نظرية يونغ لأنماط الشخصية أصل اختبار MBTI

9
 بعد أن تحدثنا عن جانب من نظرية كارل يونغ في الشخصية بالمقال السابق, سنتحدث الآن عن نظريته الأشهر والتي أظنك تعرفها ألا وهي أنماط الشخصية, لكن قبل ذلك عليك أن تعلم أننا هنا نتحدث عن نظرية كارل يونغ وليس عن MBTI ولا عن ما جاء به كيرسي, ثم عليك أن تعلم أيضا أنه مهما كانت هذه النظرية شهيرة بين (العامة) إلا أنها تبقى مجرد نظرية كبقية النظريات السابقة التي تحدثنا عنها والتي سنتحدث عنها مستقبلا إن شاء الله.

1- الانطوائي والانبساطي Introverted & Extraverted
من بين كل ما أتى به يونغ من نظريات فإن هذا المفهوم هو الأهم على الإطلاق, وإن كان فرويد موسوما باللاوعي وأدلر بعقدة النقص فإن يونغ موسوم بالانطوائية والانبساطية, ويعود له الفضل في نشر هذا المفهوم لغويا بين العامة, فحتى الأميّ يعرف ما معنى انطوائي وانبساطي, إلا أن المفهوم الدارج والمفهوم النفسي الحديث للانطوائي والانبساطي يختلفان عن مفهوم يونغ.

من هو الانطوائي ومن هو الانبساطي حسب يونغ؟
أهم ما يميز الشخصية الانطوائية عن الانبساطية هو أن الانطوائي يُركز على ما هو ذاتي في حين أن الانبساطي يُركز على ما هو موضوع, بحيث أن الانبساطي تفكيره متجه نحو ما هو خارجي في حين أن الانطوائي نابع تفكيره من الداخل.
يُعرّف يونغ الانبساط على أنه صفة الشخصيات المنفتحة على العالم الخارجي والتي تركز على الحقائق أكثر وتضع نصب عينيها هدفا وراء نشاطاتها الخاصة كما أنها تستمد طاقتها من مزاولة الأنشطة مع الآخرين, في حين أن الانطواء صفة الشخصيات المنغلقة على الذات والتي تستمد حقائقها بالاستبطان وطاقتها من قضاء الوقت وحيدة.
لذا قد يحدث سوء تفاهم جد سيء بين شخصين أحدهما انطوائي والآخر انبساطي, فالانبساطي يرى الانطوائي كشخص نرجسي متمحور حول ذاته وأناني وخجول في نفس الوقت في حين أن الانطوائي يرى الانبساطي كشخص تافه سطحي ومخادع متملق وربما عنيف, وكمثال:
رجل انبساطي متزوج من امرأة انطوائية يطلب منها مرافقته لحفلة عائلية فترفض ذلك, قد يفسر الرجل رفض زوجته المستمر لحضور حفلاته العائلية على أنه خجل أو استعلاء أو أنانية وتمحور حول الذات في حين ستفسر المرأة إقامة زوجها لحفلات عائلية كل حين على أنه تملق ونفاق أو تفاهة وسطحية أو صخب وغيره...
فالانبساطي يريد ملاقاة الناس لا تملقا وسطحية وإنما لشحن طاقته فهو يحب التفاعل مع الآخرين في حين أن الانطوائي لا يرغب في حضور الأنشطة الاجتماعية لأنها تستنفذ طاقته وليس استعلاء أو تمحورا حول الذات أو خجلا.

