اللاوعي عند فرويد وآليات الدفاع النفسي

7
لقد سبق وتحدثنا عن نظرية فرويد من مدرسة التحليل النفسي, وعن أهم مفهوم وهو الوعي واللاوعي... يمكنك قراءة الموضوع من الرابط هنا.
ولكي أختصر عليك فإن فرويد قسم العقل لواع ولاواع, حيث أن الوعي هو ما تدركه وتفعله بإدراكك التام في حين أن اللاوعي يحركك في الخفاء دون أن تدري, وقد أعطينا بعض الأمثلة في الموضوع السابق عن أنك قد تشعر بالرغبة في النوم كلما فتحت كتابا لتراجع للامتحان أو أن تشعر بالتوعك كلما أردت السفر لمكان لا ترغب فيه.
إلا أن مهمة اللاوعي لا تقتصر فقط على حمايتك من الأفعال والأنشطة المزعجة بل حتى الأفكار المزعجة.
فقد سبق وتحدثنا عن الهو والأنا الأعلى والأنا (الرابط), وقلنا أن الهو لاواع في حين أن لكل من الأنا والأنا الأعلى جزءً واعيا وآخر لاواعيا, والآن سنتحدث عن القسم اللاواعي لهذا الأنا.
الأنا يعمل أحيانا على الدفاع عن نفسه بطريقة لاواعية, وقد عدد فرويد آليات الدفاع النفسي وأتى بعده من أضاف آليات أخرى, لكنني هنا سأقتصر فقط على سبعة آليات لأنها كثيرة جدا... بشكل عام فإنه بناء على هذه السبعة ستتمكن من اكتشاف بقية الآليات بمفردك لأنك ستفهم المبدأ, وإن وجدت اهتماما بهذا الموضوع قد أعدد آليات دفاع أكثر في موضوع آخر.
إذن لن أطيل أكثر في المقدمة ولنبدأ:

1- التبرير:
التبرير أو بترجمة أدق العقلنة, وهي آلية من آليات الدفاع النفسي التي ينهجها الشخص لتبرير فعل غير لائق أو فشل, ولعلك تعرف القصة الخرافية للثعلب الذي لم يتمكن من الوصول للعنب أعلى الشجرة فقال عنه أنه حامض كي يشعر بالارتياح.
أمثلة التبرير كثيرة, كأن يرسب الطالب في الامتحان فيبرر رسوبه بأن الأستاذ ظلمه وأن الوقت لم يسعفه ويبدأ بالقاء اللائمة على الظروف الغير موالمة...هو إذن يبرر لنفسه كي لا يشعر بالذنب أو أن ما حدث له أمر سيء.
مثال آخر لرجل تتزوج حبيبته فيقول بأنها كانت فتاة سيئة وأن زواجها أمر جيد بالنسبة له, كي لا يشعر بالحزن والضيق.

2- الإسقاط:
هو أن يحمل الشخص أفكارا أو مشاعر يعتبرها في قرارته خاطئة فلكي يحمي نفسه يقوم بإسقاطها على الآخرين, ولعلك سمعت بالمثل القائل "ودّت البغي لو أن كل نساء العالم بغايا", فالمرأة ذات الأخلاق السيئة قد تتهم كل امرأة تقابلها بأنها تدّعي العفة وبأنها تمارس الرذيلة في الخفاء, أو كرجل يخون زوجته فيتسرب إلى نفسه الشك في سلوك زوجته ويبدأ التحرى في كل صغيرة وكبيرة على غير عادته, هو إذن أسقط فعله الذي يعتبره لاأخلاقيا عليها.

3- التسامي:
أي أن يحول الشخص الأفكار السيئة والمشاعر الغير مرغوب فيها كالعنف أو الخوف أو الحزن أو الرغبة في القتل  إلى أفعال تلقى قبولا لدى المجتمع كأن يتحول الشخص العنيف لملاكم أو صاحب نزوات القتل لقناص, أو أن يلجأ المكتئب للكتابة أو الرسم فيعبر عن مخاوفه وحزنه على الورق.
إذن التسامي هو آلية دفاعية قد تدفع المرء لاستبدال السلبي بالايجابي ليلقى القبول.

4- رد الفعل:
 هي آلية دفاع نفسية يلجأ لها الشخص الذي يعاني من تهديد نفسي حقيقي بسبب فكرة أو رغبة تخالف معتقداته, فمثلا الشخص الذي يحب النساء بشدة ولكنه غير قادر على الزواج وقيمه ومبادؤه لا تسمح له بارتكاب الفاحشة فإنه قد يطور كرها حادا اتجاه النساء, فكثيرا ما تقابل شابا يعيب النساء ويحتقرهن ويدعي أنه عازف عن الزواج بإرادته وينصح الجميع بالعزوف عن الزواج مثله, وما إن يحصل على وظيفة وتتيسر أموره يهرع ليتزوج أول امرأة يقابلها في طريقه...أليس كذلك؟؟ هذا ما حدث مع أحد أصدقائي -_- أذكر اسمك يا صديقي من أجل العلم معليش؟ وفي واقع الأمر فإن الأطفال الذين يقتربون من سن البلوغ قد يشعرون بالكره والتقزز من الجنس الآخر كآلية دفاع رد الفعل, بسبب تجربتهم لمشاعر لم يخبروها من قبل ألا وهي الانجذاب الجنسي.... الأمثلة متعددة.

