نظرية فرويد النفسية الأنا, الأنا الأعلى والهو

6
لما تفكر في علم النفس فلابد وأنه سيخطر ببالك سيجموند فرويد.
يعد سيجموند فرويد (1856 - 1939) أهم عالم نفس على الإطلاق, كيف لا وهو الأب الروحي للتحليل النفسي وصاحب النقلة الجوهرية لعلم النفس لمرحلة جديدة أكثر عصرنة, الحديث عن تاريخ علم النفس يجعلنا نقسمه لمرحلتين: مرحلة ما قبل فرويد ومرحلة ما بعد فرويد.
حسن كي لا أطيل عليك ندخل في صلب الموضوع الجوهري وهو شرح نظرياته النفسية, وسنحاول إسقاطها وتطبيقها على حياتنا اليومية, فأنا أعلم أنك تحبذ قراءة النظريات النفسية التي لها تطبيق حقيقي على أرض الواقع...أليس كذلك؟ سأحاول الاختصار قدر الإمكان كي لا تمل, أرجو أن لا يكون الملل تسرب إلى نفسك من الآن.

1- الوعي واللاوعي:
أهم مفهومين في مدرسة التحليل النفسي, فرويد قسم الذهن إلى واع وغير واع, إذ حسب فرويد فإن السلوك البشري هو نتيجة أفكار وأمنيات ورغبات لا يستطيع العقل الواعي الوصول إليها بكل سهولة, وبعبارة أخرى فإن اللاوعي يعرف أكثر مما يعرفه الوعي عنك.
كمثال توضيحي هل سبق وحدث لك أن كنت تراجع دروسك للامتحان وكلما أردت فتح كتاب ما إلا وشعرت بالنعاس؟ في حين لا تشعر بالنعاس أبدا وأنت تشاهد التلفاز... حسب فرويد فإن هذا ناتج أن اللاوعي سيبحث عن طرق لثنيك عن ما يزعجك, فبالنسبة له أن المراجعة للامتحان مزعجة لك وتسبب الإرهاق والقلق لذا لاوعيك يدفعك للتوقف عن هذا الذي يزعجك فتشعر بالنوم في حين مشاهدة التلفاز ممتعة لك فلاوعيك يحثك على مشاهدة التلفاز باستمرار.
اللاوعي يبحث عن ما يسعدك لحظيا, هو لاواعي لن يخطط لمستقبلك فهذه من مهمة وعيك.
اللاوعي يعمل على حمايتك أيضا من الأمور التي سبق وأضرتك...هل سبق وحدث معك أن التقيت شخصا لطيفا طيبا ومع ذلك شعرت بالنفور منه دون سبب؟ قد يكون السبب لاوعيك, هذا الشخص ربما يشبه شخصا قام بأذيتك بالماضي أو لك منه ذكرى سيئة, ولأنه لاواعي فهو لن يميز بين الشخصين لذا سينفر من وجه أي شخص يشبه ذلك الذي أشعره بالسوء والأذية, وكذا بالنسبة للأسماء.
حسن دعنا نحاول الانتقال للتطبيق الآن, قم بكتابة كل الأحداث التي تدخّل فيها لاوعيك سواء لمنعك من القيام بعمل أو لحثك على القيام به..
سأعطيك هنا بعض الأمثلة للفهم أكثر:
- النوم وعدم الاستيقاظ على ساعة المنبه للذهاب للقاء مهم كنت مضطرا له فقط ولا ترغب فيه.---> لاوعيك قال لك نم.
- نسيان اسم شخص أو مكان أو أحداث أضرتك.
- الفوبيا, أي الخوف من شيء, حدث لك بالسابق وأن تضررت منه, كالخوف من النار لأنه سبق واحترقت, الخوف من الكلاب لأنك تعرضت للعض, عدم الرغبة في الزواج بالنسبة للفتيات بسبب التعرض للاغتصاب بالماضي.
إلخ......

2- الأنا, الأنا الأعلى والهو:
شبّه فرويد عقلنا بالجبل الجليدي الذي يطفو منه على السطح 10 بالمائة فقط في حين أن الخفي منه 90 بالمائة وأكثر.
وبمعنى آخر فإن 10 بالمائة فقط من سلوكنا واع و90 بالمائة سلوك لاواع..
حسب فرويد فإن العقل مقسم لثلاثة أقسام: الهو الأنا الأعلى والأنا.