مثال آخر ضربه يونغ لصديقين مرا على متحف وكلاهما يريد ولوجه, بالنسبة للصديق الانطوائي فهو يريد ولوجه متسائلا حول ما قد سيراه بالداخل في حين أن الصديق الانبساطي يعتبر الأمر لعبة ومغامرة, وعند السياج سيشعر الانطوائي بالتوجس وقد يعبر لصديقه الانبساطي بذلك: "قد لا يسمحون لنا بالدخول؟" وفي ذهنه تتبادر صورة رجل شرطة وكلاب حراسة, فيرد عليه الانبساطي:"كلا كل شيء على ما يرام" وفي ذهنه رجل طيب عند الباب وفتيات جميلات داخل المتحف.
عند ولوج المتحف يتفاجآن أن هناك مجموعة من المخطوطات القديمة يعلوها الغبار ولا وجود للفتيات الجميلات, حينها يتحمس الانطوائي بما يراه بالمتحف ويبدأ بالتجوال منتشيا بين المخطوطات وهو يحث صديقه الانبساطي مشاركته والذي قد أصيب بخيبة أمل لعدم ملاقاة الفتيات الجميلات ولأنه لا وجود بالمتحف لشيء آخر غير بعض المخطوطات التي تُذكّره بالدراسة, فيطلب من صديقه الانطوائي الانصراف من ذلك المكان, فيشعر الانطوائي بالغضب من صديقه الذي يفسد عليه متعته وينصرفا معا والانطوائي يعد نفسه بأن لا يتجول مع صديقه الانبساطي مرة أخرى.
وهكذا فإن الانبساطي شخص متفائل في نظرته يُركز على الهدف أكثر من الانطوائي, هو كان يهدف لولوج المتحف متوقعا رؤية الفتيات الجميلات لكنه لما لم يجد ما توقعه انصرف دون أن يشده شيء آخر للمكان, ولو توقع رؤية المخطوطات القديمة وهدف لرؤيتها فإنه سيتحمس لها, عكس صديقه الانطوائي المتشائم النظرة الذي لم يكن يهدف لشيء من وراء ولوجه المتحف عدا الاستكشاف, وقد كان متوجسا منه قبل أن ينقلب لمتحمس عند رؤيته لأشياء تروقه, فهو لم يكن قد وضع في ذهنه هدفا محددا يرجوه قبل أن يلج المتحف.

كما أن من بين الاختلافات الحادة التي أشار إليها يونغ بخصوص الانبساطي والانطوائي هو الخلاف بين نظريتي فرويد وأدلر, فحسب يونغ فإن فرويد شخص انبساطي يعتبر أن المشاكل النفسية للإنسان هي نتيجة مكبوتات لأحداث خارجية في حين أن أدلر شخص انطوائي اعتبر أن المشاكل النفسية للإنسان نابعة من ذاته هو نفسه وبشعوره بالنقص.

إن الانطوائية والانبساطية نسبيتان, لا يوجد شخص منطو بنسبة 100% ولا منبسط بنسبة 100%, البشر جميعا على سلم متدرج للانبساطية والانطوائية.


2- الوظائف المعرفية:
بعد أن عرّف يونغ الانبساطي والانطوائي انتقل لإضافة تقسيم جديد للشخصيات فاعتبر أن الإنسان يستخدم أربعة وظائف معرفية
اثنتان منهما عقلانية واثنتان لاعقلانية.
وظائف عقلانية أو حكمية Judging : الفكر thinking الشعور Feeling
وظائف لاعقلانية أو إدراكية Perceiving : الحس Sensing الحدس iNtuiting

ليس المقصود بالعقلانية بأنها منطقية ولا باللاعقلانية أنها غير منطقية, وإنما المقصود أن الفكر والشعور وظيفتان يُستخدم فيهما العقل في حين أن الحس والحدس يُستخدم فيهما الإدراك, إلى جانب السلوك الانطوائي والانبساطي تشكل هذه الوظائف المعرفية ثمانية أنماط من الشخصية.

- الفكر Thinking: وظيفة معرفية عقلانية تعتمد على معالجة الأفكار ولاعلاقة لها بالمنطق لأنها تُعتبر وظيفة الكل يُمارسها في حياته, فإن طُلب منك أن تفكر في مسألة ما فإنك ستُمارس هذه الوظيفة المعرفية دون أن تكون النتائج التي خرجت بها صحيحة بالضرورة أم خاطئة, منطقية أم لا, إن كان الفكر مرتبطا بالانطوائية فإن الوظيفة تكون موجهة من خلال الاستنباط الداخلي في حين إن كانت مرتبطة بالانبساطية فإن الوظيفة تكون موجهة إلى العالم الخارجي.

