نظرية فرويد الجنسية

10
كنا قد تحدثتنا في موضوع سابق عن تقسيم فرويد لمكونات النفس البشرية.
اقرأ عن الأنا والأنا الأعلى والهو
الآن سنتحدث عن الجزء الذي يفسر حسب فرويد كل شيء.
إنها نظرية مراحل النمو الجنسي النفسي للإنسان, والتي من خلالها يعتقد فرويد أنها أصل المشاكل النفسية قاطبة.
ولابد من التأكيد هنا كالعادة أن هذه النظرية هي نظرة فرويد الشخصية للأمور وليست نظرية علمية جاري بها العمل, لأنها صارت متجاوزة حاليا.
وأيا كان الأمر فإن الإطلاع على نظرية فرويد جد ضروري لأنها جزء مهم من تاريخ علم النفس المعاصر.

ربما لعب المجتمع الذي كان يعاصره فرويد دورا كبيرا في تطويره للنظرية, إذ لا ننسى أن فرويد عاصر القرن التاسع عشر حيث كان الجنس يمثل "طابو" لا يمكن الحديث عنه بتلك السهولة, خصوصا في المجتمع اليهودي المحافظ الذي كان ينتمي له فرويد مما يفسر ظهور مرضى كثر بعقد ذات أصل جنسي عاينهم فرويد.

إن مفهوم الجنس عند فرويد جد موسع ولا يقتصر على العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة, إذ يعتبر أن النشوة التي يقدمها لنا الجلد كالدغدغة مثلا يدخل في إطار "الجنس".

قام فرويد بملاحظة نمو الأطفال وتطور نشأتهم وسلوكهم, وقد اعتمد على مراسلاته مع والد الطفل "هانز" الذي كان يرتعب من الأحصنة نتيجة شهوده حادث انقلاب عربة يجرها حصان, إلا أن فرويد فسر رعب الطفل في كتابه أنه ناتج عن رؤيته لقضيب الحصان الضخم.

قسم فرويد مراحل نمو الأطفال لخمسة مراحل:
1- المرحلة الفموية: وهي تبدأ من الولادة إلى غاية سنتين من عمر الرضيع وفيها يكون تركيز الرضيع على فمه لاكتشاف العالم, فهو سيرضع أولا من أمه, وسيجد متعة في عض ومص أي شيء تقع عليه يداه, من ألعاب وغيره.

2- المرحلة الشرجية: وهي تبدأ من سنتين إلى غاية أربع سنوات تقريبا, وفيها يتعلم الطفل التحكم في عملية الإخراج والذهاب للحمام, وحينها سيجد الطفل متعة في عملية الإخراج.

3- المرحلة القضيبية: من ثلاث سنوات أو أربع إلى غاية سبع سنوات تقريبا وحينها يكتشف الطفل عضوه التناسلي وقد يجد متعة في العبث به.

4- مرحلة الكمون: من ست سنوات أو سبع إلى غاية سن البلوغ, وحينها يدخل الطفل مرحلة الكمون الجنسي.

5- المرحلة التناسلية: عند البلوغ يدخل الطفل مرحلة عمرية جديدة وتصير لديه مشاعر جنسية, ويصير جسمه قادرا على إقامة علاقة جنسية متكاملة.

