الحزن الشديد أثناء الفقد والمواساة

4
سأتحدث عن موضوع يختبره الجميع, ألا وهو الفجع والحزن الشديد لفقد شخص عزيز أو عمل أو منزل أو غيرها من الأمور القريبة جدا إلى الأنفس, إلا أنني سأركز هنا أكثر على حالة فقدان الأشخاص لأن آلاماها وحالة الحزن فيها تكون أشد وطأة.
لا يمكن اعتبار الحزن الشديد اكتئابا بشكله المرضي لأن ما يقاسيه الشخص في هذه الحالة يختلف تماما عن ما يعانيه المكتئب, ويجب التذكير بأن الاكتئاب مرض نفسي عكس الحزن الشديد الذي يعتبر أمرا طبيعيا يمر به كل إنسان في مرحلة من مراحل حياته ولمرات عديدة حسب ظروف كل شخص والأحداث التي يمر بها, ويبدأ هذا الحزن بالتلاشي تدريجيا مع مرور الزمن عكس الاكتئاب الذي لا يختفي, وقد يتطور الحزن لمرض الاكتئاب فعلا عند البعض.

نشترك مع الحيوانات في اختبار هذا الشعور الفطري الأليم
 الصورة من أندونيسيا لقط في حالة حزن شديدة ظل طوال عام كامل رابضا على قبر صاحبه لا يبارحه إلا للأكل حسب الديلي ميل, كسلوك غير مألوف من طرف القطط.

ما هي الحالة النفسية التي قد يمر بها الشخص المفجوع؟
قامت الطبيبة النفسية اليزابيث كوبلر روس بتحديد خمس مراحل يمر بها الشخص في مراحله الأخيرة من المرض العضال قبل مواجهة الموت, وقد بنَت هذه المراحل انطلاقا من ملاحظاتها لمرضاها وهم على سرير الموت, إلا أن هذه المراحل تم تعميمها حتى على أقارب المرضى الذين يختبرون حالة الفقد.
-1- الإنكار: حيث يُنكر الفرد خبر وفاة شخص عزيز, غير مصدق لما حدث.
-2- الغضب: ينتقل الشخص بعدها لمرحلة الغضب مما وقع, وقد تراه يلوم الآخرين ويصب جام غضبه على الطبيب مثلا.
-3- الترجي: حيث أحيانا يترجى بعدها المفجوع الآخرين في أن يعيدوا له ذلك الشخص للحياة, أو يطلب الله أن يستفيق من موته أو غيره..
-4- الاكتئاب: ولا يقصد هنا الاكتئاب المرضي وإنما حالة الحزن الشديدة التي قد تجعل الشخص عاجزا عن فعل أي شيء.
-5- التّقبل: وهي المرحلة الأخيرة حيث يتقبل فيها الشخص ما حدث.

من الطبيعي أن يمر الشخص بهذه المراحل الخمس وقد يمر بأربع أو ثلاث حسب حالة كل فرد على حدة وقد يكون ترتيبها بالنسبة إليه مختلفا فيختبر الترجي قبل الغضب مثلا, أو لا يمر بأي منها نهائيا.
 
 ومهمتك إن كنت مواسيا له أن تعرف جيدا هذه المراحل لتتعامل مع الموقف بطريقة مناسبة ولكي لا يربكك أو يزعجك ما يصدر من المفجوع.

1- الاقناع: عندما يكون المفجوع في حالة إنكار قد يطلب من الآخرين أن يتوقفوا عن ترديد أن الشخص مات ويؤكد أنه لم يمت وسينهض, لا داعي في هذه الحالة السعي لإقناعه والتأكيد له على أن الشخص قد مات لأنه يعلم, عقله يستخدم آلية دفاع نفسي لأن الخبر شديد الوطأة عليه فيحاول حماية نفسه بالإنكار.

