سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الثاني)

4
الكابالا كما عرفناها في الجزء الأول هي الجانب الباطني من اليهودية ظهرت بقرون أوربا الوسطى وقد تم تبنيها وتطويرها في العصر الحديث من طرف اليهود الحاسيديم ويعد اليهود الحاسيديم الأكثر اعتناقا للكابالا وهم فرقة يهودية باطنية روحانية نشأت في أوربا الشرقية نهاية القرن السابع عشر عمدوا على تطوير التراث الكابالي والمعتقدات الكابالية, وكان فرويد ينتمي لأسرة حاسيدية.
ولد سيغموند شلومو فرويد بامبراطورية النمسا سابقا, وهو سليل أسرة متدينة فقد كان جده الأكبر حاخاما كما وجده لأبيه شلومو فرويد حاخاما بدوره وقد سمي على اسمه...تلقى سيجموند فرويد منذ صغره تعاليم الديانة اليهودية الحاسيدية والتي تعد الكابالا جزء لا يتجزء منها, إلا أنه لم يستطع الاطلاع على كتب الكابالا بشكل مباشر إلا بعد بلوغ سن الخامسة والثلاثين كما هو التقليد الجاري به العمل, عندما أهداه والده كتاب الزوهار.

مظاهر الكابالا بنظريات فرويد: 
إن مظاهر الأفكار الكابالية بنظريات فرويد عديدة وقد عمد فرويد على إخراجها من سياقها الديني الروحاني ليسقطها على عالمنا المادي النفسي, ثم ليقدمها في قالب علمي, أي أنه وكما وصف دافيد باكان في كتابه "فرويد والتراث الصوفي اليهودي" أقدم على علمنة الأفكار الكابالية بوعي منه أو بلاوعي, وأعاد صياغة الموروث الباطني اليهودي بشكل معاصر ليوالم علم النفس.
لقد سبق وأفردت بعض التدوينات حول مختلف النظريات لذا ستكون المقارنة غير مفصلة لكي لا يطول المقال, ويمكنك عزيزي القارئ العودة إليها لفهم أدق.
كما سيصعب عليك فهم أوجه الشبه إن لم تكن قد قرأت الجزء الأول الذي تطرقت فيه لبعض مبادئ الكابالا.

أولا الوعي واللاوعي:
يشتهر التحليل النفسي الفرويدي بمفهوم الوعي واللاوعي, ورغم أن كُتّابا أشاروا لمصطلح اللاوعي قبل فرويد, إلا أن هذا الأخير كان أول من قدمه بشكل علمي وأكسبه شهرة كاسحة, حيث يتمثل هدف التحليل النفسي إلى استكشاف أهداف هذا اللاوعي ودوافعه والتحكم به قدر الإمكان, وفي واقع الأمر فإنهما مفهومان وجدا بالكابالا وغيرها من المعتقدات الدينية.
إن شجرة الحياة بالكابالا (سيفيروت) تقسم أيضا الوعي الإنساني إلى مستويات وعي عليا وسفلى, فالثالوث (تاج - حكمة - فهم) يمثلان أعلى مستويات الوعي التي يحاول الإنسان الحكيم أن ينشدها من خلال استكشاف الذات العميق والتأمل الروحاني, فيكون مدركا لدوافع نزواته متخلصا من شرورها, ولايقع في شباك "آليات الدفاع النفسي" كما عرفها فرويد, والتي ترتبط بالمستوى الإنساني السفلي "الراوخ" كما بالكابالا.

ثانيا أقسام النفس البشرية:
قسم فرويد النفس البشرية لثلاثة أقسام وهي:
1- الهو:  التي تمثل الجانب الغرائزي الشهواني من النفس البشرية, يسعى دائما هذا الجانب لحث النفس على تلبية مختلف الرغبات.
2- الأنا الأعلى: وهي الجانب المثالي من النفس البشرية وتضم مختلف المبادئ والقيم التي راكمها الإنسان على طول حياته, وهي تسعى لتطبيق هذه القيم والمبادئ وتحييد الهو.
3- الأنا: وهي الأنا الظاهرة للعيان والتي تجمع بين الأنا الأعلى والهو وتحاول الموازنة بينهما بتلبية الرغبات الغريزية الشهوانية تحت وصاية الأنا الأعلى.

يمكنك القراءة بتفصيل عن الموضوع: أقسام النفس عند فرويد
 
إذن لو عدنا للكابالا فإننا سنجد تقسيما للروح البشرية مطابقا تماما للتقسيم الفرويدي للنفس البشرية, وما الهو إلا (نفيش - نفس) بالكابالا وما الأنا الأعلى إلا (نشامة - نسمة) ومقر الأفكار العليا بالكابالا, في حين أن الأنا التي توازن بين الهو والأنا الأعلى والتي تمثل هوية الإنسان وصورته الظاهرة هي ذاتها (راوخ - روح) التي تمثل المستوى الإنساني الظاهر بالكابالا.
وقد تجاهل فرويد المستويين الأخيرين بالكابالا لأنهما يرتبطان بالمعتقدات الدينية الخالصة الروحانية ولم يكن فرويد الملحد بحاجة إليهما لضمهما لنظريته التي من المفترض أنها علمية خالصة لا تشوبها عقائد دينية.

ثالثا العضو الذكري رمز القوة:
يشير فرويد في نظريته الجنسية إلى قلق الإخصاء لدى الأطفال الذكور وإلى الحسد القضيبي لدى الإناث.
فالطفل الذكر يخاف من أن يفقد عضوه لأنه يميزه عن أمه ويمثل هويته ورمزا للقوة والهيمنة فيخاف من الأدوات الحادة بسن الأربع والخمس سنوات, في حين أن الطفلة الأنثى التي سماها فرويد في بداية تكوينها "الرجل الصغير" ستكتشف كيف أنه ليس لديها رمز القوة والهيمنة هذا وستشعر بالغيرة, وستبدي الطفلة بعمر الأربع خمس سنوات ولعا بالأشكال التي تشبه العضو كتعويض لهذا النقص.
عودة للكابالا فإننا نجد أن انبثاق (ياسوود - الأساس) يرتبط بالعضو الذكري وهو الانبثاق الذي يشكل أساس الوجود والذي تمر منه كل الانبثاقات التي يتم الدفع بها (للملكوت).
بمعنى أنه بإسقاطنا مراحل الخلق الكابالية على تكوين النفس الإنسانية فإنه يجب على النفس أن تمر عبر هذا (الأساس) كيفما كان جنسها ذكرا أو أنثى, وبالتالي فسرها فرويد على أن الذكر يدرك لأهمية هذا العضو في حين أن الأنثى أيضا تمر عبر هذا الأساس فتعتقد أن لها عضوا وهي طفلة قبل أن تكتشف أنه غير موجود.

رابعا الجنس يفسر كل شيء:
يفسر فرويد كل مشكل نفسي على أن له أساسا جنسيا.

يمكنك القراءة عن النظرية الجنسية عند فرويد.

بالكابالا حسب مفهوم انبثاق (الأساس) الذي يعد أصل انبثاق (الملكوت), فإن كل الخطايا ذات أصل جنسي لذا تم تشريع الختان تطهيرا وترفعا وعهدا مقدسا بين الله وشعبه.

خامسا الأنا الأعلى عند المرأة أقل منزلة عند الرجل:
من بين الأفكار التي جرّت على فرويد انتقادات واسعة من عالمات النفس تحديدا هو رأيه القائل أن الأنا الأعلى لدى المرأة أضعف من الأنا الأعلى لدى الرجل وأنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
في واقع الأمر فإن رأي فرويد في المرأة برسائله الخاصة المتبادلة كانت أكثر تطرفا منها في كتاباته العامة.
وهذه هي النظرة اليهودية القديمة للمرأة, لأن الختان المرتبط بالعهد بين الله وشعبه للتطهر من الخطايا هو للرجال وليس للنساء, فيتم ربط بذرات الشر كعنصر أنثوي, وبالكابالا لا يمكن أن يصل أعلى درجات الوعي إلا الرجال طبعا, كما كان يحرّم على النساء الاطلاع على كتب الكابالا في قديم الزمان ولا حتى بقية الكتب الدينية.
ففي تعاليم بعض الحكماء بالأدبيات اليهودية أن المرأة "لا يجب أن تدرس التوراة فعقلها خفيف وغير مهيأ لهذا", وفي تعاليم أخرى أنه "إذا سقط رجل وامرأة بالنهر فيجب عليك أن تنقذ الرجل أولا لأنه ملزم بتطبيق المزيد من الوصايا في حين أن حكمة المرأة تكمن في مغزل الصوف".  ومن بين الأدعية الواردة أن على الرجل "شكر الله أنه لم يخلقه وثنيا أو امرأة أو جاهلا".
في عصرنا الحالي قام اليهود الأورتوذكس الغربيون بتطوير وإعادة قراءة للنصوص بما يتناسب مع مستجدات العصر, لذا يقدمون تفاسير لمثل هذه المقولات وإعادة لصياغتها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتغير نظرة العالم الغربي للمرأة إلخ...أي لو عاش فرويد عصرنا الحالي لكانت أفكاره تشابه أفكار الكاباليين المعاصرين.

سادسا الرمز بالأحلام وزلات اللسان:
يقوم فرويد بتفسير الأحلام على أنها رموز تشير لمعاني خفية في حياة الإنسان فيتم إعادة صياغة الحلم على أساس ما يشير إليه من رمز في الحياة الواقعية تماما كما يفسر "الشيخ مفسر الأحلام بالتلفاز", إلا أن تفسير فرويد "علماني" لا يرتبط بالعالم الروحاني بل بالحياة المادية الدنيوية للفرد.
التفسير وقراءة الرموز وفك شيفرة النصوص, هذا ما يطبقه اليهود الأحبار في قراءاتهم للنصوص المقدسة في أدبيات "المدراش" وقد طُبّقت في كتاب الزوهار لاستخراج معاني جديدة خفية حسب المعتقد غير ظاهرة للقارئ العامي.

