السكيزوفرينيا أو الفصام ماذا تعرف عنه؟

4
الصور للرسام الانجليزي المهووس بالقطط (مثلي) "لويس وين" رسمها في مراحل مختلفة في بدايات القرن العشرين وقد كان مصابا بالفصام...الرسوم تظهر بشكل جلي تطور مرضه.
وهذه الصورة رسمها في بدايات حياته ويمكنك مقارنتها مع رسوماته اللاحقة التي تطور فيها مرضه, لقد تحول القط اللطيف لوحش مخيف بتدرج مع مرور السنين.

إذن بعيدا عن لويس ما هو الفصام؟ 
الفصام مرض عقلي خطير مثل أي مرض عضوي كالسكري أو ارتفاع الضغط, يمكن أن يصيب أي شخص بشكل غير متوقع إلا أن أعراضه تظهر بسن مبكرة بالعادة من 16 إلى 30 سنة على شكل أوهام وهلوسات وتصرفات غريبة وتتطور مع مرور السنوات, وعلى عكس بعض الاضطرابات النفسية فإنه لا علاقة للفصام بالعوامل الخارجية كالصدمات النفسية أو الحالة الاجتماعية السيئة أو العنف الذي قد يكون مورس على المريض بطفولته, لكن قد تلعب بعض أنواع المخدرات دورا في تطوير المرض لدى المتعاطين... لا علاج للفصام إلا بتناول الأدوية المضادة للذهان والتي تبلي البلاء الحسن وتجعل المريض يعود لحياته الطبيعية كأي شخص معافى.

الفُصام ليس هو انفصام الشخصية, يُساء استخدام مصطلح السكيزوفرينيا كثيرا بالمقالات الأدبية من طرف المثقفين ووسائل الإعلام للدلالة على تعدد شخصيات وأوجه المجتمع أو الأفراد مما يكرّس الجهل بالمرض بين العامة.
الخرافات وسوء الفهم التي تحوم حول مرض الفصام كبيرة جدا بسبب أعراضه الغريبة وأحيانا الغير مفهومة للبعض, من جهة أخرى فإن نسبة كبيرة من المشردين مصابون بالفصام بسبب الإهمال في التشخيص المبكر وتلقي العلاج لينتهي بهم المطاف للأسف في كثير من الحالات للتشرد والضياع خصوصا بالأسر الفقيرة أو التي تعاني من مشاكل اجتماعية تحول دون تقديم المساعدة اللازمة للمريض.

أعراض الفُصام عديدة وقد تختلف من شخص لآخر ولكنها تشترك فيما بينها بقاسم مشترك ألا وهو الذُهانية, أي أن الشخص يشعر, يفكر, يحس ويتصرف بشكل غريب ولاعقلاني منفصل عن الواقع ودون أن يكون مدركا للاعقلانية أفكاره وسلوكاته ومشاعره.

يمكن تقسيم الأعراض إلى: أوهام, هلوسات, الكلام والتفكير الغير منظم والغير مفهوم, السلوك الغير منظم والغير مفهوم والجامود والأعراض السلبية, ولا تجتمع كل هذه الأعراض في مريض واحد, وهي تمثل كل الأشكال الذُهانية والتي تُرى في اضطرابات ذُهانية أخرى غير الفصام.

