سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الثاني)

1
الكابالا كما عرفناها في الجزء الأول هي الجانب الباطني من اليهودية ظهرت بقرون أوربا الوسطى وقد تم تبنيها وتطويرها في العصر الحديث من طرف اليهود الحاسيديم ويعد اليهود الحاسيديم الأكثر اعتناقا للكابالا وهم فرقة يهودية باطنية روحانية نشأت في أوربا الشرقية نهاية القرن السابع عشر عمدوا على تطوير التراث الكابالي والمعتقدات الكابالية, وكان فرويد ينتمي لأسرة حاسيدية.
ولد سيغموند شلومو فرويد بامبراطورية النمسا سابقا, وهو سليل أسرة متدينة فقد كان جده الأكبر حاخاما كما وجده لأبيه شلومو فرويد حاخاما بدوره وقد سمي على اسمه...تلقى سيجموند فرويد منذ صغره تعاليم الديانة اليهودية الحاسيدية والتي تعد الكابالا جزء لا يتجزء منها, إلا أنه لم يستطع الاطلاع على كتب الكابالا بشكل مباشر إلا بعد بلوغ سن الخامسة والثلاثين كما هو التقليد الجاري به العمل, عندما أهداه والده كتاب الزوهار.

مظاهر الكابالا بنظريات فرويد: 
إن مظاهر الأفكار الكابالية بنظريات فرويد عديدة وقد عمد فرويد على إخراجها من سياقها الديني الروحاني ليسقطها على عالمنا المادي النفسي, ثم ليقدمها في قالب علمي, أي أنه وكما وصف دافيد باكان في كتابه "فرويد والتراث الصوفي اليهودي" أقدم على علمنة الأفكار الكابالية بوعي منه أو بلاوعي, وأعاد صياغة الموروث الباطني اليهودي بشكل معاصر ليوالم علم النفس.
لقد سبق وأفردت بعض التدوينات حول مختلف النظريات لذا ستكون المقارنة غير مفصلة لكي لا يطول المقال, ويمكنك عزيزي القارئ العودة إليها لفهم أدق.
كما سيصعب عليك فهم أوجه الشبه إن لم تكن قد قرأت الجزء الأول الذي تطرقت فيه لبعض مبادئ الكابالا.

أولا الوعي واللاوعي:
يشتهر التحليل النفسي الفرويدي بمفهوم الوعي واللاوعي, ورغم أن كُتّابا أشاروا لمصطلح اللاوعي قبل فرويد, إلا أن هذا الأخير كان أول من قدمه بشكل علمي وأكسبه شهرة كاسحة, حيث يتمثل هدف التحليل النفسي إلى استكشاف أهداف هذا اللاوعي ودوافعه والتحكم به قدر الإمكان, وفي واقع الأمر فإنهما مفهومان وجدا بالكابالا وغيرها من المعتقدات الدينية.
إن شجرة الحياة بالكابالا (سيفيروت) تقسم أيضا الوعي الإنساني إلى مستويات وعي عليا وسفلى, فالثالوث (تاج - حكمة - فهم) يمثلان أعلى مستويات الوعي التي يحاول الإنسان الحكيم أن ينشدها من خلال استكشاف الذات العميق والتأمل الروحاني, فيكون مدركا لدوافع نزواته متخلصا من شرورها, ولايقع في شباك "آليات الدفاع النفسي" كما عرفها فرويد, والتي ترتبط بالمستوى الإنساني السفلي "الراوخ" كما بالكابالا.

ثانيا أقسام النفس البشرية:
قسم فرويد النفس البشرية لثلاثة أقسام وهي:
1- الهو:  التي تمثل الجانب الغرائزي الشهواني من النفس البشرية, يسعى دائما هذا الجانب لحث النفس على تلبية مختلف الرغبات.
2- الأنا الأعلى: وهي الجانب المثالي من النفس البشرية وتضم مختلف المبادئ والقيم التي راكمها الإنسان على طول حياته, وهي تسعى لتطبيق هذه القيم والمبادئ وتحييد الهو.
3- الأنا: وهي الأنا الظاهرة للعيان والتي تجمع بين الأنا الأعلى والهو وتحاول الموازنة بينهما بتلبية الرغبات الغريزية الشهوانية تحت وصاية الأنا الأعلى.

