ما الفرق بين العرق والإثنية؟

 تحدثت في موضوع سابق علاه الغبار وعش العنكبوت عن العرق ومفهومه وبعض من تاريخ التقسيمات العرقية, واليوم بعد أن صار مفهوم العرق أو تصنيف البشر من خلال المظهر الخارجي متجاوزا سنتحدث عن بديل التقسيمات العرقية.

فبعد ظهور علم الوراثة والحمض النووي تبين لعلماء الأنثروبولوجيا والبيولوجيا أن التقسيمات العرقية بلا أي أساس علمي حقيقي, إذ يمكن إيجاد قبيلة افريقية سوداء تشترك بنفس الجد مع قبيلة جرمانية شقراء بالسويد, إن التقسيمات العرقية كانت مبنية على خلفية العلماء الغربيين الاجتماعية  ونظرتهم الشخصية للاختلافات بين البشر, بعبارة أخرى مجموعة من الخرافات أسبغوا عليها رداء العلم.

ولأن للبشر ميل فطري لتصنيف أنفسهم لمجموعات, فإنه عندما يصير مفهوم ما متجاوزا يقوم المفكرون والعلماء "الغربيون طبعا" بإبطال اعتكافهم قياس نسبة سواد لون البشرة وحجم الأنف وشكل الجفون و القفز بالزانة مباشرة لمفهوم آخر للتقسيم.

 آه بلى! غربيون لأنه لا وجود لعلماء شرقيين.

لقد تم إدراك حقيقة تأثر المفهوم العرقي بالهوية الثقافية لمختلف الأعراق وليس المظهر الخارجي فقط, كما أن هذه الاختلافات الثقافية  هي المحدد الأساس في تفاعل الإنسان مع أخيه أو عدوه الإنسان.

ما هي الإثنية:

مصطلح الإثنية قديم حديث فهو تعريب للكلمة اليونانية Ethnikos والتي كان يطلقها اليونان على الشعوب الوثنية غير اليونانية, تحولت في الإنجليزية ل Etnic ظلت تطلق في اللغة الانجليزية على الشعوب الوثنية أو بمعنى أدق كانت مرادفا للفظة "كفار"  إلى غاية منتصف القرن العشرين لما صارت مرادفا لمصطلح Race عرق, ثم تحولت بديلا له بعد أن تم التخلي عن نظريات العرق العنصرية التي ليس لها معنى.

حاليا مصطلح إثنية صار إشارة للهوية الثقافية الجماعية بمعنى شعب أو قوم أو أمة باللغة العربية تجمعهم ثقافة ما, فلكل قوم هوية تختلف عن هوية بقية الأقوام, إلا أن العلماء بهذا الحقل اختلفوا في صياغة تعريف موحد لمفهوم هذه الهوية ومكوناتها, فالتعاريف محيرة ومرتبكة وتشير لكل شيء تعلق بالسلوك الإنساني ومن تم للاشيء.

سمات الهوية الإثنية:

لا توجد سمات محددة للهوية الإثنية, فالهوية نابعة من القوم ذات أنفسهم, وهم وحدهم من لهم صلاحية تعريف أنفسهم بأنفسهم, فالإثنية تصنيف تم بناؤه اجتماعيا، يمكن أن تتغير سماته ومعاييره اعتمادًا على السياق الاجتماعي والسياسي السائد...فلو أخذنا مثال العرب فإن نسبة ضخمة من التجمعات البشرية يعرفون أنفسهم عربا لمجرد أن لغتهم الأم هي اللغة العربية, حتى وإن كانوا يدركون أن أصولهم لا تعود للعرب, في حين أن تجمعات بشرية أخرى تعرف نفسها على أنها ليست بعرب حتى وإن كان لسانها عربيا.


على أي دعنا نعدد هذه السمات.

1- العرق: يعد العرق أول سمة معتمدة لتمييز الإثنيات, فالبشر بصريون وأول الأحكام تقع بعد أول نظرة لهيئة الإنسان, كما أن هذه الهيئة تتحدد منذ الولادة...ولربما تحسبني أسخر هنا أو أنني كنت أكذب في المقدمة ونسيت, لا أبدا! فمفهوم العرق صار متجاوزا "كعلم" قائم بحد ذاته ينهل قواعده من البيولوجيا, إلا أن التمييز بين الأقوام من خلال المظهر الخارجي حاضر كمعيار "اجتماعي". 

اثنية الميلانيزي
بمعنى أنك لو صادفت قوم الميلانيزي فإنه من النظرة الأولى ستدرك حينا أنك لا تنتمي لهم ولا ينتمون لك كشعب, والحكم مستمد طبعا من مظهرهم الخارجي وخصائصهم الجسدية المختلفة عنك وقومك. (اللهم إلا إن كنت منهم عزيزي القارئ). 