سابعا العلاج بالتداعي الحر:
عالج فرويد مرضاه عن طريقة أسلوب التداعي الحر, وهو الأسلوب المتبع بالتحليل النفسي الفرويدي, أي أن الشخص يتمدد في أريكة ويبدأ بالتحدث عن نفسه ومشاكله بحرية تامة, والمحلل النفسي الذي هو فرويد يجلس خلف المريض, بحيث لا يرى المريض المحلل ليشعر بالأمان وليسترسل بالكلام حول طفولته ومخاوفه, بينما يدون فرويد الكلام المهم الصادر من المريض والذي يمكن تحليله وفك شيفرته على أنه رمز لمكبوتات يحاول المريض إخفاءها...فإذا قال له المريض أنه يخاف من الأفاعي فإن فرويد سيفسر الأفاعي على أنها رمز للعضو التناسلي.
أي أن أسلوب التداعي الحر لا يختلف أبدا عن منهجية المدراش في التفسير التي تستخرج معاني خفية من النص الظاهر, بإعتبارها رموزا.

ثامنا الله هو رمز للأب:
حسب فرويد -الملحد بلا شك- فإن الدين ما هو إلا عصاب جماعي, والله مجرد وهم يمثل حاجة الطفل لصورة الأب القوي في حياته, فيترعرع الإنسان باحثا عن صورة أب قوي متمثلة في مفهوم الله.
لقد خلص فرويد إلى هذه النتيجة لأن الله في التلمود والكتب المقدسة اليهودية كثيرا ما يشار إليه على أنه الأب وأن اليهود أبناء الله وأحبابه, كما وأن بالدين المسيحي ثالوث الله الأب والابن والروح القدس, وهذا ما رآه فرويد بالديانتين السائدتين بمجتمعه, ولكن مفهوم الله بديانات عدة لا يشار إليه بالأب أبدا أو على أنه ذكر, وهناك ديانات عدة منقرضة ومستحدثة بها آلهة إناث.
أي أن محاولة تحليله لمفهوم الله من الناحية النفسية لا تنطبق على جميع البشر, في حين من المفترض أن دراسات علم النفس تتناول الإنسان كموضوع, فلا يكون مرتبطا بعرق دون آخر أو بمعتنقي ديانة دون أخرى, فالنظرية يجب أن تنطبق على الإنسان بشكل عام.
لماذا استوحى فرويد نظرياته من الكابالا؟
لا يمكن الجزم ما إذا كان فرويد قد بنى نظرياته من الثرات الكابالي بوعي منه وبتعمد مع إخفاء مصادره, أم أنه فعل ذلك وهو لا يعي أن نظرياته هي نتاج معتقدات وسطه الذي ترعرع فيه.
فقد يكون فرويد وقع في ظاهرة ما يطلق عليها "Cryptomnesia" النسيان المشفر, إذ يحدث للإنسان أن يقرأ مؤلفات وأفكار ينسى أمرها مع مرور الزمن ويكتب حول نفس الأفكار ظنا منه أنها أفكاره الخاصة الخالصة.


فمثلا لنفترض أن عالم نفس ملحد من العالم الاسلامي ترعرع ببيت والده شيخ وجده شيخ, فصاغ نظرية نفسية تقسم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام:
نفس سماها الضمير المؤنب الذي يؤنب ضمير الإنسان كلما أقدم على تصرف يناقض قيمه ومبادئه التي نشأ عليها.
ونفس لاأخلاقية تهتم بالمصالح الذاتية بعيدا عن القيم والمبادئ.
ونفس هادئة تمكنت من المزاوجة بين مصالها وقيمها.
إذن سيأتي من يستخرج الأصل الاسلامي لهذه النظرية وأن الأمر يتعلق بالنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة, وكلها واردة بالقرآن الكريم, وقد يكون هذا العالم الملحد المفترض غير مدرك لأصل نظرياته ويعتقد أنها من إنتاجه الخالص.

وسواء كان الأمر هذا أم ذاك فإنه لن يختلف كثيرا فحتى لو اقتبس فرويد عن قصد ووعي منه فهذا لأنه وجد هذه الأفكار قابلة للتطبيق العملي.
إذ أن فرويد كملحد كان يصنف هذا التراث اليهودي على أنه أعمال أدبية وإنتاجات فكرية بشرية تثير الإعجاب ومحاولات بدائية لتفسير الكون والنفس البشرية ونحوه...وهي محاولات مبنية على ملاحظات رجال أذكياء يمكن الاستفادة منها ومعالجتها.
فاليهودي الكابالي المؤمن مقتنع أن كتاب "الزوهار" مثلا وحي من الله أملاه نبي من أنبياء بني اسرائيل على أحد الأحبار لتفسير خفايا الكون الواردة بالتوراة, وأن عمره أزيد من ألفي عام.. لكن بالنسبة لغير المؤمنين بالكابالا, فإنه إنتاج فكري لموشي بالقرن الثالث عشر وهو رجل عبقري بلا شك لأن كتابه أثر على ملايين من البشر على مر التاريخ بغض النظر عن محتواه وعقائده.

هل هذا يعني أنه يجب عدم الأخذ بنظريات فرويد؟
من المسائل التي تصيبني بالصداع كتابات البعض حول الحذر من نظريات فلان أو علان لأن أصلها يهودي أو هندوسي أو وثني...
لاعلاقة لأصل النظرية للحكم عليها!!  إن كانت نظرية علمية فيجب عرضها على ميزان العلم وما إذا كانت صحيحة أم خاطئة ...لأنه بالنسبة لنا كمسلمين الديانات التي لا نؤمن بها هي إنتاجات بشرية مبنية على ملاحظات وتخمين وتأمل البشر في محاولة لتفسير كيفية سيرورة الكون.
فإن ورد مثلا باحدى الديانات الوثنية أن الأرض كروية فهل هذا يعني أنه علينا أن نؤمن أن الأرض مسطحة لنخالفهم؟ هم بشر مثلنا وخمنوا وأعملوا عقولهم وتأملوا الكون ووصلوا لنتيجة مفادها أن الأرض كروية ضمنوها معتقداتهم وصنعوا أشكال كروية مثلا عبدوها, وهذا شأنهم ومعتقداتهم...ولكن من الناحية العلمية فإن رأيهم صواب كون الأرض كروية, إلا إن أتبث العلم العكس.
فالغربيون أخذو العديد من التشريعات الاسلامية وضمنوها قوانينهم الوضعية, ولايعني هذا أنهم يعشقون المسلمين بل لأنه بالنسبة لهم إنتاج إنساني لحضارة من الحضارات به الكثير مما يمكن الاستفادة منه..

إذن نظريات فرويد ذات الأصل اليهودي هل هي علميا معتبرة؟
الإجابة: قليل منها جدا كذلك وأغلبها متجاوز وتبث خطؤه "علميا" بغض النظر عن أصله اليهودي البوذي الهندوسي...

يجب أن يكون حكمنا للأمور "واقعيا" كما أفضل أن أطلق عليه, بعيدا عن الحس المؤامراتي الذي ابتلينا به.

هل كان فرويد يهوديا أم ملحدا؟
كان فرويد يطلق على نفسه لقب اليهودي الملحد.

لاتعد اليهودية مجرد ديانة ومعتقدات يعتنقها الإنسان فهي بالنسبة لليهود هوية متكاملة وعلى خلاف الإسلام والمسيحية فإن اليهودية تتحدد منذ الولادة, حيث يعتبر كل مولود من أم يهودية يهوديا حتى وإن ترك دينه لأنه يبقى من بني اسرائيل ومن شعب الله المختار حسب معتقداتهم, ولا يعتبر كل إنسان ولد لأم غير يهودية يهوديا حتى وإن اعتنق دينهم, فاليهودية ديانة غير تبشيرية عكس المسيحية والإسلام.
لذا ستجد عددا من الملاحدة اليهود يقدمون أنفسهم على أنهم يهود ملاحدة  فهم يقصدون باليهودي كعرق أو اثنية, في حين لن تجد من يقدم نفسه على أنه ملحد مسلم أو مسيحي.
لقد كان فرويد يشير ليهوديته ويعتز بها كل حين فهو مستوعب لحقيقة أن شطحاته في الدين لن تنفي عنه هذه الهوية, وقد غذى هذا الشعور بالإنتماء النظرة الأوربية في ذلك الوقت التي رأت اليهودية صفة ملازمة لليهودي حتى وإن تخلى عن دينه كما حدث مع ألفرد أدلر وإريك إريكسون وغيرهما, مما جعلهم يتكتلون كعرقية وليس كطائفة دينية, أي أن فرويد عندما كان يدافع عن شعبه اليهودي فلأنها بالنسبة له هويته الاجتماعية وليست مجرد ديانة أو معتقد يمكن التخلي عنه والتبرء منه...تماما كما يتكثل أبناء الأقليات في أي بلد دفاعا عن أنفسهم.

