عقدة النقص, نظرية ألفرد أدلر

11
ألفرد أدلر (1870-1937) عالم نفس من مدرسة التحليل النفسي وتلميذ فرويد المتمرد الذي وجه مدفعية النقد اتجاه نظرية أستاذه.
لم يستسغ أدلر نظرية فرويد المبنية على الجنس, كما أنه اختلف مع زميله كارل يونغ بخصوص تنميط البشر.
أدلر عالم يؤمن بأن لكل فرد منا شخصيته الخاصة التي لا يمكن قولبتها.
اختلافه مع زميله يانغ وأستاذه فرويد تطور بشكل دراماتيكي لحد تبادل الاتهامات, لقد كانت نظرة كل من فرويد وأدلر لمختلف المواضيع تسير في الاتجاه المعاكس, ففرويد على سبيل المثال كان يرى أن نفسية المرأة تختلف عن نفسية الرجل في حين أن أدلر كان يرى أن الرجل والمرأة متساويان من حيث النفسية.
لقد كانت لأدلر قيم المساواة والتحرر والتميز, كان مثاليا في نظرته ومتفائلا, يؤمن بالإنسان كفرد مميز لا يشبه غيره, مما جعله يؤسس مدرسة علم النفس الفردي.

إذن لنرى بعضا من جوانب مذهب أدلر:

1- نمط الحياة:
 بدل الحديث عن نمط الشخص وسماته ودواخله, تحدث أدلر عن نمط الحياة, لقد فضل أدلر النظر إلى نمط حياة الشخص ككل لاكتشاف نفسيته انطلاقا من بيئته, وحالته الاجتماعية والثقافية وحتى الحالة الجسدية وأمراضه العضوية, تُدعى هذه المقاربة بالكلانية أي الكل في الكل.
حسب أدلر لا يمكن عزل الشخص عن محيطه وجسده لاكتشاف نفسيته, لابد من دراسة كل شيء حول هذا الشخص لمعرفته.
ويُحيل نمط الحياة لكيف تعيش حياتك, وكيف تحل مشاكلك وكيف تنظر للأمور, وكيف تتفاعل بشكل عام في محيطك.

2- الغائية:
يعد مصطلح الغائية مصطلحا فلسفيا يقصد به ارتباط العلة بالغاية, أي بشكل مبسط بعيدا عن الميتافيزيقا فإن لكل شيء سبب لحدوثه وغاية.
ومنه فإن أدلر عكس فرويد الذي يرى أن الأحداث والصدمات التي وقعت بالماضي في طفولتنا المتقدمة هي التي تحدد شخصيتنا اليوم وسلوكنا, يرى أدلر أنه ليس للماضي تلك السلطة المطلقة على حاضرنا وإنما المحفزات والتطلع للمستقبل هي ما يحدد شخصيتنا لا الماضي, نحن مُساقون من قبل أهدافنا وغاياتنا وتطلعنا للمثالية...فكل عمل نقوم به هو لغاية في أنفسنا الهدف منه تحسين مستقبلنا وليس لأننا مدفوعين من طرف عُقد الماضي كما بنظرية فرويد.
3- الدونية:
 أو النقص, أهم مفهوم أتى به أدلر والمقصود به أننا كبشر ننشد الكمال, وفي سعي دؤوب نحو المثالية.
حسب أدلر فإننا سنفكر في الآخرين لما نكون قد حققنا المثالية المبتغاة والأهداف المرجوة في حين أننا سنتمحور حول ذواتنا في حال ما إذا كانت الحياة قد أرتنا وجهها الآخر.
فنحن نسعى لتناول أفضل طعام والسكن بأفضل منزل والحصول على أفضل النتائج في كل أمور حياتنا, وهذا السعي الدائم نحو الأفضل مرتبط بشعورنا بالنقص...إذ لن نخطو أي خطوة أخرى للأمام إن شعرنا بالاكتفاء التام, لكن شعورنا بالنقص باستمرار هو المحفز نحو الكمال الذي لا يتحقق بالنسبة لنا كبشر.
وفي واقع الأمر فإن كل واحد منا يعاني من نقص ما, كأن يكون النقص في عضو من أعضاء الجسم, ضعف البصر أو السمع, أو ضعف في جهاز حيوي ما كالكلى أو القلب أو الرئتان أو مرض ما كالسكري أو الربو...لاحظ أدلر في بدايات نسجه لمفهوم عقدة النقص -وقد كان طبيبا بالمناسبة- أن الأشخاص الذين يعانون من نقص في احدى الأعضاء يسعون للتعويض بتقوية عضو آخر, فالكفيف مثلا يسعى لتقوية حاسة السمع لديه لتُعوِّض بصره, أو أن يسعى من يعاني من مرض ما أو ضعف جسدي لتطوير مهارة من المهارات يُعوض بها ذلك النقص الذي يعاني منه في جسده... لكن أدلر اكتشف لاحقا أن هذا النقص يتجاوز العُضْوِي للنّفسي, إذ لاحظ أن البعض يُطوّر عقدة نقص نفسية بخصوص أمر ما, كأن يكون التلميذ فاشلا في مادة من المواد فيدفعه فشله لبدل مجهود أكبر للتفوق في تلك المادة أو أن يسعى للتعويض بالتفوق في مادة أخرى, أو مثل ذلك الشخص النحيل الذي لا يجيد الألعاب الرياضية فيدفعه الشعور بالنقص المتعلق بجسده الضعيف للتعويض بالتألق في مجال آخر كالفن أو العلوم أو أي مجال آخر, في حين قد لا يُطور البعض أي مهارة للتعويض فيبقُون حبيسي عقدة النقص.
لا تعتبرعقدة النقص مجرد مشاعر عادية فهي قد تتحول لعُصاب تُصيِّر صاحبها خجولا وانطوائيا وغير واثق من نفسه, وحسب أدلر دائما فإنه في أحيان كثيرة قد يطور الشخص عقدة التفوق كرد فعل على عقدة النقص... فللتغطية على مشاعر الدُّونية يلجأ الفرد لإهانة الآخرين والتنمر عليهم لإشعارهم بعقدة النقص أيضا التي يشعر بها.

