انتقادات التحليل النفسي: هل يُعدّ علما زائفا؟

14
إن كنت شخصا غير مهتم بعلم النفس فقد يبدو لك السؤال غريبا لأن أول ما سيخطر ببالك عند ذكر علم النفس هو فرويد والكنبة وسؤال: "كيف كانت طفولتك؟", لكن الواقع مغاير لأن التحليل النفسي ليس إلا مدرسة من بين عدة مدارسة نفسية.
كنا قد تحدثنا فيما سبق عن أهم نظريات التحليل النفسي بشكل عام ومقتضب: فرويد, أدلر, إريكسون ويونغ.
والآن حان وقت الحديث عن الانتقادات التي وُجّهت لهم ولكل من نهج نهجهم.. وقد سبق وأكدت أن الانتقادات العلمية لا تعني مجرد تهجم مزاجي على النظرية وصاحبها ولكنها محاولات للفهم وإظهار لمكامن الضعف والخلل بالنظرية قصد المزيد من التطور من طرف علماء نفس آخرين.
سأعرض هنا بعضا من أهم الانتقادات مع المصادر إن كنت تود التوسع في الموضوع, لأنني لم أستطع عرض كل شيء لكي لا يصير المقال طويلا ومملا, ولأن البعض يتعلق بالنظريات بشكل عاطفي فبحاجة لمصادر للانتقادات...تذكر أن كل المدارس النفسية تعرضت للانتقاد, وأن العلم يتطور كل ساعة بشكل حرفي.

1- قابلية الدحض والتفنيذ:
إن ألقيت نظرة على لائحة العلوم المزيفة بويكيبيديا (Pseudosciences) فإنك ستجد التحليل النفسي قابعا هناك.
لما سُئل نعوم تشومسكي عن ما إذا كان محللا نفسيا أجاب: "أعتقد أن التحليل النفسي لا يستند على أي أساس علمي, إذا كنا غير قادرين على تحديد لماذا استدار صرصور ما نحو اليسار, إذن كيف لنا أن نشرح قرار إنسان ما اتخذه؟" [1]
أولا لنعرّف المنهج العلمي, هو بكل بساطة ما سبق لك ودرسته بالمدرسة لمراحل البحث العلمي: أ-وضع فرضية, ب-إجراء تجربة, ت-مشاهدة, ج-استنتاج...إلخ.
إن هذه المراحل المتسلسلة لا تنطبق على نظريات التحليل النفسي لأنها توقفت في مرحلة الفرضية ولم تقم بإجراء أي تجارب ولا مشاهدات ولم تُقدّم أي إحْصاءات أو مُعطَيات.
عندما بعث كارل بوبر حالة طفل لألفرد أدلر يخبره فيها أنها لا تنطبق عليها نظريته "عقدة النقص" قام ألفرد بتفسيرها بكل سهولة تحت ضوء نظريته, وقد صَدم هذا كارل بوبر كون أدلر لم يُكلّف نفسه حتى عناء معاينة الطفل عن كثب, وعندما سأله بوبر: ّكيف يمكنك أن تكون واثقا لهذه الدرجة؟ لقد عاينت بنفسي ألف حالة" فما كان من أدلر إلا أن يرد عليه بكل ثقة:"إذن خِبْرتُك قد صارت الآن ألفا وواحدا"

حينها أدرك بوبر أن أي حالة يُمكن تفسيرها بهذا الشكل عن طريق نظرية أدلر أو فرويد, لأنه لا توجد تجارب تُؤكّد أو تنفي صحة النظريتين, ورغم أن بوبر كان يتحدث في مقالته عن أدلر وفرويد حصرا إلا أن هذا يطال بقية نظريات التحليل النفسي, وكمثال أعطاه بوبر رجلا قتل طفلا, وآخر أنقذ طفلا من الغرق, يمكن أن يُفسّر سلوك الرجلين على أن القاتل يشعر بعقدة النقص فقتل الطفل ليثبت أنه قادر على ارتكاب جريمة ويمكن تفسير سلوك الرجل المنقذ على أنه ألقى بنفسه في البحر لإنقاذ الطفل لشعوره بعقدة النقص, وكذا التفسير في سياق نظرية فرويد أن الرجل المجرم كان يعاني من الكبت في مرحلة من مراحله العمرية كعقدة أوديب, والرجل الثاني حقق التعالي والسمو النفسي. إذن يمكن تفسير أي حالة في ضوء هكذا نظريات وستجعلك كل حالة تُصادفها في حياتك تُؤكد لك صحة النظرية التي تعتقد بصحتها مسبقا بلا أي دليل علمي.

