ما الفرق بين الغريزة والعواطف والانعكاس؟

تعد الغريزة من بين أكثر مواضيع علم النفس جدلا, بنهاية القرن التاسع عشر إلى غاية منتصف القرن العشرين دار سجال بين علماء الأحياء وعلماء النفس في وضع تعاريف لما يمكن اعتباره غريزة وتمييزه عن السلوك المتعلم الذي يكتسبه الكائن لاحقا في مراحل حياته المختلفة, حيث تتداخل السلوكات الغريزية بشكل واسع مربك مع مختلف السلوكات المكتسبة من الوسط البيئي المحيط, وقد ألفت كتب لا حصر لها, ولن تجد أبدا تعريفا واضحا شافيا يتفق عليه الجميع.
اختار بعض العلماء التفصيل بين مختلف أنواع السلوك الغريزي ووضع لكل نوع تعريفا خاصا للتمييز بينه وبين بقية أنواع السلوكات الغريزية.

هل للإنسان غريزة؟
لعل من أوائل من خاض معترك الغرائز وأعطى وهجا للموضوع هو عالم النفس البريطاني المعاصر لفرويد ويونغ ويليام ماكدوغال (1871-1938), الذي عرف الغريزة على أنها سلوكات تختص بكونها موروثة فطرية يولد بها الكائن البشري, عفوية ومستمرة ومتكررة, صنفها لثلاثة أقسام: الإدراك والسلوك والعاطفة, ومن خلال هذا التعريف حاول مكدوغال تعيين السلوكات البشرية الغريزية فعدد 17 غريزة هي: الجوع, الجنس, النفور من بعض المواد, الفضول, الهرب, المشاكسة, الأمومة والأبوة, الود, إتباث الذات, الخضوع, البناء, الاكتساب والتعلم, الصراخ والاستغاثة, الضحك, الارتياح, النوم والاسترخاء, الهجرة.
شارك في هذه الحقبة ماكدوغال علماء نفس آخرون في تحديد السلوكات الغريزية لدى البشر فألفوا الكتب والمجلدات, ووصل عدد السلوكات لعشرة آلاف غريزة.

كان لفرويد قناعة أخرى وفضل إعطاء تحليل شبه فلسفي لموضوع الغريزة, فاقترح فكرة عدم وجود غرائز كما هو مفهومها السائد بذلك العصر بل اعتبرها مجموعة من الدوافع والحوافز, فاعتبر أن للإنسان غريزتين فقط هما: إيروس غريزة الحياة وتضم كل الحوافز التي تهدف نحو البقاء والحفاظ على الذات كالأكل والشرب والجنس, والتعاون مع الآخرين ومختلف السلوكات الخيّرة... وثاناتوس غريزة الموت وتضم كل الحوافز التدميرية كالغضب والعنف ومختلف السلوكات الشريرة, وهدفها هو العودة نحو وضع الجمود والفناء. وحسب فرويد فإن غريزة البقاء والفناء تتصارعان بدواخل الكائن الحي.

اقرأ عن نظرية فرويد للأنا والهو والأنا الأعلى

من جهة أخرى كان رواد المدرسة السلوكية المتطرفة غير مقتنعين بالمرة بتفسيرات المحللين النفسيين, من بينهم ثورندايك وواتسون الذي كان يؤمن أن الإنسان ما هو إلا آلة بيولوجية يولد صفحة بيضاء فيكتسب ويتعلم من بيئته مختلف السلوكات ويطور مختلف أنواع المشاعر اتجاه المحيط, لم يؤمن واتسون بالسلوكات الغريزية بل بالانعكاسات أو ردات الفعل التي يولد بها البشر, بمعنى أن كل البشر عند لمسهم لسطح ساخن سيخطفون أيديهم بسرعة كرد فعل وانعكاس, في حين اعتبر واتسون الإنسان يولد بثلاث عواطف فقط: الحب, الخوف والغضب...وانطلاقا من هذه الانفعالات الثلاث تتفرع بقية الانفعالات وتتطور بالتعلم مع مرور الزمن. وبناء عليه فالسلوك الغريزي بالنسبة لواتسون ما هو إلا مجموعة من ردود الفعل المتسلسلة مهما بدا لنا معقدا, وقد كان واتسون يعتقد أن الأمهات يبالغن في إظهار الحب لأطفالهن فقط لأنهن تعلمن ذلك من وسطهن وليس لغريزة لديهن, وقد كان يجري محاضرات للأمهات ينصحهن بالاكتفاء بمصافحة أبنائهن باليد كما يفعل مع أبنائه كي لا يتعلم الأبناء بدورهم التعلق الشديد بأمهاتهم...فكل شيء بالحياة هو مكتسب ومتعلم.