2- المنطق: قد يبدأ المفجوع بلوم الآخرين في حالة الوفاة كأن يرجع السبب لإهمال الأطباء والممرضين مثلا, أو إن كانت حادثة سير قد يلوم صديقه الذي بقي على قيد الحياة أو يلوم نفسه حتى...في هذه الحالة فإن المنطق لا ينفع معه لأنه في حالة غير طبيعية, أنت قد تحاول مواساته دون مناقشته, يمكنك الدفاع عن الأشخاص الذين يلومهم لكن إن أبدى ردة فعل عنيفة اتجاه دفاعك فحينها التزم الصمت ولا تردد عباراة مؤيدة لكلامه وانتظر إلى أن تمر تلك الأيام الأولى ويعود لطبيعته وحينها يمكنك مناقشته, لأنه هو ذاته قد ينكر كلامه لاحقا.

3- الكفر: قد ينطق البعض بعبارات كفرية فلا داعي للقسوة معهم في تلك اللحظة لأن المفجوع يكون في حالة غير طبيعية وعقله مشوش ولكل شخص ودرجة إيمانه وصبره, فهناك من صبره ضعيف والشخص عزيز جدا كأم فقدت طفلها مثلا فقد تتفوه بعبارات لا تليق كاحتجاج على قضاء الله وقدره, ما عليك إلا انتظار مرور تلك الحالة العصبية الشديدة التي يمر بها الشخص لتذكيره بأنه تفوه بعبارات كفرية ودعوته للتوبة لأنه قد لا يذكر ما قاله مطلقا.

4- الانصات: عند مواساة شخص مفجوع فلا تتردد في سؤاله عما حدث؟ لأنه قد يرغب بشدة في سرد تفاصيل ما حصل خصوصا إن كان حادثا ما, وحينها أنصت إليه جيدا ولا تعلق أو تناقش الأحداث لأنه يفضفض لك فقط ويحاول ترتيب الأحداث في ذهنه هو.
ولا تتردد أبدا في سؤاله ما إذا كان يحتاج للمساعدة حتى وإن لم يكن هناك ما يمكنك تقديمه له ولكن العبارة ستشعره بالاطمئنان لأن المفجوع يكون بحالة يشعر فيها بالوحدة وعدم الأمان حتى وهو محاط بالآخرين.

5- الاكتئاب: يدخل المفجوع في حالة اكتئاب وحزن شديدة ويبقى مدة قد تطول أو تقصر حسب حالة كل شخص على حدة, في هذه الحالة قد يبقى منطويا ومنسحبا اجتماعيا, طبعا أنت ستحاول التخفيف عنه ودعوته للخروج مثلا أو غيره من الأنشطة, لا تجبره على ذلك أبدا, إن هو رفض فلا داعي لترديد عبارات من قبيل: لاتحزن والحياة مستمرة ...لأن هذه عبارات بالنسبة له بلا أي معنى, وليس المقصود هنا تتركه وتتخلى عنه ولكن حاول دائما دعوته للمشاركة في أنشطة اجتماعية أو حضور مناسبة ما أو الخروج معا دون الضغط عليه.
هذا إن كان شخصا يهمك أمره طبعا.
الأعراض التي قد يواجهها من يختبر الفقد:
يعود المفجوع لممارسة حياته الطبيعية بعد مدة تقصر أو تطول ولكنه يبقى يعاني من آلام الفقد داخليا في صمت, وقد يتظاهر أنه بخير لكي لا يزعج من حوله, وأحيانا تأتيه أعراض تعد بالنسبة له غريبة خصوصا إن اختبرها لأول مرة, فهو قد يصاب باضطراب من اضطرابات القلق, فيخاف من الموت أو يطرح أسئلة وجودية إذ تبدو له الحياة تافهة وغير ذات قيمة, قد يشعر بآلام في جسده خصوصا إن كان المتوفي قد عانى من مرض ما فإن المفجوع قد يشعر بألم وهمي في نفس الجهة التي كان يشعر فيها المتوفي بالألم, قد يستغرق مدة طويلة جدا تمتد أحيانا لسنوات ينسى فيها أن الشخص ميت, فتُحضر الأم الطعام لابنها المتوفي أو يتصل الابن بأمه المتوفية ليطمئن عليها ناسيا أنها رحلت, فيجد صعوبة بالغة جدا في تقبل أن الشخص قد مات.
قد تنتابه مشاعر الغضب من الذكريات المتلاحقة في مخيلته, أو ينفجر فجأة شوق شديد وتنتابه رغبة في تفقد صور أو حاجيات المتوفي حتى وإن كان ذلك يزيد حالته سوء.
قد يفقد الثقة بالآخرين وأحيانا يهملهم ولا يعود للاهتمام بهم كما بالسابق, قد يختبر فراغا كبيرا وهُوّة خلفها رحيل ذلك الشخص العزيز فتنتابه مشاعر الوحدة, فتراه يخرج من البيت يسير تائها كالمخدر بين الطرقات والأزقة, قد يسمع صوت المتوفي يكلمه ويتردد في أذنيه وقد يراه أحيانا أمامه فيظن من حوله أنه فقد عقله, قد يشعر أن حياته صارت بلا أي معنى ولا حاجة للاستمرار في العيش, أحيانا قد تصدر منه عبارات تعبر عن الحسد اتجاه من لم يفقد أحدا, وقد ينزعج المتلقي من ذلك.