-الشعور Feeling: وظيفة معرفية عقلانية تعتمد على التقييم وهي حسب يونغ تعادل وظيفة الفكر, ولا يُقصد بالشعور العاطفة كما يُشاع عند الكثيرين إذ أن لا علاقة للفكر بالمنطق ولا الشعور بالعاطفة, وإنما هو تقييم للأشياء بالنسبة لنا, فأنت تُعز أخاك لأنه أخاك أي أنك قيّمته وحددت مكانته بالنسبة لك لا عن طريق الفكر ولا عن طريق الحدس ولا عن طريق الحس وإنما عن طريق الشعور.
إن ارتبط الشعور بالانطوائية فإن هذا يعني أن التقييم يكون ذاتيا في حين إن ارتبط التقييم بالانبساطية فإنه يكون موجها للخارج, وكمثال فإن الشخص الذي يحمل وظيفة الشعور الانبساطي سيرتدي ملابس تناسب المجتمع لأنه يُقيّمها على أساس التقييم العام للمجتمع في حين أن الذي يحمل وظيفة الشعور الانطوائي فإنه قد يرتدي ملابس لا تناسب معايير المجتمع ولكنها تناسب تقييمه الخاص للأمور, ولا يجب أن يُفهم هنا على أنه تمرد على المجتمع ولكنه مجرد تقييم ذاتي.

-الحس Sensing: وظيفة معرفية لا عقلانية تعتمد على الحواس الخمس, وهي التي نستكشف من خلالها العالم من حولنا, حسب يونغ فإن صاحب هذه الوظيفة المعرفية كوظيفة أولية هو شخص لديه إدراك جد عال بالعالم من حوله, فهو لن يضيع طريقه وسط المدن, يجيد قراءة الخرائط يميز جيدا بين الأصوات والألوان والمسافات ويعتبر خبيرا في تفاصيل الحياة اليومية, قد تتخذ الوظيفة شكلا انبساطيا فتُحفّز بالعالم الخارجي وقد تتخذ شكلا انطوائيا فيكون التحفيز داخليا.

-الحدس iNtuiting: وظيفة معرفية لا عقلانية تعتمد على الاحتمالات, فهي رؤية الأشياء التي لا يمكن اكتشافها ببقية الوظائف المعرفية, وتشبه لحد ما الحاسة السادسة من حيث التخمين, إذا كانت الوظيفة موجهة للعالم الخارجي فإننا نتحدث عن حدس انبساطي وإن كانت موجهة للعالم الداخلي فإننا نتحدث عن حدس انطوائي وهو أقرب للحاسة السادسة منه للحدس الانبساطي.

إذن كما تلاحظ فإننا جميعا نملك هذه الوظائف المعرفية فعند رغبتك في شراء شقة فإن الفكر سيخبرك عن ما إذا كان بناؤها مثينا ومناسبا من حيث التصميم والشعور سيخبرك عن ما إذا كانت تستحق قيمتها المالية وما إذا كانت معاييرها مناسبة لمعايير المنازل المعاصرة بمجتمعك أو معاييرك, في حين أن الحس سيخبرك معلومات عن مساحة كل غرفة وعن التهوية والإضاءة والألوان في حين سيخبرك الحدس عن كيف يُمكن أن تستفيد من كل شبر بالشقة.

إلا أنه وحسب يونغ دائما لكل فرد وظيفة معرفية غالبة على بقية الوظائف المعرفية الأخرى تكون إما عقلانية أو لا عقلانية وإلى جانبها وظيفتان مساعدتان في حين تتنحى الوظيفة المقابلة لتصير ظلا, وقد سبق وتحدثنا عن مفهوم الظل عند يونغ بالموضوع السابق.
إذا كان الشخص انبساطيا فإن وظيفته الرئيسية تكون انبساطية في حين أن بقية الوظائف جميعا تكون انطوائية والعكس.
تذكّر أننا نتحدث عن نظرية يونغ الأصل وليس MBTI أو تصنيفات كيرسي.