اقرأ عن نظرية واتسون للتعلم.
في خضم النقاشات الحادة والمتناقضة حول الغريزة بين مختلف مدارس علم النفس, كان هناك تيارعلمي يتوهج بالبيولوجيا يدرس سلوك الحيوان بالطبيعة, (علم سلوك الحيوان أو الايثولوجيا) ابتدأ مع رائد علم سلوك الحيوانات النمساوي الحاصل على جائزة نوبل كونراد لورنتس (1903-1989), الذي درس سلوك نوع من الإوز فاكتشف أن الفراخ التي تتبع أمها بعد التفقيس لا تفعل ذلك إدراكا منها بأنها تتبع أمها بل ستتبع أي شيء يتحرك تراه في اليوم الأول من تفقيسها, فبعد أن فصل لورنتس مجموعة من الفراخ عن أمها في الساعات الأولى من تفقيسها تطبعت الفراخ على لورنتس وصارت تتبعه أينما حل وارتحل.
 يرى لورنتس أنه ليس للسلوك الغريزي هدف كما ندركه نحن بعقولنا وكما يفسره فرويد, فالعصفور الذي يبني عشه لا يفعل ذلك بهدف تكوين أسرة بل يفعل ذلك لأن رغبة تجتاحه لبناء عش, مثلما يمارس البشر الجنس ليس لهدف الإنجاب بل للرغبة في ذلك, فدون علم وثقافة لن يدرك الإنسان أن الجنس يؤدي للحمل...أي أننا صرنا ندرك بعقولنا وذكاءنا العقيدة الغائية من وراء السلوك الغريزي ولكن ليس للسلوك الغريزي غاية بنفس الكائن بل تلبية لرغبات لحظية.

بعد ظهور تيار علم سلوك الحيوان بدأت معالم تعريف السلوك الغريزي الحديث  بالبروز, فتم تحديد كل تفاصيل ما يمكن أن نطلق عليه سلوكا غريزيا بدقة ويمكن اختصاره حسب علماء السلوك إلى: ميل ورغبة شديدة فطرية للقيام بسلوك ما معقد, غير متعلم وغير قابل للتغيير, يقوم به كل أفراد الكائن الحي المنتمي لفصيلة محددة أو جنس واحد فقط من الفصيلة ذكرا أو أنثى في مرحلة من مراحل عمره, ويكون السلوك تلقائيا آليا, ولا يتضمن أي تفكير منطقي.

بمعنى أن كل عصافير الحباك ترغب بشدة ببناء عش (رغبة), فيقوم فعلا بحبك عش بشكل متقن (سلوك معقد) ولا يوجد عصفور متمرد قرر العيش متحررا بلا عش (غير قابل للتغيير) ولن نسمع أيضا عن عصفور أخذ دورات تكوينية في كيفية حياكة عش (غير متعلم), كما أن العصفور الذكر فقط من يبني العش بهذه الفصيلة (غريزة الجنس الذكر فقط) بالإضافة لكونه لا يبني عشه إلا عند البلوغ, وبناء العش بالتأكيد يكون تلقائيا, ودون الحاجة لإعمال المنطق.

وبالتالي فإن أردنا إسقاط هذا التعريف المفصل على السلوكات البشرية, فإننا لن نجد أي سلوك بشري معقد ينطبق عليه هذا التعريف.
ففي حين أننا لن نصادف أسدا بقلب مرهف يأكل اللحم الجاهز الذي يحضره بقية الأسود ويرفض رؤية دم الحيوان يراق, أو أسدا عزم على أكل كل شيء وتجريب الجراد واصطياد الكلاب, أو أسدا يجادل في كون الأسود كائنات نباتية وقرر الاكتفاء بالخضر ومصادقة الجواميس...وكلها وإن بدت أمثلة طريفة إن أسقطناها على الأسود, فهي تمثل بالنسبة للبشر واقعا معاشا.
ومن هذا المنطلق أغلق عالم النفس ماسلو الباب على الجميع واعتبر أنه ليس للبشر غرائز, فللغرائز شروط لا تتحقق بالكائن البشري, فلكي نطلق على سلوك ما مسمى غريزة فإنه يجب أن يكون آليا وبلا تفكير, إذ تمكن البشر من تجاوز الغرائز لصالح العقل والتفكير, ولم يتبقى من الغرائز حسب ماسلو إلا الحاجات التي يلبيها كل إنسان بطريقته الخاصة.
اخترع ماسلو مصطلح "الغرائزية Instinctoid" للإشارة لإحتياجات الإنسان الجسدية الأساسية من أكل وشرب ونوم... في حين اعتبر أن بقية الحاجات من رغبة في الانتماء ونشد الحب والقبول وتحقيق الذات لا تلبي شروط السلوك الغريزي كما هو الحال لدى الحيوانات.