في حين أن نظرية علمية حقيقية كنظرية أينشتاين مثلا التي تقول أن الضوء يُجتذب للأجسام الضخمة كالشمس, أثبتت صحتها عن طريق مراقبة ضوء النجوم القريبة من الشمس أثناء الكسوف تارة وأثناء مغيب الشمس تارة أخرى, أي أنه سيسهل تفنيذ نظرية أينشتاين ودحضها إذا خرجت المشاهدات بنتائج معاكسة لما توقعه أينشتاين, بخلاف نظريات التحليل النفسي التي لا يُمكن لنا لا دحضها ولا تأكيد صحتها, وبالتالي فهي حسب بوبر تبقى مجرد أفكار أقرب للخرافة منها والأسطورة للنظرية, أي إما أن تُؤْمن بصحتها كما جاء بها أصحابها كأي معتقد أو أسطورة أو لا...وهكذا فإن بوبر ميّز بين ما هو علمي وما هو غير ذلك بقابليته للدحض والتفنيذ. [2]
2-الإيغال في اللاوعي:
 إن التحليل النفسي جميعا بكل مشاربه مستند على مفهوم يُعتبر أساس التحليل النفسي ألا وهو اللاوعي, إلا أن ما يعيبه البعض على التحليل النفسي هو المبالغة في هذا اللاوعي واعتباره المحرك الأساس للسلوك البشري, فقد روى عالم النفس غوردون ألبورت صاحب نظرية السمات المثيرة أنه التقى بعد تخرجه بفرويد وقد جلسا برهة من الزمن لا يتحدّثان, فلِكَسْر حاجز الصمت بادر ألبورت بالتحدث عن رحلته عبر القطار في طريقه لملاقاة فرويد وبأنه رأى طفلا كان يحرص أشد الحرص على نظافته ولا يرغب الجلوس قرب شخص متسخ ويبدو وكأنه اكتسب هذا الوسواس من أمه, فسأله فرويد:"هل كان هذا الطفل أنت؟", لقد خمّن فرويد في أن ألبورت ربما يروي عن نفسه بشكل لاواع وقد رأى ألبورت أن هذه مبالغة من فرويد, لأن ألبورت كان يَقُص عليه قصة الطفل لكسر حاجز الصمت لا غير, أي أن تحليل فرويد لهذا اللاوعي هو عن طريق الحدس وليس عن طريق منهجية علمية. [3]

 إن الأمر ليس أفضل حالا بالنسبة لبقية النظريات ولو أخذنا على سبيل المثال نظرية يونغ التي أظنك تعرفها عن الوظائف المعرفية فإنه ابتداء من كونها بلا أي أساس علمي كما صرح يونغ ذات نفسه, إذ قال أن تصنيفه لا يُعد تصنيفا صارما بل مجرد ملاحظات شخصية, أي أنه لم يقدم دليلا علميا أو نتائج تجارب أومشاهدات وإحصاءات وما سبق وتحدثنا عنه كمنهج علمي, نجد أن اختبار MBTI الذي قام على نظرية يونغ يُحاول أن يصل لهذا اللاوعي عن طريق طرح أسئلة تجيب عليها بوعيك, إذ أن يونغ يقسم الوظائف المعرفية اللاواعية إلى أربع: فكر, شعور, حس وحدس... وهي وظائف فسّرها على أنها لاواعية ويقوم الشخص عن طريق وظيفة من هذه الوظائف باكتشاف العالم تلقائيا بلاوعي منه, أي أنك تميل لاستخدام وظيفة من الوظائف دون إرادتك, أنت شعوري لأنك شعوري بشكل لاواع ولا تستطيع تغيير هذا فكيف لأسئلة تُطرح عليك بشكل مباشر على وعيك أن تُحدِّد الطريقة التي استخدمت فيها وظيفتك؟ أضف أن الشخص حسب التحليل النفسي يستخدم آليات الدفاع النفسي حتى بينه وبين نفسه ولن يُصارح نفسه ويصل للاوعيه... [4]

