يجب على الفقير والمعاق عدم الإنجاب

3
الذي دفعني للكتابة عن هذا الموضوع هو امتعاض أحد أصدقائي من إنجاب رجل فقير لطفل, صراحة لا أعرف لما ومتى وكيف صرنا أصدقاء, أظن أنني كنت قد تعاطيت نوعا قويا من المخدرات أول مرة قابلته فيها, من يدري!

كل الكائنات الحية تصارع من أجل بقائها وتكاثرها, غريزة التكاثر من الغرائز الجد قوية, وهي لدى الحيوانات تترجم في الرغبة الجنسية المؤدية للتزاوج ومن تم التكاثر, فالحيوان لا يفكر ويخطط للإنجاب قبليا بل يخضع لسلسلة آليات بيولوجية محضة...
بالنسبة للبشر فالأمر أكثر تعقيدا إذ لا يقتصر فقط على تفريغ الرغبات الجنسية المؤدية لسلسلة بيولوجية تنتهي بالإنجاب بل تتعداها لإدراك عقلي لحقيقة أنه يجب أن يكون لنا نسل, يرافق هذا الإدراك مشاعر وأحاسيس, فلأغلب البشر رغبات مسبقة بالإنجاب, حتى لدى من يعاني من غياب الرغبة الجنسية.

ما أود قوله باختصار من هذه المقدمة المملة وبالعربي الفصيح أن التكاثر غريزة وفطرة وسنة من سنن الحياة حتى الحيوان يمارسها.
إلا أننا ابتلينا بفئة نصبت نفسها آلهة على المجتمع, تملي على بقية البشر من خلق الله قراراتها المقدسة في من يجب أن يستمر نسله ومن يجب أن ينقطع.
لسان حالهم هو لسان حال أحد الشخصيات السلطوية الفاشلة بالهند الذي قام بالسبعينات بتدبير حيواني من قبيل جر أزيد من ستة ملايين رجل فقير لعمليات تعقيم قسرية في ظرف عام واحد فقط أدت لوفاة المئات منهم, تماما كما يتم تعقيم قطط وكلاب الشارع.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن سكان الوطن العربي المتطور جدا يعاني عدد كبير منهم من وباء الشخصية السلطوية البابوية كما هو حال صديقي, فبدل البحث عن حلول لمشاكل الناس أو على الأقل التعاطف معهم وتفهم وضعهم يفضلون إملاء أوامر عليا عليهم ولعنهم وآباءهم على ما هم فيه, مع العلم أنهم هم ذات أنفسهم ماكانوا ليطبقوا تلك الأوامر لو وضعوا مكانهم.
فسبحان من خلقهم!

هل إنجاب الفقير لطفل أنانية؟
لا يمكننا أن نحكم على الناس من خلال نمط عيشنا نحن ونتخذه معيارا للآخرين, لأننا سنجد دائما من هو أغنى منا ومن هو أفقر منا, ومتطلبات الحياة بالنسبة لنا ليست هي متطلبات الحياة بالنسبة لمن هم أغنى منا ولا بالنسبة لمن هم أفقر منا, وكلنا في آخر المطاف نعيش صعوبات وتحديات سواء مادية, صحية, نفسية, اجتماعية... هذه هي الحياة طبعا! لا يمكن أن نطلب من فرد ما التوقف عن عيش أبسط حقوقه واعتزالها لأنه مريض أو ليس في نفس مستوانا المعيشي...
ولو عدنا قليلا للخلف سنجد أن أجدادنا عاشوا حياة صعبة وفقرا مدقعا وأبسط الأمراض بعصرنا الحالي كانت تقضي عليهم, وقد كانت الجدات في الماضي ينجبن إلى غاية ثلاثة عشر طفلا يتوفى أغلبهم رضيعا, ولولى إنجابهن لهذا الكم الهائل لانقرضت البشرية.