يمكنك القراءة بتفصيل عن الموضوع: أقسام النفس عند فرويد
 
إذن لو عدنا للكابالا فإننا سنجد تقسيما للروح البشرية مطابقا تماما للتقسيم الفرويدي للنفس البشرية, وما الهو إلا (نفيش - نفس) بالكابالا وما الأنا الأعلى إلا (نشامة - نسمة) ومقر الأفكار العليا بالكابالا, في حين أن الأنا التي توازن بين الهو والأنا الأعلى والتي تمثل هوية الإنسان وصورته الظاهرة هي ذاتها (راوخ - روح) التي تمثل المستوى الإنساني الظاهر بالكابالا.
وقد تجاهل فرويد المستويين الأخيرين بالكابالا لأنهما يرتبطان بالمعتقدات الدينية الخالصة الروحانية ولم يكن فرويد الملحد بحاجة إليهما لضمهما لنظريته التي من المفترض أنها علمية خالصة لا تشوبها عقائد دينية.

ثالثا العضو الذكري رمز القوة:
يشير فرويد في نظريته الجنسية إلى قلق الإخصاء لدى الأطفال الذكور وإلى الحسد القضيبي لدى الإناث.
فالطفل الذكر يخاف من أن يفقد عضوه لأنه يميزه عن أمه ويمثل هويته ورمزا للقوة والهيمنة فيخاف من الأدوات الحادة بسن الأربع والخمس سنوات, في حين أن الطفلة الأنثى التي سماها فرويد في بداية تكوينها "الرجل الصغير" ستكتشف كيف أنه ليس لديها رمز القوة والهيمنة هذا وستشعر بالغيرة, وستبدي الطفلة بعمر الأربع خمس سنوات ولعا بالأشكال التي تشبه العضو كتعويض لهذا النقص.
عودة للكابالا فإننا نجد أن انبثاق (ياسوود - الأساس) يرتبط بالعضو الذكري وهو الانبثاق الذي يشكل أساس الوجود والذي تمر منه كل الانبثاقات التي يتم الدفع بها (للملكوت).
بمعنى أنه بإسقاطنا مراحل الخلق الكابالية على تكوين النفس الإنسانية فإنه يجب على النفس أن تمر عبر هذا (الأساس) كيفما كان جنسها ذكرا أو أنثى, وبالتالي فسرها فرويد على أن الذكر يدرك لأهمية هذا العضو في حين أن الأنثى أيضا تمر عبر هذا الأساس فتعتقد أن لها عضوا وهي طفلة قبل أن تكتشف أنه غير موجود.

رابعا الجنس يفسر كل شيء:
يفسر فرويد كل مشكل نفسي على أن له أساسا جنسيا.

يمكنك القراءة عن النظرية الجنسية عند فرويد.

بالكابالا حسب مفهوم انبثاق (الأساس) الذي يعد أصل انبثاق (الملكوت), فإن كل الخطايا ذات أصل جنسي لذا تم تشريع الختان تطهيرا وترفعا وعهدا مقدسا بين الله وشعبه.

