قوانين التعلم, نظرية ثورندايك

20
إدوارد لي ثورندايك (1874- 1949) عالم أمريكي آخر من علماء نظريات التعلم و علم النفس السلوكي, تُعد مساهماته العلمية جد مهمة ودقيقة من ناحية المنهج التجريبي, فعلى نهج بافلوف سار ثورندايك باستخدام الحيوانات في تجاربه وخصوصا القطط ليستخرج منها احدى أهم نظريات التعلم التي ساعدت لاحقا في تأسيس علم النفس التربوي.
يُطلق على نظرية ثورندايك اسم الترابطية Connectionism فهو يرى أن عملية التعلم هي حاصل الربط بين المثير والاستجابة, تتقوى وتضعف بمدى قوة هذا الترابط.
إليك الشرح الأوفى عبر هذه التجربة:

صندوق متاهة القطة:
أحضر ثورندايك قططا جائعة وصندوقا حديديا لا يُفتح إلا عن طريق سحابة على الحيوان أن يسحبها ليُفتح له الباب ويتمكن من الخروج, وقد وضع ثورندايك طعاما خارج الصندوق لحث القط على الخروج ونيل الطعام.
تتمكن القطط من الخروج بعد عدة محاولات فاشلة, وكان ثورندايك يعيد القطة مجددا للصندوق لتكرر نفس العملية وتخرج من الصندوق ثم يعيدها للصندوق وهكذا, وقد خط مبيانا موضحا تطور أداء القطة الذي يتحسن بعد 117 محاولة على مدى أسبوع, فتتقلص المدة الزمنية التي تستغرقها القطة لفتح الصندوق.

التجريب والخطأ:
استخرج ثورندايك من تجربته عدة شروط لنجاح عملية التعلم لدى القطة ومنها:

1- التعلم عن طريق التجربة والخطأ تصاعدي حيث يتحسن أداء القطة بعد عدة محاولات فاشلة, فكما هو موضح بالمبيان فإن محاولاتهما الأولى كانت تستغرق زمنا طويلا في حين أنه في المحاولات الأخيرة تحسن الأداء وصارت تفتح القطة الباب في ظرف وجيز.

2- من أجل التعلم لابد من حافز, حيث كان الحافز للقطة الطعام الذي يمكنها رؤيته من خلال فتحات الصندوق...وهذا شرط مهم لأن القطة قد لا ترغب في الخروج من الصندوق إن لم يكن هناك حافز وهدف لخروجها, كأن يكون الصندوق بدون فتحات مطلقا يمكنها من رؤية الطعام أو أن تكون غير جائعة.

3- تبدأ القطة فور ولوجها الصندوق بمحاولات عشوائية للبحث عن وسيلة للخروج...حيث أن محاولات القطة الأولى للخروج من الصندوق تتسم بالعشوائية فهي تبدأ باكتشاف الصندوق والسحابة وتجربة عدة طرق لفتح الباب قبل أن تفلح في فتحه بالسحابة.

4- المحاولة الناجحة الأولى للقطة في فتح الباب تأتي بمحض الصدفة...فالقطة لا تعلم أن السحابة ستفتح الباب, هي فقط تجرب كل الطرق ومن بينها السحابة التي تفتح لها الباب.

5- يتعلم الحيوان أخيرا بعد عدة محاولات الطريقة الصحيحة لفتح الصندوق بشكل مباشر دون القيام بمحاولات عشوائية أخرى وبالتالي فتحه في ظرف وجيز...إذ أن القطة بعد أن يضعها ثورندايك مرة أخرى بالصندوق بعد محاولتها الأولى الناجحة لن تسحب السحابة مباشرة بل تبدأ بالتجريب العشوائي مجددا, فالحيوان لا يعلم أن السحابة هي الحل من خلال أول تجربة ناجحة له, ولكن بعد عشرات المرات وبتكرار العملية كل مرة يتبّث الحيوان الحل وعندما يعيد ثورندايك القطة للصندوق للمرة السبعين أو المائة فإنها ستسحب السحابة مباشرة.

قوانين التعلم:
من خلال تجربة صندوق متاهة القطة دائما استنتج ثورندايك قوانين للتعلم وتُعد هذه القوانين هي أساس عمليات التعلم لدى البشر أيضا بالمدرسة.

1- قانون الاستعداد: هذا القانون يعني أنه لابد من وجود استعداد للتعلم, القطة لن تبادر بأي محاولات للخروج إن لم تكن مهتمة ومستعدة للقيام بذلك كأن تكون غير جائعة مثلا ففي هذه الحالة لا يعمل الطعام كمحفز لها للخروج من الصندوق, والرابط بين المحفز والاستجابة غير موجود.