الهو: يمثل غرائزنا وشهواتنا التي تحركنا ككائنات وهو أهم قسم...الهو لاواع تماما فنحن سنحلم بالطعام إن كنا نتضور جوعا وقد نرتكب السرقة من أجل الأكل إن كنا سنموت جوعا, الهو يسعى لتلبية حاجاتنا البيولوجية, كما أنه المحرك الأساس لدى الأطفال قبل سن الخامسة, فالطفل سيأكل الطعام الذي يراه أمامه بغض النظر ما إذا كان يخصه أم لا, كما أنه سيأخذ لعبة طفل آخر ليلعب بها.
وهناك من البالغين من يحركه الهو طول الوقت, فهو يسرق ليأكل يتحرش بالنساء أو يغتصبهن لما تحركه الغريزة, قد تسرق المرأة مجوهرات تروقها... كل هذا لتلبية الرغبات والشهوات.

 الأنا الأعلى: يمثل مجموع القيم والمبادئ التي يتلقنها الإنسان في مجتمعه, والأفكار التي يؤمن بها, وهي تبعث في نفسه الشعور بالفخر عند احترامها أو الشعور بالذنب عند انتهاكها, فالطفل دون سن الخامسة لا أنا أعلى له, لذا هو لن يشعر بالذنب إن أكل حصة أخيه من الطعام, في حين الطفل الأكبر قد يؤنبه ضميره على ذلك, لأنه تلقن وسط أسرته ومن مجتمعه أن عليه أن يكتفي بحصته, وإن لم يتم تلقينه هذا فإنه سيبقى دائما يأكل حصة أخيه...للأنا الأعلى جزء واع وآخر لا واع, فالشخص الذي يرتكب ذنبا ما سيشعر بتأنيب الضمير وسيكون واعيا بما يشعر به وسببه, في حين قد يحدث أن يجد الفرد لنفسه مبررات لفعله كآلية دفاعية لاواعية وسأتحدث عن هذا إن شاء الله لاحقا.

الأنا: هو القسم الظاهر وله أيضا جزء واع وآخر لاواع.. يزاوج الأنا بين الهو والأنا الأعلى, وعكس هذين الأخيرين فإن الأنا أكثر واقعية منهما, فأنت ستشعر بالجوع وسيحثك الهو على جلب الطعام وستتخيل الطعام أمامك, أنت لن تذهب لسرقة الطعام لأن الأنا الأعلى لا يسمح لك بذلك في حين لا مشكلة عند الهو في أن تسرق لأنه حيواني فالحيوان لن يشتري الطعام, إذن أنت ستلبي حاجيات الهو بشكل يرضي الأنا الأعلى أي بالذهاب للمحل وشراء الطعام, لكنك قد لا تتوفر على المال وستشعر بالجوع الشديد حينها ستلبي حاجات الهو بعيدا عن الأنا الأعلى وسترتكب فعل السرقة, لأن الهو أهم وأقوى من الأنا الأعلى كونه لصيق بحاجاتنا البيلوجية وتلبية طلباته مستعجلة.. طبعا قد يموت الفرد جوعا ولا يسرق وهنا سيكون الأنا الأعلى أقوى من الهو لديه بمراحل.

الآن وقد اكتشفت مكونات الشخصية حسب نظرية التحليل النفسي لدى فرويد, هل يمكنك أن تميز أي قسم من الأقسام الثلاث يتحكم فيك بشكل أكبر؟ هل تجد نفسك تلبي حاجيات الهو بعيدا عن الأنا الأعلى أكثر؟ مثل تلبية بعض الشهوات الجسدية بعيدا عن الأنظار... أم أنك من النوع الذي لا يخترق قوانين الأنا الأعلى ويشعر بالذنب إن فعل ذلك؟ مثل عدم مشاهدة التلفاز كما يطلب الهو ومراجعة دروسك كما تطلب الأنا الأعلى... أم أنك توازن بينهما؟ كن صريحا مع نفسك ولا تستخدم آليات الدفاع التي سنتحدث عنها لاحقا, لا تغش!


