ما الفرق بين السحر والمرض النفسي؟

3
سأتحدث عن موضوع أراه مهما بسبب تخبط ومعاناة عدد كبير من المرضى, لست هنا لأفتي ولا لأتحدث في أمور عقائدية لأن هذا ليس هدفي, بل هدفي هو محاولة فهم بعض المشاكل الصحية المرتبطة بالسحر أو التي يعتقد أصحابها أنها مرتبطة بالسحر ومحاولة حلها.

أنواع السحرة والمشعوذين:
ممارسوا السحر والشعوذة كثر وأغلبهم من الرجال وزبائنهم من النساء, يلجأ بعض الأشخاص لامتهان السحر والشعوذة لما لها من مكاسب مالية طائلة دون أن يكون ما يمارسه سحرا حقيقة.
هناك أشخاص عاديون لا يعرفون شيئا عن السحر ولا يفقهون شيئا عنه, لكنهم يدعون امتلاكهم لقدرات سحرية كأي نصاب بالعالم يريد كسب المال, فالسحر ليس وظيفة مقننة ولا تحتاج لمزاولتها شهادة أكاديمية تتأكد من صحة قدرات حاملها السحرية وبالتالي فليس كل ممتهن للسحر بساحر فعلا, بل هو باب مفتوح لكل من هب ودب من الجشعين الذين يستغلون سذاجة وقلة إيمان بعض النسوة لما تغدقه عليهن من أموال.

أنواع السحر وعلاجه:
اطلعت على فتوى بن عثيمين رحمه الله فوجدت أنه يقسم السحر لنوعين وهذا كلامه باختصار

السحر ينقسم إلى قسمين :
الأول: عقد ورقى، أي قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى الإشراك بالشياطين فيما يريد لضرر المسحور....
الثاني : أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور ، وعقله ، وإرادته ، وميله وهو ما يسمى عندهم بالعطف ، والصرف ، فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء والصرف بالعكس من ذلك ، فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئاً فشيئاً حتى يهلك ، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه.
 سنتحدث عن النوع الثاني أولا, حيث تستخدم فيه أدوية وعقاقير لا يتدخل فيها لا جن ولا عفريت ولا أي قوى خارقة وإنما هي مجرد مواد كيميائية تعمل على تسميم الضحية.
أي بشكل أوضح فإن الساحر في هذه الحالة سيمد الضحية بسموم يتناولها أو يستنشقها أو تلمس جلده ليمتصها فتؤثر على وظائف جسده.

أعراض التسمم:
المواد المستخدمة في السحر النوع الثاني -الذي ما هو إلا عملية تسميم- عديدة ولا تعد ولا تحصى فكما علمنا فباب امتهان السحر مفتوح لكل من هب ودب ويمكن لأي ساحر أن يمد الزبون بأي مواد سامة ربما هو ذاته لا يدرك فتكها لجهله بها.
في الغالب تكون سموما عصبية, Neurotoxin ذات مفعول مدمر للجهاز العصبي فتظهر على الضحية أعراض شبيهة بأعراض الاضطرابات النفسية.
يمكن للسموم العصبية أن تأخذ عدة أشكال فنجدها على هيئة معادن كالزئبق والليثيوم وكادميوم وغيرها الكثير.. أو كأعشاب وطحالب أو حشرات وحيوانات أو أي مصادر أخرى...كما يمكن للضحية أن يتسمم عن طريق تناول هذه السموم أو استنشاقها أو احتكاك الجلد بها حسب نوع السم, وقد يحدث التسمم بتعرض المصاب لجرعات صغيرة من المادة بشكل متكرر مدة طويلة من الزمن.

ومن الأعراض الشائعة التي قد تحدثها هذه السموم العصبية نذكر:
- اكتئاب وقلق واضطرابات بالنوم وكوابيس.
- تغير بالسلوك بشكل جد ملاحظ.
- سلوكات قهرية واندفاعية وأفكار وسواسية.
- مشاكل واضطرابات جنسية.
- فقدان الاتزان وفقدان القدرة على معرفة الوقت.
- تساقط الشعر في حالة التسمم ببعض أنواع المعادن مثلا...
- آلام بالعضلات وتعب مزمن.
- صداع مزمن.
- تشوش البصر.
- تشوش الذاكرة وفقدان التركيز.
- قد يحدث تخلف عقلي بسبب التلف الشديد للخلايا العصبية.
- ضيق بالتنفس وعدم انتظام بدقات القلب.

