الاضطراب التفارقي: انفصال عن الواقع وتعدد بالشخصيات

6
لوحة للفنان السريالي البلجيكي رينيه ماغريت

تعد الاضطرابات التفارقية نادرة مقارنة ببقية الاضطرابات النفسية, ومع ذلك فإن الجميع يعرفها بفضل صانعي الأفلام الذين يحبذون هذا الاضطراب كثيرا في أفلامهم, حتى لباتت هذه الاضطرابات رغم ندرتها أكثر شهرة من بقية الاضطرابات النفسية.

ما هو الاضطراب التفارقي؟
التفارق والذي يعني الانفصال يتمثل في انفصال الشخص عن واقعه أو عن جزء من ذاكرته أو هوية شخصيته... يحدث التفارق أثناء الضغوطات والقلق لعدد كبير جدا من البشر الطبيعيين في فترات من حياتهم وتحدث لنا جميعا بعض الأعراض التفارقية الطبيعية مثلا كأن تصل لمكان لا تدري كيف وصلت إليه ولا الطريق المؤدية إليه.
أو أن تجلس في حالة سهو لا تفكر فيها بشيء محدد فيمر الوقت سريعا دون أن تشعر بالوقت قد مر وكأنك لم تكن بهذا العالم.

إلا أنه وفي بعض الحالات النادرة يصير التفارق اضطرابا حقيقيا يستمر طول الوقت بأعراض شديدة معيقة للحياة.
وللتفارق أنماط شتى قد تجتمع بعضها أو جلها لدى مصاب واحد وهي كالتالي:

اضطراب الشخصية الانفصامية (تعدد الشخصيات) :
ومن أعراضه أن يصير للمصاب عدة شخصيات يمكن لأسرة المصاب لمس أوجه الاختلاف بينها بسهولة.
وقد يحاول المصاب مقاومة هذه الشخصيات ومنعها من الظهور دون فائدة, فيشعر بها عالقة في ذهنه.
تتراوح الشخصيات من اثنان إلى مائة شخصية, وتكون لهذه الشخصيات أحيانا أصوات مختلفة وقد تتكلم بلغات مختلفة إن كان المصاب يجيد اللغات, ولكل منها أسلوب تفكير مختلف وأحيانا اسم مختلف وعمر مختلف وجنس مختلف, تحدده كل شخصية بنفسها,
وقد لا يتذكر المصاب ما قاله أو فعله بشخصياته الأخرى.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الاضطراب ليس ذهانية وبالتالي فإن المريض مدرك تمام الإدراك للحالة التي يعيشها.

فقدان الذاكرة التفارقي:
يفقد المصاب ذاكرته بخصوص مرحلة ما من حياته لدقائق أو ساعات أو حتى أيام, وفي بعض الأحيان الجد نادرة يفقد الذاكرة لسنوات عديدة, فلا يتذكر مثلا مرحلة الدراسة أبدا, أو فردا من أفراد أسرته وكأن هناك هوة في ذاكرته وثقبا بخصوص هذه المرحلة أو هذا الفرد...فيحاول مثلا تذكر الأيام واللحظات التي قضاها رفقة صديق ما فلا يتذكر أي شيء بخصوصه.

شرود تفارقي:
يسافر المصاب لمكان آخر منتحلا هوية أخرى ليست هويته مع فقدان للذاكرة بخصوص هويته الحقيقية, وهي حالة جدا نادرة.
فالشخص قد يسأله من يكون فيجيب على أنه فلان بن فلان ويعمل مدرسا منذ سنوات, في حين أن هذه المعلومات خاطئة.
هو لايكذب ولكنه يفقد هويته وينسى من هو تحديدا, وقد تدوم الحالة بضعة أيام أو حتى شهورا.