3- الرموز في الأحلام:
حسب فرويد دائما فإن المعلومات الغير مرغوب فيها "تُكبت" ويلقى بها في اللاوعي بعيدا عن الإدراك الواعي, إلا أنها ستظهر في الأحلام من حين لآخر, إن ظهور هذه المعلومات لا يكون دائما صريحا بل قد تظهر على شكل رموز لكي لا تزعج الوعي.
إن الأمور التي تعرضت للكبت في حياتنا وصارت في اللاوعي قد تؤثر علينا أشد التأثير في حياتنا الواقعية دون أن نعلم السبب, لذا فإن فرويد يرى أن أفضل وسيلة لمعرفة ما يوجد في هذا اللاوعي الذي لا يمكن الوصول إليه هو بإلقاء نظرة على الأحلام.
فشخص مصاب بالتوتر وصداع بالرأس وعدم القدرة على التركيز وخدر في يديه دون أي سبب عضوي قد يكون ضحية كبت بعض المعلومات التي بالعقل اللاواعي, لربما تعرض لحادث مأساوي يؤثر عليه أو له أفكار لا تناسب أناه الأعلى فتُكبت وتلقى في اللاوعي.
لكنها قد تظهر في الأحلام على شكل رموز.
ليس هناك قاعدة لتفسير الحلم حسب فرويد بل كان يطلع على الخلفية التي أتى منها المريض لتفسير حلمه, مثل ديانته وبيئته وثقافته, فبعض الرموز بالمجتمع الاسلامي ستختلف عن الرموز بالمجتمع المسيحي أو غيرهما, فمن يحلم ببومة في مجتمع يرى أن البوم نذير شؤم سيختلف تفسير حلمه عن شخص من مجتمع أوربي يرى البومة رمزا للحكمة.

هل يتكرر لديك حلم معين باستمرار؟ هل تحلم حلما بشكل متكرر؟
حاول أن تكتب ما تحلم به مباشرة بعد الاستيقاظ وإيجاد ما إذا كان هناك موضوع ما يتكرر في أحلامك, وإن كنت لا تعرف معنى تكرر نفس هذا الحلم كل مرة حاول فك رموزه إنطلاقا مما يحيط بك في وسطك الذي تعيش فيه وخلفيتك الثقافية والاجتماعية.

حسن سأكتفي بهذا القدرعن نظرية فرويد ولن أتحدث عن الجنس الذي حاول فرويد تفسير كل شيء به ولا المراحل التي يمر بها الطفل قبل البلوغ, كي لا نطيل كثيرا وأنت قد مللت, وتجدر الإشارة إلى أن نظرية فرويد قد صارت تقريبا متجاوزة خصوصا في الشق المتعلق بتفسير كل شيء بالجنس... طبعا هناك أنصار لنظرية فرويد في التحليل النفسي حول العالم لكن زخمها قد خفُت, ولن نسوق الانتقادات طبعا لأنها ليست موضوعي كالعادة..
كانت هذه ملحوظة فقط لكي لا تعتقد أن ما قرأته بالأعلى مُسلّمة وإنما مجرد نظرية ورؤية فرويد الشخصية.
إذن الجزء الثاني عن اللاوعي وميكانيزمات الدفاع النفسي.

التعليقات

  1. (سواء لمنعك من القيام بعمل أو لحثك على القيام به)
    الحث هل هنا المقصود أن نفعل شيء بدون أن يكون هناك سبب منطقي له ولكننا سنفعله لأنه من اللاواعي ؟

    عن الأنا أوقات ألبي رغبات الهو بأشياء معينة .. وهناك أوقات الأنا الأعلى تضع حدود لأشياء معينة وأمنع نفسي يعني أقرب للتوازن لا تطغى علي أحدهما

    كان لدي تساؤلات و فضول من قريب حول الواعي و اللاواعي والأحلام والرسم السريالي ومن قريب بدأت أقرأ نظريات فيرويد ولكن أظن أنني مازلت بالبداية لأشبع فضولي

    مقالة رائعة وانتظر مقالة الواعي واللاواعي وآلية الدفاع

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو,
      أجل أحيانا اللاوعي يدفعنا للقيام بأفعال دون إرادتنا الواعية, مثلا تشاجرت مع شخص عزيز علي جدا وأردت أن أبعث رسالة لأحد الأصدقاء فوجدتني أرسلها لذاك الشخص العزيز خطأ وبلاوعي.

      حذف
  2. رائع,, متابعك وللامام تشرح هذه الامور الممتعة باسلوب مبسط,,, لا تنسى الايفاء بوعودك في هذا المقال,,,

    ردحذف
  3. مقال رائع .. اعتقد ان البي رغبات الانا الاعلى اكثر من الهو .. وشكرا 💖✨

    ردحذف
  4. بالنسبة للأحلام :
    نعم فهي تتكرر عندي كثيراً بعدد يترواح بين 3 إلى 4 مرات في السنة :
    الأولى: دئماً أحلم بالحشرات و أحاول القضاء عليها بأي سيلة .
    ثانياً : موت أحد من أحبائي و فشلي في إنقاذهم .


    ردحذف
  5. شكرآ جدآ محتاجه باقي المقال ؟

    ردحذف