عقدة أوديب:
 لابد وأن هذا المصطلح قد سبق ومر عليك, ولكن ما المقصود بعقدة أوديب؟
حسب فرويد فإن في كل مرحلة من المراحل الخمس يواجه الطفل تحديا للانتقال للمرحلة الموالية, فهو في المرحلة الفموية سيواجه تحدي الفطام, وفي المرحلة الشرجية سيواجه تحدي تعلم الحمام وفي المرحلة القضيبية سيواجه عقدة أوديب.
أوديب هو شخصية من شخصيات الأسطورة اليونانية والذي قتل أباه وتزوج أمه دون أن يدري.
حسب فرويد فإن الطفل يكون في بداية حياته متعلقا بأمه بشكل كامل وتمثل هذه الأم حبه الأول, لذا فالطفل يريد أمه حتى بالمفهوم الجنسي...وكما سبق وأشرت فإن مفهوم الجنس عند فرويد جد واسع ولا يقتصر على الجماع.
إذن هذا الطفل لن يرغب في أن يشاركه أمه أحد, لذا سيُكوّن عقدة أوديب وسيشعر بمشاعر الكراهية اتجاه أبيه, أي بمعنى آخر فإن الطفل سيغار على أمه من أبيه.
في هذه المرحلة القضيبية أيضا سيشعر الطفل بأهمية عضوه التناسلي وسيدرك أنه يختلف عن الإناث وعن أمه التي ليس لها عضو ذكري وهكذا سيخاف الطفل الذكر على قضيبه كثيرا وسيُطور ما أسماه فرويد بقلق الإخصاء, إذ أن الطفل الذكر سيخاف من كل ما هو حاد من سكاكين ومقص وغيره...
في حين أن الطفلة الأنثى ولأنها بدون قضيب ستدرك أيضا أنها ليست كالذكر وستشعر بالامتعاض من هذه الحقيقة لأن العضو الذكري رمز القوة والهيمنة, وبالتالي ستُطور ما أطلق عليه فرويد بالحسد القضيبي أي أنها ستغار من الذكور وسترغب في أن يكون لديها قضيب أيضا وهكذا تُظهر ولعاً اتجاه أي شيء يشبه القضيب كالأشياء البارزة.
إلا أن الطفلة التي تحب أيضا أمها في بداية علاقتها بها أيام كانت رضيعة لن تُطور قلق الإخصاء كما الذكر لأنه ليس لديها قضيب وبالتالي فحسب فرويد فإن الجنس عند المرأة ليس جد صارم التوجه من حيث الميل للرجل, كما هو عند الذكر الذي يميل بشكل صارم لأمه, فالأنثى تميل لأمها ثم بعد ذلك لأبيها لاحقا...كما أن الأنا الأعلى عند المرأة أضعف منه عند الرجل أي أنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
وأعود وأكرر أن هذا حسب ما يعتقده فرويد.
المشاكل النفسية المرتبطة بكل مرحلة:
 مشاكل في المرحلة الفموية نوعان سلبي وعنيف, السلبي متمثل في أن تقوم الأم بفطم رضيعها مبكرا قبل أن يشبع مرحلته الفموية, قد يُؤدي بالطفل لاضطرابات في الشخصية عندما يكبر فيصير مرتبطا أكثر بالآخرين ويبدأ بالقيام بنشاطات متعلقة بهذه المرحلة كإدمان تناول الطعام أو التدخين, في حين أن العنيف يتعلق بفطم الرضيع المبكر بعد أن تنمو له أسنان فيبدأ بعض حلمات أمه, فيكبر ليُطور سلوكات عصبية كعض القلم أو مضغ العلكة وعض الأشياء.

مشاكل المرحلة الشرجية أيضا نوعان سلبي وعنيف, فالطفل الذي كان يتعرض للعقاب من طرف والديه في مرحلة تعلم الحمام فإنه قد يتحول عندما يكبر لشخص جد محافظ ومرتب وعنيد وربما بوسواس نظافة..في حين أن الطفل الذي كان يستعطفه والداه كي يقضي حاجته بالحمام ويكافئانه كلما فعل ذلك بشكل صحيح فإنه سيكبر ليصير غير مرتب ومستهتر.

مشاكل المرحلة القضيبية: إذا تعرض الطفل الذكر للإهمال بهذه المرحلة من طرف أمه في حين كان يتعامل فقط مع والده فإنه سيكبر ليصير ضعيف الشخصية وبمشاكل جنسية وقد ينغلق على نفسه وينصرف للتركيز على التحصيل العلمي أو أن يتحول لمخنث.
أما الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف والدها والاهتمام من طرف أمها فإنها أيضا ستكبر بشخصية ضعيفة وستصير فتاة جد مؤنثة.
والعكس إن تعرض الطفل بهذه المرحلة للإهمال من طرف والده و الاهتمام من طرف والدته فقط, فإنه سيكبر ليصير باعتقاد راسخ أن لا أحد يحبه بهذا الكون مثل أمه وسيصير "ابن ماما" في حين أن الطفلة التي تتعرض للاهمال من طرف أمها والاهتمام من طرف أبيها فإنها قد تصير مسترجلة.