هل كان فرويد صهيونيا؟
إن قلت نعم وسكتت, فهذا مثل قراءة الآية منقوصة: ويل للمصلين.
عاش فرويد في حقبة عرفت اضطهادا لليهود بأوربا, حيث كانت تشن حملات عدوانية كحرق محلاتهم وحتى قتل وتنكيل بهم في بعض الأحيان ولم تكن الدول الأوربية الشرقية تدافع عن مواطنيها اليهود بالشكل اللازم بل كانت تخلق جوا من الميز العنصري ضدهم, ففضل عدد كبير منهم التحول للدين المسيحي مثل عالم النفس ألفرد أدلر الذي لم يشفع له تحوله للدين المسيحي من إغلاق عيادته من طرف النازيين لأن علمه بالنسبة لهم "علم يهودي", كما كان يقوم بعض اليهود  بتنشئة أبنائهم على الدين المسيحي لينذمجوا وسط المجتمع الأوربي بدل العيش في تجمعات يهودية منعزلة تجلب لهم الوبال, في حين فضل آخرون الهجرة إلى أمريكا هربا من النازيين كما فعل ألفرد أدلر واريك اريكسون وأينشتاين وغيرهم الكثير...
كان فرويد ناقما على هذا الوضع وكان يؤكد كل حين أنه يهودي مفتخر بإنتمائه الثقافي, وقد انضم لعدة تنظيمات يهودية, وكان ينصح الآباء بعدم تحويل أبنائهم للدين المسيحي لأن اليهودية حسب ما جاء في رسائله "تحمل عمقا وأسرار أكبر", وقد كان عضوا شرفيا بالصهيونية, ولا ننسى أن الصهيونية في عهد فرويد كانت في بداياتها ولم يكن الصراع العربي اليهودي قد احتدم بقوة.
كان فرويد يرغب في أن يكون للقومية اليهودية دولتهم الخاصة وقد كان من بين المقترحات أوغندا, أي أن فرويد كان موافقا مبدئيا على الاستيلاء على دولة مواطنين آخرين, ولكنه كان يعارض أن تقام بدولة فلسطين ليس لأنه يحب المسلمين بل كان يعارض أن تقام دولة يهودية بأي دولة بها مقدسات دينية لأقوام آخرين تخلق صراعا مطولا معهم.

ولأنه ملحد فلا تهمه المقدسات التاريخية ولا الهيكل ولا حائط المبكى ولا أرض الميعاد, لأن رأيه كان أن اليهود متفوقون بعقولهم وفكرهم وتراثهم وبالتالي يجب إنشاء دولة قوية بعيدا عن صراعات لا طائل من ورائها حسب رأيه
وهذا يظهر جليا في رسالته التي رد فيها على أحد الصهاينة الذين طالبوه بتوقيع عريضة استنكار وإدانة للعرب وتقديمها لبريطانيا عن أحداث 1929 بفلسطين, حيث وقع اشتباك عنيف بين اليهود المستوطنين والمسلمين بسبب حائط البراق, الذي حاول اليهود المهاجرون الاستيلاء عليه.
ولأن فرويد كان يتساءل طوال حياته سبب الكره والحقد الذي يطاله وشعبه بأوربا والذي عجز عن إيجاد تفسير تاريخي شامل له, أشعره فتح صراع جديد وأحقاد جديدة على شعبه من طرف فئات جديدة بالعالم  بالأسى.

فكتب فرويد الآتي في رده:

"لا أستطيع القيام بما ترغب فيه (توقيع العريضة) أنا غير قادر على تجاوز شعوري بالنفور من إقحام اسمي لدى العامة, وحتى في هذه اللحظات لا يبدو لي الأمر مبررا.
كل من يرغب في التأثير على الجماهير عليه أن يقدم لهم أمرا مثيرا ومحفزا في حين أن حكمي الرصين على الصهيونية ليس كذلك, بكل تأكيد أتعاطف مع أهداف الصهيونية وفخور بجامعتنا بالقدس ومسرور لرخاء مستوطناتنا, لكن من ناحية أخرى لا أعتقد مطلقا أن فلسطين يمكن أن تصير دولة يهودية, فلا العالمين المسيحي والإسلامي على استعداد بأن تخضع أماكنهم المقدسة لوصاية اليهود. كان يبدو أكثر عقلانية أن تقام دولة يهودية في منطقة أخف ثقلا من الناحية التاريخية, لكنني أعلم أن وجهة نظر عقلانية كهذه ما كانت لتثير حماس الجماهير ولا الدعم المالي من الأثرياء.
أنا أعترف بكل أسى أن تعصب شعبنا الأعمى يتحمل جزء من اللوم في إيقاظ مشاعر عدم الثقة بنا لدى العرب. لا يمكنني أن أبدي أي مشاعر بالتعاطف بالمرة مع التدين الخاطئ الذي حول جزء من جدار هيروديان (حائط البراق) إلى مقدسات وطنية, وبالتالي الإساءة لمشاعر السكان الأصليين.
والآن احكم بنفسك, وبوجهات نظري المحرجة, ما إذا كنت أنا هو الشخص المناسب الذي تقدمه كعزاء لشعبنا المخدوع بالآمال الكاذبة.

خادمك المطيع فرويد."  

Vienna: 26 February 1930: Letter to the Keren Hajessod (Dr. Chaim Koffler)

سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الأول)

2
لا يعد إنتماء فرويد لليهودية والخلفية الدينية لنظرياته سرا من الأسرار إذ سال مداد كثير حول هذا الموضوع منذ عقود مضت وألفت كتب ونشرت مقالات لكتّاب يهود وغير يهود حتى لكان يطلق على علم النفس الفرويدي في ألمانيا النازية لقب "العلم اليهودي".
وأحرق النازيون مؤلفاته وفر فرويد إبانها لبريطانيا.
إلا أنني لاحظت في المقالات العربية نوعان إما دفاع مستميت وتبجيل حد القدسية للعالم أو تهويل وحس مؤامراتي حول الخلفية اليهودية له, فيما تنذر الكتابات المحايدة, لذا بدا لي أن أتناول الموضوع في جزئين بشيء من الواقعية, بعيدا عن التهويل والتبجيل.

ولابد بداية وفي هذه التدوينة من شرح بعض من أفكار الكابالا اليهودية التي استوحى فرويد منها لصياغة أهم نظرياته, وإن كنت عزيزي القارئ ملما بنظريات فرويد فإنه سيتجلى لك أوجه الشبه بين علم النفس التحليلي والكبالا بكل سهولة.

ما هي الكابالا؟
الكابالا أو القبالا من الاستقبال ويمكن ترجمتها بالتقاليد, مدرسة فكرية تمثل الجانب الروحاني الباطني من الديانة اليهودية (صوفية), تتمحور حول ما يطلقون عليه أسرار الخالق والخلق والكون, نضجت أفكارها على مر الزمن بين يهود أوربا بالقرون الوسطى خصوصا يهود الأندلس, حيث كان الأحبار يضيفون كل حين أفكار وتعاليم جديدة يتناقلونها بسرية من جيل لجيل شفهيا حيث جرت التقاليد ألا يدرس الكابالا إلا الرجال اليهود الذين بلغوا سن الأربعين من العمر من دون النساء, إلا أنها صارت حاليا بمتناول الجميع.

وللكابالا عدة كتب أهمها على الاطلاق كتاب "الزوهار" تعني الضياء, والذي ظهر بالقرن الثالث عشر ميلادي بالأندلس على يد الحبر موشي بن شيم حيث ادعى أنه عثر على النصوص الأصلية التي ألفها الحبر شمعون بن يوحاي بالقرن الثاني قبل الميلاد, أملاه عليه أحد أنبياء بني إسرائيل طوال اثني عشر عاما, أثناء إختفائه بالسرداب قصد شرح المعاني الباطنية للتوراة, في حين يرى بعض المؤرخين اليهود غير الكباليين أن موشي هو مؤلفه الحقيقي ضمّنه أفكار السابقين وأن ادعاءاته بالعثور على النصوص الأصلية باطلة, وأن الزوهار ما هو إلا كتاب منحول.
طبعا لا يؤمن كل اليهود بالكابالا, ويمكننا أن نشبه المسألة بالصوفية والعرفان في الإسلام, حيث لا يهتم كل المسلمون بهما.
علي أي فإن الزوهار يتكون من عدة أقسام تتناول شرح معاني التوراة الخفية حسب المعتقد ومواضيع روحانية من قبيل الله وصفاته وشرح معاني أسمائه اليهودية وتجلياته, والكون, والروح والخير والشر إلى آخره من الموضوعات التي تناقشها مختلف العقائد الدينية عموما...ويهدف الزوهار حسب معتنقي الكابالا لاستكشاف الذات للوصول لأعلى درجات الروحانية.
تنقسم مجالات دراسة الكابالا إلى ثلاث مجالات:
1- كابالا نظرية: تتطرق للمجال الفلسفي الروحاني وتناقش مختلف المواضيع كما بكتاب الزوهار.
2- كابالا تأملية: وهو المجال الذي يتطرق للممارسات التأملية التي يكون الغرض منها التوحد مع الله من خلال التأمل والوصول لأعلى مراتب الروحانية, وهناك عدة رواد لعدة طرق (صوفية) يهودية.
3- كابالا عملية: وهو المجال الذي يتطرق للطقوس العملية السحرية, والذي يكون عبارة عن طلاسم وتعويذات وطقوس لجلب الحظ والثروة والحب ونحوه, ويرفض عدد من الكباليين التطرق لهذا المجال. (يمكن تشبيه الأمر بكتاب شمس المعارف الكبرى)

وسأتناول المجال الفلسفي الذي يهمنا طبعا:

مفهوم الله في الكابالا:
بالنسبة للكباليين فإن للذات الالهية جانبا ظاهريا وباطنيا خفيا, فالجانب الظاهر هو الجانب الذي تتناوله التوراة بشكل مباشر عن علاقة الله بمخلوقاته, في حين أن الجانب الخفي الذي تتعرض له الكبالا هو الذات الالهية بحد ذاتها وجوهرها ويطلقون على هذا الجوهر "عين سوف" والتي تعني اللامتناهي الأزلي الخارج عن حدود الزمان والمكان, ولا يمكن للعقل استيعابه ولا فهمه, وينزه الكباليون عين سوف من أي لقب أو اسم أو صفة, ويتجلى عين سوف للكون بانبثاقات عشر يطلق عيها "سفيروت", وهي سمات إلهية تتفاعل فيما بينها بالكون, وهي أساس الخلق.

