سيغموند فرويد والكابالا اليهودية (الجزء الأول)

3
لا يعد إنتماء فرويد لليهودية والخلفية الدينية لنظرياته سرا من الأسرار إذ سال مداد كثير حول هذا الموضوع منذ عقود مضت وألفت كتب ونشرت مقالات لكتّاب يهود وغير يهود حتى لكان يطلق على علم النفس الفرويدي في ألمانيا النازية لقب "العلم اليهودي".
وأحرق النازيون مؤلفاته وفر فرويد إبانها لبريطانيا.
إلا أنني لاحظت في المقالات العربية نوعان إما دفاع مستميت وتبجيل حد القدسية للعالم أو تهويل وحس مؤامراتي حول الخلفية اليهودية له, فيما تنذر الكتابات المحايدة, لذا بدا لي أن أتناول الموضوع في جزئين بشيء من الواقعية, بعيدا عن التهويل والتبجيل.

ولابد بداية وفي هذه التدوينة من شرح بعض من أفكار الكابالا اليهودية التي استوحى فرويد منها لصياغة أهم نظرياته, وإن كنت عزيزي القارئ ملما بنظريات فرويد فإنه سيتجلى لك أوجه الشبه بين علم النفس التحليلي والكبالا بكل سهولة.

ما هي الكابالا؟
الكابالا أو القبالا من الاستقبال ويمكن ترجمتها بالتقاليد, مدرسة فكرية تمثل الجانب الروحاني الباطني من الديانة اليهودية (صوفية), تتمحور حول ما يطلقون عليه أسرار الخالق والخلق والكون, نضجت أفكارها على مر الزمن بين يهود أوربا بالقرون الوسطى خصوصا يهود الأندلس, حيث كان الأحبار يضيفون كل حين أفكار وتعاليم جديدة يتناقلونها بسرية من جيل لجيل شفهيا حيث جرت التقاليد ألا يدرس الكابالا إلا الرجال اليهود الذين بلغوا سن الأربعين من العمر من دون النساء, إلا أنها صارت حاليا بمتناول الجميع.

وللكابالا عدة كتب أهمها على الاطلاق كتاب "الزوهار" تعني الضياء, والذي ظهر بالقرن الثالث عشر ميلادي بالأندلس على يد الحبر موشي بن شيم حيث ادعى أنه عثر على النصوص الأصلية التي ألفها الحبر شمعون بن يوحاي بالقرن الثاني قبل الميلاد, أملاه عليه أحد أنبياء بني إسرائيل طوال اثني عشر عاما, أثناء إختفائه بالسرداب قصد شرح المعاني الباطنية للتوراة, في حين يرى بعض المؤرخين اليهود غير الكباليين أن موشي هو مؤلفه الحقيقي ضمّنه أفكار السابقين وأن ادعاءاته بالعثور على النصوص الأصلية باطلة, وأن الزوهار ما هو إلا كتاب منحول.
طبعا لا يؤمن كل اليهود بالكابالا, ويمكننا أن نشبه المسألة بالصوفية والعرفان في الإسلام, حيث لا يهتم كل المسلمون بهما.
علي أي فإن الزوهار يتكون من عدة أقسام تتناول شرح معاني التوراة الخفية حسب المعتقد ومواضيع روحانية من قبيل الله وصفاته وشرح معاني أسمائه اليهودية وتجلياته, والكون, والروح والخير والشر إلى آخره من الموضوعات التي تناقشها مختلف العقائد الدينية عموما...ويهدف الزوهار حسب معتنقي الكابالا لاستكشاف الذات للوصول لأعلى درجات الروحانية.
تنقسم مجالات دراسة الكابالا إلى ثلاث مجالات:
1- كابالا نظرية: تتطرق للمجال الفلسفي الروحاني وتناقش مختلف المواضيع كما بكتاب الزوهار.
2- كابالا تأملية: وهو المجال الذي يتطرق للممارسات التأملية التي يكون الغرض منها التوحد مع الله من خلال التأمل والوصول لأعلى مراتب الروحانية, وهناك عدة رواد لعدة طرق (صوفية) يهودية.
3- كابالا عملية: وهو المجال الذي يتطرق للطقوس العملية السحرية, والذي يكون عبارة عن طلاسم وتعويذات وطقوس لجلب الحظ والثروة والحب ونحوه, ويرفض عدد من الكباليين التطرق لهذا المجال. (يمكن تشبيه الأمر بكتاب شمس المعارف الكبرى)