1- الأوهام:
 - جنون الاضطهاد: أي أن يعتقد الشخص أنه مضطهد وأن الآخرين يخططون لإيذائه سواء كانوا أشخاصا أو منظمات أو غيره, فقد يتحدث المريض عن أن المخابرات الأمريكية تتربص به مثلا.
- جنون الارتياب: كأن يرتاب الشخص ممن حوله أو من شخص محدد, فتجده يعتقد مثلا أن جاره يريد قتله و في أحيان كثيرة يكون الارتياب موجها ضد أفراد أسرته فيظن أن زوجته مثلا تخونه أو تضع له السم بالطعام فيرفض تناول الطعام الذي تحضره.
-  الأوهام المرجعية: وتعني أن الشخص يعتقد أن أي كلام أو تصرف أو حدث يحدث من حوله هو يعنيه شخصيا.
- جنون العظمة: أي أن يعتقد الشخص أنه مهم أو خارق للعادة كأن يدعي أنه المهدي المنتظر أو أنه نبي والوحي يتنزل عليه أو أن حاكم البلد سيزوره أو غيرها من الأفكار المشابهة.
- الهوس العشقي:  يعتقد المريض بشكل خاطئ أن شخصا ما يحبه ويهواه, وأحيانا يكون الشخص من المشاهير ممثلة مثلا أو مغنية..
- الأوهام العدمية: وهي أن يعتقد المريض أنه ميت وأنه مجرد جثة أو أنه غير موجود أو بلا أي قيمة وغيرها من الأفكار التشاؤمية العدمية.
- الأوهام الجسدية: أي أن يعتقد الشخص اعتقادا خاطئا بشأن جسده وصحته كأن يعتقد أن جسده قد أكلته الديدان من الداخل مثلا.

هناك الكثير من الأمثلة بشأن الأوهام وكلها تصب في كونها لا عقلانية وغريبة.

2- الهلوسات:
 الهلوسات هي مجموعة من الإدراكات الحسية التي يختبرها المريض دون وجود مؤثرات خارجية, كأن يشعر بشيء يُلامس بعض أجزاء جسده أو أن يسمع أصواتا تبدو له حقيقية تماما تحدثه وهذا ما يميز مرضى الفُصام وهو التحدث مع أشخاص في مخيلاتهم, سواء كانوا شخصيات حقيقية كأن يحدث المريض أخاه المسافر أو المتوفي أو شخصيات غير موجودة, ولا يجب الخلط هنا مع الشخص الذي يحدث نفسه عن وعي بصوت مرتفع, فمريض الفُصام لا يحدث نفسه بل يتحدث مع شخصيات وهمية تبادله أطراف الحديث بمخيلته وهو يسمع صوتها بشكل واضح.

3- الكلام الغير منظم:
أحيانا يكون كلام المريض غير مفهوم وغير مترابط فيما بينه, وأحيانا يكون مفهوما لكنه غير متصل بموضوع, فقد تسأل المريض سؤالا فيجيبك بجملة مفيدة مفهومة لكنها لا تمت للسؤال بصلة...

4- السلوكات الغير منظمة والجامود:
قد يتصرف مريض الفصام تصرفات غريبة وأحيانا بلا أي معنى كأن يضع الكوب تحت السرير مثلا أو أن يُحرك أطرافه بشكل غريب أو أن تكون له تصرفات جامودية كأن يتخذ وضعية ما فيبقى جالسا على الكرسي متجمدا لساعات وإن قمت بتحريكه وصنع وضعية ما كرفع ذراعه بالهواء فإنه سيبقي ذراعه معلقة بالهواء.

5- أعراض سلبية:
تظهر على مريض الفصام أيضا أعراض انطوائية فيصير مثلا يغلق على نفسه باب غرفته طول الوقت, لا يهتم بنظافته لا يزور أحدا, لا يظهر عواطفه كما بالسابق سواء حزنا أو سعادة وغيرها...

طبعا كما سبق وأشرت فإن هذه الأعراض جميعا تشترك فيها اضطرابات نفسية أخرى كالاكتئاب الذهاني والاضطراب الوجداني ثنائي القطب وغيرها من الاضطرابات الذهانية...
أيضا الأعراض لا تجتمع قاطبة في مريض الفصام وتتطور بشكل تدريجي, فقد تظهر على المراهق مثلا أعراض مبكرة من قبيل انسحابه الاجتماعي وانطوائه على نفسه على غير عادته واهماله لنظافته ودراسته ومن تم يختبر أعراضا أخرى سواء سماع أصوات أو أوهام, وأحيانا يصير متدينا ظاهريا فقط فتجده حاملا للمصحف كل حين لكنه لا يصلي ولا يصوم...