هذه فقط بعض من الأعراض التي تسببها مختلف أنواع السموم العصبية, لكل سم عصبي أعراضه الخاصة وقد تؤدي بعضها للموت المحقق في آخر المطاف.
للأسف لا يمكن للأطباء تشخيص كثير من الحالات لأن الأعراض تشبه أعراض أمراض عديدة وتحتاج لتحاليل مخبرية خاصة قد لا يخطر للطبيب أن المريض مسمم فيفسر الأمر على أنه مجرد اضطراب نفسي فلا تنفع معه الأدوية النفسية, مما يدفع بالمصاب للجوء للرقية ظنا منه أنه يعاني من سحر, خصوصا إن علم أنه فعلا مسحور, وهو وإن كان ما تعرض له يقع تحت مسمى "السحر" إلا أنه في حقيقته سم لا يمكن للرقية إخراج المعدن من جسمه, أو إحياء الخلايا العصبية التالفة بدماغه.
ليس بالضرورة أن يحدث تسمم للمصاب عن طريق سحر فقد يحدث بشكل عرضي كالتسمم بالبطاريات التي يتركها الآباء للأطفال يلهون بها والتي تحتوي على معادن سامة كالكادميوم.
لذا إن كنت تشك في تعرضك أو لأحد أفراد أسرتك لسحر من هذا النوع أو لتسمم بشكل عام فعليك إخبار شكوكك للطبيب وإن كنت تحتفظ بالمادة التي تعتقد أنها السبب كمخلفات الطعام أو عطر أو أي مادة مشكوك في أمرها, فخذها معك لتحويلها للمختبر لدى المختصين بعلم السموم لتحليلها قصد معرفة نوع السم ومن تم إيجاد الترياق والعلاج المناسبين.

أمراض نفسية أم سحر ومس؟
الآن سأعرج للنوع الأول الذي يستخدم فيه الجن, لقد اطلعت على أعراض السحر بالجن أو المس ببعض الكتب ووجدتها تشبه لحد كبير أعراض بعض الاضطرابات النفسية, ودعونا نلقي نظرة على أعراض السحر كما جيئت في كتاب "الصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار".
يقول الكاتب أن من أعراض سحر الجنون هي كالتالي:
- الشرود والذهول والنسيان الشديد.
- التخبط في الكلام.
- شخوص البصر وزوغانه.
- عدم الاستقرار في مكان واحد.
- عدم الاستمرار في عمل معين.
- عدم الاهتمام بالمظهر.
- وفي الحالات الشديدة, ينطلق على وجهه لا يدري أين يذهب, وربما نام في الأماكن المهجورة.

ذكر الشيخ في كتابه عددا كبيرا من أنواع السحر, ولكنني سأكتفي بهذا النموذج فقط لشرح الفكرة.
هذه الأعراض المسطورة فوق يمكننا أن نراها في عدة اضطرابات نفسية, دعنا نضع بعض السيناريوهات التي نراها بشكل متكرر والتي يتم تفسيرها على أنها سحر:

- تأتي امرأة لشيخ وهي تتحدث بلسان جني يقول أنه لا يريد أن يخرج من جسدها أو أن عددا كبيرا من الشياطين تقطن جسدها, فيبدأ الشيخ بالأخذ والرد مع الجني الذي قد يكون كافرا أو مسلما أو يسلم لاحقا...المرأة تعاني من انفصام بالشخصية وهي تتحدث بلسان شخصيتها الأخرى التي اختارت لها أن تكون جنيا.

اقرأ عن الاضطراب التفارقي
 
- يسارع الأهل بابنتهم المراهقة للشيخ كونها أصيبت بالعمى أو الصمم أو الشلل في حين أكد لهم الطبيب أنها لا تعاني من أي مشكل صحي وأن عيناها سليمتان تماما ويمكنها الرؤية, أو أن ساقيها طبيعيتين ولا يوجد أي مشكل من شأنه أن يسبب لها عدم القدرة على المشي, فيقرأ الشيخ على المراهقة القرآن فتقع أرضا في حالة صرع, فيتأكد الأهل أن عينا قوية أصابتها, في حين أنها تعاني من الاضطراب التحولي أو ماكان يعرف سابقا بالهستيريا التحولية.