وسأتناول المجال الفلسفي الذي يهمنا طبعا:

مفهوم الله في الكابالا:
بالنسبة للكباليين فإن للذات الالهية جانبا ظاهريا وباطنيا خفيا, فالجانب الظاهر هو الجانب الذي تتناوله التوراة بشكل مباشر عن علاقة الله بمخلوقاته, في حين أن الجانب الخفي الذي تتعرض له الكبالا هو الذات الالهية بحد ذاتها وجوهرها ويطلقون على هذا الجوهر "عين سوف" والتي تعني اللامتناهي الأزلي الخارج عن حدود الزمان والمكان, ولا يمكن للعقل استيعابه ولا فهمه, وينزه الكباليون عين سوف من أي لقب أو اسم أو صفة, ويتجلى عين سوف للكون بانبثاقات عشر يطلق عيها "سفيروت", وهي سمات إلهية تتفاعل فيما بينها بالكون, وهي أساس الخلق.

كابالا
1- تاج (كيتير بالعبرية): أول انبثاق من نور عين سوف ولُقب بالتاج لأنه يقع فوق الرأس رمزا لما هو فوق وخارج نطاق العقل... نقطة الخلق الأولى ويمثل الوعي الخالص لاتصاله بنور عين سوف (الإله)... ويُشار إليه بالأب بمعنى الأصل.
2- حكمة (حوخما): انبثاق ينهل من التاج وهو أولى بذرات الوجود الحقيقي بالعالم, ويمثل الحكمة الإلهية والبصيرة والحدس الذي يومض من الوعي الصافي والذي يسبق التفكير والتحليل,  ينهل من الوعي الخالص "التاج"...سمة ذكورية يُشار إليها بالابن بمعنى البذرة.
3- فهم (بينا): ثالث انبثاق واعي يتسلم مشعل نور الحكمة وهو الاستقرار والهدوء الذي يغذي بذرة الحكمة وينميها, فومضات حدس وبصيرة الحكمة تُستوعب وتحلل بانبثاق الفهم...سمة أنثوية يشار إليها بالأم بمعنى الحاضنة لبذرة الحكمة.
0- معرفة (داث): ليتميز الكباليون اليهود عن ثالوث المسيحية أضافوا المعرفة بوسط الرسم التخطيطي وهي لا تمثل انبثاقا وإنما انعكاسا لكل الانبثاقات, والنتيجة النهائية لتفاعلها وهي صورة لاواعية من التاج الواعي.
4- رحمة (حيسيد): انبثاق ينشأ من تدفق الثالوث الواعي (تاج- حكمة- فهم) وهو أول انبثاق بالعالم المحسوس العاطفي ويمثل الخير اللامحدود كالعدل والحب والكرم وغيرها من سمات الخير... وهي سمة ذكورية.
5- شدة (غيفورا): انبثاق من العالم المحسوس العاطفي يلي الرحمة ويمثل القوة والشجاعة والدفاع عن الحدود, هي القوة التي تسعى للتغلب على القيود والخصوم, ومعاقبتهم والانتقام منهم وتتضمن بذرة من الشر...وهي سمة أنثوية.
6- جمال (تيفيريت): جمال أو تناغم أو تناسق انبثاق يدمج بين (رحمة - شدة) وهي التي تعطي الانسجام والتوازن بين مختلف الانبثاقات لذا هي تتوسط الرسم البياني لأنها تكوّن أناة الإنسان التي تناغم بين الرحمة والشدة.
7- نصر (نيتساح): مكان العواطف والمشاعر التي تحفز الإبداع والعمل, إذ يتلقى انبثاق النصر من نور انبثاق الجمال لتبدأ المرحلة العملية بالنسبة للإنسان والتعبير عن أناه التي تكونت في انبثاق الجمال...سمة ذكورية.
8- مجد (هود): انبثاق يعمل إلى جانب النصر بالتحكم به وإعطائه دفعة أكثر عملية للعمل بشكل متوازن نحو تحقيق الأهداف والمجد...سمة أنثوية.