4- الأنماط النفسية:
على غرار أنماط الشخصية طور أدلر أنماطا للنفسيات, وهي تقسيم افتراضي للحالات النفسية للبشر, رغم أن أدلر مقتنع تمام الاقتناع أن كل فرد يمثل حالة خاصة لا تشبه غيرها, إلا أنه قد عمد على تقسيم النفسيات الاجتماعية للحالات الأربع لأغراض ارشادية فقط:
  • النوع الأول المستبد: هو شخص انبساطي وجد اجتماعي وتظهر عليه منذ مراحل طفولته التنمر والاستبداد والرغبة في التحكم بالآخرين, في حين طاقته جد عالية ورغبته في التفوق وسعيه نحو الكمال جد قوي.
  • النوع الثاني المائل:  هو شخص جد حساس وانطوائي, متقوقع على ذاته وطاقته ضعيفة, يميل لاتباع أوامر الآخرين أكثر, كما أنه مرتبط بهم, بحيث لا يستطيع العيش من دون أن يُسيِّر حياته الآخرون.
  •  النوع الثالث المُتجنب: هذا الشخص لديه الطاقة الأضعف من بين الثلاث, يتجنب قدر الإمكان الآخرين وانطوائي لأبعد الحدود, وقد يبلغ به الحد لأن يصاب بحالة ذهانية فيعيش عالمه الخاص لينغلق عليه تماما.
  • النوع الرابع الاجتماعي المفيد:  هو نوع البشر الأسوياء, لديهم طباع اجتماعية طبيعية وطاقة جيدة للسعي نحو أهدافهم.

من ناحية العلاج والتحدث مع المريض, فإن أدلر يختلف مع فرويد في الأسلوب المتبع الذي يجعل المريض يبدو وكأنه تحت سيطرة المحلل النفسي, إذ يفضل أدلر بدل الاستلقاء أن يجلس المريض وجها لوجه مع المعالج للتحدث إليه كي لا يُوحِي للمريض أنه المعالج المُنقد, لأن علاج المريض بيده وليس بيد المحلل النفسي, واستلقاؤه على السرير أمام المحلل سيبعث في نفسه الشعور بالخضوع.
باختصار فإن أدلر وفرويد على طرفي نقيض تماما.

والآن حان دورك, هل لديك نقص ما يدفعك لتعويضه في مجال آخر؟
مثلا: عدم قدرتك على تكوين صداقات طورت فيك ملكة الكتابة, أو ضعفك في التحصيل العلمي دفعك للتركيز على بناء الجسد أو الاهتمام بالمظهر.