وكملاحظة مهمة فإن الاختبارات التي تجتازها عبر مواقع الانترنت ليست هي نفسها اختبار MBTI الأصل, بل مجرد اختبارات تحدد سلوكك الواعي وليس وظيفتك اللاواعية كما حددها يونغ, فموقع كيرسي يقول أنه حدد الاختبار بناء على مراقبة سلوك الأفراد, فهي تسألك عن سلوكك في موقف ما أو تقديرك الواعي للأمور, ومن تم يضعونك ضمن خانة وظيفة من الوظائف المعرفية اللاواعية التي عرّفها يونغ, دون أي سند علمي يفسر كيف للأسئلة أن ترتبط وتُفسر الوظائف المعرفية كما عرّفها يونغ... أي لو أردنا تطبيق مفهوم العلم لبوبر على نظرية يونغ فإننا لن نستطيع لا دحض النظرية أو تفنيذها ولا تأكيد صحتها. [5]

3-الخلفيات الدينية والروحانية:
يقول يونغ: "من يريد استكشاف النفس البشرية لن يتعلم شيئا من تجارب علم النفس. سيكون من الأفضل له أن يُهمل العلوم الحقة, يضع جانبا شهاداته, ويُودع دراساته, ومن تم يتساءل بقلبه حول هذا العالم".[6]

رغم أن فرويد كان ملحدا إلا أن بعضا من نظرياته كانت ذات خلفيات دينية مستمدة من معتقدات دينه السابق اليهودية.

اقرأ موضوع فرويد والكابالا اليهودية.

 الأمر ذاته ينطبق بشكل جد واضح على ألفرد أدلر الذي تخلى عن الديانة اليهودية ليعتنق المسيحية وينسج نظريات من وحي العقيدة المسيحية الخالصة بشكل مثالي بعيدا عن أي منهج علمي, لقد كان أدلر أقرب لمُبشر منه لعالم نفس, مما جعل منه عالم نفس يُحتدى به من طرف المسيحيين المتدينين, أما يونغ فقد تمادى في روحانياته المستمدة من فلسفات الشرق الأدنى حتى لصارت بعض من أفكاره تبدو كهراء محض لا يمت لعلم النفس بصلة كنظريته للتزامنية والتي يمكنك القراءة عنها وقصة الخنفساء وحلم مريضته بويكيبيديا.[7]

 4-اتهامات بالنصب والاحتيال:
يعد هانز آيزنك عالم نفس مثير للجدل من نفس توجه ألبورت, هاجم في كتابه بشكل تقريعي شديد اللهجة فرويد وأتباعه وقد تجاهل أدلر ويونغ في كتابه بدعوى أن نظرياتهما لاعقلانية أصلا ولا تستحق الرد.
عارض آيزنك زميله بوبر في كون نظريات التحليل النفسي غير قابلة للتجريب وبالتالي لا يمكن تصديقها أو تكذيبها, بل بيّن أنه من الممكن ابتداع تجارب لمعاينة صحة النظريات كما هو الحال في نظرية عقدة أوديب إذ أن فرويد قد طرح نظرية عقدة أوديب انطلاقا من مراقبة طفل واحد فقط أطلق عليه اسم "الصغير هانز" بل أن المراقبة لم تكن من طرفه  شخصيا بل من طرف والده الذي كان يتراسل مع فرويد, في حين أنه تم معاينة مجموعة من الأطفال فتبين أنهم يميلون للأم بحكم الارتباط الأول بها سواء ذكورا كانوا أم إناثا ثم بعد ذلك للأب لأنه يخلق جوا من المرح بين أطفاله...لم يُحدد فرويد معيارا لكيفية معرفته عقدة أوديب أو قلق الإخصاء أو غيرة البنات من القضيب, قد يكون سلوك الأطفال ناتجا عن خلل في التنشئة أو أن قلق الإخصاء ناتج من مشاهدات الطفل لعمليات الختان التي كانت تُجرى بالمجتمع اليهودي أو لتخويف الطفل إن هو تصرف بسلوك مشين أن يقصوا قضيبه.