حسن الآن أدركت ملامح نظرية فرويد الجنسية.
يمكنك القراءة عن الانتقادات الموجهة ضد فرويد: انتقادات التحليل النفسي

انتقادات التحليل النفسي: هل يُعدّ علما زائفا؟

14
إن كنت شخصا غير مهتم بعلم النفس فقد يبدو لك السؤال غريبا لأن أول ما سيخطر ببالك عند ذكر علم النفس هو فرويد والكنبة وسؤال: "كيف كانت طفولتك؟", لكن الواقع مغاير لأن التحليل النفسي ليس إلا مدرسة من بين عدة مدارسة نفسية.
كنا قد تحدثنا فيما سبق عن أهم نظريات التحليل النفسي بشكل عام ومقتضب: فرويد, أدلر, إريكسون ويونغ.
والآن حان وقت الحديث عن الانتقادات التي وُجّهت لهم ولكل من نهج نهجهم.. وقد سبق وأكدت أن الانتقادات العلمية لا تعني مجرد تهجم مزاجي على النظرية وصاحبها ولكنها محاولات للفهم وإظهار لمكامن الضعف والخلل بالنظرية قصد المزيد من التطور من طرف علماء نفس آخرين.
سأعرض هنا بعضا من أهم الانتقادات مع المصادر إن كنت تود التوسع في الموضوع, لأنني لم أستطع عرض كل شيء لكي لا يصير المقال طويلا ومملا, ولأن البعض يتعلق بالنظريات بشكل عاطفي فبحاجة لمصادر للانتقادات...تذكر أن كل المدارس النفسية تعرضت للانتقاد, وأن العلم يتطور كل ساعة بشكل حرفي.

1- قابلية الدحض والتفنيذ:
إن ألقيت نظرة على لائحة العلوم المزيفة بويكيبيديا (Pseudosciences) فإنك ستجد التحليل النفسي قابعا هناك.
لما سُئل نعوم تشومسكي عن ما إذا كان محللا نفسيا أجاب: "أعتقد أن التحليل النفسي لا يستند على أي أساس علمي, إذا كنا غير قادرين على تحديد لماذا استدار صرصور ما نحو اليسار, إذن كيف لنا أن نشرح قرار إنسان ما اتخذه؟" [1]
أولا لنعرّف المنهج العلمي, هو بكل بساطة ما سبق لك ودرسته بالمدرسة لمراحل البحث العلمي: أ-وضع فرضية, ب-إجراء تجربة, ت-مشاهدة, ج-استنتاج...إلخ.
إن هذه المراحل المتسلسلة لا تنطبق على نظريات التحليل النفسي لأنها توقفت في مرحلة الفرضية ولم تقم بإجراء أي تجارب ولا مشاهدات ولم تُقدّم أي إحْصاءات أو مُعطَيات.
عندما بعث كارل بوبر حالة طفل لألفرد أدلر يخبره فيها أنها لا تنطبق عليها نظريته "عقدة النقص" قام ألفرد بتفسيرها بكل سهولة تحت ضوء نظريته, وقد صَدم هذا كارل بوبر كون أدلر لم يُكلّف نفسه حتى عناء معاينة الطفل عن كثب, وعندما سأله بوبر: ّكيف يمكنك أن تكون واثقا لهذه الدرجة؟ لقد عاينت بنفسي ألف حالة" فما كان من أدلر إلا أن يرد عليه بكل ثقة:"إذن خِبْرتُك قد صارت الآن ألفا وواحدا"

حينها أدرك بوبر أن أي حالة يُمكن تفسيرها بهذا الشكل عن طريق نظرية أدلر أو فرويد, لأنه لا توجد تجارب تُؤكّد أو تنفي صحة النظريتين, ورغم أن بوبر كان يتحدث في مقالته عن أدلر وفرويد حصرا إلا أن هذا يطال بقية نظريات التحليل النفسي, وكمثال أعطاه بوبر رجلا قتل طفلا, وآخر أنقذ طفلا من الغرق, يمكن أن يُفسّر سلوك الرجلين على أن القاتل يشعر بعقدة النقص فقتل الطفل ليثبت أنه قادر على ارتكاب جريمة ويمكن تفسير سلوك الرجل المنقذ على أنه ألقى بنفسه في البحر لإنقاذ الطفل لشعوره بعقدة النقص, وكذا التفسير في سياق نظرية فرويد أن الرجل المجرم كان يعاني من الكبت في مرحلة من مراحله العمرية كعقدة أوديب, والرجل الثاني حقق التعالي والسمو النفسي. إذن يمكن تفسير أي حالة في ضوء هكذا نظريات وستجعلك كل حالة تُصادفها في حياتك تُؤكد لك صحة النظرية التي تعتقد بصحتها مسبقا بلا أي دليل علمي.