5- الإزاحة:
هي آلية دفاعية يقوم فيها الشخص بإزاحة ما يزعجه وبدل صبه على مصدر الازعاج يستبدله بشخص أو شيء آخر, كمثال الموظف بالإدارة الذي يدخل عليه مديره يهينه في مكتبه دون أن تكن له المقدرة على الرد فيلجأ هذا الموظف لإهانة المواطنين بمكتبه, أو ذلك الشخص الذي قد يغلق على نفسه الباب ويبدأ بركل الوسائد والخزانات لأنه لا يستطيع ركل من يتنمر عليه بالمدرسة..أحيانا تتمثل الإزاحة في الأحلام أيضا, فقد يحلم الشخص بأنه يمزق حاجيات أخيه الذي يزعجه.

6- الإنكار:
أظن أن الآلية مفهومة من اسمها, فهي حيلة نفسية يلجأ إليها الشخص الذي لا يريد أن يعترف بوجود مشكل ما في حياته, فهو قد يعاني من الإدمان وينكر أنه مدمن بل ويقنع نفسه على أنه قادر على الإقلاع عن ما يتعاطاه متى شاء, وهذه آلية دفاعية موجودة بكثرة لدى المدمنين, أيضا المرأة التي تتعرض للتعنيف من طرف زوجها قد تنكر أنها تعيش حياة تعيسة وتقنع نفسها أن كل شيء على ما يرام.
آلية الإنكار آلية جد خطيرة فهي تحول دون القدرة على إقناع الشخص بإصلاح الخلل الذي يعاني منه.
طبعا لا يكون الإنكار دائما مرتبطا بمشاكل كبرى فأحيانا يتمثل الإنكار في أمور يومية بسيطة.

7- النكوص:
أو التقهقر, آلية دفاعية تتمثل في أن يعود الشخص القهقري لمرحلة سابقة من مراحله العمرية للشعور بالارتياح, وقد يلجأ إليها من تعرض لصدمة نفسية أو توتر شديد, فترى الشخص بدأ يتصرف تصرفا طفوليا كان يتصرفه بالماضي كأن يمتص إبهامه أو يلعب بالدمى أو أن يرتدي ملابس لا تناسب سنه ويتصرف تصرفات طفولية.
حسب فرويد فإن لجوء الشخص لآلية النكوص يبث في نفسه الشعور بالطمأنينة والأمان, وقد يأخذ النكوص شكلا متطرفا ينذر بمشكلة نفسية تحتاج للتدخل..

حسن الآن وقد أدركت بعضا من آليات الدفاع النفسي أظن أن الصورة اتضحت في ذهنك.
وكالعادة لابد من الإشارة إلى أنه ليس كل سلوك يسلكه الشخص قد يفسر على أنه آلية دفاعية فقد يعتقد الشخص فعلا أن الجميع من حوله سيء دون أن يكون هو ذاته سيئا, أو أن يشك الرجل في سلوك زوجته دون أن يكون هو ذاته خائنا, إذ أن الحكم على ما إذا كان الشخص يلجأ لآلية الدفاع مرتبط بالشخص ذاته ولاوعيه والذي أحيانا يصعب الوصول إليه, فالشخص ذاته غير واع بأنه قد لجأ لآلية من آليات الدفاع النفسي...هذا كي لا تحكم على الآخرين بأنهم يلجؤون لآليات الدفاع وأنت لم تحط بالموضوع من كل جوانبه.
حاول الآن أن تعرف ما إذا كنت قد لجأت لآلية من آليات الدفاع النفسي, وستكون قد لجأت إليها طبعا ولكنك غير واع بذلك, فكر في الموضوع بتجرد وأنظر أي آلية من هذه الآليات السبع أدركت أنك لجأت إليها في مرة من المرات.

التعليقات

  1. صراحةاكثر آلية اتبعها التبرير .🗿
    المقالة المتمة جدا رائعة .💖 ولكن كل شخص يشكك في غيره فهنالك خلل ما في نفسه 🗿 "رأي"
    اما من يعتقد أن كل من حوله سيئيين فانا منهم وانا لست سيئة🌚🚬

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا NhOOl H طبعا التبرير يتبعه كل البشر لا يوجد من لا يبرر لأنها أهم آلية دفاع, لابد من التبرير هههه
      هناك من يشك في غيره بسبب سلوك الطرف الآخر المريب الذي سيبعث ولاريب مشاعر الشك.