ذهب آيزنك في تقريعه لفرويد حد اتهامه بالنصب والاحتيال واختلاق قصص نجاح لم تحدث أبدا, واعتبار أن كثيرا من نظرياته التي نسجها في سنواته الأخيرة كانت من تأثير الكوكايين, إذ أن فرويد قد نصح مرضاه بتعاطي الكوكايين للشفاء من بعض الأوجاع والإدمان من المورفين, لم يكن يعرف فرويد في ذلك الحين خطورة الكوكايين لكنه ادعى رغم ذلك أن الكوكايين شفى مجموعة من الناس وهذا مستحيل حسب العلم الحديث مما جعله آيزنك دليلا على كذب فرويد واختلاقه لقصص شفاء مرضى لم يشفوا أبدا, وقد قال أيزنك أن فرويد أعاد علم النفس خمسين سنة للوراء, لأنه في عهده كان قد قفز علم النفس قفزة نوعية باتجاه العلوم الحقة والتجارب والمنهج العلمي إلا أن فرويد حسب آيزنك ضرب بكل هذا عرض الحائط وأعاد علم النفس للميتافيزيقا مجددا والفلسفة. [8]

خلاصة: 
 إن العلم لا يقف لصالح مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية, تقريبا لم يتبقى من نظريات التحليل النفسي إلا الشيء اليسير الذي لازال بعض من مناصريه يحاولون إثبات صحته عن طريق إجراء تجارب تصب في هذا الاتجاه.
المدارس النفسية الأخرى ليست بأفضل حال طبعا فكلها تعرضت للانتقاد من طرف معارضيها, إلا أن مدرسة التحليل النفسي أخذت حصة الأسد من الانتقادات والتي مست جوهرها ونسفت فعلا بعضا من نظرياتها.

المصادر:
 [1]- حوار نعوم تشومسكي الذي انتقد فيه التحليل النفسي (انجليزي)
 [2]- مقالة كارل بوبر حول نظريات أدلر وفرويد (انجليزي)
 [2]- كتاب منطق البحث العلمي لكارل بوبر (عربي)
 [3]- لقاء ألبورت مع فرويد (انجليزي)
 [4]- انتقادات MBTI على ويكيبيديا (انجليزي)
 [5]- الفرق بين اختبار كيرسي واختبار MBTI (انجليزي)
 [6]- انتقادات نظرية يونغ ولاعلميته مقالة (انجليزي)
 [7]- كتاب نقد التحليل النفسي لبارسيفال بيلي (عربي)
 [8]- كتاب تدهور امبراطورية فرويد وسقوطها لهانز آيزنك (عربي)

عقدة النقص, نظرية ألفرد أدلر

11
ألفرد أدلر (1870-1937) عالم نفس من مدرسة التحليل النفسي وتلميذ فرويد المتمرد الذي وجه مدفعية النقد اتجاه نظرية أستاذه.
لم يستسغ أدلر نظرية فرويد المبنية على الجنس, كما أنه اختلف مع زميله كارل يونغ بخصوص تنميط البشر.
أدلر عالم يؤمن بأن لكل فرد منا شخصيته الخاصة التي لا يمكن قولبتها.
اختلافه مع زميله يانغ وأستاذه فرويد تطور بشكل دراماتيكي لحد تبادل الاتهامات, لقد كانت نظرة كل من فرويد وأدلر لمختلف المواضيع تسير في الاتجاه المعاكس, ففرويد على سبيل المثال كان يرى أن نفسية المرأة تختلف عن نفسية الرجل في حين أن أدلر كان يرى أن الرجل والمرأة متساويان من حيث النفسية.
لقد كانت لأدلر قيم المساواة والتحرر والتميز, كان مثاليا في نظرته ومتفائلا, يؤمن بالإنسان كفرد مميز لا يشبه غيره, مما جعله يؤسس مدرسة علم النفس الفردي.

