بوسواس قهري تراوده أفكار استحواذية حول أذية نفسه ووالده في كتابه "رجل الجرذان".

- المعتقدات الدينية: ويعد هذا وسواسا جد منتشر بعالمنا الاسلامي بسبب أهمية الدين بحياتنا فالأفكار الوسواسية دائما ما تلعب على الوتر الحساس من حياة الشخص, كأذية أفراد العائلة بالمثال السابق أو المعتقدات الدينية.
تبدأ تحوم في ذهن المصاب وساوس من أن الدين مجرد خرافة أو أن الله غير موجود, ويحاول جاهدا الخلاص من هذه الأفكار دون جدوى, تتكرر في ذهنه كل حين في دوامة لا يستطيع الخلاص منها, هي أفكار تستحوذ عليه كمثال الأغنية الكريهة التي تعلق بالذهن.
ولا يعني هذا أن كل شخص شكك في الدين مصاب بالوسواس القهري.

- الشعائر الدينية: أي أن الشخص يوسوس حول كونه لم يقم بممارسة الشعائر الدينية على خير ما يرام فيكررها, كإعادة الوضوء عدة مرات أو إعادة الصلاة ظنا منه أنه نسي ركعة أو لم يقرأ الفاتحة أو نقض الوضوء أثناء الصلاة, إعادة الصيام وغيرها من الوساوس..

- وسواس الأمراض: قد تستحوذ على الشخص فكرة أنه مريض ويبدأ بالبحث عن أي عرض بسيط بالنت, أو أن يبذر ماله في زيارة الأطباء للتأكد من أنه بخير ويلجأ للتحاليل المكلفة دون أن يطمئن, وقد يوسوس بشأن مرض محدد بمنطقة محددة بجسده كأن يتفقد كل حين جزء من جسده للتأكد من خلوه من أي ورم سرطاني.

- النظافة: ويعد الوسواس حول النظافة من أشهر السلوكات القهرية بحيث يغسل الشخص يديه عدة مرات دون توقف وقد يغسل يديه حتى دون أن يلمس شيئا, أو أن يستحم أو ينظف منزله أو غيرها من السلوكات التي يوسوس بشأنها كعدم لمس الآخرين لأنهم ملوثين بالميكروبات.

- تفقد المنزل: على غرار تفقد الجسد وخلوه من الأمراض قد يتفقد البعض منازلهم عدة مرات كتفقد النوافذ  أو الغاز أو الأنوار...

- ترتيب الأغراض: حيث يصاب المريض بقلق وانزعاج شديدين عند رؤية الأغراض غير مرتبة فيضيع وقته في إعادة ترتيب كل شيء, أو إعادة ربط خيط حذائه عدة مرات أو ملابسه...

- الخوف من الأذية: يوسوس المصاب من أن شخصا يحبه سيتأذى وفي الغالب يصيب هذا الوسواس الآباء وخاصة الأمهات اللائي يوسوسن حول أبنائهن.

- أنشطة ذهنية: بمعنى أن الشخص يقوم بسلوك قهري بذهنه كعد الأرقام أو تكرار كلمة ما بذهنه بشكل متكرر مرهق ينغص عليه حياته.

- التشوه الجسمي ديسمورفيا: أي أن الشخص يوسوس بشأن جزء من جسده أو كله كأن يعتقد أن شكل أنفه غير جذاب أو لون جلده ليس على ما يرام فيتفقده كل حين بالمرآة أو أي زجاج يصادفه أو ألا يكون راضيا عن شكل أعضائه التناسلية أو أن عضلاته صغيرة الحجم, فتجد المصاب بهذا الوسواس يعمل على تحسين مظهر العضو الذي يوسوس بشأنه فترى الرجل يمارس الرياضة طول الوقت من أجل نمو عضلاته التي أبدا لا يرضى عن حجمها حتى لو كان بطل العالم في كمال الأجسام, والمرأة تجري عمليات تجميل لتكبير بعض أعضاء جسدها ولا ترضى عنها أبدا مهما كبرت لأن وساوسهم مرض نفسي.
ولا يعني هذا أن كل من مارس الرياضة أو عمليات التجميل بإفراط هو مصاب بالديسمورفيا.

- كنز الأغراض: يجد المصاب صعوبة جد بالغة في رمي أي غرض مهما كان, وقد لا يتخلص حتى من علب وأغلفة الطعام الفارغة.

- كشط الجلد وحكه وشده: يعد اضطرابا منفصلا والبعض يعتبره من ضمن اضطرابات الوسواس والسلوك القهري فالشخص يؤذي جلده بالشد والحك والإبر دون أن تكون لديه مقدرة على مقاومة سلوكه.

- نتف الشعر أو تريكوتيلومانيا: أن يقوم المصاب بنتف فروة رأسه أو شعر حاجبيه أو أهدابه أو ذقنه أو أي مكان بجسده يحتوي على شعر بشكل قهري إذ لا يستطيع التوقف عن تصرفه وأحيانا يجد الشخص نفسه ينتف فروة رأسه أثناء التفكير أو عند الشعور بالملل دون أن ينتبه لفعله, وطبعا قد تكون أنت أيضا عزيزي القارئ تقوم بهذا التصرف من حين لآخر إلا أنه لدى مصاب الاضطراب شديد بشكل كفيل بأن يجعله يصاب بالصلع.

السبب:
لا يعرف على وجه الدقة سبب إصابة البعض دون غيرهم بالوساوس القهرية, إلا أن عوامل عدة تتدخل كالاستعداد الجيني والعوامل البيئية وظروف التنشئة, قد يرث الأطفال المولودون لآباء مصابين بالوسواس بالوساوس هم أيضا بالاكتساب أحيانا.
تكون أحيانا لبعض الوساوس منشأ يدركه المريض أو يكتشفه لاحقا بمساعدة المعالج, كموت شخص عزيز بمرض عضال في حالة وسواس الأمراض, قد يصاب الشخص الذي تعرض للاعتداء بالطفولة مثلا بوسواس النظافة أو أفكار بأذية نفسه أو أبنائه.
وأحيانا لا يكون للوساوس أي منشأ.
 
العلاج:
يتمثل علاج الوسواس القهري إما بالعلاج السلوكي المعرفي أو الأدوية أو هما معا, لذا لامناص من زيارة الطبيب والذي يكون الوحيد المخول بوصف الأدوية للمريض إن كان بحاجة لها.
وتعد الأدوية المثبطة لاسترجاع السيروتونين الأمثل لعلاج حالات الوسواس القهري مثل دواء (فلوكستين: اسم المادة الفعالة والذي يباع تحت عدة مسميات تجارية كبروزاك)
يمكن للمريض أيضا زيارة مستشار أو خبير نفساني مؤهل لممارسة العلاج السلوكي المعرفي إن كانت حالته تقتضي ذلك, ويتمثل العلاج غالبا في مواجهة المريض لوساوسه التي تقلقه كمواجهة القذارة مثلا لمن يعاني وسواس النظافة...