كابالا
1- تاج (كيتير بالعبرية): أول انبثاق من نور عين سوف ولُقب بالتاج لأنه يقع فوق الرأس رمزا لما هو فوق وخارج نطاق العقل... نقطة الخلق الأولى ويمثل الوعي الخالص لاتصاله بنور عين سوف (الإله)... ويُشار إليه بالأب بمعنى الأصل.
2- حكمة (حوخما): انبثاق ينهل من التاج وهو أولى بذرات الوجود الحقيقي بالعالم, ويمثل الحكمة الإلهية والبصيرة والحدس الذي يومض من الوعي الصافي والذي يسبق التفكير والتحليل,  ينهل من الوعي الخالص "التاج"...سمة ذكورية يُشار إليها بالابن بمعنى البذرة.
3- فهم (بينا): ثالث انبثاق واعي يتسلم مشعل نور الحكمة وهو الاستقرار والهدوء الذي يغذي بذرة الحكمة وينميها, فومضات حدس وبصيرة الحكمة تُستوعب وتحلل بانبثاق الفهم...سمة أنثوية يشار إليها بالأم بمعنى الحاضنة لبذرة الحكمة.
0- معرفة (داث): ليتميز الكباليون اليهود عن ثالوث المسيحية أضافوا المعرفة بوسط الرسم التخطيطي وهي لا تمثل انبثاقا وإنما انعكاسا لكل الانبثاقات, والنتيجة النهائية لتفاعلها وهي صورة لاواعية من التاج الواعي.
4- رحمة (حيسيد): انبثاق ينشأ من تدفق الثالوث الواعي (تاج- حكمة- فهم) وهو أول انبثاق بالعالم المحسوس العاطفي ويمثل الخير اللامحدود كالعدل والحب والكرم وغيرها من سمات الخير... وهي سمة ذكورية.
5- شدة (غيفورا): انبثاق من العالم المحسوس العاطفي يلي الرحمة ويمثل القوة والشجاعة والدفاع عن الحدود, هي القوة التي تسعى للتغلب على القيود والخصوم, ومعاقبتهم والانتقام منهم وتتضمن بذرة من الشر...وهي سمة أنثوية.
6- جمال (تيفيريت): جمال أو تناغم أو تناسق انبثاق يدمج بين (رحمة - شدة) وهي التي تعطي الانسجام والتوازن بين مختلف الانبثاقات لذا هي تتوسط الرسم البياني لأنها تكوّن أناة الإنسان التي تناغم بين الرحمة والشدة.
7- نصر (نيتساح): مكان العواطف والمشاعر التي تحفز الإبداع والعمل, إذ يتلقى انبثاق النصر من نور انبثاق الجمال لتبدأ المرحلة العملية بالنسبة للإنسان والتعبير عن أناه التي تكونت في انبثاق الجمال...سمة ذكورية.
8- مجد (هود): انبثاق يعمل إلى جانب النصر بالتحكم به وإعطائه دفعة أكثر عملية للعمل بشكل متوازن نحو تحقيق الأهداف والمجد...سمة أنثوية.

9- أساس (ياسوود): تمر كل الانبثاقات الثمان في الأساس ليعطيها قالبا ماديا ويدفع بها للملكوث, فهو يعطي الإنسان قدرة على التواصل مع بقية الانبثاقات وترجمتها, طاقة خفية تعمل على تحفيز الأجسام المادية والطاقة الجنسية, وهو يرتبط بالقضيب الذكري.

10- ملكوت (ملخوت): هو العالم المادي الذي يعيشه الإنسان والذي تتمظهر فيه بقية الانبثاقات.
أنواع الروح الإنسانية بالكابالا:
تنقسم الروح عند الكباليين إلى خمسة أقسام:
1- نفس (نفيش): هي النفس الدنيا الحيوانية, والمستوى الخفيض من الوعي وتمثل الإدراك بالعالم المادي المحسوس الحاضن لمختلف الغرائز والشهوات الحيوانية, وبهذا المستوى من الروح يدرك الإنسان ويعي فقط لاحتياجاته التي يشترك فيها مع الحيوان.
2- روح (راوخ): هي الروح الإنسانية والمستوى الأعلى من (النفس)  والتي تمثل عالم العواطف والأفكار وبالروح تبنى الأنا لدى الإنسان الذي تميزه عن بقية الكائنات, وبهذا المستوى يدرك الإنسان أن له هدفا من وجوده.
3- نسمة (نشامة): مقر الأفكار العليا ومستوى أعلى من (الروح) ووعي جد مرتفع يمكنه من استخلاص جوهر الأمور والتركيز على المفاهيم الإلهية والحكم من الوجود.
4- حياة (خياه): مستوى أعلى مجددا من الوعي ويمثل الوعي الصافي بالأنا.
5- وحدة (يهيدا): المستوى النهائي والذي يتوحد فيه الإنسان مع الله.

حسب  كتاب الزوهار فإن المستوى الأول (نفس) يتواجد عند الحيوان أيضا, والمستويين الثاني والثالث (روح - نسمة) يتوافران لدى جميع البشر ولكن يتطوران أكثر عند من يتلقى نوره من الله, في حين أن المستويين الأخيرين لا يمكن أن يصلهما إلا من تلقى أعلى درجات الوعي الروحاني من الكباليين اليهود والأنبياء.
منهجية تفسير التوراة بالكابالا:
اعتمد الكباليون في تفسير التوراة على منهجية الأولين لاستنباط المعاني الخفية له حسب اعتقادهم, فقد أخذوا من أدبيات "المدراش" وهي إنتاجات الأحبار الذين سبقوا الكباليين في تفسير التوراة واستخلاص الأحكام  منه (مثل كتب الفقه والتفسير عند المسلمين).
يحتوي التوراة على قصص وأحكام متناقضة المعاني وأخرى بمعاني غير واضحة, فعمد الأحبار على محاولة التوفيق فيما بينها واستخلاص العبر الموحدة من النصوص المقدسة عبر منهجية مقسمة لثلاثة أقسام:
1- إعادة صياغة النص: وهي إعادة لصياغة النصوص المقدسة بلغة مختلفة تغير المعنى الظاهر.
2- التنبؤ: وهي قراءة استشرافية مستقبلية للنص المقدس على أساس أن أحداثه ليست بنفس الزمن الوارد بالنص.
3- الرمز: تأويل النص أو الكلمات الواردة بالنص المقدس على غير ظاهرها وبأنها رموز لمعاني خفية أخرى.

كانت هذه نبذة مختصرة عن الكبالا يتخبطها بعض الارتباك طبعا لأنني لست ملما بها, ولكنها تعطي فكرة عنها خصوصا ما أود مقارنته مع نظريات فرويد.
و بالجزء الثاني نقارن أوجه الشبه مع إنتاجات فرويد الفكرية. 

نظرية فرويد الجنسية

10
كنا قد تحدثتنا في موضوع سابق عن تقسيم فرويد لمكونات النفس البشرية.
اقرأ عن الأنا والأنا الأعلى والهو
الآن سنتحدث عن الجزء الذي يفسر حسب فرويد كل شيء.
إنها نظرية مراحل النمو الجنسي النفسي للإنسان, والتي من خلالها يعتقد فرويد أنها أصل المشاكل النفسية قاطبة.
ولابد من التأكيد هنا كالعادة أن هذه النظرية هي نظرة فرويد الشخصية للأمور وليست نظرية علمية جاري بها العمل, لأنها صارت متجاوزة حاليا.
وأيا كان الأمر فإن الإطلاع على نظرية فرويد جد ضروري لأنها جزء مهم من تاريخ علم النفس المعاصر.

ربما لعب المجتمع الذي كان يعاصره فرويد دورا كبيرا في تطويره للنظرية, إذ لا ننسى أن فرويد عاصر القرن التاسع عشر حيث كان الجنس يمثل "طابو" لا يمكن الحديث عنه بتلك السهولة, خصوصا في المجتمع اليهودي المحافظ الذي كان ينتمي له فرويد مما يفسر ظهور مرضى كثر بعقد ذات أصل جنسي عاينهم فرويد.

إن مفهوم الجنس عند فرويد جد موسع ولا يقتصر على العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة, إذ يعتبر أن النشوة التي يقدمها لنا الجلد كالدغدغة مثلا يدخل في إطار "الجنس".

قام فرويد بملاحظة نمو الأطفال وتطور نشأتهم وسلوكهم, وقد اعتمد على مراسلاته مع والد الطفل "هانز" الذي كان يرتعب من الأحصنة نتيجة شهوده حادث انقلاب عربة يجرها حصان, إلا أن فرويد فسر رعب الطفل في كتابه أنه ناتج عن رؤيته لقضيب الحصان الضخم.

قسم فرويد مراحل نمو الأطفال لخمسة مراحل:
1- المرحلة الفموية: وهي تبدأ من الولادة إلى غاية سنتين من عمر الرضيع وفيها يكون تركيز الرضيع على فمه لاكتشاف العالم, فهو سيرضع أولا من أمه, وسيجد متعة في عض ومص أي شيء تقع عليه يداه, من ألعاب وغيره.

2- المرحلة الشرجية: وهي تبدأ من سنتين إلى غاية أربع سنوات تقريبا, وفيها يتعلم الطفل التحكم في عملية الإخراج والذهاب للحمام, وحينها سيجد الطفل متعة في عملية الإخراج.

3- المرحلة القضيبية: من ثلاث سنوات أو أربع إلى غاية سبع سنوات تقريبا وحينها يكتشف الطفل عضوه التناسلي وقد يجد متعة في العبث به.

4- مرحلة الكمون: من ست سنوات أو سبع إلى غاية سن البلوغ, وحينها يدخل الطفل مرحلة الكمون الجنسي.

5- المرحلة التناسلية: عند البلوغ يدخل الطفل مرحلة عمرية جديدة وتصير لديه مشاعر جنسية, ويصير جسمه قادرا على إقامة علاقة جنسية متكاملة.