خامسا الأنا الأعلى عند المرأة أقل منزلة عند الرجل:
من بين الأفكار التي جرّت على فرويد انتقادات واسعة من عالمات النفس تحديدا هو رأيه القائل أن الأنا الأعلى لدى المرأة أضعف من الأنا الأعلى لدى الرجل وأنها أخلاقيا أقل منزلة من الرجل.
في واقع الأمر فإن رأي فرويد في المرأة برسائله الخاصة المتبادلة كانت أكثر تطرفا منها في كتاباته العامة.
وهذه هي النظرة اليهودية القديمة للمرأة, لأن الختان المرتبط بالعهد بين الله وشعبه للتطهر من الخطايا هو للرجال وليس للنساء, فيتم ربط بذرات الشر كعنصر أنثوي, وبالكابالا لا يمكن أن يصل أعلى درجات الوعي إلا الرجال طبعا, كما كان يحرّم على النساء الاطلاع على كتب الكابالا في قديم الزمان ولا حتى بقية الكتب الدينية.
ففي تعاليم بعض الحكماء بالأدبيات اليهودية أن المرأة "لا يجب أن تدرس التوراة فعقلها خفيف وغير مهيأ لهذا", وفي تعاليم أخرى أنه "إذا سقط رجل وامرأة بالنهر فيجب عليك أن تنقذ الرجل أولا لأنه ملزم بتطبيق المزيد من الوصايا في حين أن حكمة المرأة تكمن في مغزل الصوف".  ومن بين الأدعية الواردة أن على الرجل "شكر الله أنه لم يخلقه وثنيا أو امرأة أو جاهلا".
في عصرنا الحالي قام اليهود الأورتوذكس الغربيون بتطوير وإعادة قراءة للنصوص بما يتناسب مع مستجدات العصر, لذا يقدمون تفاسير لمثل هذه المقولات وإعادة لصياغتها بما يتناسب مع مستجدات العصر وتغير نظرة العالم الغربي للمرأة إلخ...أي لو عاش فرويد عصرنا الحالي لكانت أفكاره تشابه أفكار الكاباليين المعاصرين.

سادسا الرمز بالأحلام وزلات اللسان:
يقوم فرويد بتفسير الأحلام على أنها رموز تشير لمعاني خفية في حياة الإنسان فيتم إعادة صياغة الحلم على أساس ما يشير إليه من رمز في الحياة الواقعية تماما كما يفسر "الشيخ مفسر الأحلام بالتلفاز", إلا أن تفسير فرويد "علماني" لا يرتبط بالعالم الروحاني بل بالحياة المادية الدنيوية للفرد.
التفسير وقراءة الرموز وفك شيفرة النصوص, هذا ما يطبقه اليهود الأحبار في قراءاتهم للنصوص المقدسة في أدبيات "المدراش" وقد طُبّقت في كتاب الزوهار لاستخراج معاني جديدة خفية حسب المعتقد غير ظاهرة للقارئ العامي.

سابعا العلاج بالتداعي الحر:
عالج فرويد مرضاه عن طريقة أسلوب التداعي الحر, وهو الأسلوب المتبع بالتحليل النفسي الفرويدي, أي أن الشخص يتمدد في أريكة ويبدأ بالتحدث عن نفسه ومشاكله بحرية تامة, والمحلل النفسي الذي هو فرويد يجلس خلف المريض, بحيث لا يرى المريض المحلل ليشعر بالأمان وليسترسل بالكلام حول طفولته ومخاوفه, بينما يدون فرويد الكلام المهم الصادر من المريض والذي يمكن تحليله وفك شيفرته على أنه رمز لمكبوتات يحاول المريض إخفاءها...فإذا قال له المريض أنه يخاف من الأفاعي فإن فرويد سيفسر الأفاعي على أنها رمز للعضو التناسلي.
أي أن أسلوب التداعي الحر لا يختلف أبدا عن منهجية المدراش في التفسير التي تستخرج معاني خفية من النص الظاهر, بإعتبارها رموزا.

ثامنا الله هو رمز للأب:
حسب فرويد -الملحد بلا شك- فإن الدين ما هو إلا عصاب جماعي, والله مجرد وهم يمثل حاجة الطفل لصورة الأب القوي في حياته, فيترعرع الإنسان باحثا عن صورة أب قوي متمثلة في مفهوم الله.
لقد خلص فرويد إلى هذه النتيجة لأن الله في التلمود والكتب المقدسة اليهودية كثيرا ما يشار إليه على أنه الأب وأن اليهود أبناء الله وأحبابه, كما وأن بالدين المسيحي ثالوث الله الأب والابن والروح القدس, وهذا ما رآه فرويد بالديانتين السائدتين بمجتمعه, ولكن مفهوم الله بديانات عدة لا يشار إليه بالأب أبدا أو على أنه ذكر, وهناك ديانات عدة منقرضة ومستحدثة بها آلهة إناث.
أي أن محاولة تحليله لمفهوم الله من الناحية النفسية لا تنطبق على جميع البشر, في حين من المفترض أن دراسات علم النفس تتناول الإنسان كموضوع, فلا يكون مرتبطا بعرق دون آخر أو بمعتنقي ديانة دون أخرى, فالنظرية يجب أن تنطبق على الإنسان بشكل عام.
لماذا استوحى فرويد نظرياته من الكابالا؟
لا يمكن الجزم ما إذا كان فرويد قد بنى نظرياته من الثرات الكابالي بوعي منه وبتعمد مع إخفاء مصادره, أم أنه فعل ذلك وهو لا يعي أن نظرياته هي نتاج معتقدات وسطه الذي ترعرع فيه.
فقد يكون فرويد وقع في ظاهرة ما يطلق عليها "Cryptomnesia" النسيان المشفر, إذ يحدث للإنسان أن يقرأ مؤلفات وأفكار ينسى أمرها مع مرور الزمن ويكتب حول نفس الأفكار ظنا منه أنها أفكاره الخاصة الخالصة.