9- أساس (ياسوود): تمر كل الانبثاقات الثمان في الأساس ليعطيها قالبا ماديا ويدفع بها للملكوث, فهو يعطي الإنسان قدرة على التواصل مع بقية الانبثاقات وترجمتها, طاقة خفية تعمل على تحفيز الأجسام المادية والطاقة الجنسية, وهو يرتبط بالقضيب الذكري.

10- ملكوت (ملخوت): هو العالم المادي الذي يعيشه الإنسان والذي تتمظهر فيه بقية الانبثاقات.
أنواع الروح الإنسانية بالكابالا:
تنقسم الروح عند الكباليين إلى خمسة أقسام:
1- نفس (نفيش): هي النفس الدنيا الحيوانية, والمستوى الخفيض من الوعي وتمثل الإدراك بالعالم المادي المحسوس الحاضن لمختلف الغرائز والشهوات الحيوانية, وبهذا المستوى من الروح يدرك الإنسان ويعي فقط لاحتياجاته التي يشترك فيها مع الحيوان.
2- روح (راوخ): هي الروح الإنسانية والمستوى الأعلى من (النفس)  والتي تمثل عالم العواطف والأفكار وبالروح تبنى الأنا لدى الإنسان الذي تميزه عن بقية الكائنات, وبهذا المستوى يدرك الإنسان أن له هدفا من وجوده.
3- نسمة (نشامة): مقر الأفكار العليا ومستوى أعلى من (الروح) ووعي جد مرتفع يمكنه من استخلاص جوهر الأمور والتركيز على المفاهيم الإلهية والحكم من الوجود.
4- حياة (خياه): مستوى أعلى مجددا من الوعي ويمثل الوعي الصافي بالأنا.
5- وحدة (يهيدا): المستوى النهائي والذي يتوحد فيه الإنسان مع الله.

حسب  كتاب الزوهار فإن المستوى الأول (نفس) يتواجد عند الحيوان أيضا, والمستويين الثاني والثالث (روح - نسمة) يتوافران لدى جميع البشر ولكن يتطوران أكثر عند من يتلقى نوره من الله, في حين أن المستويين الأخيرين لا يمكن أن يصلهما إلا من تلقى أعلى درجات الوعي الروحاني من الكباليين اليهود والأنبياء.
منهجية تفسير التوراة بالكابالا:
اعتمد الكباليون في تفسير التوراة على منهجية الأولين لاستنباط المعاني الخفية له حسب اعتقادهم, فقد أخذوا من أدبيات "المدراش" وهي إنتاجات الأحبار الذين سبقوا الكباليين في تفسير التوراة واستخلاص الأحكام  منه (مثل كتب الفقه والتفسير عند المسلمين).
يحتوي التوراة على قصص وأحكام متناقضة المعاني وأخرى بمعاني غير واضحة, فعمد الأحبار على محاولة التوفيق فيما بينها واستخلاص العبر الموحدة من النصوص المقدسة عبر منهجية مقسمة لثلاثة أقسام:
1- إعادة صياغة النص: وهي إعادة لصياغة النصوص المقدسة بلغة مختلفة تغير المعنى الظاهر.
2- التنبؤ: وهي قراءة استشرافية مستقبلية للنص المقدس على أساس أن أحداثه ليست بنفس الزمن الوارد بالنص.
3- الرمز: تأويل النص أو الكلمات الواردة بالنص المقدس على غير ظاهرها وبأنها رموز لمعاني خفية أخرى.

كانت هذه نبذة مختصرة عن الكبالا يتخبطها بعض الارتباك طبعا لأنني لست ملما بها, ولكنها تعطي فكرة عنها خصوصا ما أود مقارنته مع نظريات فرويد.
و بالجزء الثاني نقارن أوجه الشبه مع إنتاجات فرويد الفكرية. 

التعليقات

  1. موضوع مشوق، بانتظار الجزء الثاني.

    ردحذف
  2. ليس من الغريب تأثر بعض تفسيرات العلماء بشيء من دينهم أو فرقة ما
    انتظر الجزء الثاني اشعر بالفضول لمعرفة مدى تشابه نظريات فرويد بالكابالا

    ردحذف