عقدة أوديب:
 لابد وأن هذا المصطلح قد سبق ومر عليك, ولكن ما المقصود بعقدة أوديب؟
حسب فرويد فإن في كل مرحلة من المراحل الخمس يواجه الطفل تحديا للانتقال للمرحلة الموالية, فهو في المرحلة الفموية سيواجه تحدي الفطام, وفي المرحلة الشرجية سيواجه تحدي تعلم الحمام وفي المرحلة القضيبية سيواجه عقدة أوديب.
أوديب هو شخصية من شخصيات الأسطورة اليونانية والذي قتل أباه وتزوج أمه دون أن يدري.
حسب فرويد فإن الطفل يكون في بداية حياته متعلقا بأمه بشكل كامل وتمثل هذه الأم حبه الأول, لذا فالطفل يريد أمه حتى بالمفهوم الجنسي...وكما سبق وأشرت فإن مفهوم الجنس عند فرويد جد واسع ولا يقتصر على الجماع.
إذن هذا الطفل لن يرغب في أن يشاركه أمه أحد, لذا سيُكوّن عقدة أوديب وسيشعر بمشاعر الكراهية اتجاه أبيه, أي بمعنى آخر فإن الطفل سيغار على أمه من أبيه.
في هذه المرحلة القضيبية أيضا سيشعر الطفل بأهمية عضوه التناسلي وسيدرك أنه يختلف عن الإناث وعن أمه التي ليس لها عضو ذكري وهكذا سيخاف الطفل الذكر على قضيبه كثيرا وسيُطور ما أسماه فرويد بقلق الإخصاء, إذ أن الطفل الذكر سيخاف من كل ما هو حاد من سكاكين ومقص وغيره...
في حين أن الطفلة الأنثى ولأنها بدون قضيب ستدرك أيضا أنها ليست كالذكر وستشعر بالامتعاض من هذه الحقيقة لأن العضو الذكري رمز القوة والهيمنة, وبالتالي ستُطور ما أطلق عليه فرويد بالحسد القضيبي أي أنها ستغار من الذكور وسترغب في أن يكون لديها قضيب أيضا وهكذا تُظهر ولعاً اتجاه أي شيء يشبه القضيب كالأشياء البارزة.
إلا أن الطفلة التي تحب أيضا أمها في بداية علاقتها بها أيام كانت رضيعة لن تُطور قلق الإخصاء كما الذكر لأنه ليس لديها قضيب وبالتالي فحسب فرويد فإن الجنس عند المرأة ليس جد صارم التوجه من حيث الميل للرجل, كما هو عند الذكر الذي يميل بشكل صارم لأمه, فالأنثى تميل لأمها ثم بعد ذلك لأبيها لاحقا...كما أن الأنا الأعلى عند المرأة أضعف منه عند الرجل أي أنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
وأعود وأكرر أن هذا حسب ما يعتقده فرويد.
المشاكل النفسية المرتبطة بكل مرحلة:
 مشاكل في المرحلة الفموية نوعان سلبي وعنيف, السلبي متمثل في أن تقوم الأم بفطم رضيعها مبكرا قبل أن يشبع مرحلته الفموية, قد يُؤدي بالطفل لاضطرابات في الشخصية عندما يكبر فيصير مرتبطا أكثر بالآخرين ويبدأ بالقيام بنشاطات متعلقة بهذه المرحلة كإدمان تناول الطعام أو التدخين, في حين أن العنيف يتعلق بفطم الرضيع المبكر بعد أن تنمو له أسنان فيبدأ بعض حلمات أمه, فيكبر ليُطور سلوكات عصبية كعض القلم أو مضغ العلكة وعض الأشياء.

مشاكل المرحلة الشرجية أيضا نوعان سلبي وعنيف, فالطفل الذي كان يتعرض للعقاب من طرف والديه في مرحلة تعلم الحمام فإنه قد يتحول عندما يكبر لشخص جد محافظ ومرتب وعنيد وربما بوسواس نظافة..في حين أن الطفل الذي كان يستعطفه والداه كي يقضي حاجته بالحمام ويكافئانه كلما فعل ذلك بشكل صحيح فإنه سيكبر ليصير غير مرتب ومستهتر.

مشاكل المرحلة القضيبية: إذا تعرض الطفل الذكر للإهمال بهذه المرحلة من طرف أمه في حين كان يتعامل فقط مع والده فإنه سيكبر ليصير ضعيف الشخصية وبمشاكل جنسية وقد ينغلق على نفسه وينصرف للتركيز على التحصيل العلمي أو أن يتحول لمخنث.
أما الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف والدها والاهتمام من طرف أمها فإنها أيضا ستكبر بشخصية ضعيفة وستصير فتاة جد مؤنثة.
والعكس إن تعرض الطفل بهذه المرحلة للإهمال من طرف والده و الاهتمام من طرف والدته فقط, فإنه سيكبر ليصير باعتقاد راسخ أن لا أحد يحبه بهذا الكون مثل أمه وسيصير "ابن ماما" في حين أن الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف أمها والاهتمام من طرف أبيها فإنها قد تصير مسترجلة.

حسن الآن أدركت ملامح نظرية فرويد الجنسية.
يمكنك القراءة عن الانتقادات الموجهة ضد فرويد: انتقادات التحليل النفسي

انتقادات التحليل النفسي: هل يُعدّ علما زائفا؟

14
إن كنت شخصا غير مهتم بعلم النفس فقد يبدو لك السؤال غريبا لأن أول ما سيخطر ببالك عند ذكر علم النفس هو فرويد والكنبة وسؤال: "كيف كانت طفولتك؟", لكن الواقع مغاير لأن التحليل النفسي ليس إلا مدرسة من بين عدة مدارسة نفسية.
كنا قد تحدثنا فيما سبق عن أهم نظريات التحليل النفسي بشكل عام ومقتضب: فرويد, أدلر, إريكسون ويونغ.
والآن حان وقت الحديث عن الانتقادات التي وُجّهت لهم ولكل من نهج نهجهم.. وقد سبق وأكدت أن الانتقادات العلمية لا تعني مجرد تهجم مزاجي على النظرية وصاحبها ولكنها محاولات للفهم وإظهار لمكامن الضعف والخلل بالنظرية قصد المزيد من التطور من طرف علماء نفس آخرين.
سأعرض هنا بعضا من أهم الانتقادات مع المصادر إن كنت تود التوسع في الموضوع, لأنني لم أستطع عرض كل شيء لكي لا يصير المقال طويلا ومملا, ولأن البعض يتعلق بالنظريات بشكل عاطفي فبحاجة لمصادر للانتقادات...تذكر أن كل المدارس النفسية تعرضت للانتقاد, وأن العلم يتطور كل ساعة بشكل حرفي.

1- قابلية الدحض والتفنيذ:
إن ألقيت نظرة على لائحة العلوم المزيفة بويكيبيديا (Pseudosciences) فإنك ستجد التحليل النفسي قابعا هناك.
لما سُئل نعوم تشومسكي عن ما إذا كان محللا نفسيا أجاب: "أعتقد أن التحليل النفسي لا يستند على أي أساس علمي, إذا كنا غير قادرين على تحديد لماذا استدار صرصور ما نحو اليسار, إذن كيف لنا أن نشرح قرار إنسان ما اتخذه؟" [1]
أولا لنعرّف المنهج العلمي, هو بكل بساطة ما سبق لك ودرسته بالمدرسة لمراحل البحث العلمي: أ-وضع فرضية, ب-إجراء تجربة, ت-مشاهدة, ج-استنتاج...إلخ.
إن هذه المراحل المتسلسلة لا تنطبق على نظريات التحليل النفسي لأنها توقفت في مرحلة الفرضية ولم تقم بإجراء أي تجارب ولا مشاهدات ولم تُقدّم أي إحْصاءات أو مُعطَيات.
عندما بعث كارل بوبر حالة طفل لألفرد أدلر يخبره فيها أنها لا تنطبق عليها نظريته "عقدة النقص" قام ألفرد بتفسيرها بكل سهولة تحت ضوء نظريته, وقد صَدم هذا كارل بوبر كون أدلر لم يُكلّف نفسه حتى عناء معاينة الطفل عن كثب, وعندما سأله بوبر: ّكيف يمكنك أن تكون واثقا لهذه الدرجة؟ لقد عاينت بنفسي ألف حالة" فما كان من أدلر إلا أن يرد عليه بكل ثقة:"إذن خِبْرتُك قد صارت الآن ألفا وواحدا"

حينها أدرك بوبر أن أي حالة يُمكن تفسيرها بهذا الشكل عن طريق نظرية أدلر أو فرويد, لأنه لا توجد تجارب تُؤكّد أو تنفي صحة النظريتين, ورغم أن بوبر كان يتحدث في مقالته عن أدلر وفرويد حصرا إلا أن هذا يطال بقية نظريات التحليل النفسي, وكمثال أعطاه بوبر رجلا قتل طفلا, وآخر أنقذ طفلا من الغرق, يمكن أن يُفسّر سلوك الرجلين على أن القاتل يشعر بعقدة النقص فقتل الطفل ليثبت أنه قادر على ارتكاب جريمة ويمكن تفسير سلوك الرجل المنقذ على أنه ألقى بنفسه في البحر لإنقاذ الطفل لشعوره بعقدة النقص, وكذا التفسير في سياق نظرية فرويد أن الرجل المجرم كان يعاني من الكبت في مرحلة من مراحله العمرية كعقدة أوديب, والرجل الثاني حقق التعالي والسمو النفسي. إذن يمكن تفسير أي حالة في ضوء هكذا نظريات وستجعلك كل حالة تُصادفها في حياتك تُؤكد لك صحة النظرية التي تعتقد بصحتها مسبقا بلا أي دليل علمي.