اقرأ عن اضطرابات الجسدنة

- فجأة يتراجع طالب مجد في دراسته ويتحول لشخص شكاك, ويغلق على نفسه الباب ويهمل نظافته وملابسه على غير عادته, ويبدأ يتفوه بكلام غريب وأحيانا يسمعه أهله يتحدث مع شخص ما بغرفته وعندما يفتحون الباب يصمت, وعند سؤاله يخبرهم أنه كان يتحدث مع شيطان, يأخذه الأهل للراقي بسبب أعراض السحر أو المس التي أصابته في حين أنها أعراض بداية مرض الفصام.

اقرأ عن الفصام

الأمثلة عديدة جدا وقد سبق وخصصت لبعض الاضطرابات مقالات منفردة يمكنك الاطلاع عليها ومقارنتها مع بعض الحالات التي تراها فعلا بوسطك أو تلك التي سمعت عنها والتي يتم تفسيرها على أنها سحر أو مس وأغلبها لنسوة لأن أغلب مرضى الاضطرابات التفارقية والاضطرابات التحولية هم نسوة وليس لأن الجن يعشق النساء أكثر من الرجال.

لست هنا لأنفي وجود السحر أو الجن فأنا أسلّم على أننا جميعا مسلمون ومؤمنون بالسحر والجن لذكرهما بالقرآن الكريم والسنة, كما أنني لست مفتيا أو شيخا لأخوض في ماهية السحر أو المس, ولكن الفكرة التي أود إيصالها هي أن عددا كبيرا من المرضى النفسيين يفسرون أمراضهم على أنها سحر أو مس مما يجعلهم يفوتون على أنفسهم علاج أمراضهم في بداياتها حيث أن اضطرابا كالفصام يحتاج لعلاج دوائي في أسرع وقت ممكن قبل تدهور صحة المريض, إلا أن هذا لا يحدث للأسف بسبب لجوء أهل المريض للرقية لاعتقادهم أن المريض مسحور. 

كيف يمكن التمييز بين السحر والمرض النفسي؟
كما رأيت لايمكن التمييز بينهما مما يجعل العالم العربي وبعض الدول النامية الغير اسلامية أيضا تعاني من نسب مهولة من المرضى النفسيين الذين لا يتلقون علاجات بسبب تفسير الأهل الدائم على أنه سحر أو مس أو أرواح شريرة حسب معتقد كل مجتمع.

 لذا أنصحك عزيزي القارئ إن كنت تريد أن تسلك طريق العلوم الشرعية أو إن كنت طالب علم وتمارس الرقية أن تطلع على الأمراض النفسية وأعراض التسمم وتأخذ عنها فكرة عامة حتى إذا ما لجأ إليك شخص يعاني من التسمم أو اضطراب نفسي نصحته بعيادة الطبيب.
ما العيب في أن ينصح الراقي المصاب بزيارة الطبيب؟ وأنا هنا أقصد الرقاة التقاة وليس من همه جمع المال.

يا أخي في حالة تعرضه للتسمم كما أسلفنا الذكر فيما ستنفعه الرقية؟ هل ستعود الخلايا للحياة بالقرآن؟ إذا ماتت خلايا الجلد وبدأت بالتقشر هل قراءة القرآن سيجعل القشور تعود للحياة؟ إذا جرحت بسكين هل سيلتئم الجرح بالقرآن؟ إذن لماذا تريد لخلايا الدماغ أن تعود للحياة بالرقية إن كنت تنفي عودة خلايا الجلد للحياة؟
الصورة بالرنين المغناطيسي لدماغ توأمين, على اليسار توأم سليم وعلى اليمين توأم مصاب بالفصام.
والآن أخبرني كيف ستصلح الرقية ما أفسده الفصام؟

انصحه بالذهاب للطبيب للعلاج وإن لم ينفع معه علاج قم بمداومة الرقية, ما العيب في ذلك؟ ما المنكر من زيارة الطبيب؟
لماذا لا يلجأ المريض للطبيب وللراقي في ذات الوقت, بما أنه لا يمكن التمييز بين السحر والمرض النفسي والتسمم أو أي مرض آخر الجأ للطبيب إذا شفيت فنعم هي, وإن لم تشف فالجأ للرقية, أو الجأ لهما معا لأن الهدف هو أن يصير المريض بخير سواء بطب أو رقية.