إذن الاختلافات الجسدية مازالت مظهرا من مظاهر التمييز بين الأقوام فيما بينهم, ولعل من أشهر أشكال التمييز بين الأقوام المرتبطة بالعرق بعصرنا الحالي يتمثل في الصراع الأسود والأبيض بأمريكا, حتى وإن أتبثت الاحصاءات أن نسبة ضخمة من السود هناك هم بالأصل من جد أبيض, بسبب الاغتصابات التي كان يرتكبها الرجال البيض ضد المستعبدات والخادمات السود, فجد مالكوم اكس لأمه رجل أبيض, ومع ذلك تصنف والدته من طرف المجتمع على أنها افريقية سوداء لأن مظهرها كذلك, لو ولدت شقراء وبعيون زرقاء لصنفت مع البيض, وبالمقابل فإن نسبة ضخمة أيضا من الذين يصنفون أنفسهم بيضا بأمريكا وربما يعتنقون أفكار عنصرية أيضا اتجاه السود هم بالأصل بجد أسود وجدة بيضاء حدث وولدوا بيضا.

هل وصلت الفكرة؟ 


2- اللغة: تعتبر اللغة من أهم مكونات الهوية الإثنية, فبعد أن تحكم بصريا على أن شعب الميلانيزي لاينتمي لك من أول نظرة, سيرحب بك أحدهم بلسان عربي فصيح هنا حكمك سيتغير تماما وستُرجِّح فكرة أنهم شعوب عربية عاشت في عزلة أليس كذلك؟

إن أردنا إدراك مدى أهمية اللغة في تكوين هوية الأقوام ما علينا إلا طرح سؤال كيف يطور شعب ما لغته؟ الأمر بحاجة لتجمع بشري يتجانس و يعيش معا في عزلة عن بقية الشعوب على الأقل لمئات السنين, هذه العزلة هي التي ستطور الهوية الثقافية الجماعية لهذا التجمع البشري ومن بينها أهم عنصر وهو اللغة.

تعد اللغة رموزا صوتية عبارة عن كلمات سر تربط أبناء منطقة جغرافية واحدة تجمعهم ثقافة واحدة, فهي ترتبط بقوة بعناصر تحديد الهوية الأخرى كالأرض والتاريخ والدين... فكمثال يقول العرب عبارة "أثلجت صدري بخبرك المفرح" في حين يحتفي الفرنسيون بالخبر المفرح بعبارة "أدفأت صدري", هذا لأن عرب الجزيرة يعيشون بمناخ حار في حين يعيش الفرنسيون بمناخ بارد.

 إذن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل فهي تزخر بتراث يمتد طوال سنوات تواجد القوم على ظهر البسيطة وهم سيحملون موروثهم الثقافي اللغوي أينما حلو وارتحلوا ... ولهذا يتم الاعتماد في تصنيف المجموعات الإثنية على التفرعات اللغوية, وقد أشرت لهذا في موضوع العرق الذي علاه الغبار: ساميون وحاميون ...إلخ.

3- الدين: أحيانا يتبوء مرتبة أهم من اللغة كمحدد هوياتي لدى بعض الإثنيات, فعديد من الصراعات بالتاريخ الإنساني دافعها الانتماء العقائدي بامتياز, كما أن هناك أقواما تخلت عبر التاريخ عن لغتها الأصلية وتبنت لغة أخرى لأهداف دينية, إن أي تجمع بشري معزول سيطور عبر مئات السنين إلى جانب لغته الخاصة معتقداته الدينية. وكما هو حال اللغة فإن الأديان ليست مجرد معتقدات يعتنقها الإنسان بل هي جزء لا يتجزء من هويته حتى وإن لم يكن ممارسا للمعتقد الديني فهو يبقى حاضرا في أسلوب ونمط حياته وأسلوب تفكيره وسلوكاته, ومن أهم أمثلة الهوية الإثنية المرتبطة بالدين هي اليهودية, حيث تعتبر اليهودية إثنية بحد ذاتها.

لكن الدين مع ذلك ليس بقوة اللغة كعنصر تمييز بين الإثنيات لأنه جد متغير على مر العصور, ولأن شعوبا عدة حول العالم تعتنق ديانتان فقط هما الإسلام والمسيحية اللتان انتشرتا في مناطق متفرقة وشاسعة من العالم واكتسحتا أمما متعددة, وبالتالي لن نجد أي تقارب ثقافي يجمع شعب الميلانيزي المسيحي مع احدى الشعوب الافريقية المسيحية مع أخرى اوروبية وجنوب أمريكية...