      حذف
  2. أنا: أنا لا أعتقد اني فعلت هذه الآليةالدفا... أووه لا لقد تذكرت الآن 🌚
    والأسوء وجود شخص يعرفك جيدًا ..عندما أقول (ماهذه الحماقة الذي يفعلها هذا الشخص) وثم يرد(أنت فعلت مثل ذلك في اليوم والساعة والدقيقة الفلانية)والجبهة تطير 😂

    التبرير: أعتقد أن هذه الآلية هي أكثر شيء أراها يستعملها الناس في محيطي بشكل مسرف ولقد استعملتها في فترات علينا الاقتصاد
    الإسقاط: "سبب فساد شبابنا هي التكنولوجيا" هل هذا إسقاط؟ 🤔 .. لأن مع احترامي للجيل الكبير أرى البعض يقصر ويسقط الخطأ على التكنولوجيا ولكن ليس الكل
    التسامي:أعتبرها آلية جميلة ولكن المحزن في الأمر أصبح الكثير يعبر (بالرسم بالذات) عن التحطم والحزن والانكسار وتهشيم الذات وقصروا بحق السعادة
    رد الفعل:اووه الآن فهمت 😂 .. أعرف أشخاص لهم نفس الأمر مع الحب
    الإزاحة: الألعاب الدموية والأفلام الدموية .. هل تعتبر من الازاحة؟ التي تكون مقرفة جدًا .. وأعرف أشخاص مدمنين عليها بشكل مبالغ فيه
    الإنكار: من يقع بهذه الآلية بأمور كبيرة هل من الجيد أن نجعلهم يدركون الواقع لحل المشكلة ؟

    مقالة رائعة كالعادة انتظر القادم

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا سوكو, يجب التمييز هنا للجوء الشخص لآلية الدفاع بسبب مشاعر يحاول اللاوعي التخلص منها وبين المشاعر الحقيقية الواعية: سبب فساد شبابنا هي التكنولوجيا ههه هذا صحيح ههههههه هنا يجب معرفة مشاعر الشخص بحد ذاته, هل هو مقتنع فعلا بالفكرة ووصل إليها كنتيجة, أم أنه يحاول إبعاد الفساد عن نفسه فيسقطه على الآخرين, لايمكن معرفة هذا إلا بالولوج للاوعيه وهذا مستحيل, يحتاج الأمر لجلسة مصارحة ههه هذا من جهة من جهة أخرى أن يقول الشخص أن سبب الفساد التكنولوجيا فهذا ليس إسقاطا بل تبريرا فهو يبرر فساده بالتكنولوجيا ويلومها هي على الفساد لكن الإسقاط مختلف كأن أكون أنا شخص فاسد بسبب التكنولوجيا وأقول عنك أنت شخص فاسد بسبب التكنولوجيا أي أنني أسقطت ما أنا فيه من سوء عليك أنت, لأشعر بالارتياح, فأقول لك أنت يا سوكو أفسدتك التكنولوجيا تسهرين لساعات متأخرة من الليل ,... في حين أنا من يسهر الليل, وبدل أن أقول هذا لنفسي أستخدم آلية الدفاع كي لا أعاتب نفسي وأنتقدها فأسقط الأفعال عليك لأنتقدك أنت بدلا عني...
      بخصوص ألعاب الفيديو والإزاحة فهذا يصعب معرفته فكما سبق وقلت اللاوعي لاواع وصاحبه ذات نفسه قد لا يدرك أنه في حالة إزاحة فقد يكون بكل بساطة مدمنا على الألعاب لأن ألعاب الفيديو إدمان حقيقي كأي إدمان وهناك قصص لأشخاص قضوا نحبهم بسبب عدم النهوض من أمام اللعبة لتناول الطعام أو الراحة وهنا مثال لأحدهم مع شرح الإدمان على الألعاب: قصة الشاب مدمن الألعاب بالدقيقة 14:00
      https://www.youtube.com/watch?v=a049BBsezYo
      بخصوص الإنكار فهذا مرتبط بالحالة التي هو فيها الشخص, أحيانا يكون بحاجة لتدخل نفسي, لا يمكن ترك شخص مدمن مثلا, أو شخص يتعرض للأذى أو مريض ينكر مرضه, فشخص يعاني مرضا خطيرا وينكر مرضه كآلية دفاعية لأنه خائف من الموت قد تضطر أسرته لدفعه دفعا للعلاج كي ينقذوا حياته سواء رضي أم لم يرضى, أحيانا يكون الإنكار في أمور تافهة لا تحتاج إقناع الشخص بأنه ينكر لأنها آلية دفاع نستخدمها جميعا بلاوعي منا.

      حذف
  3. رائع,,, استمر جواد,,, واوفي ببقية وعودك ✌️😎

    ردحذف
  4. أظنني استعملت جميع هذه الآليات في جميع مراحل حياتي بلا وعي ههههههه
    لكن صدقاً أرى أن التبرير هو أكثر حاجة استعملتها أو تقريباً جميع الناس تستعملها XDD

    ردحذف
  5. صحيح جميع هذه الاليات مررنا بها اكثر
    مقال راائع كالعادة

    ردحذف