في حين أن نظرية علمية حقيقية كنظرية أينشتاين مثلا التي تقول أن الضوء يُجتذب للأجسام الضخمة كالشمس, أثبتت صحتها عن طريق مراقبة ضوء النجوم القريبة من الشمس أثناء الكسوف تارة وأثناء مغيب الشمس تارة أخرى, أي أنه سيسهل تفنيذ نظرية أينشتاين ودحضها إذا خرجت المشاهدات بنتائج معاكسة لما توقعه أينشتاين, بخلاف نظريات التحليل النفسي التي لا يُمكن لنا لا دحضها ولا تأكيد صحتها, وبالتالي فهي حسب بوبر تبقى مجرد أفكار أقرب للخرافة منها والأسطورة للنظرية, أي إما أن تُؤْمن بصحتها كما جاء بها أصحابها كأي معتقد أو أسطورة أو لا...وهكذا فإن بوبر ميّز بين ما هو علمي وما هو غير ذلك بقابليته للدحض والتفنيذ. [2]
2-الإيغال في اللاوعي:
 إن التحليل النفسي جميعا بكل مشاربه مستند على مفهوم يُعتبر أساس التحليل النفسي ألا وهو اللاوعي, إلا أن ما يعيبه البعض على التحليل النفسي هو المبالغة في هذا اللاوعي واعتباره المحرك الأساس للسلوك البشري, فقد روى عالم النفس غوردون ألبورت صاحب نظرية السمات المثيرة أنه التقى بعد تخرجه بفرويد وقد جلسا برهة من الزمن لا يتحدّثان, فلِكَسْر حاجز الصمت بادر ألبورت بالتحدث عن رحلته عبر القطار في طريقه لملاقاة فرويد وبأنه رأى طفلا كان يحرص أشد الحرص على نظافته ولا يرغب الجلوس قرب شخص متسخ ويبدو وكأنه اكتسب هذا الوسواس من أمه, فسأله فرويد:"هل كان هذا الطفل أنت؟", لقد خمّن فرويد في أن ألبورت ربما يروي عن نفسه بشكل لاواع وقد رأى ألبورت أن هذه مبالغة من فرويد, لأن ألبورت كان يَقُص عليه قصة الطفل لكسر حاجز الصمت لا غير, أي أن تحليل فرويد لهذا اللاوعي هو عن طريق الحدس وليس عن طريق منهجية علمية. [3]

 إن الأمر ليس أفضل حالا بالنسبة لبقية النظريات ولو أخذنا على سبيل المثال نظرية يونغ التي أظنك تعرفها عن الوظائف المعرفية فإنه ابتداء من كونها بلا أي أساس علمي كما صرح يونغ ذات نفسه, إذ قال أن تصنيفه لا يُعد تصنيفا صارما بل مجرد ملاحظات شخصية, أي أنه لم يقدم دليلا علميا أو نتائج تجارب أومشاهدات وإحصاءات وما سبق وتحدثنا عنه كمنهج علمي, نجد أن اختبار MBTI الذي قام على نظرية يونغ يُحاول أن يصل لهذا اللاوعي عن طريق طرح أسئلة تجيب عليها بوعيك, إذ أن يونغ يقسم الوظائف المعرفية اللاواعية إلى أربع: فكر, شعور, حس وحدس... وهي وظائف فسّرها على أنها لاواعية ويقوم الشخص عن طريق وظيفة من هذه الوظائف باكتشاف العالم تلقائيا بلاوعي منه, أي أنك تميل لاستخدام وظيفة من الوظائف دون إرادتك, أنت شعوري لأنك شعوري بشكل لاواع ولا تستطيع تغيير هذا فكيف لأسئلة تُطرح عليك بشكل مباشر على وعيك أن تُحدِّد الطريقة التي استخدمت فيها وظيفتك؟ أضف أن الشخص حسب التحليل النفسي يستخدم آليات الدفاع النفسي حتى بينه وبين نفسه ولن يُصارح نفسه ويصل للاوعيه... [4]

وكملاحظة مهمة فإن الاختبارات التي تجتازها عبر مواقع الانترنت ليست هي نفسها اختبار MBTI الأصل, بل مجرد اختبارات تحدد سلوكك الواعي وليس وظيفتك اللاواعية كما حددها يونغ, فموقع كيرسي يقول أنه حدد الاختبار بناء على مراقبة سلوك الأفراد, فهي تسألك عن سلوكك في موقف ما أو تقديرك الواعي للأمور, ومن تم يضعونك ضمن خانة وظيفة من الوظائف المعرفية اللاواعية التي عرّفها يونغ, دون أي سند علمي يفسر كيف للأسئلة أن ترتبط وتُفسر الوظائف المعرفية كما عرّفها يونغ... أي لو أردنا تطبيق مفهوم العلم لبوبر على نظرية يونغ فإننا لن نستطيع لا دحض النظرية أو تفنيذها ولا تأكيد صحتها. [5]