في حين أن نظرية علمية حقيقية كنظرية أينشتاين مثلا التي تقول أن الضوء يُجتذب للأجسام الضخمة كالشمس, أثبتت صحتها عن طريق مراقبة ضوء النجوم القريبة من الشمس أثناء الكسوف تارة وأثناء مغيب الشمس تارة أخرى, أي أنه سيسهل تفنيذ نظرية أينشتاين ودحضها إذا خرجت المشاهدات بنتائج معاكسة لما توقعه أينشتاين, بخلاف نظريات التحليل النفسي التي لا يُمكن لنا لا دحضها ولا تأكيد صحتها, وبالتالي فهي حسب بوبر تبقى مجرد أفكار أقرب للخرافة منها والأسطورة للنظرية, أي إما أن تُؤْمن بصحتها كما جاء بها أصحابها كأي معتقد أو أسطورة أو لا...وهكذا فإن بوبر ميّز بين ما هو علمي وما هو غير ذلك بقابليته للدحض والتفنيذ. [2]
2-الإيغال في اللاوعي:
 إن التحليل النفسي جميعا بكل مشاربه مستند على مفهوم يُعتبر أساس التحليل النفسي ألا وهو اللاوعي, إلا أن ما يعيبه البعض على التحليل النفسي هو المبالغة في هذا اللاوعي واعتباره المحرك الأساس للسلوك البشري, فقد روى عالم النفس غوردون ألبورت صاحب نظرية السمات المثيرة أنه التقى بعد تخرجه بفرويد وقد جلسا برهة من الزمن لا يتحدّثان, فلِكَسْر حاجز الصمت بادر ألبورت بالتحدث عن رحلته عبر القطار في طريقه لملاقاة فرويد وبأنه رأى طفلا كان يحرص أشد الحرص على نظافته ولا يرغب الجلوس قرب شخص متسخ ويبدو وكأنه اكتسب هذا الوسواس من أمه, فسأله فرويد:"هل كان هذا الطفل أنت؟", لقد خمّن فرويد في أن ألبورت ربما يروي عن نفسه بشكل لاواع وقد رأى ألبورت أن هذه مبالغة من فرويد, لأن ألبورت كان يَقُص عليه قصة الطفل لكسر حاجز الصمت لا غير, أي أن تحليل فرويد لهذا اللاوعي هو عن طريق الحدس وليس عن طريق منهجية علمية. [3]

 إن الأمر ليس أفضل حالا بالنسبة لبقية النظريات ولو أخذنا على سبيل المثال نظرية يونغ التي أظنك تعرفها عن الوظائف المعرفية فإنه ابتداء من كونها بلا أي أساس علمي كما صرح يونغ ذات نفسه, إذ قال أن تصنيفه لا يُعد تصنيفا صارما بل مجرد ملاحظات شخصية, أي أنه لم يقدم دليلا علميا أو نتائج تجارب أومشاهدات وإحصاءات وما سبق وتحدثنا عنه كمنهج علمي, نجد أن اختبار MBTI الذي قام على نظرية يونغ يُحاول أن يصل لهذا اللاوعي عن طريق طرح أسئلة تجيب عليها بوعيك, إذ أن يونغ يقسم الوظائف المعرفية اللاواعية إلى أربع: فكر, شعور, حس وحدس... وهي وظائف فسّرها على أنها لاواعية ويقوم الشخص عن طريق وظيفة من هذه الوظائف باكتشاف العالم تلقائيا بلاوعي منه, أي أنك تميل لاستخدام وظيفة من الوظائف دون إرادتك, أنت شعوري لأنك شعوري بشكل لاواع ولا تستطيع تغيير هذا فكيف لأسئلة تُطرح عليك بشكل مباشر على وعيك أن تُحدِّد الطريقة التي استخدمت فيها وظيفتك؟ أضف أن الشخص حسب التحليل النفسي يستخدم آليات الدفاع النفسي حتى بينه وبين نفسه ولن يُصارح نفسه ويصل للاوعيه... [4]

وكملاحظة مهمة فإن الاختبارات التي تجتازها عبر مواقع الانترنت ليست هي نفسها اختبار MBTI الأصل, بل مجرد اختبارات تحدد سلوكك الواعي وليس وظيفتك اللاواعية كما حددها يونغ, فموقع كيرسي يقول أنه حدد الاختبار بناء على مراقبة سلوك الأفراد, فهي تسألك عن سلوكك في موقف ما أو تقديرك الواعي للأمور, ومن تم يضعونك ضمن خانة وظيفة من الوظائف المعرفية اللاواعية التي عرّفها يونغ, دون أي سند علمي يفسر كيف للأسئلة أن ترتبط وتُفسر الوظائف المعرفية كما عرّفها يونغ... أي لو أردنا تطبيق مفهوم العلم لبوبر على نظرية يونغ فإننا لن نستطيع لا دحض النظرية أو تفنيذها ولا تأكيد صحتها. [5]

3-الخلفيات الدينية والروحانية:
يقول يونغ: "من يريد استكشاف النفس البشرية لن يتعلم شيئا من تجارب علم النفس. سيكون من الأفضل له أن يُهمل العلوم الحقة, يضع جانبا شهاداته, ويُودع دراساته, ومن تم يتساءل بقلبه حول هذا العالم".[6]

رغم أن فرويد كان ملحدا إلا أن بعضا من نظرياته كانت ذات خلفيات دينية مستمدة من معتقدات دينه السابق اليهودية.

اقرأ موضوع فرويد والكابالا اليهودية.

 الأمر ذاته ينطبق بشكل جد واضح على ألفرد أدلر الذي تخلى عن الديانة اليهودية ليعتنق المسيحية وينسج نظريات من وحي العقيدة المسيحية الخالصة بشكل مثالي بعيدا عن أي منهج علمي, لقد كان أدلر أقرب لمُبشر منه لعالم نفس, مما جعل منه عالم نفس يُحتدى به من طرف المسيحيين المتدينين, أما يونغ فقد تمادى في روحانياته المستمدة من فلسفات الشرق الأدنى حتى لصارت بعض من أفكاره تبدو كهراء محض لا يمت لعلم النفس بصلة كنظريته للتزامنية والتي يمكنك القراءة عنها وقصة الخنفساء وحلم مريضته بويكيبيديا.[7]

 4-اتهامات بالنصب والاحتيال:
يعد هانز آيزنك عالم نفس مثير للجدل من نفس توجه ألبورت, هاجم في كتابه بشكل تقريعي شديد اللهجة فرويد وأتباعه وقد تجاهل أدلر ويونغ في كتابه بدعوى أن نظرياتهما لاعقلانية أصلا ولا تستحق الرد.
عارض آيزنك زميله بوبر في كون نظريات التحليل النفسي غير قابلة للتجريب وبالتالي لا يمكن تصديقها أو تكذيبها, بل بيّن أنه من الممكن ابتداع تجارب لمعاينة صحة النظريات كما هو الحال في نظرية عقدة أوديب إذ أن فرويد قد طرح نظرية عقدة أوديب انطلاقا من مراقبة طفل واحد فقط أطلق عليه اسم "الصغير هانز" بل أن المراقبة لم تكن من طرفه  شخصيا بل من طرف والده الذي كان يتراسل مع فرويد, في حين أنه تم معاينة مجموعة من الأطفال فتبين أنهم يميلون للأم بحكم الارتباط الأول بها سواء ذكورا كانوا أم إناثا ثم بعد ذلك للأب لأنه يخلق جوا من المرح بين أطفاله...لم يُحدد فرويد معيارا لكيفية معرفته عقدة أوديب أو قلق الإخصاء أو غيرة البنات من القضيب, قد يكون سلوك الأطفال ناتجا عن خلل في التنشئة أو أن قلق الإخصاء ناتج من مشاهدات الطفل لعمليات الختان التي كانت تُجرى بالمجتمع اليهودي أو لتخويف الطفل إن هو تصرف بسلوك مشين أن يقصوا قضيبه.

ذهب آيزنك في تقريعه لفرويد حد اتهامه بالنصب والاحتيال واختلاق قصص نجاح لم تحدث أبدا, واعتبار أن كثيرا من نظرياته التي نسجها في سنواته الأخيرة كانت من تأثير الكوكايين, إذ أن فرويد قد نصح مرضاه بتعاطي الكوكايين للشفاء من بعض الأوجاع والإدمان من المورفين, لم يكن يعرف فرويد في ذلك الحين خطورة الكوكايين لكنه ادعى رغم ذلك أن الكوكايين شفى مجموعة من الناس وهذا مستحيل حسب العلم الحديث مما جعله آيزنك دليلا على كذب فرويد واختلاقه لقصص شفاء مرضى لم يشفوا أبدا, وقد قال أيزنك أن فرويد أعاد علم النفس خمسين سنة للوراء, لأنه في عهده كان قد قفز علم النفس قفزة نوعية باتجاه العلوم الحقة والتجارب والمنهج العلمي إلا أن فرويد حسب آيزنك ضرب بكل هذا عرض الحائط وأعاد علم النفس للميتافيزيقا مجددا والفلسفة. [8]

خلاصة: 
 إن العلم لا يقف لصالح مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية, تقريبا لم يتبقى من نظريات التحليل النفسي إلا الشيء اليسير الذي لازال بعض من مناصريه يحاولون إثبات صحته عن طريق إجراء تجارب تصب في هذا الاتجاه.
المدارس النفسية الأخرى ليست بأفضل حال طبعا فكلها تعرضت للانتقاد من طرف معارضيها, إلا أن مدرسة التحليل النفسي أخذت حصة الأسد من الانتقادات والتي مست جوهرها ونسفت فعلا بعضا من نظرياتها.