فمثلا لنفترض أن عالم نفس ملحد من العالم الاسلامي ترعرع ببيت والده شيخ وجده شيخ, فصاغ نظرية نفسية تقسم النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام:
نفس سماها الضمير المؤنب الذي يؤنب ضمير الإنسان كلما أقدم على تصرف يناقض قيمه ومبادئه التي نشأ عليها.
ونفس لاأخلاقية تهتم بالمصالح الذاتية بعيدا عن القيم والمبادئ.
ونفس هادئة تمكنت من المزاوجة بين مصالها وقيمها.
إذن سيأتي من يستخرج الأصل الاسلامي لهذه النظرية وأن الأمر يتعلق بالنفس اللوامة والنفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة, وكلها واردة بالقرآن الكريم, وقد يكون هذا العالم الملحد المفترض غير مدرك لأصل نظرياته ويعتقد أنها من إنتاجه الخالص.

وسواء كان الأمر هذا أم ذاك فإنه لن يختلف كثيرا فحتى لو اقتبس فرويد عن قصد ووعي منه فهذا لأنه وجد هذه الأفكار قابلة للتطبيق العملي.
إذ أن فرويد كملحد كان يصنف هذا التراث اليهودي على أنه أعمال أدبية وإنتاجات فكرية بشرية تثير الإعجاب ومحاولات بدائية لتفسير الكون والنفس البشرية ونحوه...وهي محاولات مبنية على ملاحظات رجال أذكياء يمكن الاستفادة منها ومعالجتها.
فاليهودي الكابالي المؤمن مقتنع أن كتاب "الزوهار" مثلا وحي من الله أملاه نبي من أنبياء بني اسرائيل على أحد الأحبار لتفسير خفايا الكون الواردة بالتوراة, وأن عمره أزيد من ألفي عام.. لكن بالنسبة لغير المؤمنين بالكابالا, فإنه إنتاج فكري لموشي بالقرن الثالث عشر وهو رجل عبقري بلا شك لأن كتابه أثر على ملايين من البشر على مر التاريخ بغض النظر عن محتواه وعقائده.

هل هذا يعني أنه يجب عدم الأخذ بنظريات فرويد؟
من المسائل التي تصيبني بالصداع كتابات البعض حول الحذر من نظريات فلان أو علان لأن أصلها يهودي أو هندوسي أو وثني...
لاعلاقة لأصل النظرية للحكم عليها!!  إن كانت نظرية علمية فيجب عرضها على ميزان العلم وما إذا كانت صحيحة أم خاطئة ...لأنه بالنسبة لنا كمسلمين الديانات التي لا نؤمن بها هي إنتاجات بشرية مبنية على ملاحظات وتخمين وتأمل البشر في محاولة لتفسير كيفية سيرورة الكون.
فإن ورد مثلا باحدى الديانات الوثنية أن الأرض كروية فهل هذا يعني أنه علينا أن نؤمن أن الأرض مسطحة لنخالفهم؟ هم بشر مثلنا وخمنوا وأعملوا عقولهم وتأملوا الكون ووصلوا لنتيجة مفادها أن الأرض كروية ضمنوها معتقداتهم وصنعوا أشكال كروية مثلا عبدوها, وهذا شأنهم ومعتقداتهم...ولكن من الناحية العلمية فإن رأيهم صواب كون الأرض كروية, إلا إن أتبث العلم العكس.
فالغربيون أخذو العديد من التشريعات الاسلامية وضمنوها قوانينهم الوضعية, ولايعني هذا أنهم يعشقون المسلمين بل لأنه بالنسبة لهم إنتاج إنساني لحضارة من الحضارات به الكثير مما يمكن الاستفادة منه..