3-الخلفيات الدينية والروحانية:
يقول يونغ: "من يريد استكشاف النفس البشرية لن يتعلم شيئا من تجارب علم النفس. سيكون من الأفضل له أن يُهمل العلوم الحقة, يضع جانبا شهاداته, ويُودع دراساته, ومن تم يتساءل بقلبه حول هذا العالم".[6]

رغم أن فرويد كان ملحدا إلا أن بعضا من نظرياته كانت ذات خلفيات دينية مستمدة من معتقدات دينه السابق اليهودية, الأمر ذاته ينطبق بشكل جد واضح على ألفرد أدلر الذي تخلى عن الديانة اليهودية ليعتنق المسيحية وينسج نظريات من وحي العقيدة المسيحية الخالصة بشكل مثالي بعيدا عن أي منهج علمي, لقد كان أدلر أقرب لمُبشر منه لعالم نفس, مما جعل منه عالم نفس يُحتدى به من طرف المسيحيين المتدينين, أما يونغ فقد تمادى في روحانياته المستمدة من فلسفات الشرق الأدنى حتى لصارت بعض من أفكاره تبدو كهراء محض لا يمت لعلم النفس بصلة كنظريته للتزامنية والتي يمكنك القراءة عنها وقصة الخنفساء وحلم مريضته بويكيبيديا.[7]

 4-اتهامات بالنصب والاحتيال:
يعد هانز آيزنك عالم نفس مثير للجدل من نفس توجه ألبورت, هاجم في كتابه بشكل تقريعي شديد اللهجة فرويد وأتباعه وقد تجاهل أدلر ويونغ في كتابه بدعوى أن نظرياتهما لاعقلانية أصلا ولا تستحق الرد.
عارض آيزنك زميله بوبر في كون نظريات التحليل النفسي غير قابلة للتجريب وبالتالي لا يمكن تصديقها أو تكذيبها, بل بيّن أنه من الممكن ابتداع تجارب لمعاينة صحة النظريات كما هو الحال في نظرية عقدة أوديب إذ أن فرويد قد طرح نظرية عقدة أوديب انطلاقا من مراقبة طفل واحد فقط أطلق عليه اسم "الصغير هانز" بل أن المراقبة لم تكن من طرفه  شخصيا بل من طرف والده الذي كان يتراسل مع فرويد, في حين أنه تم معاينة مجموعة من الأطفال فتبين أنهم يميلون للأم بحكم الارتباط الأول بها سواء ذكورا كانوا أم إناثا ثم بعد ذلك للأب لأنه يخلق جوا من المرح بين أطفاله...لم يُحدد فرويد معيارا لكيفية معرفته عقدة أوديب أو قلق الإخصاء أو غيرة البنات من القضيب, قد يكون سلوك الأطفال ناتجا عن خلل في التنشئة أو أن قلق الإخصاء ناتج من مشاهدات الطفل لعمليات الختان التي كانت تُجرى بالمجتمع اليهودي أو لتخويف الطفل إن هو تصرف بسلوك مشين أن يقصوا قضيبه.

ذهب آيزنك في تقريعه لفرويد حد اتهامه بالنصب والاحتيال واختلاق قصص نجاح لم تحدث أبدا, واعتبار أن كثيرا من نظرياته التي نسجها في سنواته الأخيرة كانت من تأثير الكوكايين, إذ أن فرويد قد نصح مرضاه بتعاطي الكوكايين للشفاء من بعض الأوجاع والإدمان من المورفين, لم يكن يعرف فرويد في ذلك الحين خطورة الكوكايين لكنه ادعى رغم ذلك أن الكوكايين شفى مجموعة من الناس وهذا مستحيل حسب العلم الحديث مما جعله آيزنك دليلا على كذب فرويد واختلاقه لقصص شفاء مرضى لم يشفوا أبدا, وقد قال أيزنك أن فرويد أعاد علم النفس خمسين سنة للوراء, لأنه في عهده كان قد قفز علم النفس قفزة نوعية باتجاه العلوم الحقة والتجارب والمنهج العلمي إلا أن فرويد حسب آيزنك ضرب بكل هذا عرض الحائط وأعاد علم النفس للميتافيزيقا مجددا والفلسفة. [8]