4- العادات والتقاليد: طبعا يتميز كل قوم بعادات وتقاليد تميزه سواء من لباس وأطباق ورقصات أو من قيم ومبادئ مشتركة للقوم.

5- التاريخ المشترك: لكل شعب قصصه التاريخية وحكاياته الخرافية, كانتصاراته الحربية وإخفاقاته والاضطهاد الذي تعرض له من غيره من الشعوب, هذا التاريخ عنصر متغير وتختلف رواياته من شعب لآخر, فقوميتان متصارعتان أو متنافستان لكل واحدة منهما روايتها لتاريخ هذا الصراع تختلف عن الأخرى.

6- المنطقة الجغرافية: الزمان والمكان! بالتأكيد فإن أهم ما يخلق قومية جديدة هو الاستيطان في منطقة جغرافية محددة لمئات أو آلاف السنين, وتلعب بيئة هذه المنطقة الجغرافية دورا في تطوير العرق واللغة والدين والعادات والتاريخ... وكمثال فإن سكان التيبت يتميزون بخصائص جسدية تمكنهم من العيش في أعالي جبال التيبت التي بها نسبة منخفضة من الأوكسجين, إذ يحمل عدد كبير منهم طفرة جينية تساعدهم على استخدام فعال للأوكسجين, وملابسهم التقليدية قد صممت لتناسب المناخ البارد السائد بالمنطقة كما أنها تُصنع مما تجود به الطبيعة هناك, واللغة تضم تعبيرات حسب البيئة المعاشة إلخ... لذا تنسب القوميات لمنطقتها الجغرافية التي تطورت فيها حتى وإن هاجرتها.

7- الجنسية: ولعلها من مستجدات العصر الحديث, لم يكن لها ذكر قبل عقود فقط, من المؤكد أن المرء في الماضي كان ينسب لمنطقته الجغرافية ولكن لم يكن للمنطقة الجغرافية هذا المفهوم الذي تحمله الجنسية اليوم, فعدة مناطق جغرافية بإثنيات مختلفة كلها تحمل جنسية موحدة...يكاد لا يخلو بلد من تنوع ثقافي إثني. 

كيف تتشكل الإثنيات؟

إن هذه السمات السبع تنقص أو تزيد هي ما يحدد ملامح الإثنيات حول العالم, إلا أنها تتداخل فيما بينها وتتجانس حتى لتصير مزيجا واحدا يصعب التمييز فيما بينه, إذ ترتبط اللغات بالأديان وتنوعها, وعلى مر العصور تبنت أقوام ديانات فقط للتميز عن بقية الشعوب سواء بقصد أو دون قصد, فلن تجد بالتاريخ امبراطوريتان متجاورتان بدين أو مذهب واحد...وقس على ذلك بقية العناصر الإثنية التي وتتأثر بعضها البعض.

ولفهم أكثر لنسرد مثالا من تاريخ تشكل وإنتشار هوية احدى القوميات ولتكن الاثنية الفرنسية ويمكنك عزيزي القارئ أن تسقط هذا المثال على كيفية تشكل قوميتك أو أي قومية أخرى, لأنه لو أعطيت مثالا مباشرا لقومية بالعالم العربي الحساس سيكثر اللغط بصندوق التعليقات, وستسيل الدماء أسفل الموضوع بلا أدنى شك, فلكل قوم كما سبق وأخبرتك عزيزي ارتباطه العاطفي بهويته الاثنية التي يستمدها من موروثه الخاص والذي لا علاقة له بالحقائق والعلم والمنطق.

عودة لمثال فرنسا فإن هذه المنطقة الجغرافية كانت تدعى بلاد الغال كان يستوطنها قبل التاريخ قبائل كلتية تتحدث لغات غالية وبعقائد وثنية, كانت تعمل على التوسع بالإغارة على بقية الشعوب المجاورة لها, وكان لها تاريخ ثقافي غني, إلى أن تمكن الرومان من السيطرة على بلاد الغال وإدخال هذه القبائل الكلتية تحت سيطرتها.

أما الرومان فقد كانوا يتحدثون اللغة اللاتينية تبنوا الدين المسيحي الذي نشأ ببلاد الشام وعملوا على تطويره فظهر ما صار يسمى الدين المسيحي الكاثوليكي الروماني, وتحولت اللغة اللاتينية إلى لغة دينية مقدسة للمسيحية الرومانية رغم أن المسيح عليه السلام كان يتحدث ببلاد الشام الآرامية.