إذن نظريات فرويد ذات الأصل اليهودي هل هي علميا معتبرة؟
الإجابة: قليل منها جدا كذلك وأغلبها متجاوز وتبث خطؤه "علميا" بغض النظر عن أصله اليهودي البوذي الهندوسي...

يجب أن يكون حكمنا للأمور "واقعيا" كما أفضل أن أطلق عليه, بعيدا عن الحس المؤامراتي الذي ابتلينا به.

هل كان فرويد يهوديا أم ملحدا؟
كان فرويد يطلق على نفسه لقب اليهودي الملحد.

لاتعد اليهودية مجرد ديانة ومعتقدات يعتنقها الإنسان فهي بالنسبة لليهود هوية متكاملة وعلى خلاف الإسلام والمسيحية فإن اليهودية تتحدد منذ الولادة, حيث يعتبر كل مولود من أم يهودية يهوديا حتى وإن ترك دينه لأنه يبقى من بني اسرائيل ومن شعب الله المختار حسب معتقداتهم, ولا يعتبر كل إنسان ولد لأم غير يهودية يهوديا حتى وإن اعتنق دينهم, فاليهودية ديانة غير تبشيرية عكس المسيحية والإسلام.
لذا ستجد عددا من الملاحدة اليهود يقدمون أنفسهم على أنهم يهود ملاحدة  فهم يقصدون باليهودي كعرق أو اثنية, في حين لن تجد من يقدم نفسه على أنه ملحد مسلم أو مسيحي.
لقد كان فرويد يشير ليهوديته ويعتز بها كل حين فهو مستوعب لحقيقة أن شطحاته في الدين لن تنفي عنه هذه الهوية, وقد غذى هذا الشعور بالإنتماء النظرة الأوربية في ذلك الوقت التي رأت اليهودية صفة ملازمة لليهودي حتى وإن تخلى عن دينه كما حدث مع ألفرد أدلر وإريك إريكسون وغيرهما, مما جعلهم يتكتلون كعرقية وليس كطائفة دينية, أي أن فرويد عندما كان يدافع عن شعبه اليهودي فلأنها بالنسبة له هويته الاجتماعية وليست مجرد ديانة أو معتقد يمكن التخلي عنه والتبرء منه...تماما كما يتكثل أبناء الأقليات في أي بلد دفاعا عن أنفسهم.

هل كان فرويد صهيونيا؟
إن قلت نعم وسكتت, فهذا مثل قراءة الآية منقوصة: ويل للمصلين.
عاش فرويد في حقبة عرفت اضطهادا لليهود بأوربا, حيث كانت تشن حملات عدوانية كحرق محلاتهم وحتى قتل وتنكيل بهم في بعض الأحيان ولم تكن الدول الأوربية الشرقية تدافع عن مواطنيها اليهود بالشكل اللازم بل كانت تخلق جوا من الميز العنصري ضدهم, ففضل عدد كبير منهم التحول للدين المسيحي مثل عالم النفس ألفرد أدلر الذي لم يشفع له تحوله للدين المسيحي من إغلاق عيادته من طرف النازيين لأن علمه بالنسبة لهم "علم يهودي", كما كان يقوم بعض اليهود  بتنشئة أبنائهم على الدين المسيحي لينذمجوا وسط المجتمع الأوربي بدل العيش في تجمعات يهودية منعزلة تجلب لهم الوبال, في حين فضل آخرون الهجرة إلى أمريكا هربا من النازيين كما فعل ألفرد أدلر واريك اريكسون وأينشتاين وغيرهم الكثير...
كان فرويد ناقما على هذا الوضع وكان يؤكد كل حين أنه يهودي مفتخر بإنتمائه الثقافي, وقد انضم لعدة تنظيمات يهودية, وكان ينصح الآباء بعدم تحويل أبنائهم للدين المسيحي لأن اليهودية حسب ما جاء في رسائله "تحمل عمقا وأسرار أكبر", وقد كان عضوا شرفيا بالصهيونية, ولا ننسى أن الصهيونية في عهد فرويد كانت في بداياتها ولم يكن الصراع العربي اليهودي قد احتدم بقوة.
كان فرويد يرغب في أن يكون للقومية اليهودية دولتهم الخاصة وقد كان من بين المقترحات أوغندا, أي أن فرويد كان موافقا مبدئيا على الاستيلاء على دولة مواطنين آخرين, ولكنه كان يعارض أن تقام بدولة فلسطين ليس لأنه يحب المسلمين بل كان يعارض أن تقام دولة يهودية بأي دولة بها مقدسات دينية لأقوام آخرين تخلق صراعا مطولا معهم.