خلاصة: 
 إن العلم لا يقف لصالح مدرسة التحليل النفسي الكلاسيكية, تقريبا لم يتبقى من نظريات التحليل النفسي إلا الشيء اليسير الذي لازال بعض من مناصريه يحاولون إثبات صحته عن طريق إجراء تجارب تصب في هذا الاتجاه.
المدارس النفسية الأخرى ليست بأفضل حال طبعا فكلها تعرضت للانتقاد من طرف معارضيها, إلا أن مدرسة التحليل النفسي أخذت حصة الأسد من الانتقادات والتي مست جوهرها ونسفت فعلا بعضا من نظرياتها.

المصادر:
 [1]- حوار نعوم تشومسكي الذي انتقد فيه التحليل النفسي (انجليزي)
 [2]- مقالة كارل بوبر حول نظريات أدلر وفرويد (انجليزي)
 [2]- كتاب منطق البحث العلمي لكارل بوبر (عربي)
 [3]- لقاء ألبورت مع فرويد (انجليزي)
 [4]- انتقادات MBTI على ويكيبيديا (انجليزي)
 [5]- الفرق بين اختبار كيرسي واختبار MBTI (انجليزي)
 [6]- انتقادات نظرية يونغ ولاعلميته مقالة (انجليزي)
 [7]- كتاب نقد التحليل النفسي لبارسيفال بيلي (عربي)
 [8]- كتاب تدهور امبراطورية فرويد وسقوطها لهانز آيزنك (عربي)

نظرية فرويد النفسية الأنا, الأنا الأعلى والهو

8
لما تفكر في علم النفس فلابد وأنه سيخطر ببالك سيجموند فرويد.
يعد سيجموند فرويد (1856 - 1939) أهم عالم نفس على الإطلاق, كيف لا وهو الأب الروحي للتحليل النفسي وصاحب النقلة الجوهرية لعلم النفس لمرحلة جديدة أكثر عصرنة, الحديث عن تاريخ علم النفس يجعلنا نقسمه لمرحلتين: مرحلة ما قبل فرويد ومرحلة ما بعد فرويد.
حسن كي لا أطيل عليك ندخل في صلب الموضوع الجوهري وهو شرح نظرياته النفسية, وسنحاول إسقاطها وتطبيقها على حياتنا اليومية, فأنا أعلم أنك تحبذ قراءة النظريات النفسية التي لها تطبيق حقيقي على أرض الواقع...أليس كذلك؟ سأحاول الاختصار قدر الإمكان كي لا تمل, أرجو أن لا يكون الملل تسرب إلى نفسك من الآن.

1- الوعي واللاوعي:
أهم مفهومين في مدرسة التحليل النفسي, فرويد قسم الذهن إلى واع وغير واع, إذ حسب فرويد فإن السلوك البشري هو نتيجة أفكار وأمنيات ورغبات لا يستطيع العقل الواعي الوصول إليها بكل سهولة, وبعبارة أخرى فإن اللاوعي يعرف أكثر مما يعرفه الوعي عنك.
كمثال توضيحي هل سبق وحدث لك أن كنت تراجع دروسك للامتحان وكلما أردت فتح كتاب ما إلا وشعرت بالنعاس؟ في حين لا تشعر بالنعاس أبدا وأنت تشاهد التلفاز... حسب فرويد فإن هذا ناتج أن اللاوعي سيبحث عن طرق لثنيك عن ما يزعجك, فبالنسبة له أن المراجعة للامتحان مزعجة لك وتسبب الإرهاق والقلق لذا لاوعيك يدفعك للتوقف عن هذا الذي يزعجك فتشعر بالنوم في حين مشاهدة التلفاز ممتعة لك فلاوعيك يحثك على مشاهدة التلفاز باستمرار.
اللاوعي يبحث عن ما يسعدك لحظيا, هو لاواعي لن يخطط لمستقبلك فهذه من مهمة وعيك.
اللاوعي يعمل على حمايتك أيضا من الأمور التي سبق وأضرتك...هل سبق وحدث معك أن التقيت شخصا لطيفا طيبا ومع ذلك شعرت بالنفور منه دون سبب؟ قد يكون السبب لاوعيك, هذا الشخص ربما يشبه شخصا قام بأذيتك بالماضي أو لك منه ذكرى سيئة, ولأنه لاواعي فهو لن يميز بين الشخصين لذا سينفر من وجه أي شخص يشبه ذلك الذي أشعره بالسوء والأذية, وكذا بالنسبة للأسماء.
حسن دعنا نحاول الانتقال للتطبيق الآن, قم بكتابة كل الأحداث التي تدخّل فيها لاوعيك سواء لمنعك من القيام بعمل أو لحثك على القيام به..
سأعطيك هنا بعض الأمثلة للفهم أكثر:
- النوم وعدم الاستيقاظ على ساعة المنبه للذهاب للقاء مهم كنت مضطرا له فقط ولا ترغب فيه.---> لاوعيك قال لك نم.
- نسيان اسم شخص أو مكان أو أحداث أضرتك.
- الفوبيا, أي الخوف من شيء, حدث لك بالسابق وأن تضررت منه, كالخوف من النار لأنه سبق واحترقت, الخوف من الكلاب لأنك تعرضت للعض, عدم الرغبة في الزواج بالنسبة للفتيات بسبب التعرض للاغتصاب بالماضي.
إلخ......