تبدد الواقع:
يشعر المصاب أن محيطه غير حقيقي, فيراه وكأنه متغير في شكله وألوانه, وكأنه ليس هو العالم الذي يعرفه أو أن العالم المحيط به بلا روح ومجرد وهم, وأن الناس مجرد آلات متحركة.
قد يبدو له محيطه عبارة عن ضباب أو أنه يراه من بعيد.
يكون المصاب في هذه الحالة مدركا بحالته ويعلم جيدا أن ما يمر به تجربة غريبة لا تمثل الواقع.

تبدد الشخصية:
على غرار تبدد الواقع يحدث للمصاب تبدد بالشخصية بحيث يشعر بالتغيير بذاته وليس بمحيطه فيشعر وكأنه أصبح آلة أو أنه يخرج من جسده ويراقب نفسه من الخارج, أو يشاهد نفسه كفيلم, أوينتابه شعور بأنه شخص وهمي غير حقيقي أو أنه لا وجود لفواصل بينه وبين المحيطين به أو انفصال عن بعض من عواطفه أو أجزاء من جسده.
وقد ينظر لنفسه بالمرآة فلا يستطيع التعرف عليها.

صرع تفارقي:
في بعض الحالات يحدث للمريض تشنجات في أعضاء جسده كتشنج بذراعه أو ساقه أو جسده كله فيصاب بما يشبه الصرع ويقع أرضا منتفضا وتبيض عيناه وقد تنقبض عضلات مثانته فيتبول لاإراديا تماما كما يحدث لمريض الصرع.
إلا أن هذه الحالة ليست صرعا حقيقيا فعند إجراء فحص لكهرباء الدماغ تظهر النتائج سليمة مائة بالمائة وبأن المريض لا يعاني من الصرع حقيقة وإنما تشنجات تحدث نتيجة الاضطراب النفسي.


الأسباب:
قد تحدث بعض الأعراض بسن المراهقة بشكل جد طبيعي كتبدد الشخصية أو المحيط بسبب التغيير الحاصل للإشارات العصبية بالدماغ بهذه المرحلة, والتي تبدأ بالاختفاء تدريجيا بعد تجاوز الشاب للعشرينات من العمر تقريبا إلى أن تختفي نهائيا, وربما عزيزي القارئ ستتذكر أنه سبق وحصل لك هذا النوع من التفارق أو ذاك, وهو أمر جد طبيعي.
 
أحيانا يكون التفارق مصاحبا لمرض نفسي آخر, كالفصام أو ثنائي القطب أو اضطراب الشخصية الحدية...وأحيانا يحدث التفارق بعد التعاطي لبعض أنواع المخدرات أو الأدوية, وأحيانا ببعض الممارسات والطقوس الدينية التي يحاول فيها الفرد الانفصال عن الواقع.

إلا أن الاضطراب التفارقي الذي لا يكون مصاحبا لأي مرض نفسي آخر يكون سببه في الغالب صدمة شديدة تعرض لها المصاب بطفولته الأولى قبل سن الخامسة وكلما كان سن الطفل صغيرا أثناء تلقيه الصدمة كلما كان احتمال تطويره لاضطراب تفارقي بالمستقبل كبيرا, فنرى الاضطرابات التفارقية مصاحبة أيضا للمصابين باضطراب الكرب التالي للصدمة, كالناجين من الحروب والكوارث الطبيعية أو الحوادث المميتة أو التعذيب والإساءة البالغة.
التفارق في هذه الحالة وسيلة وآلية دفاع نفسية يلجأ إليها عقل المصاب لحماية نفسه, فيحاول نسيان ما حدث بفقدان الذاكرة المؤقت, أو بالتحول لشخصيات أخرى أو بالانفصال عن الواقع.
فالطفل الصغير الذي تعرض لعنف جسدي وإساءة شديدة كالاغتصاب مثلا من طرف أحد أقاربه الذين يحبهم ويقدمون له الرعاية قد لايتقبل عقله الفكرة فينسى الحادث ويتصرف مع قريبه وكأن شيئا لم يحدث, وقد يكبر فعلا وينسى هذه المرحلة من حياته ويحاول عقله كل حين صرفه عنها بالتفارق.
لذا فالمصاب عادة ما يحدث له التفارق كلما رأى, سمع أو شم شيئا يذكره بالحادث.