إذن لنرى بعضا من جوانب مذهب أدلر:

1- نمط الحياة:
 بدل الحديث عن نمط الشخص وسماته ودواخله, تحدث أدلر عن نمط الحياة, لقد فضل أدلر النظر إلى نمط حياة الشخص ككل لاكتشاف نفسيته انطلاقا من بيئته, وحالته الاجتماعية والثقافية وحتى الحالة الجسدية وأمراضه العضوية, تُدعى هذه المقاربة بالكلانية أي الكل في الكل.
حسب أدلر لا يمكن عزل الشخص عن محيطه وجسده لاكتشاف نفسيته, لابد من دراسة كل شيء حول هذا الشخص لمعرفته.
ويُحيل نمط الحياة لكيف تعيش حياتك, وكيف تحل مشاكلك وكيف تنظر للأمور, وكيف تتفاعل بشكل عام في محيطك.

2- الغائية:
يعد مصطلح الغائية مصطلحا فلسفيا يقصد به ارتباط العلة بالغاية, أي بشكل مبسط بعيدا عن الميتافيزيقا فإن لكل شيء سبب لحدوثه وغاية.
ومنه فإن أدلر عكس فرويد الذي يرى أن الأحداث والصدمات التي وقعت بالماضي في طفولتنا المتقدمة هي التي تحدد شخصيتنا اليوم وسلوكنا, يرى أدلر أنه ليس للماضي تلك السلطة المطلقة على حاضرنا وإنما المحفزات والتطلع للمستقبل هي ما يحدد شخصيتنا لا الماضي, نحن مُساقون من قبل أهدافنا وغاياتنا وتطلعنا للمثالية...فكل عمل نقوم به هو لغاية في أنفسنا الهدف منه تحسين مستقبلنا وليس لأننا مدفوعين من طرف عُقد الماضي كما بنظرية فرويد.
3- الدونية:
 أو النقص, أهم مفهوم أتى به أدلر والمقصود به أننا كبشر ننشد الكمال, وفي سعي دؤوب نحو المثالية.
حسب أدلر فإننا سنفكر في الآخرين لما نكون قد حققنا المثالية المبتغاة والأهداف المرجوة في حين أننا سنتمحور حول ذواتنا في حال ما إذا كانت الحياة قد أرتنا وجهها الآخر.
فنحن نسعى لتناول أفضل طعام والسكن بأفضل منزل والحصول على أفضل النتائج في كل أمور حياتنا, وهذا السعي الدائم نحو الأفضل مرتبط بشعورنا بالنقص...إذ لن نخطو أي خطوة أخرى للأمام إن شعرنا بالاكتفاء التام, لكن شعورنا بالنقص باستمرار هو المحفز نحو الكمال الذي لا يتحقق بالنسبة لنا كبشر.
وفي واقع الأمر فإن كل واحد منا يعاني من نقص ما, كأن يكون النقص في عضو من أعضاء الجسم, ضعف البصر أو السمع, أو ضعف في جهاز حيوي ما كالكلى أو القلب أو الرئتان أو مرض ما كالسكري أو الربو...لاحظ أدلر في بدايات نسجه لمفهوم عقدة النقص -وقد كان طبيبا بالمناسبة- أن الأشخاص الذين يعانون من نقص في احدى الأعضاء يسعون للتعويض بتقوية عضو آخر, فالكفيف مثلا يسعى لتقوية حاسة السمع لديه لتُعوِّض بصره, أو أن يسعى من يعاني من مرض ما أو ضعف جسدي لتطوير مهارة من المهارات يُعوض بها ذلك النقص الذي يعاني منه في جسده... لكن أدلر اكتشف لاحقا أن هذا النقص يتجاوز العُضْوِي للنّفسي, إذ لاحظ أن البعض يُطوّر عقدة نقص نفسية بخصوص أمر ما, كأن يكون التلميذ فاشلا في مادة من المواد فيدفعه فشله لبدل مجهود أكبر للتفوق في تلك المادة أو أن يسعى للتعويض بالتفوق في مادة أخرى, أو مثل ذلك الشخص النحيل الذي لا يجيد الألعاب الرياضية فيدفعه الشعور بالنقص المتعلق بجسده الضعيف للتعويض بالتألق في مجال آخر كالفن أو العلوم أو أي مجال آخر, في حين قد لا يُطور البعض أي مهارة للتعويض فيبقُون حبيسي عقدة النقص.
لا تعتبرعقدة النقص مجرد مشاعر عادية فهي قد تتحول لعُصاب تُصيِّر صاحبها خجولا وانطوائيا وغير واثق من نفسه, وحسب أدلر دائما فإنه في أحيان كثيرة قد يطور الشخص عقدة التفوق كرد فعل على عقدة النقص... فللتغطية على مشاعر الدُّونية يلجأ الفرد لإهانة الآخرين والتنمر عليهم لإشعارهم بعقدة النقص أيضا التي يشعر بها.