2- الأنا, الأنا الأعلى والهو:
شبّه فرويد عقلنا بالجبل الجليدي الذي يطفو منه على السطح 10 بالمائة فقط في حين أن الخفي منه 90 بالمائة وأكثر.
وبمعنى آخر فإن 10 بالمائة فقط من سلوكنا واع و90 بالمائة سلوك لاواع..
حسب فرويد فإن العقل مقسم لثلاثة أقسام: الهو الأنا الأعلى والأنا.

الهو: يمثل غرائزنا وشهواتنا التي تحركنا ككائنات وهو أهم قسم...الهو لاواع تماما فنحن سنحلم بالطعام إن كنا نتضور جوعا وقد نرتكب السرقة من أجل الأكل إن كنا سنموت جوعا, الهو يسعى لتلبية حاجاتنا البيولوجية, كما أنه المحرك الأساس لدى الأطفال قبل سن الخامسة, فالطفل سيأكل الطعام الذي يراه أمامه بغض النظر ما إذا كان يخصه أم لا, كما أنه سيأخذ لعبة طفل آخر ليلعب بها.
وهناك من البالغين من يحركه الهو طول الوقت, فهو يسرق ليأكل يتحرش بالنساء أو يغتصبهن لما تحركه الغريزة, قد تسرق المرأة مجوهرات تروقها... كل هذا لتلبية الرغبات والشهوات.

 الأنا الأعلى: يمثل مجموع القيم والمبادئ التي يتلقنها الإنسان في مجتمعه, والأفكار التي يؤمن بها, وهي تبعث في نفسه الشعور بالفخر عند احترامها أو الشعور بالذنب عند انتهاكها, فالطفل دون سن الخامسة لا أنا أعلى له, لذا هو لن يشعر بالذنب إن أكل حصة أخيه من الطعام, في حين الطفل الأكبر قد يؤنبه ضميره على ذلك, لأنه تلقن وسط أسرته ومن مجتمعه أن عليه أن يكتفي بحصته, وإن لم يتم تلقينه هذا فإنه سيبقى دائما يأكل حصة أخيه...للأنا الأعلى جزء واع وآخر لا واع, فالشخص الذي يرتكب ذنبا ما سيشعر بتأنيب الضمير وسيكون واعيا بما يشعر به وسببه, في حين قد يحدث أن يجد الفرد لنفسه مبررات لفعله كآلية دفاعية لاواعية وسأتحدث عن هذا إن شاء الله لاحقا.

الأنا: هو القسم الظاهر وله أيضا جزء واع وآخر لاواع.. يزاوج الأنا بين الهو والأنا الأعلى, وعكس هذين الأخيرين فإن الأنا أكثر واقعية منهما, فأنت ستشعر بالجوع وسيحثك الهو على جلب الطعام وستتخيل الطعام أمامك, أنت لن تذهب لسرقة الطعام لأن الأنا الأعلى لا يسمح لك بذلك في حين لا مشكلة عند الهو في أن تسرق لأنه حيواني فالحيوان لن يشتري الطعام, إذن أنت ستلبي حاجيات الهو بشكل يرضي الأنا الأعلى أي بالذهاب للمحل وشراء الطعام, لكنك قد لا تتوفر على المال وستشعر بالجوع الشديد حينها ستلبي حاجات الهو بعيدا عن الأنا الأعلى وسترتكب فعل السرقة, لأن الهو أهم وأقوى من الأنا الأعلى كونه لصيق بحاجاتنا البيلوجية وتلبية طلباته مستعجلة.. طبعا قد يموت الفرد جوعا ولا يسرق وهنا سيكون الأنا الأعلى أقوى من الهو لديه بمراحل.