إذن هذه القبائل الكلتية ببلاد الغال (فرنسا) تحولت للمسيحية الكاثوليكية الرومانية وتبنت اللاتينية لغة لها.

بعد أن ضعفت الامبراطورية الرومانية بدأت قبائل الفرنكيين (الافرنج) المجاورة  الإغارة على بلاد الغال, وهي قبائل جرمانية وثنية تحدثت لغات جرمانية, ثم اعتنقوا المسيحية الكاثوليكية الرومانية لاحقا بعد احتكاك دام لقرون مع المسيحيين.

تمكن الفرنكيون من السيطرة على كل بلاد الغال وصارت البلاد تنسب لهم (فرنسا) وقد امتزجت لغة الفرنكيين مع اللغة اللاتينية وتكون ما يسمى الآن باللغة الفرنسية.

إذن إن أردنا عزل الوحدات الإثنية للهوية الفرنسية حسب السرد التاريخي فإنها كالتالي:

- الأعراق مزيج من عدة شعوب كلت وجرمان ولاتين...الدين المعتنق هو المسيحي الكاثوليكي الروماني لأسباب جغرافية (مجاورة المسيحيين) وتاريخية (غلبة الامبراطورية الرومانية)...اللغة هي اللاتينية كونها لغة مقدسة (ارتباط اللغة بالدين) مع تأثر باللغات الكلتية والجرمانية الفرنكية, العادات والتقاليد مزيج مستمد من كل هذه العناصر...

فرنسا والتي مازالت تضم إلى اليوم أقلية يتحدثون لغة كلتية وآخرون لغة جرمانية, ستتطور هويتهم بكل تأكيد بعد دخول عناصر إثنية أخرى بديانات ولغات مختلفة بسبب الهجرات (عرب, أفارقة...), وحال فرنسا هو حال كل القوميات حول العالم, لا يوجد قومية بعصرنا الحديث إلا ونتاج  امتزاجات وتلاقحات بين مختلف الثقافات المتجاورة على مر العصور, مهما ادعى أصحابها غير ذلك بدافع ايديولوجي أو عاطفي, اللهم إلا إن كانت قومية في وسط جزيرة معزولة لم تطأها قدم إنس قبلهم ولا جان.

الأقليات الإثنية:

في العادة عندما يتم الحديث عن الإثنيات فهذا من باب تسليط الضوء على الأقليات ومشاكلها وسط الأغلبية, أنت إن كنت تعيش وتنتمي لأغلبية فإنه سيصعب عليك تحديد سمات قوميتك, لأنك ولدت وترعرعت وسط مجموعة من القيم والعادات والتقاليد والمعتقدات التي صارت ممارسات روتينية وبديهيات بالنسبة لك, لكنك لو خرجت من أغلبيتك وصرت أقلية تعيش في كنف أغلبية أخرى فلابد وأنك تستشعر وتدرك ماهي عناصر وسمات هويتك القومية وأوجه الاختلاف بينك وبين الأغلبية, وذلك بسبب مواجهتك لعراقيل ومشاكل مرتبطة بهويتك عويصة كانت أم تافهة.

 

والآن هل يمكنك تحديد عناصر إثنيتك؟ وما ترتيب أهميتها بالنسبة لك؟

تعليقات

  1. عودا حميدا موضوع شيّق

    ردحذف
  2. اووه قرأت جل مقالاتك في هذه الفترة!
    نعم، أظن أن تحديد الهوية الإثنية شيء صعب إن لم يكن مستحيلا.
    هناك عدة عوامل قد تجعل المرء يغير من نظرته لإثنيته.
    كمن أخد تحليل ADN و ووجد أن له علاقة باليهود الأشكناز، قد يصبح فجأة منفتحا على ثقافتهم...(اذا لم يكن معتبرا نفسه منهم بالطبع)
    لكن عموما، الإثنية لا تحددنا كأشخاص على ما أظن.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك هنا!
      سعيد بتواجدك وقراءتك, أتمنى أن تبقى بالقرب.

      حذف
  3. ممكن اعرف رأيك بتوافق الابراج مثل انه الميزان يتوافق مع الحمل .....

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك!
      مممم صراحة لا أدري, لا أؤمن بالأبراج.

      حذف
  4. انا بقرأ مقالاتك من عام 2018 و كتير بحبها .. شكرا شكرا جدا لأنك بتقدم محتوى مميز و اعطاني دافع اني ادرس علم نفس او علم اجتماع بعد التخرج من كليتي الحالية

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك MIDA
      شكرا جزيلا على تعليقك وكلامك الطيب هذا يسعدني كثيرا.
      أتمنى لك التوفيق في دراستك.

      حذف