المصادر:
 [1]- حوار نعوم تشومسكي الذي انتقد فيه التحليل النفسي (انجليزي)
 [2]- مقالة كارل بوبر حول نظريات أدلر وفرويد (انجليزي)
 [2]- كتاب منطق البحث العلمي لكارل بوبر (عربي)
 [3]- لقاء ألبورت مع فرويد (انجليزي)
 [4]- انتقادات MBTI على ويكيبيديا (انجليزي)
 [5]- الفرق بين اختبار كيرسي واختبار MBTI (انجليزي)
 [6]- انتقادات نظرية يونغ ولاعلميته مقالة (انجليزي)
 [7]- كتاب نقد التحليل النفسي لبارسيفال بيلي (عربي)
 [8]- كتاب تدهور امبراطورية فرويد وسقوطها لهانز آيزنك (عربي)

ميكانيزمات الدفاع النفسي واللاوعي عند فرويد

8
لقد سبق وتحدثنا عن نظرية فرويد من مدرسة التحليل النفسي, وعن أهم مفهوم وهو الوعي واللاوعي...
ولكي أختصر عليك فإن فرويد قسم العقل لواع ولاواع, حيث أن الوعي هو ما تدركه وتفعله بإدراكك التام في حين أن اللاوعي يحركك في الخفاء دون أن تدري, وقد أعطينا بعض الأمثلة في الموضوع السابق عن أنك قد تشعر بالرغبة في النوم كلما فتحت كتابا لتراجع للامتحان أو أن تشعر بالتوعك كلما أردت السفر لمكان لا ترغب فيه.
إلا أن مهمة اللاوعي لا تقتصر فقط على حمايتك من الأفعال والأنشطة المزعجة بل حتى الأفكار المزعجة.
فقد سبق وتحدثنا عن الهو والأنا الأعلى والأنا, وقلنا أن الهو لاواع في حين أن لكل من الأنا والأنا الأعلى جزءً واعيا وآخر لاواعيا, والآن سنتحدث عن القسم اللاواعي لهذا الأنا.
الأنا يعمل أحيانا على الدفاع عن نفسه بطريقة لاواعية, وقد عدد فرويد ميكانيزمات الدفاع النفسي وأتى بعده من أضاف ميكانيزمات أخرى, لكنني هنا سأقتصر فقط على سبعة آليات لأنها كثيرة جدا... بشكل عام فإنه بناء على هذه السبعة ستتمكن من اكتشاف بقية الآليات بمفردك لأنك ستفهم المبدأ.

1- التبرير:
التبرير أو بترجمة أدق العقلنة, وهي ميكانيزم من ميكانيزمات الدفاع النفسي التي ينهجها الشخص لتبرير فعل غير لائق أو فشل, ولعلك تعرف القصة الخرافية للثعلب الذي لم يتمكن من الوصول للعنب أعلى الشجرة فقال عنه أنه حامض كي يشعر بالارتياح.
أمثلة التبرير كثيرة, كأن يرسب الطالب في الامتحان فيبرر رسوبه بأن الأستاذ ظلمه وأن الوقت لم يسعفه ويبدأ بإلقاء اللائمة على الظروف الغير موالمة...هو إذن يبرر لنفسه كي لا يشعر بالذنب أو أن ما حدث له أمر سيء.
مثال آخر لرجل تتزوج حبيبته فيقول بأنها كانت فتاة سيئة وأن زواجها أمر جيد بالنسبة له, كي لا يشعر بالحزن والضيق.

2- الإسقاط:
هو أن يحمل الشخص أفكارا أو مشاعر يعتبرها في قرارته خاطئة فلكي يحمي نفسه يقوم بإسقاطها على الآخرين, ولعلك سمعت بالمثل القائل "ودّت البغي لو أن كل نساء العالم بغايا", فالمرأة ذات الأخلاق السيئة قد تتهم كل امرأة تقابلها بأنها تدّعي العفة وبأنها تمارس الرذيلة في الخفاء, أو كرجل يخون زوجته فيتسرب إلى نفسه الشك في سلوك زوجته ويبدأ التحرى في كل صغيرة وكبيرة على غير عادته, هو إذن أسقط فعله الذي يعتبره لاأخلاقيا عليها.
3- التسامي:
أي أن يحول الشخص الأفكار السيئة والمشاعر الغير مرغوب فيها كالعنف أو الخوف أو الحزن أو الرغبة في القتل  إلى أفعال تلقى قبولا لدى المجتمع كأن يتحول الشخص العنيف لملاكم أو أن يتحول صاحب نزوات القتل لقناص, أو أن يلجأ المكتئب للكتابة أو الرسم فيعبر عن مخاوفه وحزنه على الورق.
إذن التسامي هو آلية دفاعية قد تدفع المرء لاستبدال السلبي بالايجابي ليلقى القبول.

4- رد الفعل:
 هي آلية دفاع نفسية يلجأ لها الشخص الذي يعاني من تهديد نفسي حقيقي بسبب فكرة أو رغبة تخالف معتقداته, فمثلا الشخص الذي يحب النساء بشدة ولكنه غير قادر على الزواج وقيمه ومبادؤه لا تسمح له بارتكاب الفاحشة فإنه قد يطور كرها حادا اتجاه النساء, فكثيرا ما تقابل شابا يعيب النساء ويحتقرهن ويدعي أنه عازف عن الزواج بإرادته وينصح الجميع بالعزوف عن الزواج مثله, وما إن يحصل على وظيفة وتتيسر أموره يهرع ليتزوج أول امرأة يقابلها في طريقه...أليس كذلك؟؟ هذا ما حدث مع أحد أصدقائي -_- أذكر اسمك يا صديقي من أجل العلم معليش؟ وفي واقع الأمر فإن الأطفال الذين يقتربون من سن البلوغ قد يشعرون بالكره والتقزز من الجنس الآخر كآلية دفاع رد الفعل, بسبب تجربتهم لمشاعر لم يخبروها من قبل ألا وهي الانجذاب الجنسي.... الأمثلة متعددة.

5- الإزاحة:
هي آلية دفاعية يقوم فيها الشخص بإزاحة ما يزعجه وبدل صبه على مصدر الازعاج يستبدله بشخص أو شيء آخر, كمثال الموظف بالإدارة الذي يدخل عليه مديره يهينه في مكتبه دون أن تكن له المقدرة على الرد فيلجأ هذا الموظف لإهانة المواطنين بمكتبه, أو ذلك الشخص الذي قد يغلق على نفسه الباب ويبدأ بركل الوسائد والخزانات لأنه لا يستطيع ركل من يتنمر عليه بالمدرسة..أحيانا تتمثل الإزاحة في الأحلام أيضا, فقد يحلم الشخص بأنه يمزق حاجيات أخيه الذي يزعجه.

6- الإنكار:
أظن أن الآلية مفهومة من اسمها, فهي حيلة نفسية يلجأ إليها الشخص الذي لا يريد أن يعترف بوجود مشكل ما في حياته, فهو قد يعاني من الإدمان وينكر أنه مدمن بل ويقنع نفسه على أنه قادر على الإقلاع عن ما يتعاطاه متى شاء, وهذه آلية دفاعية موجودة بكثرة لدى المدمنين, أيضا المرأة التي تتعرض للتعنيف من طرف زوجها قد تنكر أنها تعيش حياة تعيسة وتقنع نفسها أن كل شيء على ما يرام.
آلية الإنكار آلية جد خطيرة فهي تحول دون القدرة على إقناع الشخص بإصلاح الخلل الذي يعاني منه.
طبعا لا يكون الإنكار دائما مرتبطا بمشاكل كبرى فأحيانا يتمثل الإنكار في أمور يومية بسيطة.

7- النكوص:
أو التقهقر, آلية دفاعية تتمثل في أن يعود الشخص القهقري لمرحلة سابقة من مراحله العمرية للشعور بالارتياح, وقد يلجأ إليها من تعرض لصدمة نفسية أو توتر شديد, فترى الشخص بدأ يتصرف تصرفا طفوليا كان يتصرفه بالماضي كأن يمتص إبهامه أو يلعب بالدمى أو أن يرتدي ملابس لا تناسب سنه ويتصرف تصرفات طفولية.
حسب فرويد فإن لجوء الشخص لآلية النكوص يبث في نفسه الشعور بالطمأنينة والأمان, وقد يأخذ النكوص شكلا متطرفا ينذر بمشكلة نفسية تحتاج للتدخل..

حسن الآن وقد أدركت بعضا من آليات الدفاع النفسي أظن أن الصورة اتضحت في ذهنك.
وكالعادة لابد من الإشارة إلى أنه ليس كل سلوك يسلكه الشخص قد يفسر على أنه آلية دفاعية فقد يعتقد الشخص فعلا أن الجميع من حوله سيء دون أن يكون هو ذاته سيئا, أو أن يشك الرجل في سلوك زوجته دون أن يكون هو ذاته خائنا, إذ أن الحكم على ما إذا كان الشخص يلجأ لآلية الدفاع مرتبط بالشخص ذاته ولاوعيه والذي أحيانا يصعب الوصول إليه, فالشخص ذاته غير واع بأنه قد لجأ لآلية من آليات الدفاع النفسي...هذا كي لا تحكم على الآخرين بأنهم يلجؤون لآليات الدفاع وأنت لم تحط بالموضوع من كل جوانبه.
حاول الآن أن تعرف ما إذا كنت قد لجأت لآلية من آليات الدفاع النفسي, وستكون قد لجأت إليها طبعا ولكنك غير واع بذلك, فكر في الموضوع بتجرد وأنظر أي آلية من هذه الآليات السبع أدركت أنك لجأت إليها في مرة من المرات.

نظرية فرويد النفسية الأنا, الأنا الأعلى والهو

8
لما تفكر في علم النفس فلابد وأنه سيخطر ببالك سيجموند فرويد.
يعد سيجموند فرويد (1856 - 1939) أهم عالم نفس على الإطلاق, كيف لا وهو الأب الروحي للتحليل النفسي وصاحب النقلة الجوهرية لعلم النفس لمرحلة جديدة أكثر عصرنة, الحديث عن تاريخ علم النفس يجعلنا نقسمه لمرحلتين: مرحلة ما قبل فرويد ومرحلة ما بعد فرويد.
حسن كي لا أطيل عليك ندخل في صلب الموضوع الجوهري وهو شرح نظرياته النفسية, وسنحاول إسقاطها وتطبيقها على حياتنا اليومية, فأنا أعلم أنك تحبذ قراءة النظريات النفسية التي لها تطبيق حقيقي على أرض الواقع...أليس كذلك؟ سأحاول الاختصار قدر الإمكان كي لا تمل, أرجو أن لا يكون الملل تسرب إلى نفسك من الآن.