عند اطلاعي على بعض الكتب وعلى المواقع المتخصصة بالسحر والرقية وجدت كوارث عدة, مصائب لا تعد ولا تحصى قرأت حالة امرأة افتض جني غشاء بكارتها, وأدلة على إمكانية حمل المرأة من الجني وحمل الجنية من الرجل.
حمل المرأة من الجني كلام قاله أناس عاشوا زمنا غير زماننا لا هم بأنبياء ولا بمعصومين ولم تتوفر لهم إمكانياتنا ولا العلوم ولا الطب ولا التكنولوجيا المتوفرة لنا اليوم, لذا فلا يعيبهم أنهم قالوه وهم في القرون الوسطى أما أن يفتي بصحته شخص بعصرنا هذا فمصيبة حقيقية!!
لماذا يردد هؤلاء البشر كلاما كهذا؟
لم أصدق! فأنا أعلم أننا نعيش التخلف ولكنني لم أتوقع الأمر كارثيا لهذه الدرجة, لقد صدمت.

أرجوك يا أخي صاحب النوايا الحسنة والذي يريد علاج الناس بالرقية مستقبلا وفك السحر وصرع الجن أرجوك! أتوسل إليك اطلع على الأمراض النفسية وعلى العلوم, فنحن في عصر الانترنت ويمكنك أن تجد المعلومة بسهولة, حياة الناس بين يديك, يأتيك عدد كبير من المرضى النفسيين الذين لا يعلمون أنهم مرضى وستسأل عما كنت تفعل فلا تتهاون, لست مطالبا بأن تصير طبيبا ولكن اطلاعك سيمدك بفكرة عامة توجه المرضى بنفسك لطلب العلاج, لا داعي لتفسير كل شيء على أنه سحر ومس, لأننا والله صرنا أضحوكة.

هل تنفع الرقية المرضى النفسيين؟
حسب حالة كل مريض, هناك أمراض لا تنفع معها رقية كالفصام وثنائي القطب والاكتئاب لأنها أمراض كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأي مرض مزمن لا يعالج إلا بالأدوية, أما في حالة بعض الاضطرابات التي لا تكون بحاجة للأدوية فيمكن للرقية أن تكون جد مفيدة للمصاب المؤمن بجدواها لأن القرآن يطمئنه ويريح نفسيته.
فمرضى الاضطراب التفارقي قد تفيدهم الرقية, وفي بعض الحالات يشفى المريض فعلا وفي أخرى تزداد حالته سوء وتتدهور أكثر فأكثر وإن سألتم الرقاة سيخبرونكم عن حالات استعصى فيها الجن عن الخروج من جسد الممسوس في حين أنه ليس بجني بل شخصية من شخصيات مريض انفصام الشخصية.
ذات الأمر بالنسبة لمرضى الاضطراب التحولي قد تفيد الرقية المصاب ويختفي العرض الذي يعاني منه وقد تتدهور حالة المريض أكثر...كذا بعض الموسوسين بالدين والقلقين.

اقرأ عن الوساوس القهرية وعن اضطرابات القلق

السبب راجع لكل فرد على حدة فهذه الحالات لها ارتباط وثيق بالقلق وقد يفيد القرآن في تهدئة نفوس المرضى وقد لا يفيدهم, بسبب الاستعداد النفسي للمريض لتلقي الرقية, قد يلجأ للراقي وهو متلهف ومؤمن أشد الإيمان بجدواها في شفائه فيحدث الشفاء بإذن الله وفي بعض الحالات يذهب المريض وهو جد متخوف أو بشكوك فيبدأ بالمقاومة أو عدم الاستجابة, لذا على الراقي أن يتوقف عن رقية المريض إن رأى أن حالته تسوء أو بدت منه مقاومة.

ختاما أتمنى أن يكون المقال مفيدا واعذروني على العاطفية (أظن) في بعض الفقرات, لأن مرارتي انفقعت هذا الأسبوع وأنا أطلع على ماكُتب بخصوص السحر والجن تمهيدا لهذه التدوينة.

التعليقات

  1. جدا رائع المقال ومعك حق في ان مجتمعاتنا لاتميز بين المرض النفسي والسحر وهم يفضلون ان يكون الامر سحرا على ان يكون مرضا نفسيا !! غريب 😂

    ردحذف
  2. شكرا لك على هذا التوضيح عزيزي جواد.

    ردحذف