الآن وقد اكتشفت مكونات الشخصية حسب نظرية التحليل النفسي لدى فرويد, هل يمكنك أن تميز أي قسم من الأقسام الثلاث يتحكم فيك بشكل أكبر؟ هل تجد نفسك تلبي حاجيات الهو بعيدا عن الأنا الأعلى أكثر؟ مثل تلبية بعض الشهوات الجسدية بعيدا عن الأنظار... أم أنك من النوع الذي لا يخترق قوانين الأنا الأعلى ويشعر بالذنب إن فعل ذلك؟ مثل عدم مشاهدة التلفاز كما يطلب الهو ومراجعة دروسك كما تطلب الأنا الأعلى... أم أنك توازن بينهما؟ كن صريحا مع نفسك ولا تستخدم آليات الدفاع التي سنتحدث عنها لاحقا, لا تغش!


3- الرموز في الأحلام:
حسب فرويد دائما فإن المعلومات الغير مرغوب فيها "تُكبت" ويلقى بها في اللاوعي بعيدا عن الإدراك الواعي, إلا أنها ستظهر في الأحلام من حين لآخر, إن ظهور هذه المعلومات لا يكون دائما صريحا بل قد تظهر على شكل رموز لكي لا تزعج الوعي.
إن الأمور التي تعرضت للكبت في حياتنا وصارت في اللاوعي قد تؤثر علينا أشد التأثير في حياتنا الواقعية دون أن نعلم السبب, لذا فإن فرويد يرى أن أفضل وسيلة لمعرفة ما يوجد في هذا اللاوعي الذي لا يمكن الوصول إليه هو بإلقاء نظرة على الأحلام.
فشخص مصاب بالتوتر وصداع بالرأس وعدم القدرة على التركيز وخدر في يديه دون أي سبب عضوي قد يكون ضحية كبت بعض المعلومات التي بالعقل اللاواعي, لربما تعرض لحادث مأساوي يؤثر عليه أو له أفكار لا تناسب أناه الأعلى فتُكبت وتلقى في اللاوعي.
لكنها قد تظهر في الأحلام على شكل رموز.
ليس هناك قاعدة لتفسير الحلم حسب فرويد بل كان يطلع على الخلفية التي أتى منها المريض لتفسير حلمه, مثل ديانته وبيئته وثقافته, فبعض الرموز بالمجتمع الاسلامي ستختلف عن الرموز بالمجتمع المسيحي أو غيرهما, فمن يحلم ببومة في مجتمع يرى أن البوم نذير شؤم سيختلف تفسير حلمه عن شخص من مجتمع أوربي يرى البومة رمزا للحكمة.

هل يتكرر لديك حلم معين باستمرار؟ هل تحلم حلما بشكل متكرر؟
حاول أن تكتب ما تحلم به مباشرة بعد الاستيقاظ وإيجاد ما إذا كان هناك موضوع ما يتكرر في أحلامك, وإن كنت لا تعرف معنى تكرر نفس هذا الحلم كل مرة حاول فك رموزه إنطلاقا مما يحيط بك في وسطك الذي تعيش فيه وخلفيتك الثقافية والاجتماعية.

حسن سأكتفي بهذا القدرعن نظرية فرويد ولن أتحدث عن الجنس الذي حاول فرويد تفسير كل شيء به ولا المراحل التي يمر بها الطفل قبل البلوغ, كي لا نطيل كثيرا وأنت قد مللت, وتجدر الإشارة إلى أن نظرية فرويد قد صارت تقريبا متجاوزة خصوصا في الشق المتعلق بتفسير كل شيء بالجنس... طبعا هناك أنصار لنظرية فرويد في التحليل النفسي حول العالم لكن زخمها قد خفُت, ولن نسوق الانتقادات طبعا لأنها ليست موضوعي كالعادة..
كانت هذه ملحوظة فقط لكي لا تعتقد أن ما قرأته بالأعلى مُسلّمة وإنما مجرد نظرية ورؤية فرويد الشخصية.
إذن الجزء الثاني عن اللاوعي وميكانيزمات الدفاع النفسي.