عدد كبير من الفقراء لا يستطيع توفير ثمن الحفاظات لأطفاله مما يثير حنق الشخصيات السلطوية التي منّ عليها الله من فضله, فيلومون هذا الفقير على زواجه, مع العلم أن الحفاظات لم يكن لها وجود بالماضي وكان آباؤنا وأجدادنا يرتدون الخرق وهم رضع.
كما أن الحفاظات أنواع عدة وقد يجد الشخص السلطوي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة شخصا سلطويا آخر أغنى منه يلومه على زواجه لأنه يستخدم حفاظات أقل جودة.
وبهذا المنطق فإن على البشرية إخصاء شعوب بأكملها لأنها تعيش فقرا لا نعيشه نحن ولا تستخدم الحفاظات مطلقا ولا تشتري حليب الأطفال من الصيدليات, فحسب البنك الدولي فإن عُشر سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر.
سأطلب من صديقي أن يبعث للبنك الدولي اقتراحه بإخصاء هؤلاء الفقراء للقضاء على الفقر ولكي نعيش في سلام من دون فقراء.
وإن بدا لك الاقتراح مثيرا للسخرية فعليك أن تعلم عزيزي القارئ أن أحد السياسيين الكنديين صرح أن البنك الدولي هو من قدم توصية للهند بالسبعينات بإجراء عمليات تعقيم قسرية على الرجال الفقراء للحد من الانفجار السكاني.
ايه والله!

شخصيا أرى من المتقبل أن ينصح الأهل والأصدقاء العاطل عن العمل مثلا بالتريث قبل الزواج, لأنها نصائح نابعة عن حب ورغبة في أن يحيى قريبهم أو صديقهم أفضل حياة, ولكن لا يجب أن تكون الفكرة مبدأ تابثا معمما بمعنى أن يضع المرء فكرة تابثة مفادها أن على الفقير عدم الزواج.
وليس بالمسألة أي تناقض, وكمثال فقد ينصح الأبوان ابنهما بعدم الزواج من مضيفة طيران لأن حياتها غير مستقرة, ولكن ليس لهاذين الأبوين أي اعتراض على زواج بقية الخلق من مضيفات الطيران, لأن ما يرغبانه هو عيش ابنهم حياة أفضل من منظورهما وهذا أمر طبيعي تماما.
من يجب أن نلوم؟
في واقع الأمر فإنه ليس من الضروري أن نلوم وننتقد طول الوقت يمكننا أن نمضي قدما دون إبداء آرائنا بشأن حياة الآخرين دون أن تتوقف الحياة... لكن بالنسبة لمن يهوى ممارسة رياضة لوم الآخرين على اختياراتهم الحياتية وعيش أبسط حقوقهم بدل الاهتمام بحياته هو, فإن الحل موجود وهو لوم 1% من سكان العالم الذين تتركز بيدهم ثلثي ثروة الكرة الأرضية, في حين الثلث الباقي الذي يقل كل عام نقتسمه التسعة والتسعون بالمائة جميعا وبإجحاف.
يمكن أيضا لوم الدول الفاشلة التي لا توفر لمواطنيها الحد الأدنى من ضروريات العيش, والتي تؤدي ببعض المواطنين للهجرة الجماعية  كما حدث مؤخرا بأمريكا الوسطى. (أنت تعلم مسبقا عزيزي القارئ لماذا أعطي أمثلة لدول غير عربية)
من الغريب كيف أن المريض لما يسافر طلبا للعلاج فإن الطبيب لا يلوم أباه وأمه على إنجابه ببلد لا يتوفر على علاج لمرضه.

لماذا ينجب الفقراء عددا كبيرا من الأطفال مقارنة بالأغنياء؟
في واقع الأمر فإن المسألة ليست مرتبطة بالفقر بشكل مباشر بل بالجهل ونقص الوعي, ولأن الجهل والفقر مترابطان فإنه يظهر للناس أن الفقراء ينجبون عددا كبيرا من الأطفال فيبدؤون بلومهم على صنيعهم.الفقر يؤدي للجهل لأنه وبشكل عام الفقير لا يحظى بفرص تعليم كغيره, بسبب تكاليف المعيشة والدراسة, مما يدفع الأطفال لترك المدرسة للعمل أو بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي يعيشونه وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة المدرسية.
الجهل يؤدي للفقر لأن الإنسان غير المتعلم لا يحظى بفرص عديدة لتحقيق عيش كريم, أغلب الأبواب موصدة بوجهه ولا يكون أمامه خيارات عديدة لجني المال والعلم الكافي لخوض غمار الحياة العصرية المعقدة.