2- قانون الأثر: ويقصد به أن العملية المصحوبة بالاشباع سيتم تكرارها, فالقطة الجائعة عندما تحصل على الطعام بعد فتحها الصندوق ستكرر نفس العملية لكي تحصل مجددا على الطعام ومن تم الشعور بالرضا والارتياح, أما إن لم يكن هناك طعام فإنها قد لا تفتح الصندوق, وبالتالي لكمال العملية لابد من: حافز (الطعام) لتقوية الترابط العصبي بين المثير الذي هو الطعام في حال القطة والاستجابة وهي محاولة فتح الصندوق.
وهذا ما نراه بالسيرك, فمدربوا الحيوانات يقدمون جائزة للحيوان كلما أفلح في القيام بمهمة موكولة إليه عبارة عن قطعة صغيرة من الطعام تعمل كمحفز للحيوان للاستمرار بالقيام بنفس الحركات في كل عرض.

3-قانون الممارسة: يعني أن التمرين والممارسة المستمرة لنفس العمل يؤدي لتقوية ارتباط المثير بالاستجابة والمثير بالتجربة طبعا هو الطعام والاستجابة هي فتح الصندوق, أي أن القطة ستتعلم بالتكرار المستمر, إلا أن الإهمال لمدة من الزمن كفيل بإضعاف هذا الارتباط بين المثير والاستجابة لدى القطة حيث لن تتمكن من فتح الصندوق إن لم تستمر بممارس العملية مدة طويلة من الزمن.

تطبيقات قوانين التعلم لدى البشر:
ربما وأنت تقرأ القوانين كنت تفكر في أنها تطبق على البشر أيضا وهذا صحيح.  فإن الطلاب بالمدرسة لن ينجزوا أي شيء إن لم يكن هناك استعداد من طرفهم ودافع يجعلهم ينخرطون في عملية التعلم, (قانون الاستعداد) فلو اعتبرنا أن طالبا يدرس تخصصا ما وهو يرى أنه لا طائل من دراسته فإن هذا سيؤثر على عملية التعلم لديه, لذا كان لزاما من الأستاذ أن يحضّر الدرس بشكل يجذب الانتباه للطلاب ويجعلهم على استعداد للتعلم كتبيين الآفاق ومنحهم هدفا للتعلم.

الطلاب الذين يحصلون على مكافأة عند عملية التعلم سيعملون بجد أكبر المرة القادمة, قد تكون المكافأة عبارة عن علامات جيدة أو كلاما طيبا وتشجيعا من طرف الأستاذ أو أي شكل من أشكال الاشباع الذي يقود للتكرار من أجل الحصول على المزيد من المكافآت, (قانون الأثر) قد تكون المكافأة من طرف الأهل كأن يقول الأب لابنه: إن نجحت هذه السنة بتفوق سأشتري لك دراجة نارية.
ثم بعد النجاح لا يشتري الأب شيئا لابنه طبعا, أليس كذلك؟
 

العملية التعلمية تكون أجدى بالتمرين والممارسة, فالطالب لن يتمكن من التعلم إن لم يكرر ويتمرن على ما طُلب منه, فأستاذ اللغات قد يمنح الطالب كلمة جديدة أو قاعدة لغوية جديدة ثم يطلب منه أن يكوّن ثلاث جمل أو أكثر تحتوي على هذه الكلمة (قانون الممارسة), وهذا تكرار مجدي يعتمد على التمرين فالتكرار الغير مجدي هو أن يطلب الأستاذ من الطلاب كتابة القاعدة ثلاث مرات كما هي أو حفظها وهذا ما نرى بعض الأساتذة يفعلونه بشكل خاطئ كارثي, لقد كان بعض معلمينا بحسن نية يطلبون منا نسخ القاعدة عدة مرات لتذكرها وفي واقع الأمر هذا لا علاقة له بعملية التعلم بتاتا, فحسب نظرية ثورندايك فالقطة كانت تتمرن كل حين بنفسها تحاول فتح الصندوق ولم يكن يضع احدى أطرافها على السحابة بشكل متكرر لفتحها لأنها أبدا لن تتعلم بالتكرار الغير المجدي.

وأخيرا أتركك مع فيديو تمثيلي لتجربة ثورندايك:

التعليقات

  1. هذه التجربة ذكرتني عندما كنا نعلم القطط المشي بوقت مبكر لأنها لم تكن تملك أم فنحن كنا نضعها فوق خشبة قليلًا مرتفعة ونجعلها تمشي فوقها ..كانت القطط تخاف ولكن بعد ذلك أصبحو كحيوانات السيرك يقفزون بكل مكان 😺
    لقد ذكرتني عندما تقول معلمة أن نكرر قاعدة يبدأ العناد ..وأتحاور معها على أن الأمر لا فائدة منه.. وأعتقد تعرف ماذا ستكون النتيجة 🙂
    ثم بعد النجاح لا يشتري الأب شيئا لابنه طبعا, أليس كذلك؟
    لا تعليق 😂
    وشكرًا على تلخيص النظرية أنتظر القادم