وكمثال كنت قد قرأت خبرا محليا قبل مدة لرجل متدين مقصر وملتحي يُحكم إغلاق الباب على زوجته وأمه ويخرج حاملا سكينا يهدد الجيران إن هم اقتربوا منه أو من البيت وبدل أن يذهب للمسجد يذهب للحانة ومن تم يعود للبيت ليُعنّف زوجته ووالدته لأنهما ليستا متدينتان بما فيه الكفاية مثله... وقد تم اعتقاله وإنقاذ الزوجة والأم بعد أن أبلغ الجيران الشرطة.
لم أعرف ماذا جرى فيما بعد له لأن الخبر انتهى ها هنا ولكن من الواضح تماما أن الرجل لديه أعراض ذهانية وربما قد يكون يعاني من الفصام ومن المرجح أنهم أرسلوه لتلقي العلاج بالمستشفى... فهو مرتاب وقد احتجز أمه وزوجته بالبيت وخرج بسكين لأن لديه جنون الارتياب ربما كان يعتقد أن الجيران يودون إيذاءه وقد كان متدينا ظاهريا فقط فهو لم يكن يصلي ويذهب للحانات ومع ذلك ملتحي ومقصر في لباسه ويعتقد أن أمه وزوجته غير متدينتين.

كان هذا مجرد مثال واقعي لتدرك أن المريض قد يبدو للآخرين مجرد شخص شرير في حين هو مريض ويحتاج للعلاج, أي أنه ليس من الضروري أن يبدو الشخص بملابس رثة ويكلم نفسه طول الوقت كي يتم تشخيصه بأنه مصاب بالفصام, قد يتحدث معك بشكل جد طبيعي ولكنك بمعاشرته ستكتشف سلوكاته اللاعقلانية التي تدل على مرضه.

التعليقات

  1. كان يجب أن تذهبا للحانة معه وتسكبا له الشراب ليتأكد من تدينهما :)
    شكرا على هذه التدوينة الرائعة كالعادة :)

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك أستاذ معاذ.
      سعيد بتواجدك المستمر :)

      حذف
  2. اعتقد ان الناس يخلطون بين الفصام واضطراب الهوية الانشقاقي أو ما يسمى بتعدد الشخصيات
    إذا كان الفصام لا علاقة له بالعوامل الخارجة ألا يوجد سبب واضح لوجود اضطراب الفصام ؟

    مقال رائع انتظر القادم

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو,
      أغلب الأمراض المزمنة ليس لها سبب واضح سواء كانت نفسية أو عضوية, فليس لارتفاع الضغط سبب واضح ولا للسرطان ولا للصرع ولا لعدة أمراض هناك فقط عوامل من الممكن أن تساهم في المرض في بعض الحالات لكن ليست سببا رئيسا له يمكن بها تفسير المرض, فقد يصاب بالسرطان شخص يتناول الطعام الصحي ويمارس الرياضة وقد يصاب به الرضيع.
      هناك عدة دراسات حول أسباب الفصام وقد وجد الباحثون أن هناك عوامل وراثية مساهمة بنسبة مرتفعة, فمثلا لو أصيب أحد بالفصام فإن احتمال أن يصاب ابنه بالفصام هو 10 بالمائة, أيضا هناك عوامل تخص الأم عند الحمل وما كانت تتناوله فإذا كان طعامها مفتقرا للعناصر الضرورية لنمو جنينها قد يساهم هذا في تطوير المرض كذا تعاطي بعض المخدرات...ولكنها جميعا مجرد عوامل مساعدة وتبقى الأغلبية العظمى من المرضى دون أي تاريخ مرضي بالعائلة ولا أي سلوكات غذائية سيئة للأم أثناء فترة الحمل وغير متعاطين للمخدرات.

      حذف