كمثال أنا ENFP حسب اختبار MBTI
إذن في نظرية يونغ أنا كالتالي:
قد تكون للشخص وظيفة واحدة مساعدة أكثر استحواذا من الوظيفة الأخرى في حين قد يُطور الشخص وظيفتان مساعدتان بنفس المستوى, أما الوظيفة المتنحية فهي تكون وظيفة سلبية, مؤذية لصاحبها وللمحيطين به على السواء إن بقيت ظلا مستحوذا ولم يتم تطويرها بالشكل المناسب.
فالشخص بوظيفة الفكر قد يصير شخصا غير قادر على كتابة مقال ولا على التفكير بمنطقية, والشخص بوظيفة الشعور قد يهمل النشاطات الاجتماعية ويعتكف على قراءة الكتب طول الوقت مثلا, أما الشخص بوظيفة الحس فقد يبدأ بنسيان المفاتيح وأغراضه المهمة وينسى إطفاء الموقد وغيره, في حين أن الشخص بوظيفة الحدس قد يصير جد متنبه للألوان والأصوات وغيرها من الحسيات على حساب الاحتمالات.

وهكذا يكون هذا المقال هو آخر مقال في مدرسة التحليل النفسي التي قد أعود لها لاحقا لعرض نظريات أخرى, لكنني حاليا سأنتقل للانتقادات لعرض المدرسة السلوكية.
عندما أقول انتقادات فهذا لا يعني تهجما مزاجيا على النظريات وإنما كشف موضوعي من طرف علماء آخرين لمكامن الخلل بالنظرية المراد دراستها.
إذن تذكر أن ما قرأته فوق يبقى مجرد نظرية وليست مسلمة, لا تقم علاقة عاطفية مع النظريات لأن العلم لا يرحم.

التعليقات

  1. لا تقم علاقة عاطفية مع النظريات 😂 اذا انتقدت نظرية يونغ لن يتأثرو ..ولكن اذا انتقدت الانماط سيتأثرون هذا يعني أنهم أقامو علاقة عاطفية مع أنماطهم فقط ههههههه

    تلخيص جيد للنظرية أنتظر القادم ومنها الانتقادات

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو, لقد انتقدت النظرية فعلا هنا في أحد التعليقات وأخذ أحدهم يرتجف وأصيب بالصرع في رده علي, لقد تبلل المقال برذاذ لعابه وزبده وهو يصرخ في تعليقه, فحذفت تعليقي وتعليقه كي لا أخسر زوار مدونتي الذين يقدسون النظريات ويتخذون يونغ نبيا مرسلا...
      الانتقاد ليس من مخي إنما هو فعلا موجود وأنا سأعرضه فقط لأن العلم يتقدم بالانتقادات لكن البعض يتعامى عليه لأنه أقام علاقة عاطفية مع نمطه كما قلت هههه ذاب هياما في تلابيب تنميطه الذي يخبره أنه شخص رائع وسيدخل الجنة مع الصديقين والشهداء لأن يونغ عليه السلام زاره في المنام وأخبره بذلك.

      حذف
    2. ههههههههههههههههههههههههههههههههه ياإلهي لقد تخيلت الموقف شخص يصرخ وثم بضغطة زر بووم يختفي
      توقعت أن تكون علاقتهم الغرامية بحدود الأنماط ولكن البعض اذًا توسع للنظريات بعلاقته ههههه لا بأس المراهقين سيكبرون ليعرفوا أنها علاقة عاطفية عابرة وثم سيأخدون الأمر بموضوعية

      حذف
  2. لم تعد المدونة تافهة كما عهدناها، الرجاء أن تتوقف عن ذلك وتعود للمواضيع التافهة والساخرة!

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا Muaad ElSharif :)
      مازالت المدونة تافهة لا تقلق, فقط لا تأتيني الأفكار كل حين للتفاهات فأستغل الوقت في كتابة مواضيع كهذه.
      لكن التفاهة ستبقى حاضرة لأنها أساس المدونة هههه

      حذف
    2. ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

      حذف
    3. يا للضحكة هههههه تسلم.

      حذف
  3. متشوق للانتقادات لأنني أريد الاستفادة منها لاحقا في النقاشات.
    شكرا لك

    ردحذف