وبالتالي فنحن نرى إنجاب عدد كبير من الأطفال بأوساط الفقراء غير المتعلمين, فالمرأة الفقيرة الواعية المثقفة لن تنجب عددا كبيرا من الأطفال, في حين سيصعب عليك إقناع امرأة غير متعلمة باستخدام حبوب منع الحمل بشكل مواضب والتخطيط لأي حمل مستقبلي, وتوفير الموارد له.
أنت لو جلست مع امرأة غير متعلمة أو بتعليم بسيط وبدأت بإقناعها بأهمية الحبوب فإنها ستقتنع وستقدم لها الحبوب مجانا وستتناولها من بين يدك وتتناول حبة أمامك, ثم تنصرف ولا تداوم عليها مطلقا بسبب "نقص الوعي" لأن الأشخاص بهذه الوضعية يكون أسلوب تفكيرهم بسيطا, محدودا ولا يميل للتخطيط.

تشير تقارير وإحصاءات صادرة عن منظمات دولية أن تعليم المرأة من عدمه هو العامل الأول للخصوبة عند البشر, حيث أنه كلما ارتفع تعليم المرأة والشهادات المحصل عليها كلما قل عدد الأطفال الذين تنجبهم, لذا يوصي البنك الدولي الدول النامية التي تعاني من انفجار ديموغرافي بتسهيل تدريس الفتيات, وتخصيص برامج خاصة بهن للحد من النمو الديموغرافي.
على الأقل لم يعد البنك الدولي يوصي اليوم الحكومات بإخصاء مواطنيها ولله الحمد.

 فقير
كثيرا ما نرى امرأة تعاني رفقة زوج عاطل عن العمل ومع ذلك بسبعة أطفال وحامل أيضا. فتتساءل بقية النسوة السلطويات عن غباء هذه المرأة وعن سبب إغراق البلاد والعباد بالأطفال وهي تعيش هذه الوضعية الصعبة.
السر إذن يكمن في أنها حرمت من نيل فرصة تعليم مناسبة ترفع وعيها.
يصعب على بعض المتعلمين والمتعلمات "بتوع مدارس" استيعاب المشاكل التي يسببها نقص التعليم والوعي, فيعتقدون بسذاجة أن المشكل سيحل فقط ببعض الحملات التوعوية الموسمية حول حبوب منع الحمل, كما هو صاحب هذا الكاريكاتير بالأعلى -مع احتراماتي له-, الذي يحاول إيصال رسالة بها شيء من الاستعلاء, لأن المرأة الفقيرة بهذه الوضعية المزرية لن تحل حبة منع الحمل مشاكلها لأنها مجرد هرمونات وليست حبة بركة وثراء ووعي وذكاء, كما أنها وهذا هو الأهم لن تستوعب كاريكاتيره هذا إن كان لديها انترنت وجهاز ذكي تجيد استخدامه أصلا, أي أن رسالته الضائعة لن تصل للفئة المستهدفة للأسف أو لحسن الحظ بالأحرى.

لو جالست عزيزي القارئ هذه الفئة من الناس وتبادلت معها أطراف الحديث في مواضيع مختلفة ستدرك بما لا يدع مجالا للشك أنه يستحيل لومها على ما هي عليه للنقص الفادح في مستوى الوعي.

تفسير بيولوجي لإنجاب الفقراء لعدد كبير من الأطفال.
في محاولة لصياغة توليفة بين البيولوجيا وعلم الاجتماع في ما يسمى علم الاجتماع الحيوي, قام مجموعة من العلماء التطوريين بإسقاط نظريات تفسير سلوك الإنجاب الحيواني على سلوك البشر.
حيث يرى عالم الأحياء الأمريكي "إدوارد أوسبورن ويلسون" أن هناك نوعين من الانتقاء الجيني.
الاستراتيجية R: ترمز لسلوك الكائنات التي تتهددها العديد من الأخطار كالثديات الصغيرة والحشرات فلكي لا تنقرض تلد أعدادا كبيرة من الصغار تنمو بوتيرة سريعة وتستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية قليلة من الموارد.
الاستراتيجية K: ترمز لسلوك الكائنات التي لا تتهددها المخاطر كالكائنات الضخمة من فيلة وحيتان حيث تلد عددا قليلا من الصغار تنمو بوتيرة بطيئة ولا تستقل عن آبائها مبكرا وتستهلك كمية كبيرة من الموارد في حياتها.