كل هذه الأعراض طبيعية وقد يختبر الإنسان بعضها أو كلها أو حتى أشد منها.
لذا إن كنت تمر بهذه الظرفية القاسية فإن عليك أخذ الوقت الكافي للتعافي من هذه الحالة والتي تستمر لأسابيع, أشهر أو حتى سنوات..لا تلم نفسك أبدا على وضعك النفسي أو تشعر بالذنب كونك "ضعيف الإيمان" لأن لكل فرد شخصيته وتجربة كل واحد منا تختلف عن الآخر تماما.
للأهل والأصدقاء دور محوري يلعبونه لإخراج الفرد من حالة الحزن الشديدة هذه بجعله ينخرط في الأنشطة اليومية دون الضغط عليه أو إجباره للقيام بذلك فقط إرضاء لهم, كما أن المراجعات الإيمانية والنقاشات حول الموضوع قد تفيده أيضا...
إن استمر الوضع لمدة طويلة جدا وبدأت تظهر على المفجوع بداية أعراض الاكتئاب فحينها لابد من السعي لتلقي العلاجات.

التعليقات

  1. لقد أتى في وقته تمامًا.
    شكرًا لك عزيزي.
    استمر استمر.

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك أستاذ معاذ :)
      العفو والشكر موصول لك أيضا

      حذف
  2. "قد يستغرق مدة طويلة جدا تمتد أحيانا لسنوات ينسى فيها أن الشخص ميت, فتُحضر الأم الطعام لابنها المتوفي أو يتصل الابن بأمه المتوفية ليطمئن عليها ناسيا أنها رحلت, فيجد صعوبة بالغة جدا في تقبل أن الشخص قد مات.
    قد تنتابه مشاعر الغضب من الذكريات المتلاحقة في مخيلته, أو ينفجر فجأة شوق شديد وتنتابه رغبة في تفقد صور أو حاجيات المتوفي حتى وإن كان ذلك يزيد حالته سوء.
    قد يفقد الثقة بالآخرين وأحيانا يهملهم ولا يعود للاهتمام بهم كما بالسابق, قد يختبر فراغا كبيرا وهُوّة خلفها رحيل ذلك الشخص العزيز فتنتابه مشاعر الوحدة, فتراه يخرج من البيت يسير تائها كالمخدر بين الطرقات والأزقة, قد يسمع صوت المتوفي يكلمه ويتردد في أذنيه وقد يراه أحيانا أمامه فيظن من حوله أنه فقد عقله, قد يشعر أن حياته صارت بلا أي معنى ولا حاجة للاستمرار في العيش, أحيانا قد تصدر منه عبارات تعبر عن الحسد اتجاه من لم يفقد أحدا, وقد ينزعج المتلقي من ذلك"

    حطيت نفسي بهالموقف وتسبحت مخدتي دموع :) مدري ليش مع اني مو فاقدة حد،، المقال جداً جميل ومفيد والمفروض يكون في ورش تخص هالموضوع لان كثير مايعرفون كيف يتعاملون مع المفجوع للأسف..شكراً لك

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك Badddada Bbidiis :)
      شعرت بالحزن لأن التعاطف لديك قوي جدا.
      شكرا على تعليقك اللطيف.

      حذف