4- الأنماط النفسية:
على غرار أنماط الشخصية طور أدلر أنماطا للنفسيات, وهي تقسيم افتراضي للحالات النفسية للبشر, رغم أن أدلر مقتنع تمام الاقتناع أن كل فرد يمثل حالة خاصة لا تشبه غيرها, إلا أنه قد عمد على تقسيم النفسيات الاجتماعية للحالات الأربع لأغراض ارشادية فقط:
  • النوع الأول المستبد: هو شخص انبساطي وجد اجتماعي وتظهر عليه منذ مراحل طفولته التنمر والاستبداد والرغبة في التحكم بالآخرين, في حين طاقته جد عالية ورغبته في التفوق وسعيه نحو الكمال جد قوي.
  • النوع الثاني المائل:  هو شخص جد حساس وانطوائي, متقوقع على ذاته وطاقته ضعيفة, يميل لاتباع أوامر الآخرين أكثر, كما أنه مرتبط بهم, بحيث لا يستطيع العيش من دون أن يُسيِّر حياته الآخرون.
  •  النوع الثالث المُتجنب: هذا الشخص لديه الطاقة الأضعف من بين الثلاث, يتجنب قدر الإمكان الآخرين وانطوائي لأبعد الحدود, وقد يبلغ به الحد لأن يصاب بحالة ذهانية فيعيش عالمه الخاص لينغلق عليه تماما.
  • النوع الرابع الاجتماعي المفيد:  هو نوع البشر الأسوياء, لديهم طباع اجتماعية طبيعية وطاقة جيدة للسعي نحو أهدافهم.

من ناحية العلاج والتحدث مع المريض, فإن أدلر يختلف مع فرويد في الأسلوب المتبع الذي يجعل المريض يبدو وكأنه تحت سيطرة المحلل النفسي, إذ يفضل أدلر بدل الاستلقاء أن يجلس المريض وجها لوجه مع المعالج للتحدث إليه كي لا يُوحِي للمريض أنه المعالج المُنقد, لأن علاج المريض بيده وليس بيد المحلل النفسي, واستلقاؤه على السرير أمام المحلل سيبعث في نفسه الشعور بالخضوع.
باختصار فإن أدلر وفرويد على طرفي نقيض تماما.

والآن حان دورك, هل لديك نقص ما يدفعك لتعويضه في مجال آخر؟
مثلا: عدم قدرتك على تكوين صداقات طورت فيك ملكة الكتابة, أو ضعفك في التحصيل العلمي دفعك للتركيز على بناء الجسد أو الاهتمام بالمظهر.