إذن قام بعض علماء النفس والاجتماع بإسقاط هاتين الاستراتيجيتين على السلوك البشري, فقاموا بتقسيم المجتمعات لقسمين تماما كما لدى الحيوان.
المجتمع الفقير: يسلك الاستراتيجية R لأنه يعاني بحياته من مشاكل عدة قد تؤدي به للموت المبكر من مرض وسوء تغذية وحروب أو كوارث طبيعية كانت سببا لفقره فيلد الفرد عددا كبيرا من الصغار يستقلون عن آبائهم مبكرا فيتزوجون مبكرا ويعملون مبكرا ويستهلكون كمية قليلة من الموارد. (تكاثر سريع)

المجتمع الغني: يسلك الاستراتيجية K لأنه يعيش الرفاه تدفعه لإنجاب عدد قليل من الصغار يستهلك لتنشئتهم موارد عديدة, لا يستقلون عن آبائهم مبكرا ولا يتزوجون مبكرا (تكاثر بطيء)

أي حسب هذا التفسير فإن التجمعات البشرية تلجأ للاستراتيجية R للتكاثر السريع لكي لا ينقرض مجتمعها إذا كانت تعيش ظروفا صعبة ترفع من نسب الوفايات كالفقر, في حين تلجأ للاستراتيجية K في حالة الرفاه بالتكاثر البطيء لأنها لو تكاثرت بنفس الوتيرة السريعة وهي تعيش البدخ ونسبة الوفايات ضعيفة سيؤدي هذا للانفجار الديموغرافي.
وكل هذا بلاوعي منه, كما تتكاثر التجمعات الحيوانية بلا وعي منها, (يمكنك تسميتها حكمة إلهية إن شئت)
بالتأكيد تعرضت هذه النظريات لانتقادات لاذعة للثغرات التي تحملها ولتفسيرها الذي يراه منتقدوها سطحيا وبسيطا, فالمسألة أشد تعقيدا, ولن أضيع وقتك عزيزي القارئ أكثر في عرض الانتقادات لربما قد تكون واضحة بالنسبة لك.
على أي لقد طرحت النظرية لإعمال العقل حول هذا الموضوع ولتبيان تعقيده ومدى قدرتنا على مناقشته على أكثر من مستوى.

زوجوه ليعقل:
جملة تتردد في أرجاء الوطن العربي, خصوصا لمن يعاني اضطرابات نفسية.
الموضوع هنا مختلف قليلا لأنه يمس الشخص بشكل مباشر في سلوكه اتجاه أسرته المستقبلية, لا يمكن تزويج حاملي الاضطرابات النفسية الذهانية الشديدة, لا أحد سيقبل على أي حال الزواج من شخص متخلف عقليا أو ذهاني, كما أنه مس بحقوقهم لأنهم فاقدون للإدراك وعاجزين عن اتخاذ القرارات, فكيف يمكن تزويج شخص لا يعي ويستوعب ما يجري ويدور حوله؟

أغلب الاضطرابات النفسية وراثية خصوصا الخطيرة منها كالفصام وثنائي القطب, أي أنه يمكن للمريض أن يورث الجينة الممرضة لأبنائه كاحتمال غير حتمي.
شخصيا أحمل اضطرابا وراثيا وقد اتخذت قرارا بعدم الانجاب مطلقا, وهذا لا يجعلني بطلا لأنه لا رغبة لدي في الأطفال أصلا.
وبالتالي لا يمكنني أن أحكم على الآخرين بأنهم أنانيين فقط لأنه لا رغبة لدي, غيري لديه رغبة ملحة يمكنني تفهمها والتعاطف مع حاملها.

ماذا عن المعاقين؟
لكي لا أكرر كلامي السابق فإن ما ينطبق على الفقير ينطبق على من يعاني من إعاقة جسدية, إلا أن لبعض الشخصيات السلطوية رأيا آخر, ففي القرن الماضي كانت تعمد دول كأمريكا وسويسرا وألمانيا والسويد و اليابان وغيرها من الدول "المتطورة جدا" على تعقيم ذوي الاحتياجات الخاصة والمرضى النفسيين ومن يعاني من أمراض وراثية بل حتى الأطفال بالميتم بداعي "تحسين النسل البشري" كما يتم تحسين نسل الغنم والبقر.
ظلت اليابان تمارس التعقيم القسري إلى غاية 1996.