ولأنه ملحد فلا تهمه المقدسات التاريخية ولا الهيكل ولا حائط المبكى ولا أرض الميعاد, لأن رأيه كان أن اليهود متفوقون بعقولهم وفكرهم وتراثهم وبالتالي يجب إنشاء دولة قوية بعيدا عن صراعات لا طائل من ورائها حسب رأيه
وهذا يظهر جليا في رسالته التي رد فيها على أحد الصهاينة الذين طالبوه بتوقيع عريضة استنكار وإدانة للعرب وتقديمها لبريطانيا عن أحداث 1929 بفلسطين, حيث وقع اشتباك عنيف بين اليهود المستوطنين والمسلمين بسبب حائط البراق, الذي حاول اليهود المهاجرون الاستيلاء عليه.
ولأن فرويد كان يتساءل طوال حياته سبب الكره والحقد الذي يطاله وشعبه بأوربا والذي عجز عن إيجاد تفسير تاريخي شامل له, أشعره فتح صراع جديد وأحقاد جديدة على شعبه من طرف فئات جديدة بالعالم  بالأسى.

فكتب فرويد الآتي في رده:

"لا أستطيع القيام بما ترغب فيه (توقيع العريضة) أنا غير قادر على تجاوز شعوري بالنفور من إقحام اسمي لدى العامة, وحتى في هذه اللحظات لا يبدو لي الأمر مبررا.
كل من يرغب في التأثير على الجماهير عليه أن يقدم لهم أمرا مثيرا ومحفزا في حين أن حكمي الرصين على الصهيونية ليس كذلك, بكل تأكيد أتعاطف مع أهداف الصهيونية وفخور بجامعتنا بالقدس ومسرور لرخاء مستوطناتنا, لكن من ناحية أخرى لا أعتقد مطلقا أن فلسطين يمكن أن تصير دولة يهودية, فلا العالمين المسيحي والإسلامي على استعداد بأن تخضع أماكنهم المقدسة لوصاية اليهود. كان يبدو أكثر عقلانية أن تقام دولة يهودية في منطقة أخف ثقلا من الناحية التاريخية, لكنني أعلم أن وجهة نظر عقلانية كهذه ما كانت لتثير حماس الجماهير ولا الدعم المالي من الأثرياء.
أنا أعترف بكل أسى أن تعصب شعبنا الأعمى يتحمل جزء من اللوم في إيقاظ مشاعر عدم الثقة بنا لدى العرب. لا يمكنني أن أبدي أي مشاعر بالتعاطف بالمرة مع التدين الخاطئ الذي حول جزء من جدار هيروديان (حائط البراق) إلى مقدسات وطنية, وبالتالي الإساءة لمشاعر السكان الأصليين.
والآن احكم بنفسك, وبوجهات نظري المحرجة, ما إذا كنت أنا هو الشخص المناسب الذي تقدمه كعزاء لشعبنا المخدوع بالآمال الكاذبة.

خادمك المطيع فرويد."  

Vienna: 26 February 1930: Letter to the Keren Hajessod (Dr. Chaim Koffler)

التعليقات

  1. مقال رائع جدا! أفهم اﻵن سر أفكار فرويد المتخبطة..

    ردحذف