النساء والرجال:
بشكل عام فالنساء أكثر إصابة بالاضطراب التفارقي مقارنة بالرجال بنسبة جد معتبرة.
بعض الاحصاءات الغربية تشير إلى حدوث اضطراب الشخصية الانفصامية لدى النساء بمعدل 9 مقابل 1 بالنسبة للرجال, أي أن 90  بالمائة من الحالات هي لنساء.
ولا يعرف على وجه الدقة السبب إلا أن بعض التفاسير تحيل الأمر لتعرض النساء للاعتداءات الجنسية بالطفولة بشكل أكبر مقارنة بالرجال, وترى تفاسير أخرى أن نسبة الإصابة بالاضطراب التفارقي لدى كلا الجنسين هي ذاتها إلا أن الاضطراب لدى الرجل يأخذ منحى آخر كفقدان الذاكرة التفارقي أو الشرود أو تبدد الشخصية, إلا أنه لا وجود لإحصاءات تتبث هذا التفسير.

بالعالم العربي يصعب إجراء إحصاء معتمد لأن أغلب الحالات تلجأ للرقاة لغرابة الأعراض التي تجعل الشخص يعتقد أنه مس خصوصا في حالة اضطراب الشخصية الانفصامية التي يظن فيها المصاب وأسرته أن الشخصيات المتعددة ما هي إلا شياطين, وفي أحيان كثيرة تلعب الشخصية دور الجني فعلا فيتحدث المصاب على أنه شيطان وله أسرة وجميعهم يقطنون بجسد المريض, هذا لأن المريض ذات نفسه يقنع نفسه بهذا الاعتقاد, لذا فهو يتحدث بشخصياته الأخرى على أنها شياطين.
 وسأتحدث عن هذا في موضوع مستقل لاحقا بإذن الله.

العلاج:
لا وجود لأي أدوية تعالج أعراض التفارق لذا تقتصر الأدوية على علاج أعراض القلق أو الاكتئاب أو الحالات الذهانية إن وجدت في حين يرتكز علاج المصاب أساسا على العلاج السلوكي المعرفي والتحدث حول الموضوع وبأسلوب علاج حديث نسبيا يدعى 
"إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة" لربط التفارق مع الحادث الذي حصل بالطفولة المبكرة والذي كان سببا للاضطراب.

التعليقات

  1. موضوع جميل قد رأيت إعلان فلم عنه !

    ردحذف
    الردود
    1. ماهو عنوان الفيلم من فضلك؟

      حذف
  2. انه اضطراب صعب الفهم، شكرا لك لحديثك عنه.

    ردحذف
  3. مقال جداً جميل ومهم..هل لوكانت سنوات عديدة لا تتذكرها بشكل كامل واشخاص يحكون لك عن مواقف كاملة لا تتذكرها وذلك يحدث ع مدار سنوات وفعلا انت لا تتذكر مهما حاولت وتميل لتكذيب هذه الاحداث ومازال النسيان الكامل لمواقف تُحكى لك وانت لا تسطيع تذكرها ابدا,هل يحتاج الامر لعلاج؟

    ردحذف
    الردود
    1. هذا على حسب الموضوع, جميعنا ننسى مواقف عدة في حياتنا
      هل ما تنساه أمور تتذكرها لاحقا؟ لأنه في الاضطراب التفارقي قد ينسى الشخص صديقا مقربا, قد ينسى مرحلة الدراسة بالجامعة مثلا فلا يتذكر أنه سجل بالجامعة.
      العلاج يسعى له الشخص عندما يشعر أن هناك خللا ما يعيق حياته وفي حالتك الأمر جد طبيعي.

      حذف
  4. شعرت وكأنني اقرأ رواية غموض فعلا النفس عالم غريب بالكامل شكرا على طرحك جميل ومفيد كالعادة تقبل مروري

    ردحذف