كدول وحكومات يمكنني تفهم الإجراءات البقرية لأن الحكومات تنظر للمواطنين نظرة قطيع يحتاج للتحسين من أجل بلد أكثر تطورا.
ولكن الذي لا يمكنني تفهمه هم الأفراد الذين يحملون مثل هذه الأفكار فيصمون المعاق الذي يتزوج وينجب بالأنانية وكأنه ليس بشرا, فيقررون أنه يجب أن يولد الإنسان كاملا مكتملا وإلا فلا داعي لأن يولد.
المسألة فلسفية أخلاقية يطول فيها الحديث كثيرا, ولكن باختصار فإننا جميعا بشر في آخر المطاف نحمل نقائص عديدة تعوق حياتنا إن لم تكن جسدية فقد تكون نقائص من نوع آخر, وقد يحيى المنقوص جسديا حياة أفضل من عدد كبير جدا ممن هو مكتمل بدنيا, وبالتالي فإن الحكم بشقاء ورفاه فرد من الأفراد قبل أن يولد لأنه لا يملك يدا أو رجلا أو لا يرى أو يسمع إنما هو اختصاص إلهي على ما أعتقد.
إن أردنا التدخل السافر ولعب دور الإله فإننا لن نبقي من البشر أحدا إلا نحن حتى وإن كنا نحمل عيوب الدنيا والدين قاطبة.

الشخصية السلطوية الاستبدادية

2
نمط الشخصية السلطوية هي نظرية من نظريات الشخصية قام بصياغتها مجموعة من علماء الاجتماع بخمسينيات القرن الماضي بعد ظهور أنظمة شمولية كالفاشية والنازية, والعنصرية والتمييز والتحيز... إذ عرف منتصف القرن الماضي انتشارا غير مسبوق لبعض الطبائع البشرية التمييزية والاستبدادية بأوربا, مما حذا بعالم الاجتماع ثيودور أدورنو (1903 - 1969) وفريقه لإجراء دراسة نشرت لاحقا في كتابهم, تحاول تفسير هذه السلطوية والعنصرية وذلك بتحديد سمات خاصة بالشخصية الاستبدادية كنمط شخصية يؤدي بالفرد لحمل بعض الأفكار وسلك بعض السلوكات التمييزية والعنصرية.

إن نحن أردنا رأي العلم الحالي فإن هذه النظرية صارت جد متجاوزة وتعرضت قبيل نشرها لوابل من الانتقادات العلمية كون الاستبداد والسلطوية مكتسبا من البيئة التي تشحن الإنسان منذ صغره بالسلطوية والاستبداد, وليس نمطا للشخصية, إضافة لكون الاختبار الذي طوره عالم السوسيولوجيا أدورنو وفريقه (Fascism scale) يطرح أسئلة على الفرد حول توجهاته السياسية والفكرية, بحيث يتم تنميط صاحب الأجوبة المحافظة كشخصية استبدادية وسلطوية, رغم جهود أدورنو لفصل ما يمكن تعريفه بالمحافظ عن السلطوي, إلا أنه وعلى ما يبدو لم يوفق...

ارتأيت أن أعرض هذه النظرية لأنها لا تخلو من شيء من الفائدة, ويمكن الانتفاع ببعض جزئياتها.
إذن ما هي الشخصية السلطوية؟
شخصية تتميز بالطاعة العمياء والاعتماد الكلي على زعيم قوي أو شخصية ذو سلطة أبوية, ويكون هذا مصحوبا بتمييز استبدادي ضد الآخرين وخاصة أولئك الذين هم أدنى مرتبة, كما تعرف الشخصية السلطوية ثلاث سمات رئيسية هي: احترام واتباع للأوامر بحذافيرها, التزام صارم بالأعراف, عدوانية اتجاه الأفراد من خارج الجماعة.
إذن ترى الشخصية السلطوية المجتمع على شكل هرمي جامد, في قمته الزعيم القوي المتبع تماما كقطع الشطرنج.
جوانب الشخصية السلطوية:
لتحديد الشخصية السلطوية اعتمد أدورنو على تسعة عوامل رأى أنها مفاتيح الشخصية المضادة للديموقراطية وقد اعتمد في صياغة أسئلة اختبار الشخصية على أسئلة تكشف جوانب كل عامل.

1-  التقليدانية: الالتزام الصارم بالأعراف وتقاليد الطبقة الوسطى.
ربط أدورنو الفاشية بتقاليد الطبقات الوسطى حول العالم, طبعا هذه نظرة أدورنو وفريقه, حيث اعتبر أن التزام الطبقات الوسطى بالتقاليد جد مبالغ فيه ويؤدي للتحيز والتمييز ضد الآخرين, فمواطنوا الطبقات الوسطى يتبعون العرف لمجرد أنه "عرف", فالمواطن لن يعمد على سلوك مضاد لهذا العرف أمام الآخرين حتى وإن اعتقد بصواب ما يفعل.