1- الوعي واللاوعي:
أهم مفهومين في مدرسة التحليل النفسي, فرويد قسم الذهن إلى واع وغير واع, إذ حسب فرويد فإن السلوك البشري هو نتيجة أفكار وأمنيات ورغبات لا يستطيع العقل الواعي الوصول إليها بكل سهولة, وبعبارة أخرى فإن اللاوعي يعرف أكثر مما يعرفه الوعي عنك.
كمثال توضيحي هل سبق وحدث لك أن كنت تراجع دروسك للامتحان وكلما أردت فتح كتاب ما إلا وشعرت بالنعاس؟ في حين لا تشعر بالنعاس أبدا وأنت تشاهد التلفاز... حسب فرويد فإن هذا ناتج أن اللاوعي سيبحث عن طرق لثنيك عن ما يزعجك, فبالنسبة له أن المراجعة للامتحان مزعجة لك وتسبب الإرهاق والقلق لذا لاوعيك يدفعك للتوقف عن هذا الذي يزعجك فتشعر بالنوم في حين مشاهدة التلفاز ممتعة لك فلاوعيك يحثك على مشاهدة التلفاز باستمرار.
اللاوعي يبحث عن ما يسعدك لحظيا, هو لاواعي لن يخطط لمستقبلك فهذه من مهمة وعيك.
اللاوعي يعمل على حمايتك أيضا من الأمور التي سبق وأضرتك...هل سبق وحدث معك أن التقيت شخصا لطيفا طيبا ومع ذلك شعرت بالنفور منه دون سبب؟ قد يكون السبب لاوعيك, هذا الشخص ربما يشبه شخصا قام بأذيتك بالماضي أو لك منه ذكرى سيئة, ولأنه لاواعي فهو لن يميز بين الشخصين لذا سينفر من وجه أي شخص يشبه ذلك الذي أشعره بالسوء والأذية, وكذا بالنسبة للأسماء.
حسن دعنا نحاول الانتقال للتطبيق الآن, قم بكتابة كل الأحداث التي تدخّل فيها لاوعيك سواء لمنعك من القيام بعمل أو لحثك على القيام به..
سأعطيك هنا بعض الأمثلة للفهم أكثر:
- النوم وعدم الاستيقاظ على ساعة المنبه للذهاب للقاء مهم كنت مضطرا له فقط ولا ترغب فيه.---> لاوعيك قال لك نم.
- نسيان اسم شخص أو مكان أو أحداث أضرتك.
- الفوبيا, أي الخوف من شيء, حدث لك بالسابق وأن تضررت منه, كالخوف من النار لأنه سبق واحترقت, الخوف من الكلاب لأنك تعرضت للعض, عدم الرغبة في الزواج بالنسبة للفتيات بسبب التعرض للاغتصاب بالماضي.
إلخ......

2- الأنا, الأنا الأعلى والهو:
شبّه فرويد عقلنا بالجبل الجليدي الذي يطفو منه على السطح 10 بالمائة فقط في حين أن الخفي منه 90 بالمائة وأكثر.
وبمعنى آخر فإن 10 بالمائة فقط من سلوكنا واع و90 بالمائة سلوك لاواع..
حسب فرويد فإن العقل مقسم لثلاثة أقسام: الهو الأنا الأعلى والأنا.

الهو: يمثل غرائزنا وشهواتنا التي تحركنا ككائنات وهو أهم قسم...الهو لاواع تماما فنحن سنحلم بالطعام إن كنا نتضور جوعا وقد نرتكب السرقة من أجل الأكل إن كنا سنموت جوعا, الهو يسعى لتلبية حاجاتنا البيولوجية, كما أنه المحرك الأساس لدى الأطفال قبل سن الخامسة, فالطفل سيأكل الطعام الذي يراه أمامه بغض النظر ما إذا كان يخصه أم لا, كما أنه سيأخذ لعبة طفل آخر ليلعب بها.
وهناك من البالغين من يحركه الهو طول الوقت, فهو يسرق ليأكل يتحرش بالنساء أو يغتصبهن لما تحركه الغريزة, قد تسرق المرأة مجوهرات تروقها... كل هذا لتلبية الرغبات والشهوات.

 الأنا الأعلى: يمثل مجموع القيم والمبادئ التي يتلقنها الإنسان في مجتمعه, والأفكار التي يؤمن بها, وهي تبعث في نفسه الشعور بالفخر عند احترامها أو الشعور بالذنب عند انتهاكها, فالطفل دون سن الخامسة لا أنا أعلى له, لذا هو لن يشعر بالذنب إن أكل حصة أخيه من الطعام, في حين الطفل الأكبر قد يؤنبه ضميره على ذلك, لأنه تلقن وسط أسرته ومن مجتمعه أن عليه أن يكتفي بحصته, وإن لم يتم تلقينه هذا فإنه سيبقى دائما يأكل حصة أخيه...للأنا الأعلى جزء واع وآخر لا واع, فالشخص الذي يرتكب ذنبا ما سيشعر بتأنيب الضمير وسيكون واعيا بما يشعر به وسببه, في حين قد يحدث أن يجد الفرد لنفسه مبررات لفعله كآلية دفاعية لاواعية وسأتحدث عن هذا إن شاء الله لاحقا.

الأنا: هو القسم الظاهر وله أيضا جزء واع وآخر لاواع.. يزاوج الأنا بين الهو والأنا الأعلى, وعكس هذين الأخيرين فإن الأنا أكثر واقعية منهما, فأنت ستشعر بالجوع وسيحثك الهو على جلب الطعام وستتخيل الطعام أمامك, أنت لن تذهب لسرقة الطعام لأن الأنا الأعلى لا يسمح لك بذلك في حين لا مشكلة عند الهو في أن تسرق لأنه حيواني فالحيوان لن يشتري الطعام, إذن أنت ستلبي حاجيات الهو بشكل يرضي الأنا الأعلى أي بالذهاب للمحل وشراء الطعام, لكنك قد لا تتوفر على المال وستشعر بالجوع الشديد حينها ستلبي حاجات الهو بعيدا عن الأنا الأعلى وسترتكب فعل السرقة, لأن الهو أهم وأقوى من الأنا الأعلى كونه لصيق بحاجاتنا البيلوجية وتلبية طلباته مستعجلة.. طبعا قد يموت الفرد جوعا ولا يسرق وهنا سيكون الأنا الأعلى أقوى من الهو لديه بمراحل.

الآن وقد اكتشفت مكونات الشخصية حسب نظرية التحليل النفسي لدى فرويد, هل يمكنك أن تميز أي قسم من الأقسام الثلاث يتحكم فيك بشكل أكبر؟ هل تجد نفسك تلبي حاجيات الهو بعيدا عن الأنا الأعلى أكثر؟ مثل تلبية بعض الشهوات الجسدية بعيدا عن الأنظار... أم أنك من النوع الذي لا يخترق قوانين الأنا الأعلى ويشعر بالذنب إن فعل ذلك؟ مثل عدم مشاهدة التلفاز كما يطلب الهو ومراجعة دروسك كما تطلب الأنا الأعلى... أم أنك توازن بينهما؟ كن صريحا مع نفسك ولا تستخدم آليات الدفاع التي سنتحدث عنها لاحقا, لا تغش!


3- الرموز في الأحلام:
حسب فرويد دائما فإن المعلومات الغير مرغوب فيها "تُكبت" ويلقى بها في اللاوعي بعيدا عن الإدراك الواعي, إلا أنها ستظهر في الأحلام من حين لآخر, إن ظهور هذه المعلومات لا يكون دائما صريحا بل قد تظهر على شكل رموز لكي لا تزعج الوعي.
إن الأمور التي تعرضت للكبت في حياتنا وصارت في اللاوعي قد تؤثر علينا أشد التأثير في حياتنا الواقعية دون أن نعلم السبب, لذا فإن فرويد يرى أن أفضل وسيلة لمعرفة ما يوجد في هذا اللاوعي الذي لا يمكن الوصول إليه هو بإلقاء نظرة على الأحلام.
فشخص مصاب بالتوتر وصداع بالرأس وعدم القدرة على التركيز وخدر في يديه دون أي سبب عضوي قد يكون ضحية كبت بعض المعلومات التي بالعقل اللاواعي, لربما تعرض لحادث مأساوي يؤثر عليه أو له أفكار لا تناسب أناه الأعلى فتُكبت وتلقى في اللاوعي.
لكنها قد تظهر في الأحلام على شكل رموز.
ليس هناك قاعدة لتفسير الحلم حسب فرويد بل كان يطلع على الخلفية التي أتى منها المريض لتفسير حلمه, مثل ديانته وبيئته وثقافته, فبعض الرموز بالمجتمع الاسلامي ستختلف عن الرموز بالمجتمع المسيحي أو غيرهما, فمن يحلم ببومة في مجتمع يرى أن البوم نذير شؤم سيختلف تفسير حلمه عن شخص من مجتمع أوربي يرى البومة رمزا للحكمة.

هل يتكرر لديك حلم معين باستمرار؟ هل تحلم حلما بشكل متكرر؟
حاول أن تكتب ما تحلم به مباشرة بعد الاستيقاظ وإيجاد ما إذا كان هناك موضوع ما يتكرر في أحلامك, وإن كنت لا تعرف معنى تكرر نفس هذا الحلم كل مرة حاول فك رموزه إنطلاقا مما يحيط بك في وسطك الذي تعيش فيه وخلفيتك الثقافية والاجتماعية.

حسن سأكتفي بهذا القدرعن نظرية فرويد ولن أتحدث عن الجنس الذي حاول فرويد تفسير كل شيء به ولا المراحل التي يمر بها الطفل قبل البلوغ, كي لا نطيل كثيرا وأنت قد مللت, وتجدر الإشارة إلى أن نظرية فرويد قد صارت تقريبا متجاوزة خصوصا في الشق المتعلق بتفسير كل شيء بالجنس... طبعا هناك أنصار لنظرية فرويد في التحليل النفسي حول العالم لكن زخمها قد خفُت, ولن نسوق الانتقادات طبعا لأنها ليست موضوعي كالعادة..
كانت هذه ملحوظة فقط لكي لا تعتقد أن ما قرأته بالأعلى مُسلّمة وإنما مجرد نظرية ورؤية فرويد الشخصية.
إذن الجزء الثاني عن اللاوعي وميكانيزمات الدفاع النفسي.