اقرأ عن هرم ماسلو للحاجات.

ما الفرق بين الغرائز والعواطف؟
علمنا أن بعض علماء النفس اعتبر العواطف من الغرائز, ولكن مع تطور النظريات لم تعد العواطف تعتبر من الغرائز بل صارت مرتبطة بالسلوك الغريزي قبل بدايته وأثناء حدوثه إلى غاية نهايته, فالعواطف هي المحرك الأساس بالسلوك الغريزي لدى الثديات.

سبق وتحدثت في موضوع سابق عن تعريف العواطف وبعض النظريات بخصوصها, ويمكن اختصارها على أنها تجارب ذاتية تنطوي على الإثارة الفيسيولوجية والتقييم المعرفي, وحدد العلماء المعاصرون عواطف ست أساسية عند الثديات هي: الغضب, الخوف, السرور, التقزز, التفاجؤ, الحزن... تنعكس ملامحها على عضلات وجه الإنسان.
وتعد بقية العواطف الثانوية أكثر تعقيدا وتركيبا من العواطف الرئيسية كالحب والحماس والاحتقار والخجل.

حسب لورنتس فإن السلوك الغريزي يشترط رغبة شديدة في القيام به, كلما اشتدت الرغبة كلما عمد الكائن للسلوك الغريزي ولن يتوقف عن السلوك إلا بعد الشعور بالرضى وانكفاء الرغبة في الاستمرار بالسلوك, وقد فسر ذلك بخطاطة كالتالي:
اقرأ عن العواطف.

عند ولادة الأنثى فإن الجسم يفرز كميات كبيرة من هرمونات الحب, أوكسايتوسين الذي يلعب دورا مهما في عملية الولادة والرضاعة بالإضافة لتقويته الرابط العاطفي بين الأم والوليد...لم يكن الأوكسايتوسين والعديد من الهرمونات قد أكتشفت في حقبة تطوير جون واتسون لنظريته, لذا كانت محاضراته للأمهات بالتقليل من مبالغاتهن في حب أطفالهن غير معقولة بالنسبة لهن.

ما الفرق بين الغرائز والانعكاس؟
- إذا لمست سطحا ساخنا سأخطف يدي بسرعة بشكل لا إرادي.
- وإذا لوحت بيدك قريبا جدا من وجهي سأغمض عيني وأرجع رأسي للخلف لا إراديا.

وغيرها العديد من السلوكات اللاإرادية, والآلية والتي نقوم بها جميعا بلا استثناء وبلا تفكير ولا يمكن لنا تغييرها, ولا تعلمها... أوليست غريزة؟
ليست غريزة لأنها تفتقد لشرط مهم وهو الرغبة في فعل السلوك, فالسلوك الغريزي كما علمنا يتضمن رغبة ملحة للقيام به, وفي حين أن الانعكاسات هي رد فعل عصبي لا إرادي بسيط ويدوم بضع هنيهات, فإن السلوك الغريزي إرادي ويدوم لفترة من الزمن ومعقد كبناء النحل لخليته أوغناء العصافير للحن معين أثناء فترة التزاوج أو مهاجمة الأسد لفريسته.

إذن تلك الأمثلة التي سقتها يطلق عليها مسمى ردات الفعل على منبهات بيئية, وللحيوانات أيضا ردات فعل, فحتى الحيوان إذا لمس سطحا ساخنا سيقفز لاإراديا.

يولد الإنسان بمنعكسات تدوم بضعة أسابيع من حياة الرضيع الأولى وتختفي بعدها, ويتم الاعتماد على اختبار هذه المنعكسات لدى الرضيع لمعرفة ما إذا كان يعاني من مشاكل على مستوى الجهاز العصبي.
من بينها منعكس القبض, حيث يقبض الرضيع على أي شيء يوضع بيده.
منعكس التجذير, يحاول الرضيع مص أي شيء يقترب من فمه, ويتم اختبار المنعكس بوضع الأصبع على خد الرضيع فيدير الرضيع رأسه باتجاه الأصبع.
منعكس مورو, وهو عندما يتم إخافة الرضيع بصوت مرتفع أو منحه شعور أنه سيقع فإنه يمد يديه وساقيه بالهواء, ثم يضمهما إليه بعد فترة وجيزة.
هذه المنعكسات وغيرها لدى الرضيع هدفها البقاء على قيد الحياة, وهي تختفي بعد بضع أسابيع أو أشهر.

إذن عزيزي القارئ هذا مجرد قسم يسير من النظريات, وإن كانت تراودك التساؤلات حول بعض السلوكات البشرية فاقرأ الموضوع الثاني: الفرق بين الفطرة والغريزة.

تعليقات