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو أجل التعليم في العالم العربي متدهور والمعلم ليس هو السبب طبعا هو أيضا ضحية بالسجن الذي يسمى مدرسة.
      كنا ندرس بالمدرسة ولا ندري لما ولأي شيء تصلح هذه القاعدة أو تلك أو هذا التعريف أو ذاك, فقط ندرس من أجل العلامات الجيدة ومن أجل الامتحانات وليس من أجل العلم بحد ذاته.
      القادم إن شاء الله عالم آخر سلوكي وأظن أن السلوكيين لم يعجبوا أحدا من خلال عدد المشاهدات عكس التحليليين الذين حضوا بمشاهدات أكبر.
      يبدو أن العلم غير جذاب بالمرة عكس نظريات الدجل والشعوذة ههههه أظن أتوقف عن الكتابة عن النظريات وأقلبها دجل وشعوذة وقراءة كف وطالع ووصفات جلب الحبيب لأحضى بمشاهدات أكبر.
      وأغير لقبي من جواد تفاهة لجواد الروحاني.

      حذف
    2. جواد الروحاني لجلب الحبيب هههههههههههههههه

      حذف
    3. هههههههههههههه مع أني أرى أن الناس يفضلون التفاهة والسخرية أكثر من النظريات سواء سلوكية أو شعوذة ..لن يعجب البعض تغيير "جواد تفاهة" إلى "جواد الروحاني" ربما قد يعجبهم "جواد تفاهة الروحاني" تكتب بعض الشعوذة مع القليل من السخرية ههههههه

      حذف
    4. هذه فكرة رائعة أن أكتب عن الشعوذة بسخرية.

      حذف
  2. سلسله مقالات جميله ومبسطه عن علم النفس السلوكي
    بقي ان تتحدث عن كوهلر والقرده (:

    ردحذف
  3. بالعكس ارى ان معرفة مبادئ في علم النفس المرتكز على ملاحظة السلوك اجدى من علم النفس القائم على مدارس تحليليه احيانا لا تمت للواقع بصله
    فهم علم النفس السلوكي يحتاجه الوالدان قبل المدرسين

    ردحذف
    الردود
    1. أجل تماما,
      لكن للأسف البعض عندما يود أن يقرأ عن نفسية أبنائه وكيفية التعامل معهم يلجأ لعلم النفس التحليلي ونظريات فرويد تحديدا لأنه الأشهر.
      علم النفس السلوكي هو أصل علم النفس التربوي.

      حذف
  4. مقالة مختصرة وغير تافهة بالمرة، شكرا لك على التوضيح!

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا معاذ.
      سعيد بحضورك المتكرر هنا.
      شكرا لك بالمثل.

      حذف
  5. أثناء دراسة علم النفس في المدرسة كانت مدرسة علم النفس السلوكي هي أكثر مدرسة يكرهها الطلاب ولم أفهم لماذا مع أنها كانت واقعية ومفهومة، ورغم أنني أحب المدرسة التحليلية أيضا - لأنها تُعطي فرصة للفلسفة - فقد كرهت فرويد كثيرًا، لأنه لا يمكنه تفسير لم أنا لا أرغب بالدراسة الآن ولدي امتحان منتصف غدًا، ولكن أنا أعرف لماذا وهو أن الكسل ينخر عظامي وليس لدي أي حافز أو دافع.
    شكرًا لك على مقالاتك، أنت أبعد من التفاهة من التفاهة نفسها. (حظا جيدا في فهم هذه الجملة الهيروغليفية)

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك Shiroi~Rika
      أتمنى أن تكوني قد بلوت حسنا في الامتحانات.
      لا يوجد شخص عاقل بحافز يدفعه للدراسة بالوطن العربي هههه
      لذا أنت على الطريق الصحيح ههه

      حذف
  6. رائع استمر,,, نتمنى ان تعطينا مواضيع في علم الاجتماع النفسي,,,, وخصوصًا موضوع [الصداقة] و[الصداقة على الأنترنت]😑

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك موزع السعادة غبت طويلا عنا.
      علم النفس الاجتماعي عشقي مهتم به أكثر من علم النفس إن شاء الله لما أنتهي من نظريات علم النفس أنتقل له بالتأكيد.

      حذف
  7. موضوع جميلعملي وواقعي....هل هناك قرابة بين دوارد لي ثورندايك وبافلوف سار ثورندايك

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا لولو.
      أنا لا أعرف من هو بافلوف ثورندايك.

      حذف
    2. أزال المؤلف هذا التعليق.

      حذف
    3. ههههههههه يبدو انني فهمت سياق الجملة بشكل خاطئ اعتقدت ان هناك احد اسمه بافلوف سار ثورندايك
      اصلا لماذا انا مهتمة بالاسماء ابدو كمن تريه القمر فينظر لاصبعك ههعهع

      حذف
  8. ماهو الاشراط الأجرائي؟
    farah
    UJ

    ردحذف
    الردود
    1. اهلا فرح
      يمكنك القراءة عنه هنا
      http://www.waqi3.com/2017/02/blog-post_8.html

      حذف