2- الاستبدادية: اتباع مثالي للأوامر العليا والقوانين.
ورغم أن العنوان يبدو مثاليا إلا أنه يخفي في جعبته جانبا أسودا, إذ حسب أدورنو فإنه تم ربط هذا الاتباع بالعقيدة النازية التي كان جميع المواطنين الألمان يتبعون أوامر قائدهم الأعلى بغض النظر عن صواب قراراته من خطئها, وكذا عدم معارضة القوانين حتى وإن كانت مجحفة, فإن طالب أحد ما بحق من الحقوق فإنه يتم التصدي له من طرف الشخصية السلطوية بدعوى أن القانون يقول كذا وكذا وأن القانون فوق كل مطلب, وبالتالي لايحق له المطالبة بحق يخالف هذا القانون.

3- العدوانية: الميل والاستعدادية لرصد كل مخالف للتقاليد والأعراف ومعاقبته ورفضه.
حسب أدورنو دائما, فإن الشخصية السلطوية تميل للعدوانية اتجاه كل مخالف لأعرافها فهي لا تسعى لمعاقبته قصد حفظ القانون فقط بل يكون شعورها في الغالب "الاستفزاز", فهي تظهر غضبا وحقدا اتجاه من خالف العرف أو القانون وتطالب بتعريضه لأقصى العقوبات بشكل يبدو انتقاميا أكثر منه ردعيا.
لنفترض جدلا أن تمثالا مقدسا وسط ساحة عامة ولمسه ممنوع قانونا, فإن قام أحد المواطنين بلمسه فإن الشخصية السلطوية ستشعر بالاستفزاز والحنق اتجاهه وستطالب بقطع يد الفاعل والتنكيل به, إذن هي لا تعاقبه بل تنتقم منه لإشفاء غليلها.

4- اللاشعورية: اللاموضوعية, الانغلاق الذهني ومقاومة المحفزات الذاتية.
يميل الشخص السلطوي لعدم قدرته على مواجهة مشاعره, لأنه يخشى خروجها عن سيطرته, وهذا ما يدفع بالسلطوي للعيش حياة مادية أكثر منها عاطفية, حسب أدورنو فإن مضاد الديموقراطية عند مواجهته لشكل من الأشكال التي يتقبلها شعوريا ويرفضها العرف والقانون فإنه سيسعى لكبتها لكي لا يخالف شعوره أعرافه, في حين أن الشخص الديمقراطي فإنه لا يجد غضاضة من التعبير عن شعوره المخالف للأعراف...لذا تعيش الشخصية السلطوية حياة ملؤها الكبت للعواطف والمشاعر وتحقيرها.

5- الخرافات والصورة النمطية: الاعتقاد بقوة المسببات الخارجية في تحديد مصير الفرد, وسلوك نمط تفكير جاف
 خص أدورنو الشخصية السلطوية بخاصية التفكير الخرافي اللاعلمي كجانب إضافي يمكن أن نراه فيها, فهي قد تفسر بعض الظواهر على أنها خارج السيطرة وبعيدة على الفهم البشري ولا يمكن لنا فهمها مهما تطورنا بالعلم.
يمثل هذا استكانة وقناعة بما يجري ويدور حول الشخصية السلطوية على أنه خارج قدراتها ويجب تقبله كما هو.

6- القوة والصرامة: الانشغال بالهيمنة العدائية وقطبية قوي-ضعيف.
تؤمن الشخصية السلطوية بقطبية قوي-ضعيف, إذ تقسم الأفراد لأقوياء وضعفاء, وتتبع الأقوى والمهيمن, فالقائد الذي يهيمن على السلطة ويستفرد بها هو زعيم قوي يجب اتباعه, وقد اعتبرها أدورنو مؤشرا على ضعف (الأنا/ ego) لدى الشخصية السلطوية حيث أنها تتبع القوي وتهتف له وتقدسه, وتبالغ في عرض ما تعتبره قوة من طرفه.
تبحث الشخصية السلطوية عن القوة في القائد وتعبر عن ذلك في عباراتها, كاعتبار القائد مدمر للأعداء وصارم مع المخالفين, وسيحطم الآخرين وغيرها من العبارات الدالة على القوة...

7- التدميرية والسخرية: العداء والحط من قدر الإنسان.
 العدوان مجددا, إلا أنه هذه المرة يقصد به أن الشخصية السلطوية عدوانية بطبعها بسبب كم القيود التي تقبلها على نفسها وتنتظر الفرصة السانحة لترتكب عدوانها على الآخرين المخالفين, فتراها تحط من قدر الأفراد الذين يعيشون في كنف مجتمعها من أقليات وتحتقرهم وتترصد لهم الخطأ لتدميرهم والسخرية منهم, قد تحتقر الشخصية السلطوية محاولات الإنصاف والدعاوى لها, وقد تهون من الجرائم المرتكبة, فإذا قامت دولة الشخصية السلطوية بإبادة جماعية لعرقية ما فإنها ستهون من الموضوع وتعتبر التقارير الصادرة حول ما يجري ويدور من إبادة مجرد مبالغات ومؤامرات...وهذا حسب ما رآه أدرونو من أتباع الفاشية والنازية في استهتارهم بجرائم الحرب العالمية الثانية المرتكبة من طرف قياداتهم.

8- الاسقاط: الاعتقاد أن الأمور السيئة والتدميرية مستمرة بالعالم أجمع.
يعد الاسقاط ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي أتى بها فرويد, حيث يسقط الفرد سلوكه الذي يعتقد أنه مشين على الآخر, إذ أن الشخصية السلطوية التي تمارس العدوان والتدميرية تؤمن أن هناك ما هو أسوء مما تمارسه بالعالم أجمع, وقد تبرر تحقيرها لفئة من الناس أو عنصريتها أو تمييزها على أن هذه الفئة تكن لمجتمعها العداء وأن هؤلاء البشر يمارسون العنصرية ضد الشخصية السلطوية ومجتمعها, إذن هذه الشخصية أسقطت سلوكها على الآخرين حسب أدرونو طبعا.

9- الجنس: المبالغة في الاهتمام بالأمور الجنسية.
يرى أدورنو أن الشخصية السلطوية لديها خوف غير مبرر واهتمام مبالغ فيه بالأمور الجنسية, فهي تكره الشواذ بشكل مبالغ فيه, كما أنها ترى أن اهتمام الرجل بالمرأة هو لأمر واحد وأوحد ألا وهو الجنس.
وهنا قد نعود للعدوانية إذ أن الشخصية السلطوية لن ترغب في معاقبة الشاذ جنسيا لمخالفته القانون بل من كره داخلي نابع من شعور الشخصية السلطوية بمخالفة الشاذ للعرف, فهي ستدعو لإنزال أشد العقوبات على المثليين انتقاما منه وليس ردعا له ولغيره.

ملاحظات:
إذن هذه هي جوانب الشخصية السلطوية عند أدورنو وفريقه, وكما تلاحظ فهي ليست بنمط شخصية بقدر ما لها ارتباط وثيق بالبيئة والتنشئة, سنرى انتشار مثل هؤلاء الأشخاص ببعض الشعوب والأنظمة التي تعرف الديكتاتورية, حيث يتم تلقين الأطفال بالبيت والمدرسة أسلوب تفكير مبني على الاتباع الأعمى والاستكانة للأقوى بغض النظر عن شخصياتهم وكمثال كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية, فرغم أنهما في الأصل شعب واحد إلا أن اختلاف النظامين أدى لخلق شعب بشخصية سلطوية في كوريا الشمالية.

 إضافة لهذا فإن العوامل وأسئلة الاختبار مبنية انطلاقا من ثقافة أدورنو وفريقه وقناعاتهم والتي لن تنطبق بالضرورة على ثقافات وقناعات الآخرين, فأسئلة الاختبار تستفسر عن أيديولوجيتك وليس عن سمات شخصيتك...
الاختبار تم تعديله عدة مرات ولن أضعه هنا لأنه ستظهر لك عزيزي القارئ على الأرجح أنك سلطوي كون الاختبار مصمم حسب الثقافة والمبادئ الغربية.

على كل فإنه لو نظرنا من وجهة نظر شاملة دون الدخول في التفاصيل, فإنه من الممكن تعديل تعاريف المصطلحات والعوامل التي جاء بها أدورنو لتناسب ثقافتنا العربية, ليس كاختبار شخصية بل كاختبار انفتاح فكري على ما أظن.

وماذا عنك عزيزي القارئ؟ مارأيك؟